الدراسات البحثيةالمتخصصة

المجلس الوطني الفلسطيني نهاية أم بداية !

اعداد : بكر أبو بكر –  كاتب وأديب عربي فلسطيني في الفكر والدراسات العربية والاسلامية

  • المركز الديمفراطي العربي

 

يوم الأربعاء بتاريخ 7/3/2017 “استمعت اللجنة التنفيذية الى تقرير من لجنة متابعة تنفيذ قرارات المجلس المركزي في دورته الاخيرة التي عقدت في 15/1/2018 وقررت ما يلي:عقد المجلس الوطني الفلسطيني يوم 30 نيسان /ابريل 2018” ونقول فرحين…. أخيرا؟!

كانت تطرح مسألة عقد دورة جديدة المجلس الوطني الفلسطيني كلما تعب الفلسطينيون من فتح أبواب جديدة في المسارات السياسية سواء الوطنية أو الاقليمية والعالمية، ولولا هذا الارهاق والتعب لما كان المجلس الوطني ليتخذ موقعه في صدارة الاهتمام، لا سيما وقد غطاه الاهمال والنسيان والتجاهل، ولنقل التناسي لمدة 20 عاما حتى يوم اقرار عقده، رغم أنه يمثل سلطة الشعب الفلسطيني المقدرة في الداخل والخارج نظريا، هذا الى كثير من اعتراضاتنا على الانهاك والتحجر والكسل لدرجة الشلل الذي أصابه كما أصاب عديد من اطر (م.ت.ف).

بدلا من أن يكون المجلس الوطني الفلسطيني الذي يمثل الداخل والخارج هو الاطار المقرر طغت مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية، ومنها المجلس التشريعي في دورته الاولى، والثانية الى أن توقف عمل “التشريعي” لسبب الانقلاب وتحول المجلس الوطني الفلسطيني ليتخذ الدور التشريفي والشكلي .

وكأن دورة المجلس الأخيرة وهي الدورة 21 التي عقدت في غزة عام 1996 لتقر انشاء السلطة الوطنية الفلسطينية اعلان لسبات طويل او اعلانلنهاية اجتماعات هذا المجلس الذي تحول منذ تلك الفترة الى قطعة زينة (ديكور) يتم التغني بها، ولم يتبقى لها إلا نشاط رئاسة المجلس بالبيانات والاجتماعات والزيارات الهامة التي نقدرها في المحافل البرلمانية العربية والدولية والتي لولاها لكانت فلسطين غائبة ومغفلة كليا، ولكن هذه الفعاليات على أهميتها لم تكن لتغني أبدا عن الانعقاد السنوي أو كل 3 سنوات لل”مجلس”، وها نحن ندخل بالعام الواحد والعشرين..

الصرخات العديدة التي دعت لانعقاد المجلس-ما قبل الاقرار- لم تكن جديدة أبدا، وهي تلك المرتبطة بإصلاح وتجديد وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية، فمنذ اتفاق الفصائل في القاهرة على انشاء لجنة تفعيل المنظمة عام 2005، والتي تسميها بعض الفصائل اليوم (اللجنة القيادية المؤقتة) وما تلاها من اتفاقيات للمصالحة الوطنية التي اعقبت انقلاب حماس (تسمية حماس “الحسم العسكري”) على غزة عام 2007 هذه الصرخات هي تكرار للإعلان عن عمق الجرح الوطني الفلسطيني فالقطع باليد والألم في الأحشاء.

الصرخات التي لم تفد معها ثلاثة حروب عدوانية على غزة، ولا غضبة القدس عام 2014 ثم غضبة بوابات الاقصى عام 2017 والحراك المناهض لقرار “ترمب” المشؤوم،هل يفيد معها عقد المجلس الوطني الفلسطيني تجاوزا للانقلاب والانقسام؟ سواء الفلسطيني أوتجاوزا للانقسام في عالمنا العربي والإقليم المتشظي بين نار الطائفية المبتدعة اسرائيليا وغربيا ونار المصالح التسلطية لأنظمة ألقت برفاه شعوبها في الجحيم تأمينا لهيمنتها وسلطانها تمد اليد لهذا أو ذاك من أساطير العقلية والغربية الاستعمارية؟

رغم هذه التساؤلات أعلاه نقول: كيف لنا أن نقول جزى الله “ترمب” خيرا؟ إذ رُبّ ضارة نافعة، فجاء قراره الصادم لدفن القضية الفلسطينية، ايذانا بعقد المجلس رفضا لنقل السفارة وصفعة القرن.[1]

ساحر أم عبقري ام معجزة:

التساؤلات حول الصرخات مشروعة، لأن الأمة وفيها الشعب الفلسطيني تبحث عن حلول للخروج من المعضلة والمأزق الرهيب الذي قد يحتاج إما لساحر وإما لعبقري وإما لمعجزة إلهية ؟ فهل ننتظر أم نصرخ أم نقدم الخطوات تلو الخطوات على طريق التغيير المنشود يدا بيد وكتفا بكتف؟

في اطلالة على المجلس الوطني الفلسطيني دعونا نجيب على مجموعة من الأسئلة لربما أجبت عن بعضها في أحد البرامج الحوارية في فلسطين. وهي لماذا المجلس الوطني الفلسطيني؟ وما هي محطات الاجماع والاجتماع الفلسطينية؟ مع مسرد سريع لأهم المحطات البارزة في المجلس الوطني الحالي الذي نشأ عام 1964،لنعقب ذلك بالتعرض للمعضلة والمخاطر أمامنا ما بين الانسداد الداخلي والابتعاد العربي ثم النكوص الامريكي والغربي وصولا لمحاولة عرض البدائل والخيارات المتاحة.

  • لماذا المجلس الوطني الفلسطيني ؟

إن منظمة التحرير الفلسطينية وإطارها التشريعي المجلس الوطني الفلسطيني واجب الانعقاد الدوري يمثل السلطة التشريعية الأولى للشعب الفلسطيني، ففي حين انتزعت (المنظمة) صفة أنها (الممثل الشرعي والوحيد) فإن هذه الشرعية تأتي من خلال التمثيل عبر (المجلس).

المنظمة والمجلس هما بيت الفلسطينين بالعالم ، ففي حين لا يمثل المجلس التشريعي إلا فئة قليلة من الفلسطينيين بالعالم، وهم المواطنين بالضفة ومنها القدس وفي غزة،ما تشكل دولة فلسطين بحدود 1967 فقط، فإن ولاية المجلس الوطني الفلسطيني تعني بكل فلسطينييالعالم وهي معنية بتمثيله تمثيلا حقيقيا.

لكل فلسطيني بالعالم الحق أن يصرخ ويُسمع صوته ضمن الإطار الجامع الذي أصابه الهزال والتآكل لعشرين عاما نعم، وعليه قامت محاولات عديدة لتجاوزه أو احيائه لكنها في غالبها لم تستطع أن تلقيه خلف ظهرها أبدا.

ما يعني رغم ذلك أن حاجتنا للدماء الجديدة في التصورات والخطط والأفكار والبرامج والآليات بل والأشخاص واجبه ضمن هذا الوعاء الواسع للـ 12 مليون فلسطيني، أي المجلس الوطني الفلسطيني ضمن منظمة التحرير الفلسطينية.

عقد جلسة المجلس الوطني الفلسطيني هو حلم طال انتظاره! حيث لعبت في تأجيله تداخلات الإقليم، وضغوط المرحلة، وإهمال السياسيين الى حد قهرها للإطار التي تعني وجوب تشنيف الأذن للاستماع للصوت الآخر،ولا أحد يبغي أن يستمع للآخر لا سيما بعد الانقلاب الدموي في غزة.

عقد جلسة أو دورة المجلس واجبة من عشرين عاما، فهل نظل ننتظر ونضع العوائق أم نفكر بكيفية الحل وتمهيد الأرضية والسُبُل، وعلى الاقل نحن منذ اجتماع بيروت الذي حضرته جميع فصائل المنظمة وتلك التي خارجها في شهر يناير 2017 ما زلنا ننتظر ؟

المجلس الوطني الفلسطيني هو الذي أنشأ السلطة عام 1996، وهو من يملك قرار تجاوزها لو شاء، لكن السلطة ابتلعته كما ابتلعت المنظمة ، فهل لنا أن نخرج المنظمة والمجلس من فم الحوت؟ ونعمل معا لاستعادة المنظمة والمجلس من أسر السلطة هذا ما يتوجب علينا التفكير به بشكل جماعي .

محطات الاجماع الفلسطيني:

استطاع الشعب العربي الفلسطيني أن يدرك حجم الهجمة الصهيونية على فلسطين والمتآزرة مع الاستعمار الانجليزي منذ أواخر الدولة العثمانية، وبدايات الهجرة المنظمة من يهود العالم الى فلسطين وعلى قلتها آنذاك إلا أن ناقوس الخطر دُقّ بيد العرب الفلسطينيين.

وفي اطار الرفض للدخلاء قامت الحركة الجماهيرية الفلسطينية والعربية بالكثير الذي كان منه في الإطار الجامع تشكيل (المؤتمر العربي الفلسطيني) الذي عقد في فلسطين 7 مؤتمرات ما بين الاعوام (1919 – 1928) وفي محاولات أخرى متعثرة لاحقه كان للحاج أمين الحسيني السبق في اعلان استقلال فلسطين في المجلس الوطني الفلسطيني الذي عقد في غزة عام 1948 ليقرر فلسطين بحدودها التاريخية، ويشكل حكومة عموم فلسطين،ويعتمد   علم الثورة العربية الكبرى (ثورة 1916 ضد الاستبداد العثماني) علما لفلسطين.

إلا أن فعالية المؤتمر الذي عقده الحاج أمين الحسيني أو الحكومة لم تتعدى التمثيل بالجامعة العربية وإصدار جوازات سفر، إلى أن استطاع أحمد أسعد الشقيري أن يجند كل الطاقات الفلسطينية عام 1964 في عقد المجلس الوطني الفلسطيني الأول في مدينة القدس وهو المجلس الذي نتحدث عنه الذي يشكل الاطار التشريعي لمنظمة التحرير الفلسطينية (م.ت.ف) .

المحطات البارزة في تاريخ المجلس:

يمكننا النظر لمحطات متعددة منذ انشاء المجلس والمنظمة عام 1964 الى الدورة 21 عام 1996 (أو الطارئة لاستكمال اللجنة التنفيذية عام 2009)، وهي محطات ارتبطت بمتغيرات مسيرة الثورة الفلسطينية والنضال الوطني الفلسطيني والتي أبرزها 6 محطات كالتالي :

  • تأسيس المنظمة عام 1964 : استطاع أحمد الشقيري بحنكته السياسية أن يتوسع بالقرار العربي الذي يتيح له تنظيم الشعب الفلسطيني من خلال إجراء سلسلة من اللقاءات والمشاورات مع الفلسطينيين المتوزعين بالدول العربية والعالم ليشكل العضوية للمجلس الوطني الفلسطيني الاول الذي ضم 422 عضوا، وعقد بالقدس في 13 يناير 1964 .

عبر عقد المجلس استطاع الشقيري فرض منظمة التحرير الفلسطينية ككيان تمثيلي للشعب الفلسطيني الذي أريد له بعد النكبة عام 1948 أن يذوي ويذل ويتلاشى وفق مقولة رئيس المؤتمر اليهودي (ناحوم غولدمان) (الكبار يموتون والصغار ينسون).

وترأس الشقيري اللجنة التنفيذية للمنظمة، وتم بالاجتماع إعلان (الميثاق القومي الفلسطيني) الذي تحول الى (الميثاق الوطني الفلسطيني) بعد دخول الفصائل الثورية للمنظمة، و(النظام الأساسي) للمنظمة،وانشاء (الصندوق القومي الفلسطيني) وتشكيل (قوات التحرير الشعبية).

  • في الدورة الخامسة للمجلس الوطني الفلسطيني عام 1969 التي عقدت بالقاهرة كان التغيير الكبير حيث كان نجم حركة التحرير الوطني الفلسطيني- فتح وياسرعرفات قد صعد بعد النكسة عام 1967، وخلف يحيى حموده أحمد الشقيري الذي قدم استقالته، وليتبعه ياسرعرفات منذ العام 1969 حتى استشهاده عام 2004.

كانت اللجنة التنفيذية بعد النكسة المريرة في 25/12/1967 وبعد استقالة احمد الشقيري قد أصدرت بيانا أعلنت فيه أنها ستعمل بالتعاون مع جميع القوى الفلسطينية المقاتلة على إقامة مجلس وطني لمنظمة التحرير تنبثق عنه قيادة جماعية مسؤولة تعمل على تصعيد النضال المسلح وتوحيده وتحقيق الوحدة الوطنية، وتعبئة الجهود القومية، وتطوير أجهزة المنظمة بما تتطلبه المرحلة الراهنة.

تم انتخاب اللجنة التنفيذية الجديدة بالمؤتمر الخامس وتألفت من: 1-ياسر عرفات 2- فاروق القدومي 3-خالد الحسن 4- كمال ناصر* 5- ابراهيم بكر 6- حامد أبو ستة 7- ياسر عمرو 8- محمد يوسف النجار* 9-يوسف البرجي 10- أحمد الشهابي.كما أعاد انتخاب عبد المجيد شومان رئيساً لمجلس إدارة الصندوق القومي وعضواً في اللجنة التنفيذية.

  • الدورة (12) عام 1974 (البرنامج المرحلي) : وتمثل هذه الدورة المواجهة التي حصلت بين برنامجين الأول يصر على العمل العسكري وهدف تحرير كل فلسطين، والثاني آمن بالفكر المرحلي و”الواقعية السياسية” وفهم المتغيرات والمستجدات، وهو الفكر الذي تبنته عدد من الفصائل مع حركة فتح اثر خروج مصر من معادلة الحرب بعد انتصار العام 1973 في حرب أكتوبر/رمضان المجيدة، فتبنت الدورة برنامج النقاط العشرالذي نص فيما نص عليه علي (اقامة السلطة الوطنية المستقلة والمقاتلة للشعب الفلسطيني على أي جزء يتم تحريره أو استرداده، من الارض الفلسطينية ).
  • الدورة (17) القرار الوطني المستقل عام 1984 والتي عقدت في عمان وهي الدورة التي جاءت على خلفية استعصاء عقد المجلس لسبب التدخلالت السورية والعربية في القرار الفلسطيني المستقل، وإثر الانشقاق الكبير على حركة فتح، فعقدت الدورة في الاردن بعمان 22-29 / تشرين ثاني / 1984 وكان من قراراتها فيما يتعلق بالوحدة الوطنية نصا:

((1- ان الوحدة الوطنية هي وحدة الشعب أولا داخل وخارج أرضنا المحتلة . وشعبنا الذي اثبت أصالته والتفافه وحمايته لمسيرته الوطنية ، ولمنظمة التحرير الفلسطينية بالتنظيمات الشعبية والتنظيمات المسلحة ، بجانب الشخصيات الوطنية الفاعلة ، وهي بمجموعها تمارس النضال بكافة أشكاله وأساليبه من اجل إحقاق الحقوق الوطنية الثابتة لشعبنا الفلسطيني .

2- ان اللجوء الى السلاح، واستخدام العنف ، بهدف فرض نتائج معنية داخل صفوف الثورة، هو خروج على مقررات المجلس الوطني الفلسطيني، التي أكدت على مبدأ الحوار الديمقراطي، وتهديد لمسيرة الثورة الفلسطينية ووحدتها .

3- إدانة كافة المحاولات التخريبية الهادفة الى شق منظمة التحرير الفلسطينية، وتمزيق صفوفها، او اصطناع قيادات بديلة عنها، وتأكيد التمسك بوحدة المنظمة وشرعية مؤسساتها . ويدين المجلس إدانة كاملة ما جرى ضد شعبنا الفلسطيني واللبناني ولقواته المقاتلة في البقاع والجبل وبعلبك ومخيم الجليل، وخاصة الحصار المزدوج لمخيمي نهر البارد والبداوي ومدينة طرابلس.)) والتي أقرت التمسك بالقرار الوطني الفلسطيني المستقل، والحوار الديمقراطي، وبالمنظمة ممثلا شرعيا ووحيدا، وبرفض اللجوء للسلاح في حل الخلافات، والاستمرار بالحوار الوطني الشامل.

  • الدورة 19: دورة اعلان الاستقلال الفلسطيني والتي جاءت كثمرة للانتفاضة الفلسطينية الباسلة (1987-1993) حيث كما جاء في البيان السياسي :(توجت هذه الدورة بإعلان قيام الدولة الفلسطينية على أرضنا الفلسطينية باعتبار ذلك التتويج الطبيعي لنضال شعبي جسور وعنيد، تواصل اكثر من سبعين عاما وتعهد بالتضحيات الجسام التي قدمها شعبنا في ارض الوطن وعلى حدوده .. وفي كل مخيمات ومناطق الشتات. وتميزت الدورة بتخصيصها للانتفاضة الوطنية الفلسطينية الكبرى باعتبارها من أبرز الأحداث الكفاحية في تاريخ ثورة الشعب الفلسطيني المعاصرة بجانب الصمود والملحمي لاهلنا في مخيماتهم داخل وخارج أرضنا المحتلة.)
  • الدورة21 في غزة عام 1996: حيث ذكر البيان الختامي أنه ((بعد واحد وثلاثين عاما يعود المجلس الوطني الفلسطيني الى ارض الوطن المحررة ليعقد دورته الحادية والعشرين، فاتحا بذلك صفحة جديدة ومشرقة في تاريخ الشعب الفلسطيني ، صفحة بناء السلطة الوطنية على ارض فلسطين، باعتبارها النواة الصلبة والقاعدة الراسخة لدولة فلسطين المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.))،وحيث تم اقرار السلطة الوطنية الفلسطينية واقرار الانتخابات التشريعية والرئاسية.

وتم أيضا اقرار التالي نصا: ((أولا – تعديل الميثاق الوطني بإلغاء المواد التي تتعارض مع الرسائل المتبادلة بين منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة “اسرائيل” يومي 9 ، 10 أيلول 1993.ثانيا : يكلف المجلس الوطني الفلسطيني اللجنة القانونية بإعادة صياغة الميثاق الوطني ويتم عرضها على المجلس المركزي في أول اجتماع له .وانتهت الجلسة في ساعة متأخرة من يوم 24/4/1996م)).

مخاطر المرحلة الحالية:

تتمثل مخاطر المرحلة الحالية بعد 20 عاما من انعقاد آخر جلسة وبعد أكثر من 10 سنوات من انقلاب حماس وبعد أشهر عديدة من اجتماع بيروت حول المنظمة من أن الاقليم يعيش انقلابا لم يسبق له مثيل ولم نخرج نحن من هذا الانقلاب إلا مثخنين بالجراح الى ما أصابنا من جراح سابقا تمثل بتعدد المنابر والبرامج والافتراق الوطني الجغرافي والنفسي .

إن الابتعاد العربي والنكوص الامريكي (خاصة بعد التحالف اليميني الاسرائيلي الامريكي إثر مجيء الرئيس “ترمب”) مع الانسداد الداخلي شكل ثلاثية المعضلة التي تعيشها القضية الفلسطينية اليوم وتركت هذه المعضلة بصماتها في آليات اتخاذ القرار المتوجب الانتقال فيها من حالة الارتباك الى حالة الحسم السياسي الداخلي على وقع الانقلاب الدموي الذي أسمته حماس (الحسم العسكري) فلا يصح أن تبقي الشعب الفلسطيني نهبا لتعدد المصالح لأحزابه يمينا وشمالا، ولا يبقى إلا عبقرية الشعب الفلسطيني لتقول كلمتها.

الابتعاد العربي:

لا يستطيع أي منصف أن يلوم الامة العربية بقسوة نتيجة ابتعادها عن القضية الفلسطينية اليوم، فالحريق عندما يدخل البيت تصبح الأولوية لاطفائه، وهذا ما يحصل من غالب الأنظمة العربية المتهالكة التي تحاول بشق الأنفس الحفاظ على أنظمتها ولو على حساب قضية العرب المركزية (أو التي كانت كذلك) أي قضية فلسطين.

فمنذ ارتبط العرب بحالة اللاتوازن والضياع والتفكك المرتبطة بصعود حريق الخريف العربي الذي بدأ ربيعا منذ العام 2011 والعالم تنهشه النيران في إطار سعي غربي حثيث لانهاك المنطقة وتدمير الجيوش وتامين الحياة الرغدة ل(اسرائيل) وهي السياسة التي ارتبطت بمرحلة من المراحل بالتحالف مع النُظُم الاستبدادية ثم الانقلاب عليها لتوريث من هم قادرين على الحفاظ على حالة التوتر واللااستقرار من تيارات الاسلام السياسي.

إن انطلاق المارد الطائفي المذهبي من قمقمه لم يكن من عجائب الدنيا الجديدة، بقدر ما هو سعي متصل تضافرت فيه جهود امريكية غربية اسرائيلية سابقة مع عدد من الدول العربية قصيرة النظر منذحرب افغانستان “الجهادية”، وما خلفته من انعكاسات، وتبعه حالات الاستدراج ل”لاخون المسلمين” ليرثوا المجتمعات والدول.

شكّل الصراع الاقليمي خاصة بين ثلاثي ايران وتركيا والاحتلال الاسرائيلي أن أتيح لهذه الدول أن تتقاسم حديقتها الخلفية،أي الأمة العربية فتتصارع على جثة الامة او ما تريدها ان تكون كذلك، ولما صعد تيار عربي مناهض ما كنا قد دعونا له سار جزء منه باتجاه التنسيق مع العدو الأول ضد الصديق في المنطقة فتاهت البوصلة وضاعت القضية.

ما بين المشاكل الداخلية حيث تم التحريض على التدخل الايراني بالشكل المسرف الذي جعل من الايراني عدوا للعرب ولم تكتفِ ايران باثارة المخاوف بل تمادت في النفوذ لتحيط بغيومها الامة العربية حاملة الدين والمذهب على جناح الجنود والقوات المذهبية التي تنطلق ذبحا في العراق وسوريا وتعبث باليمن.

بدلا من ان تكون ايران قوة من اجل فلسطين أصبحت تُعلي من شان (الثورة الاسلامية) الشيعية، ودعم من تسميهم (المحرومين) بمعنى تغليب المذهب على الوحدة الاسلامية فاعلنت حالة الاستنفار في الامة العربية لتصبح المواجهة بين الانظمة ونفوذها وتسلطها وليس على إطار الوحدة في مواجهة العدو الصهيوني الذي تحول من عدو لا يواجه الا بالوحدة الى شعار مرفوع بلا اي معني لجميع الاطراف.

ظهر الانفضاض العربي والايراني والتركي (الاقليمي) عن قضية فلسطين وكما بدا جليا في غضبة المسجد الاقصى في شهر7 للعام 2017 عندما تصدى الفلسطينيون وقلة من أحرار الأمة وحدانا لاغتصاب الأقصى وانتصروا.

لربما يستعيد المرء شيئا من التفاؤل بالأمة حين يسمع في كل المحافل الرسمية الدعم والتأييد لفلسطين لا سيما بعد ما حصل من قرار “ترمب” بشان نقل السفارة الامريكية الى القدس كعاصمة “لاسرائيل”، حيث عقدت المؤتمرتلو المؤتمر ليعلن الولاء للقدس وفلسطين.

في حفيف التفاؤل الحذر، ومع كل ما اعترى الأمة من فوضىجعل من الالتفاف الاسرائيلي حول الامة العربية يؤتي ثماره، فتقذف القيادة الصهيونية بحممها في افريقيا والهند وآسيا فتلتف على أصدقائنا،كما هدأت الغلو التركي اللفظي بالاتفاقيات الامنية والاقتصادية فذابت طروحات “الخلافة” الخيالية أمام المليارات كما ذابت طروحات (الأمة الاسلامية) الشيعية الايرانيةأمام الكبح الروسي للتمدد الايراني فداء لعليائية الاسرائيلي وفق تفاهمات بوتين-نتنياهو في شهر آب للعام2017.

وما كان لدولة قطر الا أن تتأزم في علاقاتها العربية لفكرالصلف والتناقض والبلبلة الذي يحرك عديد القيادات العربية فتضيف زيتا على نار الأمة التي تحترق داخليا، ونتساءل في ظل هذا الوضع كيف ولماذا انفض العرب “رسميا” عن فلسطين؟

في مثل هذا الظرف حيث السياسات متوترة، تبغي الحفاظ على الرأس،أواستعادة النفوذ أوتوسيع المصالح، وربما استعادتها على الأقل،وتنمية الاقتصاد، فان تدخلات الحد الأدني من الانظمة العربية تعتبر مقبولة، ولكن ليس لأمد بعيد بمعنى أن الجدار العربي إن لم يكن قويا فنحن قد نُباع بأبخس الاثمان أمام العالم.

لذا فالمتوجب علينا عدم ترك الأمة العربية والاسلامية تعاني، والمعادلة المطلوبة هي: نساعدها فتساعدنا، ونستعيد فيها ألق القضية، ومن هنا فإن الأبواب العربية المقفلة أو شبه المفتوحة اليوم على القضية هي من العوامل التي تقلق وتربك صانع القرار الفلسطيني بشدة.

النكوص الامريكي وقنبلتا أبومازن:

بلا شك أن التراجع الامريكي من حول القضية الفلسطينية ظاهر بلا أي جهد من خلال الرئيس الامريكي الذي يتعثر بكل الملفات الداخلية والخارجية، وأكبر تعثراته خارجيا بمنطقتنا وشأننا في الملف الفلسطيني حيث لا يميز الرئيس الجديد الا التخبط وعدم اليقين والانحياز فقط وعدم القدرة على اتخاذ قرار الا بمزيد من الدعم لطروحات اليمينالامريكي-الاسرائيلي وهذا ما ظهر جليا بقرار نقل السفارة الامريكية للقدس ومنع الأموال عن “الانروا”، وغض النظر عن المستوطنات لدرجة اعتبار امتناع امريكا عن التصويت للقرار2334 الرافض للمستعمرات، قرارا خاطئا كما أعلنت ممثلته بالأمم المتحدة شديدة الانحياوز للاسرائيلي.[2].

الموقف الامريكي النهائيمن الاستعمار/الاستيطان مازال موقفا إما مبهما أو مؤيدا للتوسع الاستيطاني! ما يعني في حقيقته التواطؤ مع اليمين الصهيوني بدلا من كبح غلوه مضافا لذلك بروز الشروط الامريكية على القيادة الفلسطينية التي كان من الاجدر ان توجه للطرف المعتدي.

يجهد الرئيس الامريكي ومقربيه الصهاينة في الضغط على الطرف الأضعف في المعادلة-كما يظنون- وهو الطرف الفلسطيني من خلال تكثيف الطلبات التي بدأت بما ما تسميه (وقف التحريض) في المناهج، وكأن مناهج الاسرائيلي كثيفة الدعوة للسلام؟! وهي المناهجالتي تنضح بالعنصرية والأكاذيب التاريخية، واشتراطات وقف مخصصات الشهداء والأسرى ما لا تطالبه بالمقابل من ارهابيي العدو وقتلته.

في العوامل الدولية وفي سياق النكوص الامريكي من الممكن أن نقرأ تراجعا اوربيا، فالمؤتمر الدولي الذي تبته فرنسا لحل القضية الفلسطينية بدأ نجمه يترنح في ظل الحكومة الفرنسية الجديدة والوضع الأوربي بدأيتعثر قليلا في متوالية دعمه لفلسطين.

يترافق مع ذلك صعوبة استكمال الاختراق الفلسطيني العالمي بكشف الوجه المزيف للاحتلال بالعالم ما قد يلقي على الرئيس أبومازن والقيادة عبء التحدي وحيدا-لاسيما بعد الرفض المدوي لأبي مازن لصدمة ترامب وما بعدها ومحاولة تدميره اعلان استقلال دولة فلسطين القائمة بالحق الطبيعي والقانوني والتاريخي تحت الاحتلال-بإلقاءقنابله الثلاثة وهي قنبلة الطلب من الأمم المتحدة بإعلان فلسطين دولة عضو عضوية كاملة[3] لا مراقبة، وقنبلة احالة الاستيطان الى الجنائية الدولية[4] ما هو بحقيقته اعلان حرب قد يتماهى مع احالة السلطة لحضن منظمة الحرير الفلسطينية بعد حلها[5]. وقنبلة اللجوء للمؤتمر الدولي[6]

 

الانسداد الداخلي الثلاثي

للانسداد الوطني الفلسطيني الداخلي وجوه ثلاثة: ما بين صراع الشرعيات الفلسطينية في ظل انتهاء المدد لكل الاطرالرسمية، وما بين تعملق المشروع الاستعماري الصهيوني فهو شأننا الداخلي، وما بين تمسك فصيل حماس بحكم غزة مهما كلف الثمن مربوطا بالرفض العملي للانتخابات وعدم انقطاع الخطاب التحريضي وخاصة من قناتها الباثة من غزة وبشكل يومي ملفت للنظر

ان صراع الشرعيات يبدأ من انتهاء ولاية الرئيس، وانتهاء مدة المجلس التشريعي بغض النظر عن السياقات الفقهية تلك التي تنظّر لبقاء التشريعي دون الرئاسة أو التي ترفع من قدر الرئاسة وبقائها على حساب التشريعي، الا انه في الحالتين فلكل مساحته التي يتخذ بها القرارات ولا تنفذ في غيرها أي ما بين الانفصال على مساحة غزة والضفة، وخاصة في ظل أطر تنفيذية وتشريعية وقضائية في غزة غير ذات صلة مباشرة بالسلطة الوطنية الفلسطينية! رغم المصالحة ومحاولات “تمكين” الحكومة في غزة المختلف على مفهومها.[7]

ان تعملق المشروع الاستعماري الصهيوني عبر تكثيف الاستيطان/الاستعمار في بلادنا بلا هوادة وبدون أي كوابح يتفق مع مسار الادارة الامريكية الجديدة التي ترفض الاعتراف بحل الدولتين على أساس ان إقرارها لذلك يعني تدخلا بالنتيجة النهائية للمفاوضات كما صرحت الناطقة باسم الخارجية؟ في عذر لا يغطي ذنب الانحياز الجليّ من الادارة الجديدة لطروحات نتنياهو العنصرية والاستعمارية معا سواء في بلادنا داخل أرضنا في ال48 او في اراضي الضفة، ومن هنا فإن تعملق المشروع العنصري الاستعماري الاحتلالي هو همّنا الأصل الذي أهملناه او اغفلناه في تصارع مقيت على جثة أجزاء من الوطن.

بلا شك ان الخطاب التحريضي الذي تتسم به أحاديث غالب قيادات ونواطق حماس في غزة تحديدا تدق يوميا عشرات المسامير، على أكثر من سنوات عشر منذ الانقلاب، في نعش الوحدة الوطنية التي تحولت والمصالحة لجثة هامدة لا تحتاج من المتصارعين الا الدعاء بحسن الختام بعد مراسم الدفن الرسمية، ما لا نتمناه أبدا.

ان الخطاب التحريضي الحمساوي يقابله بالاتجاه الآخر صراع لم تتضح نتائجه على السلطة الوطنية الفلسطينية هو حتى الآن مكتوم وفي الظل، لكنه في حقيقة الامر يسير في ركاب التدخلات العربية والاقليمية (ومنها الاسرائيلية) والعربية التي تحاول كل منها ان تخطف خطفة من جلباب فلسطين لعلها تتقدس او تفتح أفقا جديدا مع الاسرائيلي او الامريكي.

وفي الحالتين أي في حالة استمرار “حماس” بخطابها التوتيري، وما تقوم به السلطة من اجراءات عقابية ل”حماس”-بوجهة نظر حماس، في الحالتين فإن التحجر والتجمد وعدم التزحزح عن المواقف هو سيد الموقف على ما يبدو على السطح على الأقل.

كبُر الانقلاب الذي مهد له عراب الخروج من غزة (ارئيل شارون) ومازال يتعملق كفكرة او امارة، قد تحل محل الدولة او الوطن، وتتعملق فكرة الانفصال أيضا مع اشتراطات “حماس” المناقضة للاتفاق بلحل اللجنة الادارية ل”حماس” وتمكين حكومة الوفاق من عملها في غزة ثم الانتخابات ما يصعد معه الخطاب الحمساوي في آلية مناكفة تذكرنا بمن أسبق بمن الدجاجة ام البيضة؟[8]

فيصرحون أن التمكين مفهوم مستورد ولا نعرف مداه او كنهه؟![9] ويمارسون النفوذ الأمني والضرائبي[10] على غزة التي هي بالحقيقة تكرس وجود حكومة ظل في غزة؟ وغير ذلك من الحرتقات والمناكفات.

ان خلافات التيارات في حركة “حماس” ما بين المحاور الاقليمية الواضحة اي بين تيار الاخوان المسلمين باسناد قطري تركي، والتيار الايراني يقابله الارتجاج في حركة فتح حيث ان تيار المفصول من الحركة محمد دحلان يمد الجسور مع “حماس” التي تتجاوب بطريقة انتهازية وكل ذلك دون الهروب من مخاطر انفصال غزة.

وكلنا يذكر تصريح أبومرزوق الذي لم يتراجع عنه بل أكده بطرحه الاتحادية (الفدرالية) بين غزة والضفة؟ فإلى أين نحن سائرون؟

بلا شك ان منظمة التحرير الفلسطينية قد مرت بسنواتطوال صعبة ما بين انشقاق وانسداد ومحاولات احتواء واسقاط للاستقلالية، او العمل من بعض الدول العربية لايجاد بديل، وهو ما حاولته “حماس” وفشلت خاصة مع النظام السوري عام 2011 قبل الانهيار العربي وما حاولت ان ترسخه قطر أيضا، وما كان مؤخرا من تصريح الحية باستبدال المجلس الوطني بما أسماه مجلس وطني تشاركي!

ان التسويف والمماطلة وادارة الظهر للاتفاقيات هو ما تراه حركة “فتح” من “حماس”، وما يقوله الحمساويون عن الرئيس والقيادة الفلسطينية، ليبقى اتفاق 2005 بلجنة تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية (وليس القيادة المؤقتة كما تسميه”حماس”)، وليبقى اتفاق القاهرة عام 2011 ومعه ما تلاه من تفاهمات وتعديلات خاضعة لمزاجية التيار الذي يؤمن بالانقسام والامارة والتبرؤ من الكفار ايمانه بمصالحه، فيضع قضية موظفي حماس حجر عثرة كما وضع التنسيق الامني قبلها، ولما اوقف لم يعترفوا به وزادت الشرائط؟

ان الرئيس ابومازن الذي قد يتخذ من القرارات ما يمليه عليه ردات الفعل السلبية من “حماس” التي تلتف على الشرعية الفلسطينية متواصل العملبالهجوم السياسي ضد المنهج الاسرائيلي المناهض للتسوية والمصر على تثبيت الامر الاحتلالي الواقع، ما يتوجب معه سد الثغرات والخروج نحو التصليب لا مزيد من الاختراقات الداخلية مستغلين ملحمة القدس والأقصى والخطاب الفلسطيني النضالي المتصاعد وصولا للامم المتحدة.

في ذات الخضم نلحظ مساومات منظمات اليسار الفلسطيني التي بدأت تتخذ منحى الرفض لعقد جلسة المجلس الوطني برفض الانعقاد تحت الاحتلال في رام الله! رغم ان الشهيد أبوعلي مصطفى قد دخل الوطن وقضى نحبه في رام الله!

وفي ذات السياق تطالب بوقف ما تسميه مع “حماس” “التعاون”أو “التخابر”[11]الامني ، رغم اعلان الرئيس في إطاره وقف الاتصالات مع الاسرائيليين، وفي ذات الوقت الذي تطالب فيه بعض الفصائل ونخص الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بهذا، فانها لا تطالب “حماس” بوقف التنسيق (الهدنة) بمنع اطلاق اي رصاصة ضد العدو من غزة في خطاب مزدوج يتناقض أحيانا مع خطاب الجبهة في الوطن ما قد يعطي الانطباع بخلافات مستفحلة.

ولكن على ما يبدو ان الاستفحال للخلافات أو الخطابات المتناقضة فلسطينيا وحتى في ذات الفصيل في كل الفصائل الفاعلة تقريبا تشكل سمة هذه المرحلة الخطرة من حياتنا.

ما البدائل والخيارات:

إن فهم الارتباك في فصيل “حماس” وهو الجديد في الصورة السياسية الفلسطينية، لا يعني فك (الارتباط) عن صورة المشهد بالاتجاه الآخر، والمقصود بما يحصل في حركة فتح وهي التنظيم الرئيس في منظمة التحرير الفلسطينية، حيث أن التعرض لجحيم القصور والارتباك يمكن ملاحظته متعلقا ب”حماس” التي لحقت بكل ما ذكرناه من (سلبيات) أو (ايجابيات) بحركة فتح.

ونضيف  أنه في ظل المزالق الوطنية والارتباك والمطبات التي تعاني منها الحركة الوطنية عامة نرى تشكك السياسات أو ضعفها، ونرى ضعف الصلة مع الجماهير، وتقدم الجماهير على القيادة، وتعملق السلطة على حساب الفكر والفعل النضالي، ونرى الانفصال والانقلاب والتجزئة الوطنية متعملقة للدرجة التي نحتاج معها لجعل الوضع الداخلي هو الأولوية للانطلاق للملفات الاخرى.

الايمان والارادة والقرار:

إن متطلبات الوحدة الوطنية بعد أكثر من عشر سنوات عجاف من الانقلاب والانقسام يحتاج في حقيقته الايمان بضرورة تجاوز الانقسام، وإرادة لتحويل هذا الايمان إلى قرارحقيقي وتمكين، ما هو مطلوب من حركة فتح، ومن (حماس).

فإن افترضنا وجود الايمان أو القناعة فإننا لا نجد الارادة ، وإن نظرنا للاتفاقيات أنها قرارات فإن  عدم التنفيذ دلالة انقطاع الارادة.

إن (التيار الثالث) أو المساحة الوطنية التآلفية والتي تمتد أفقيا وعموديا في داخل الفصائل ذاتها ومنظمات المجتمع المدني هو تيارسياسي تغييري من المتوجب العمل فيه-دون الاضرار بالاطر القائمة- ومعه لكثيف الارادات للتغيير في كل الأطر وبهذه الاداة الفكرية / التغيرية قد نستطيع أن نتقدم الى الأمام، او نسهم في دفع الفصائل نحو التلاقي بصدر أرحب.

إن الوحدة الوطنية على فرضية وجود القناعة والإرادة والقرار لدى الجميع، ومدخل عقد المجلس الوطني الفلسطيني الذي أعلن موعد انعقاده يتطلب باعتقادي أخذ مضامين بيان اللجنة التنفيذية يوم الأربعاء بتاريخ 7/3/2017 بعين الاعتبار،والاتجاه نحو تبني الأمور التالية:

  • اعتماد وثائق المصالحة وخاصة “لجنة تفعيل المنظمة” عام 2005 ووثيقة الأسرى، واتفاق القاهرة 2011 ، وبرعاية الجامعة العربية رعاية كاملة، مع الأطراف الفلسطينية المستقلة والمنظمات غير الحكومية الفاعلة.
  • الاتفاق على البرنامج السياسي الوطني العام، وعلى الميثاق الجديد لمنظمة التحرير الفلسطينية والاتفاق على وضع (واحترام) الدستور، والقانون والدولة المدينة، وأسس الشراكة في ظل الانتخابات واعتماد الديمقراطية والدورية والتبادلية بوضوح .
  • عقد المجلس الوطني الفلسطيني (بمن حضر) دون استكمالات الفصائل والمتوفين وفي هذا الخيار راحة لصاحب القرار، ولكنه يُحدث توترات في الصيغة التحالفية التي تميز المنظمة وهو خيار وان تحصل على شرعية النصاب بشكل او بآخر ضعيف وطنيا وربما يسبب جروحا عميقة.
  • وفي البديل او السيناريو الثالث من الممكن عقد مجلس وطني (مطور) من خلال استكمال الزيادات ونسب الفصائل وتمثيل النقابات والاتفاق على برنامج سياسي توافقي، وأن المجلس انتقالي مع امكانية تحديد تمثيل لحماس والجهاد في اللجنة التنفيذية دون مشاركة فاقعة، بمعنى ادخال مستقلين أنصار لهما.

خاتمة:

نختم هذه الورقة بما قاله رئيس المجلس الوطني الفلسطيني الاخ سليم الزعنون (ابوالاديب) داعيا: (لضرورة الإعداد الجيد  لعقد دورة عادية للمجلس الوطني، بما يؤدي إلى تذليل كافة العقبات وتجاوز التعقيدات، ووضع كافة الخيارات والبدائل لمواجهة الصعوبات والموانع التي قد تؤثر على نجاح عقد المجلس.)

وأعاد الزعنون التأكيد على أن (المجلس الوطني هو المؤسسة الوطنية الجامعة التي حصنتْ من خلال قراراتها حقوق شعبنا وثوابت مشروعنا الوطني في العودة والحرية والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس.)

كما دعا أبوالاديب إلى ضرورة أخذ (كل الاحتياطات اللازمة، وإجراء أوسع المشاورات والحوار مع القوى السياسية والشعبية والمجتمعية، وتبادل الآراء ووجهات النظر بين الفصائل الفلسطينية لنجاح عقد دورة المجلس الوطني، يكون هدفها إجراء مراجعة شاملة للمرحلة التي بدأت منذ عام 1993 وحتى الآن، واعتماد رؤية نضالية مستقبلية ضمن إستراتيجية عمل وطنية على المستويات كافة، وتجديد الدماء في مؤسسات وهياكل منظمة التحرير الفلسطينية.)[12]

وكما قال الأخ سليم الزعنون في افتتاحية العدد لدورية “المجلس” العدد55 في 24/8/2017:(إن أهمية عقد دورة للمجلس الوطني الفلسطيني  تأتي في ظل الوضع الداخلي الفلسطيني ومحاولات فصل قطاع غزة عن الوطن، إلى جانب تصاعد العدوان الإسرائيلي ومحاولته فرض مفهومه ورؤيته العنصرية على أرضنا وشعبنا، وتشويه نضال أسرانا ومعتقلينا الأبطال وتضحيات الشهداء الأبرار، إضافة إلى استغلال “إسرائيل” للوضع الإقليمي لتكريس استعمارها في أرضنا، ناهيك عن غياب الرؤية السياسية لراعي عملية السلام المستندة إلى قرارات الشرعية الدولية لحل القضية الفلسطينية، وانحيازه الدائم لجانب الاحتلال والاستيطان)، مطالبا (حماس والجهاد  التجاوب مع الجهود والدعوات للمشاركة في دورة المجلس الوطني الفلسطيني، لنكون جميعاً شركاء في النظام السياسي ومؤسساته، وتقرير الرؤية الفلسطينية الجامعة لمستقبل النضال الفلسطيني على درب الحرية والاستقلال واستعادة الحقوق كاملة غير منقوصة.)

ان انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني استحقاق دوري غيبته عوامل السياسة واستفحال الأزمات وفكر التهميش والاهمال والالحاق مقابل فكر الاقصاء والالغاء في صراعات القوى السياسية والفصائل على مساحة الوطن المقلص، وفي إطار التذبذبات بالمحيط والاقليم والعالم ما يستدعي منا في حقيقة الأمر التوجه نحو حاميتنا الحقيقية في مواجهة كل الأخطار وهي وحدتنا الوطنية ليكون المجلس الوطني بداية حقيقية جديدة للتآلف والالتفاف والوحدة، ونهاية لمرحلة من التخبط الوطني والاوحال.

******

هوامش:

[1] جاء في قرار “ترمب” يوم 4/12/2017 ” ” في الحقيقة نحن رفضنا الاعتراف بأي عاصمة إسرائيلية على الإطلاق، لكنا اليوم أخيرًا نعترف بما هو واضح، وهو أن القدس عاصمة “إسرائيل”.وهذا ليس أقل أو أكثر من اعتراف بالواقع، بل هو أيضا الشيء الصحيح الذي يجب القيام به. إنه شيء يجب القيام به.لهذا السبب، وتماشيًا مع قانون سفارة القدس، أوجه الخارجية الأمريكية للمباشرة بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس.” ومشيرا في سياق قراره الباطل لخرافة تعشعش في عقله واليمن المسيحي الانجليكاني إذ قال عن القدس أنها : “عاصمة الشعب اليهودي، التي أنشأت في العصور القديمة”، وحيث لم يوجد بالتاريخ مطلقا شيء اسمه الشعب البوذي او الهندوسي أو المسيحي او اليهودي بتاتا، بل هم أي اليهود قوميات متعددة اعتنقت الديانة اليهودية، ولم تكن قدسنا عاصمة لغير العرب من سكانها من القبائل المختلفة.

[2] قالت نيكي هيلي عن القرار 2334:إن امتناع بلدها عن التصويت على قرار مجلس الأمن 2334 الذي صدر العام الماضي “وصمة” وخطأ لن ترتكبه الولايات المتحدة مجددا.

[3] جاء في بيان التنفيذية البندين 11 و12 التالي:”الاستمرار في تفعيل طلب العضوية الكاملة لدولة فلسطين في الامم المتحدة لحين تحقيق ذلك”، و”استمرار العمل من اجل توفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني”

في البند 4 من بيان التنفيذية: تقديم الاحالة للمحكمة الجنائية الدولية بشكل فوري .[4]

[5] أشار بيان التنفيذية للعلاقة بين المنظمة والسلطة من خلال التالي:”الطلب من الحكومة الفلسطينية وضع تصورها لتحديد العلاقات مع سلطة الاحتلال (اسرائيل) وأمنيا، واقتصاديا، بما يشمل المقترحات المتعلقة بالانفكاك من التبعية الاقتصادية لسلطة الاحتلال (اسرائيل)، وتقديمها للجنة التنفيذية بما لا يتجاوز شهر نيسان/ ابريل، وذلك بهدف تمكين دولة فلسطين على ممارسة سيادتها على اراضيها المحتلة بعدوان حزيران 1967.”

[6]في بيان اللجنة التنفيذية الذي أعلن موعد المجلس الوطني الفلسطيني البند3 يقرر: “اعتماد رؤية الرئيس محمود عباس لعقد مؤتمر دولي كامل الصلاحيات للسلام بمظلة دولية، وبما يضمن تنفيذ قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة وصولا الى تجسيد دولة فلسطين السيدة ذات السيادة على حدود الرابع من حزيران 1967، وبعاصمتها القدس الشرقية، وحل قضايا الوضع النهائي كافة وعلى رأسها قضية اللاجئين استناداً لقرار الجمعية العامة رقم (194)، والافراج عن الأسرى، كما طرحها امام مجلس الامن الدولي يوم 20/2/2018، كموقف فلسطين ثابت .”

[7] تؤكد اللجنة التنفيذية ان معالجة الأوضاع في قطاع غزة ينطلق أساسا من الوضع السياسي وإنهاء الحصار الإسرائيلي الغاشم، وكذلك دعم المصالحة الفلسطينية وتسهيل تنفيذ الاتفاقيات الموقعة. ان محاولات قلب الوقائع وتصوير الوضع بغزه بأنه بحاجة لدعم إنساني دون حل قضايا السياسية وإغفال الوحدة الجغرافية السياسية في أراضي دولة فلسطين المحتلة.

[8] يقول اسماعيل رضوان على قناة الغد 4/3/2018:”السلطة في رام الله وحركة فتح وحكومة الوفاق الوطني لا زالت تمارس العقوبات على أبناء قطاع غزة، هم يقولون ولا يفعلون، والتنسيق الأمني لا زال مستمر، على الرغم من أن السلطة في رام الله قالت أنها أوقفت التنسيق الأمني.” ويقول مشير المصري في مسيرة بغزة في 2/3/2018:  حكومة الحمد الله وحكومة فتح تمارس الحصار على أبناء شعبنا في قطاع غزة، والسلطة الفلسطينية في رام الله هي شريكة مع العدو الصهيوني في محاصرة أبناء شعبنا الفلسطيني.

[9] يقول خليل الحية على قناة حماس الفضائية 1/3/2018: مصطلح التمكين مضحك وفضفاض ، ماذا يريد الوزير بالتمكين اذا لم يدخل وزارته من قبل ما هو التمكين الذي يريده الوزير الذي لم يدخل غزة الا يوم بالاحتفال الكبير في شهر 9 عندما دخول غزة.

[10] يقول خليل الحية معترفا بالجباية في اللقاء المشار له:”لسنا متمسكين بالجباية الداخلية لكن الحكومة لم تلتزم برواتب الموظفين”؟!

[11] لا يتورع مشير المصري عن ترداد القول بذلك حيث يقول في 2/3/1018: “آن الآوان لسحب الإعتراف بالكيان الصهيوني ووقف التنسيق والتخابر الأمني مع العدو الصهيوني، ونقول لهم أن الشعب لن يغفر وسيحاسب”.

[12]فيما يلي بيان الاتفاق بين حركة فتح وحماس الذي وقعه عزام الاحمد وصالح العاروري في 12/10/2017 بالنص:

بسم الله الرحمن الرحيم: انطلاقا من حرص جمهورية مصر العربية على القضية الفلسطينية، وإصرار السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي على تحقيق آمال وطموحات الشعب الفلسطيني في إنهاء الانقسام وتعزيز الجبهة الداخلية وتحقيق الوحدة الفلسطينية من أجل انجاز المشروع الوطني واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية وعودة اللاجئين.

لقد رعت القاهرة سلسلة اجتماعات بين حركتي فتح وحماس على مدار يومي 10-11/10/2017 لبحث ملف المصالحة الوطنية الفلسطينية وقد اتفقت الحركتان على اجراءات تمكين حكومة الوفاق الوطني من ممارسة مهامها والقيام بمسؤولياتها الكاملة في ادارة شؤون قطاع غزة كما في الضفة الغربية كحد اقصى يوم 1/12/2017 مع العمل على ازالة كافة المشاكل الناجمة عن الانقسام.

في اطار حرص مصر على وحدة الصف الفلسطيني وجهت مصر الدعوة لعقد اجتماع بالقاهرة يوم 21/11/2017 لكافة الفصائل الفلسطينية الموقعة على اتفاقية الوفاق الوطني في 4/5/2011.

هذا وتعبر مصر عن تقديرها البالغ لحركتي فتح وحماس على الروح الايجابية التي اتسم بها اعضاء الوفدين وتغليبهم المصلحة الوطنية وهو الأمر الذي أدى الى التوصل لهذا الاتفاق.

كما نوجه الشكر والتقدير للرئيس محمود عباس الذي كان له الرغبة والارادة الحقيقية لانهاء الانقسام واعادة اللحمة للشعب الفلسطيني الشقيق.”

  • خاص – المركز الديمقراطي العربي
أضف تعليقك أو رأيك
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق