الأفريقية وحوض النيلالدراسات البحثيةتقارير استراتيجية

لماذا طلبت جنوب السودان الإنضمام كمراقب بجامعة الدول العربية ؟

اعداد: السفير بلال المصري – ســفيـر مصر السابق لدي أنجولا وساوتومي والنيجر 

مدير المركز الديمقراطي العربي – مصر القاهرة

 

تسلمت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية بالقاهرة في 6 مارس 2018 مذكرة رسمية من حكومة جنوب السودان تضمنت طلبها الإنضمام للجامعة العربية بصفة “مُراقب” التي حصلت عليها البرازيل وإرتريا والهند وفينزويلا , وقد علل المُتحدث باسم خارجية جنوب السودان وفقاً لصحيفة ” Sudan Tribune ” هذا الطلب بأنهم قرروا الإنضمام لهذه الكتلة لمناقشة قضايا هامة تشمل مياه نهر النيل والأمن , وقد أُحيل هذا الطلب إلي مجلس الجامعة الذي عُقدت دورته رقم 149في 7 مارس 2018 علي مستوي وزراء الخارجية العرب والتي رأستها السعودية وعقب إفتتاح هذه الدورة عُقد إجتماع وزاري لمناقشة طلب جنوب السودان للإنضمام , وإتصالاً بذلك أشارت وكالة أنباء الأناضول في 12 مارس 2018 بناء علي بيان صادر عن خارجية جنوب السودان إلي أن رئيس جنوب السودان إلتقي في هذا اليوم وزير الخارجية المصري لمناقشة عدة قضايا منها طلب جوبا الإنضمام للجامعة العربية وتعزيز العلاقات الثنائية و قضايا إقليمية ذات إهتمام مُشترك منها المفاوضات الجارية بشأن سد النهضة الإثيوبي , وقد وقع وزير الخارجية المصري خلال زيارته لجوبا إتفاقاً بإنشاء آلية تشاور سياسي بين القاهرة وجوبا .

نفي Mawien Makol المُتحدث باسم وزارة خارجية جنوب السودان في تصريح نشرته صحيفة Sudan Tribune في 10 مارس 2018 , أن تكون جنوب السودان قد تقدمت بطلب عضوية للجامعة العربية , لكنها طلبت أن تكون عضواً ” مُراقباً ” , وأن بلاده وهي تطلب عضوية بصفة مراقب إنما تتطلع إلي المشارطة في المناقشات التي قد تتصل بموضوعات تهم جنوب السودان مثل مسألة إستخدام مياه النيل, كما ان بلاده لن يكون عليها دفع مساهمة عن عضويتها بهذه الصفة , فقد كانت وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية قد نشرت في وقت سابق أن جنوب السودان تقدمت بطلب عضوية بالجامعة العربية وذلك بالإحالة علي مصدر غير مُسم  .

من المعروف أن جنوب السودان أحدث الدول بالعالم فقد أعلنت إستقلالها عن جمهورية السودان في 9 يوليو 2011 بعد الإستفتاء علي تقرير المصير الذي نص عليه إتفاق السلام الشامل الموقع بين الحركة الشعبية لتحرير السودان وحكومة السودان في كينيا في يناير 2005 وهو الإستفتاء الذي شمل أراضي جنوب السودان بولاياتها التسع في 9 يناير 2011 , ووضعت دستورها الإنتقالي النافذ منذ 7 يوليو 2011 والذي يشير الباب الأول “مادة 6 ” منه تحت عنوان : ” اللغة ” بند (1) إلي أن جميع اللغات الأصلية بجنوب السودان هي لغات وطنية وستُحترم وتُطور , بند (2) الإنجليزية ستكون لغة العمل الرسمية بجمهورية جنوب السودان ولغة التدريس في كل مستويات التعليم , …. , ولما كان نص المادة الأولي من ميثاق جامعة الدول العربية يشير إلي ” تتألف جامعة الدول العربية من الدول العربية المُستقلة المُوقعة عليهذا الميثاق , ولكل دولة عربية مُستقلة الحق في أن تنضم إلي الجامعة , فإذا رغبت في الإنضمام , قدمت طلباً بذلك يُودع لدي الأمانة العامة الدائمة , ويُعرض علي المجلس في أول إجتماع بعد تقديم الطلب ” , لذلك فلا توجد ثمة رابطة لغوية أو أثنية أو ثقافية مباشرة تلك التي تدخل في تشكيل أي من دول العالم ومنها جمهورية جنوب السودان , ومن ثم فإن المبرر العام لتقدم دولة جنوب السودان العضوية بالجامعة تحت صفة ” مراقب” هي الجوار الجغرافي والإهتمامات السياسية / الإقتصادية ومنها المائية (مع مصر) المُشتركة , وقد يكون هناك ثمة تشابه بين حالة جنوب السودان وحالة إرتريا التي حصلت بالفعل علي صفة “المراقب” بجامعة الدول العربية في وقت سابق .

سبق إستقلال جنوب السودان صراع طويل بين قوي التمرد الجنوبية والحكومة المركزية بالسودان بدأ عام 1955 إلي أن وقعت حكومة السودان في كينيا إتفاقية السلام الشامل في يناير 2005مع قوي التمرد ممُثلة في جون جارانج بوصفه زعيم حركة تحرير السودان وبدات عقب توقيعها فترة إنتقالية إنتهت بتنظيم إستفتاء تقرير المصير إنتهي إلي إختيار 98,83% من شعب جنوب السودان الإنفصال عن دولة السودان , وقد مر الصراع بين قوي التمرد والحكومة المركزية بالسودان بمرحلتين رئيسيتين أولهما كانت علي أساس من الرؤية الأولي للحركة الشعبية لتحرير السودان SPLM  والتي كانت قائمة علي تحرير جنوب السودان فحسب , لكن فيما وهي المرحلة الثانية والتي سادت فيها “رؤية السودان الجديد ” وفيها إعتنقت الحركة مبدأ تحرير “كل السودان” بإعتبار أن كل مناطق السودان غربه وشرقه بل ووسطه تعاني من مشاكل وبالتالي إتجهت الحركة الشعبية خلافاً للحركات الإنفصالية الأخري بجنوب السودان نحو منهج تحرير عموم السودان وليس جنوبه فحسب , ومع أن الحركة حاولت ترويج حقيقة أن رؤية السودان الجديد تعني “وطن للجميع ” , إلا أن حكومة الخرطوم والتيار الإسلامي في السودان رأي أن هذه المحاولة لا تخرج عن كونها تنفيذاً لإستراتيجية إستيعابية من جهة التمرد الجنوبي الذي أسس وجهة نظره في المانفيستو الصادر عنه عام 1983 علي أن حكومات السودان فيما بعد الإستقلال عن الحكم الثنائي المصري / البريطاني في أول يناير 1956 قامت علي أساسين هما العروبة والإسلام وفرضتهما علي جميع السودانيين وهو ما برر التمرد علي هذه الحكومات , وكان رأي معظم الشماليين أن “رؤية السودان الجديد” ما هي إلا كناية أو Euphemism عن سودان أفريقي مسيحي ومعاد للعرب وللكيان الإسلامي وأنها مجرد محاكاة لما فعله الكيان الصهيوني في العرب بفلسطين , ودعم وجهة النظر الشمالية تلك العلاقات التاريخية والتي نشأت في النصف الثاني من خمسينات القرن الماضي  بين تمرد الجنوب والكيان الصهيوني والتي إستمرت بل تعززت بعد إعلان إستقلال دولة جنوب السودان إذ نري ونسمع في مناسبات عيد الإستقلال للكيان الصهيوني ودولة جنوب السودان عبارات مثل ” المعاناة من التمييز والتطرف والتحرر من ربقة الإستعمار… ألخ ” , وكان تمرد الجنوب دائماً ما يحاجج بالإحصاء السكاني للسودان الذي تم عام 1956والذي يشير إلي أن من يتكلمون لغات أفريقية ولغتهم الأأم ليست العربية يمثلون 69% من مجموع السكان بينما من يتكلمون العربية وتعتبر لغتهم الأم نسبتهم 31% من مجموع السكان , أما بالنسبة للدين فتشير بيانات هذا الإحصاء إلي أن نسبة المسلمين تبلغ 65% من مجموع السكان فيما تبلغ نسبة غير المسلمين من مسيحيين وعقائد أفريقية 35% من مجموع سكان السودان , لكن وفقاً لمعلومات أخري منشورة ويحاجج بها السودانيين في الشمال فإن نسبة المسلمين بجنوب السودان بلغت وفقاً للأرقام البريطانية 18% من مجموع سكان الجنوب , ونسبة المسيحيين بلغت 17% فيما النسبة الباقية لمعتنقي العقائد الأفريقية (وفقاً للتعداد السكاني القومي الرابع للسكان الذي تم في أبريل 1993بلغ عدد سكان السودان 25 مليون نسمة منهم حوالي 4,5 مليون نسمة بالجنوب) ,  وعلي أي الأحوال فمن الوجهة الواقعية وبعيداً عن أي رؤي خلافية فالواقع يشير ويؤكد إلي أن إختيار شعب جنوب السودان للإنفصال عن شمال السودان في إستفتاء يوليو 2011 كانت يعني ببساطة أن الغلبة كانت لرؤية “السودان القديم” , مع أن جون جارانج نفسه وقبل مقتله  الغامض في 30 يوليو 2005مال إلي الحفاظ علي السودان مُوحداً التي قامت عليها رؤية “السودان الجديد” , ولما كانت الثقة مُفتقدة بين السياسيين والعسكريين في معظم أوساط الطبقة السياسية والعسكرية في الشمال والجنوب بالإضافة إلي ثقل ضغوط الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين والإقليميين (IGAD) والتي مُورست بإنتظام لتحقيق فصل جنوب السودان عن شماله إضعافاً للدولة السودانية وفي إطار تحقيق الإستراتيجية الأمريكية من أجل إيجاد ما يُسمي ” بالقرن الأفريقي الكبير ” , لذلك كان الإنفصال , بالرغم من دولاً عديدة يوجد بها الخلاف والإختلاف في الدين والعرق واللغة ومع ذلك مازالت قائمة بل إن بعضها يعتبر قوياً وليست الولايات المتحدة نفسها إلا أكبر نموذج لذلك .

في ضوء ذلك هناك سؤال يفرض نفسه في ضوء تقدم جمهورية جنوب السودان بطلب الإنضمام كمراقب للجامعة العربية وهو : هل يمكن رؤية هذا الإتجاه علي أنه ميل إلي رؤية “السودان الجديد ” التي آمن بها جون جارانج ؟ أم أنها محض سلوك سياسي من دولة جنوب السودان التي يؤمن رئيسهاSalva kiir Mayardit  برؤية “السودان القديم” لكنها هذه المرة وبعد إستقلال وإنفصال جنوب السودان عن شماله تُطبق علي جزء مهم من شعب الجنوب وعلي قبيلة النوير التي يمثلها نائبه السابق وخصمه الحاليRiek Machar والذي يقود المعارضة المُسلحة ضد نظام الرئيس Salva Kiir في الموجة الثانية من الحرب الأهلية بجنوب السودان والتي بدأت في منتصف ديسمبر 2013 ومازالت تدمر كل شيئ في جنوب السودان حتي يومنا هذا ؟

 للإجابة علي هذا السؤال يمكن الإستعانة بمعاني ونتائج وتفاعلات الأحداث والتطورات المحيطة بمتخذ القرار السياسي في جنوب السودان والتي بلا شك بناء عليها يتخذ أي قرار سياسي في داخل وخارج جنوب السودان ومن بين هذه القرارات قرار الإنضمام لجامعة الدول العربية :

1- إستمرار الحرب الأهلية بجنوب السودان :

لاشك أن هذه الحرب لها نتائجها الوخيمة علي الإستقرار السياسي والإقتصادي بجنوب السودان خاصة وأنها تمثل في تقديري الموجة الثانية من الحرب الأهلية التي تفجرت في جنوب السودان في الفترة من 1955 أي عند بداية التمرد بجنوب السودان وحتي 2005 توقيع إتفاقية السلام الشامل مع حكومة السودان فطيلة هذه الفترة كان هناك صراع دام وحاد بين فصائل تمرد جنوب السودان والقوات المسلحة السودانية قضي علي أي شكل أو خطة من خطط التنمية بجنوب السودان , ولذلك فهذه الموجة الثانية من الحرب الأهلية التي بدأت بسبب ما ردده نظام الرئيس Salva Kiirمن أن نائبه Riek Machar كان يبيت بالتآمر عليه للإطاحة به وهو ما أنكره Machar وحلفاءه لكن الولايات المتحدة ساندت موقف الرئيس Kiir لكن الولايات المتحدة ما لبثت وأن غيرت موقفها فإزاء إلغاء القوات الحكومية لجنوب السودان بل وتجاهلها لإتفاق السلام المُوقع بين طرفي الحرب الأهلية في عام 2015 بأديس أبابا وتجاهل سلسلة من إتفاقيات لوقف إطلاق النار تصاعد الحنق الأمريكي علي نظام الرئيس  Kiir وهو ما دعي الإتحاد الأافريقي للإعلان في 29 يناير 2018 عن تأييده لفرض عقوبات عن القادة المسئوليين عن خرق إتفاقيات وقف إطلاق النار هناك , علي أي الأحوال فهذه الموجة الثانية من الحرب الأهلية التي بين جنوبيين ستقضي كلية علي ما قد تبقي من شبهة تنمية بجنوب السودان , حتي لقد دعي تصاعد وتيرة المواجهات وتدفق اللاجئين علي دول الجوار الذين بلغ مجموعهم وفقاً لما أعلنت عنه في 31 يناير 2018 المفوضية السامية للاجئين التابعة للأمم المتحدة UN High Commissioner for Refugees نحو 2,446,218 لاجئ وكذلك سقوط آلاف الضحايا بسبب تدهور الأوضاع الأمنية بالجنوب , دعي الولايات المتحدة في الربع الثالث من أغسطس 2016 لقيادة جهود تفاوضية في مجلس الأمن الدولي لإستصدار قرار من مجلس الأمن للترخيص بزيادة إضافية لقوة حفظ السلام الأممية بجنوب السودان UNMISS بواقع 4000 عنصر للحماية ولتأمين العاصمة جوبا ودعم القوة الأممية لجنوب السودان UNMISS  المتواجدة هناك بالفعل وقوامها 12,000 رجل  وقد صدر هذا القرار بالفعل عن مجلس الأمن الدولي تحت الرقم 2304بتاريخ 12 أغسطس 2016 وتضمن تجديد مهمة قوة حفظ السلام القائمة بالفعل في جنوب السودان حتي 30 يونيو 2017 , كما رخص بدعمها بعدد إضافي لتعزيز حماية المدنيين , وقد تم تجديد مهمة UNMISS التي يبلغ قوامها حالياً 18,000 رجل مُوزعون علي 17 موقع بجنوب السودان  بموجب قرار من مجلس الأمن الدولي 2406 حتي 15 مارس 2019, وهو إجراء دولي تعارضه بشدة حكومة جنوب السودان وتري فيه تدخلاً ومنازعة من الأمم المتحدة في سيادتها , فقد صرح وزير إعلام جنوب السودان بأن حكومته سوف تتصرف سريعاً إزاء مد ولاية قوة UNMISS نظراً لتضمن القرار الأممي بشأنها مواد تتعارض ووجهة نظر الحكومة داعياً القوة الأممية إلي التوائم مع قوانين البلاد , وكان من بين نتائج إستمرار الحرب الأهلية بجنوب السودان شديدة الخطورة أنها خرجت بنتائجها السلبية لتؤثر بشدة في إستقرار دول الجوار نتيجة إستمرار تدفق اللاجئين خاصة إلي أوغندا وإثيوبيا والسودان وكينيا , مما أثر بشكل أو بآخر علي العلاقات الخارجية بين دول الجوار وحكومة جنوب السودان .

2- إستمرار تصاعد الضغوط الأمريكية علي نظام الرئيس Salva Kiir :

علي الصعيد الدبلوماسي تعمل الدبلوماسية الأمريكية علي مسارين أولهما رسمي ونطاقه مجلس الأمن الدولي فنجحت بعد مفاوضات منتظمة ومُعمقة مع الصين وروسيا لتجاوز معارضتهما لإصدار القرار 2304بتاريخ 12 أغسطس 2016 والمُتضمن تجديد مهمة قوة حفظ السلام UNMISS القائمة بالفعل في جنوب السودان حتي 30 يونيو 2017 , كما رخص بدعمها بعدد إضافي لتعزيز حماية المدنيين , وقد صوت ممثلي 11 دولة عضو بالمجلس بالموافقة علي القرار فيما إمتنع عن التصويت كل من ممثل الصين وروسيا ومصر وفينزويلا , وهو القرار الذي إعترض نظام الرئيس Salva Kiir بإعتباره ماساً بسيادة دولة جنوب السودان , مع أن Faustin-Archange Touadera رئيس جمهورية أفريقيا الوسطي دعا الأمم المتحدة في 22 سبتمبر 2017 إلي إرسال مزيد من القوات لتعزيز قوة حفظ السلام الأممية المُتمركزة ببلاده وكذلك التخفيف من الحظر علي السلاح المفروض علي بلاده , وهو ما يعني أن القوي الدولية بمجلس الأمن إتفقت علي فرض حظر علي السلاح علي جمهورية أفريقيا الوسطي فيما لم تتفق في حالة جنوب السودجان مع أن السبب في الدولتين واحد وهو الحرب الأهلية , إذن الموضوع في النهاية صفقات المصالح البينية بين الدول الخمس الأعضاء الدائمين بمجلس الأمن ويمكن أن من خلال صفقات سياسية بين هذه الخمس أن يُفرض الحظر علي جنوب السودان فتضيق أكثر فأكثر مساحة المناورة أمام الرئيس Salva Kiir في الحصول علي السلاح من شبكة تعاونه العسكري التي تتضمن إسرائيل ومصر وأوغندا وثلاثتهم “حلفاء “إقليميين للولايات المتحدة , ثانيهما علي المستوي غير الرسمي فقد روجت منصات البحث والعصف الذهني الأمريكية لمقترح وضعه ونشره علي موقع معهد الولايات المتحدة للسلام  United States Institute of Peaceوصحيفة Financial Time في 20 يوليو 2016 المبعوث الأمريكي السابق للسودان وجنوب السودان السفير Princeton Lyman وزميلته السيدة Kate Almquist Knopf المديرة السابقة لمكتب وكالة التنمية الدولية بجنوب السودان والسودان , ويتضمن إقامة ولاية تنفيذية مُشتركة بين الأمم المتحدة والإتحاد الأفريقي لإدارة جنوب السودان حتي إيجاد مؤسسات تدير السياسات بغير العنف وكسر الشبكات التي تقف وراء هذا الصراع , وهو ما سيستغرق مدة تبلغ ما بين 10 إلي 15 عام , وقد أشار المُقترحان إلي أن التخطيط بشأن هذه الولاية في البداية يعتبر أكثر حساسية من تراكم تفويضات (مهام حفظ السلام) لعام واحد عبر عقود , كما هي الحال في باقي مهام حفظ السلام , وأنه وضعاً في الإعتبار الدرجة القصوي من فشل الدولة (في جنوب السودان) فإن إدارة خارجية مؤقتة تعد المسار الباقي الوحيد لحماية وإستعادة السيادة , فذلك من شأنه تمكين شعب جنوب السودان لأخذ زمام مستقبله بيده ويطور رؤية جديدة للبلاد .

علي الصعيد الإقتصادي وفي ظل تصاعد التضخم لنسبة فلكية إذ بلغ 500% عام 2016 ثم تباطئه بنسبة 155% عام 2017 , فقد بدأت الولايات المتحدة في ممارسة أقصي ضغط إقتصادي يمكن أن يؤثر بخطورة بالغة علي إقتصاد جنوب السودان المُنهار بسبب الفساد والقبلية وإستمرار الحرب الأهلية وصفقات السلاح – هذا في حالة تحييد الدور الصيني الذي يجد في حالة الحرب السائدة في الجنوب – فلقد أشارت إذاعة صوت أمريكا علي موقعها أن المُتحدث باسم الخارجية الأمريكية قال أنه من الآن فصاعداً سيحتاج المُصدرون إلي إذن مُسبق من السلطات الأمريكية لتصدير أو لإعادة تصدير أو لنقل تقنية أو معدات منشؤها الولايات المتحدة لنحو 15 كيان ذا صلة بقطاع البترول في جنوب السودان , وأن أسماء هذه الكيانات / الشركات ستُضاف إلي قائمة بوزارة التجارة الأمريكية بدءاً من 22 مارس 2018 , ومن بين هذه الشركات شركة من نيجيريا تُدعي Oranto Petroleum International Ltd كانت تزمع إستثمار 500 مليون دولار في جنوب السودان , وأوضح أن هذه الشركات التي ستدرج علي القائمة تعد مصدراً لعوائد مؤثرة لحكومة جنوب السودان ثم أشار إلي أنه جاري إعداد وضع عقوبات إضافية علي هؤلاء الذين يهددون السلام والأمن بجنوب السودان , وقد برر المتحدث هذا القرار قائلاً ” للأسف فإن حكومة جنوب السودان وفساد القائمين علي الأمور بالدوائر الرسمية يستخدمون هذه العوائد لشراء أسلحة وتمويل عناصر الميليشيا ( وفقاً لتحريات مجموعة The Sentry للمراقبة والتقصي) مما يُقوض السلام والأمن والإستقرار بجنوب السودان , ذلك بدلاً من دعم الإزدهار والحاجة المُلحة للغذاء لشعب جنوب السودان ” , كما أضاف Brian Adeba نائب مدير مشروع “كفاية” أو Enough Project أن القائمة المُشار إليها شاملة جداً لأنها ” لمست الركن الأهم في عملية إضرام الحرب الأهلية بجنوب السودان , وهو قطاع البترول , وأن الكيانات الحكومية التي تدير هذا القطاع مُستهدفة بصفة حصرية بما فيها وزارتي التعدين والبترول “وأضاف أن هذه القيود الأمريكية من شأنها التأثير بحدة علي توفر المال في أيدي حكومة جوبا لشراء السلاح , وقد كان رد فعل حكومة جنوب السودان غاضباً إذ صرح المتحدث باسم حكومة جنوب السودان لوكالة Associated Press في 21 مارس 2018 فقال إن الولايات المتحدة” تحاول تدمير إقتصاد جنوب السودان وإغلاق مجال البترول , إنها محاولة للإطاحة بالحكومة لأنهم يعلمون أن موردنا الوحيد من الدخل هو البترول ” , ومما قد يوضح أكثر الأثر السيئ لقرار الإدارة الأمريكية الموجه لنحو 15 شركة ذات صلة بالمجال البترولي أن إنتاج جنوب السودان من البترول بلغ 120,000 برميل / يوم فيما كان قد وصل لذروته قبل إعلان إستقلال جنوب السودان فوصل إلي 350,000 برميل / يوم , وكانت حكومة جوبا قد وضعت خطة تستهدف زيادة الإنتاج البترولي ليصل إلي 175,000 برميل / يوم بمجرد إستئناف الإنتاج من حقول شمال جنوب السودان المُغلقة .

علي الصعيد العسكري فقد سبق أن فرضت الولايات المتحدة عقوبات علي القوات المُسلحة لجنوب السودان وعلي مسئوليها السياسيين , كما أعلنت في 2 فبراير 2018 عن فرض حظر علي صادرات السلاح وخدمات الدفاع لجنوب السودان لنضم إلي قائمة قواعد الحركة الدولية للأسلحة  International Traffic in Arms Regulations التي تصدر عن مصلحة ضوابط تجارة الدفاع ومُدرج بها 19 دولة بالعالم , وكان رد فعل نظام الرئيس Kiir هو إستدعاء سفيره في واشنطن عقب صدور القرار الأامريكي بفرض الحظر ووصف نائب رئيس جنوب السودان Taban Deng Gai القرار الأمريكي بأنه سيؤثر سلباً علي الجهود السلمية لحل الصراع , وقال  ” سوف لا ننهار بسبب عقوباتهم , لأن أصدقاؤنا هناك إن الأمريكيين يريدون فرض هذا الحظر علي السلاح من خلال الأمم المتحدة لكن وبسبب رفض الروس وكذلك الصينيين لم يستطيعوا فرضه , لكنهم في النهاية إتخذوا (الولايات المتحدة) قراراً أحادياً بفرض الحظر بعد أن فشلوا في مجلس الأمن فلقد هزمناهم وسوف نواصل هزيمتهم هناك , فالصينيون هم الذين يقيمون الطرق بجنوب السودان وليس الأمريكيون فهم ليسوا شركاؤنا في الإقتصاد , فالشركاء هم الصينيون أما الروس فهم شركاء محتملون وهم يقيمون لنا مصفاة بترول ” , وبالرغم من أن هذا الحظر ليس له تأثير ضار كثيراً بقدرات نظام حكم الرئيس Salva Kiirولا خصمه Riek Machar علي الإستمرار في الحرب الأهلية المُدمرة , لكنها فيما يُعتقد خطوة أولي في طريق سينتهي بحظر علي مبيعات السلاح قد يفرضه مجلس الأمن الدولي علي جنوب السودان , لكن حتي الوقت الراهن تقف كل من الصين وروسيا في مواجهة أي تحرك للولايات المتحدة لإعادة محاولاتها بفرض حظر علي السلاح لأطراف الحرب الأهلية بجنوب السودان بموجب قرار يصدر عن مجلس الأمن الدولي , فقد سبق ذلك محاولة عام 2016فشلت نتيجة إمتناع 8 دول هي الصين وروسيا وأنجولا وفينزويلا ومصر والسنغال عن التصويت علي مشروع قرار أمريكي بفرض حظر أممي علي السلاح لجنوب السودان , ويُضاف إلي هاتين القوتين الدوليتين وهما الصين وروسيا اللتان توردان سلاحاً لنظام الرئيس Kiir قوي إقليمية أخري تساند وتدعم نظام الرئيس Salva Kiirمنها أوغندا التي أرسلت قوات لمساندة نظامه وهي في نظر الولايات المتحدة تغذي الصراع الدائر بالجنوب بالأسلحة رغم أنها من النظم الحليفة للولايات المتحدة بأفريقيا وتتلقي عوناً أمنياً وتنموياً كبيراً من واشنطن  .

بالرغم من عرقلة الصين وروسيا في 23 ديسمبر 2016 للجهود الأمريكية في مجلس الأمن لإستصدار قرار وضعت الولايات المتحدة مسودته المُتضمنة فرض حظر السلاح علي جنوب السودان , إلا أن الولايات المتحدة جددت تلك المجهودات عندما عممت في 7 مارس 2018علي أعضاء المجلس مشروع قرار أمريكي تضمن تهديداً بفرض حظر علي السلاح لجنوب السودان وإتخاذ التدابير المُناسبة ضد هؤلاء الذين يعترضون جهود السلام , وتضمن هذا المشروع مطالبة بوضع نهاية للقتال الجاري منذ 4 سنوات بجنوب السودان وحث الأطراف المُتحاربة بدعم 3 إتفاقيات بوقف إطلاق النار ووُفق عليها علي مدي من يوليو 2016 للآن , ويتردد في أوساط مجلس الأمن أن روسيا والصين قد يتوقفا عن الإعتراض علي مشروع القرار الأمريكي الذي خضع لمفاوضات بين الأمريكيين وأعضاء مجلس الأمن , وبالفعل أقر مجلس الأمن في 15 مارس 2015بالإجماع مشروع القرار الأمريكي وصدر بموجبه قرار تضمن مد مهمة بعثة UNMISS لعام آخر ينتهي عام 2019مع تهديد بفرض حظر علي السلاح لاحقاً في حالة الضرورة علي جنوب السودان   .   

 أوردت وكالة أنباء جنوب السودان SSNA في 3 فبراير 2017ووكالة Reuters للإنباء في 4 فبراير 2016 ونقلت عنهما شبكات الأخبار والصحف الدولية والإقليمية البيان الصادرعن حركة الجيش الشعبي لتحرير السودان في المعارضة  SPLA-IO التي يتزعمها Riek Machar خصم الرئيس Salva Kiir في الحرب الأهلية الجارية بينهما حالياً بجنوب السودان , والذي تضمن الإشارة إلي أن القوات الجوية المصرية أسقطت ما لا يقل عن 9 قنابل ومتفجرات علي مواقع تابعة لحركة SPLA-IO تقع علي مقربة من قرية  Kaka بولاية أعالي النيل بجنوب السودان , كما حذر المتحدث العسكري للحركة العقيد William Gatjiath Deng ” من مغبة إستمرارالتمرد السوداني وتصعيد مصر لمشاركتها في الحرب القائمة حالياً بجنوب السودان , مُعتبراً ذلك من المؤشرات الواضحة لشعب جنوب السودان وللإتحاد الأفريقي وللأمم المتحدة والمجتمع الدولي بأن نظام جوبا يستفز المنطقة ويجر جنوب السودان لحرب إقليمية ” , وأوضح العقيد Deng أن عناصر من حركة العدالة والمساواة JEM وحركة تحرير جنوب السودان – قطاع الشمالSPLM-North تتسلل إلي أراضي جنوب السودان إنطلاقاً من قاعدة Angathna بولاية النيل الأزرق بشمال السودان بغية الهجوم علي وإستعادة بلدات المستقبل و Wadekona و Detang من أيدي التمرد المُعارض التابع لريك مشار الذي يعتقد – أي مشار – أن هناك إتفاقات بين القاهرة وجوبا تدعوه إلي الشك في نوايا القاهرة إزاء الصراع بين حركته ونظام Salva Kiir , وأحالت وكالة أنباء جنوب السودان علي أحد كبار القادة العسكريين بحركة SPLA-IO المتمردة المناوئة للرئيس Salva Kiir قوله ” هناك ثمة صفقة قذرة تتم  بين   Kiirوالرئيس المصري, وأن سد النهضة الإثيوبي واحد من القضايا الرئيسية التي تمت في القاهرة , وأن مصادرنا المخابراتية في Kampala عاصمة أوغندا وفي جوبا أكدت أن مصر تريد من جنوب السودان وأوغندا أن يكونا حلفاءها الإقليميين حتي يمكنها أن تتقدم في مخططها الهدام الخفي ضد إثيوبيا , وأن الرجل(الرئيس Kiir) ما هو إلا عميل مزدوج فلسوف يتسبب في مشاكل كثيرة بمنطقة شرق أفريقيا ” , وأضاف هذا المسئول قوله بأن الخبراء العسكريين والمهندسيين المصريين متواجدين بجوبا منذ شهور وأن التعامل العسكري بين القاهرة وجوبا تعمل أوغندا علي تنسيقه منذ العام الماضي , ودعا هذا المسئول الإتحاد الأفريقي والأمم المتحدة إلي التحقيق في التورط المصري في الحرب الأهلية بجنوب السودان .       

وبالتوازي مع ذلك وعلي مستوي الكونجرس الأمريكي دعت لجنة مشتركة من الكونجرس بعد أن قامت في 29 أغسطس 2016بزيارة ميدانية لجنوب السودان *(اللجنة الفرعية لأفريقيا المنبثقة عن لجنة الشئون الخارجية ولجنة حقوق الإنسان بالعالم) الإتحاد الأفريقي إلي تسريع تأسيس المحكمة المختلطة Hybird Court لجنوب السودان * (التي كان من المُفترض أن تنشأ بواسطة الإتحاد الأفريقي في مدي 6 أشهر بعد تشكيل الحكومة الإنتقالية لجنوب السودان وتتشكل من 7 قضاة أربعة منهم يعينهم الإتحاد الأفريقي و3 قضاة من جنوب السودان) لمحاكمة قادة جنوب السودان المتهمين بإقتراف جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية منذ إندلاع القتال بالجنوب بين الفرقاء في 15 ديسمبر 2013 وذلك تطبيقاً لنص بإتفاقية السلام الموقعة في اديس أبابا في 17 أغسطس 2015 بين الأطراف المتحاربة في جنوب السودان .

ومع ذلك فعلي المستوي الإنساني لم تتخل الولايات المتحدة عن إستمرار دعمها للسكان فقد أشارت مذكرة رسمية صادرة في 13 أكتوبر 2016عن السفارة الأمريكية في جوبا إلي أن مجمل المساعدات الإنسانية الطارئة من الولايات المتحدة لجنوب السودان منذ ديسمبر 2013 بلغت 1,9 بليون دولار , وأنه بهذا فإن الولايات المتحدة تعد أكبر مانح علي الصعيد الثنائي لحكومة جنوب السودان , ولكن مع ذلك نجد وزير الخارجية الأمريكية John Kerry يصرح في أغسطس 2016 بقوله ” إن المساعدة المُقدمة لجنوب السودان سوف لا تستمر للأبد لو أن قادة الجنوب غير مُهيئين لفعل ما هو ضروري لشعبهم ” وهذا يعني أن لهذا الدعم حدود فما تسديه الحكومة الأمريكية من دعم إنساني يتبخر مع إستمرار القتال الضاري بالجنوب.

أوجزت مندوبة الولايات المتحدة الدائمة بالأمم المتحدة السفيرة Nikki Haley علاقات بلادها مع جنوب السودان في كلمتها أمام مجلس الأمن الدولي في 24 يناير 2018 حيث قالت ” أن حكومة جنوب السودان  شريك غير مُؤهل لدي مجلس الأمن ولدي أي بلد يبحث عن السلام والأمن لشعب جنوب السودان وأن الولايات المتحدة لن تتخلي عن بذل الجهود , لكن إذا كان هناك ثمة سلام حقيقي بجنوب السودان , فقادنه يجب عليهم إبداء الإلتزام الحقيقي بإنهاء هذا الصراع مرة واحدة وللأبد ” .

إستمرار الحرب الأهلية بجنوب السودان يمثل تحدياً لمصالح الولايات المتحدة وامنها القومي , إذ أن إقامة دولة جنوب السودان كان تعهداً بذلته حكومة الولايات المتحدة لدوائر الضغط في الولايات المتحدة وأولها جماعات الضغط الكنسية القوية وجماعات ما يُسمي بحقوق الإنسان ومعظم الــ THINK TANKS وجماعات الضغط العسكرية ممثلة في البنتاجون الذي أعلن في 6 /2/2007 عن إقامة القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا AFRICOM التي من المُفترض أن دولة جنوب السودان من أهم مناطق عملها فهي دولة في القلب من حوض النيل مناط التهديد الرئيسي و المضطرد لأمن مصر القومي .

3- تردي الموقف الإقتصادي لجنوب السودان :

أشار تقرير وضعه THE FUND FOR PEACE الصادر في 10 مايو 2017عن المؤشر السنوي للدول الهشة Fragile States Index إلي أن جنوب السودان تتصدر قائمة هذه الدول التي تعد الأكثر تعرضاً للإنهيار , ومع فرض الولايات المتحدة عقوبات علي 15 كيان ذا صلة بإنتاج البترول فإنه من المتوقع أن يواجه قطاع تصدير البترول بجنوب السودان تؤثر علي  بلا شك علي الوضع الإقتصادي الهش خاصة وأن صادرات البترول تمثل 95% من عوائد خزانة الدولة , وذلك مع تدني أسعر البترول عالمياً  (من 119 دولار للبرميل عام 2014 إلي 50 دولار عام 2017) وتفجر الحرب الأهلية بعموم جنوب السودان منذ 15 ديسمبر 2013 حتي يومنا هذا , هذا ووفقاً لبيانات البنك الدولي فقد كان مجمل الناتج المحلي عام 2015 نحو 5,3% ثم 13,1% عام 2016 مع توقع لأن ينخفض فيصبح 6,1% عام 2017 , وبسبب الحرب الأهلية الدائرة والفساد الحكومي سجلت ميزانية جنوب السودان عن عام 2016عجزاً بلغ 25,2% من مجمل الناتج المحلي يُمول من الإقتراض من البنك المركز أو من تراكم المُتاخرات وهو وضع مُستمر أدي إلي المزيد من خفض قيمة جنيه جنوزب السودان وتصاعد معدلات التضخم , وقد إرتفع مجمل الدين من صفر في يوليو 2011 إلي ما يتُقدر نسبته 15,5% من مجمل الناتج المحلي عام 2017 , وبعد تحرير سعر صرف جنيه جنوب السودان في ديسمبر 2014 فقد تدني سعر صرفه مقابل الدولار من 2,95 جنيه جنوب السودان مقابل دولار واحد ليصل إلي 170 جنيه جنوب سوداني مقابل دولار واحد , ووصلت نسبة البطالة في أوساط الشباب إلي 50% , وكذلك فقد أشار البنك الدوليبشأن إقتصاد جنوب السودان إلي أنه ومنذ أغسطس 2016 توفرت كل مؤشرات انهيار الاقتصاد الكلي لهذا البلد , ولذلك تحاول حكومة جوبا من خلال ميزانية 2017 / 2018 إستعادة إستقرار الإقتصاد الكلي , لكن الواقع المُعاش بالرغم من كآبة مؤشرات الإقتصاد الكلي , إلا أن الواقع أكثر قتامة فأسعار السلع والمنتجات وكلها مُستوردة تسجل إرتفاعات متتالية ليس للمواطن المتوسط قدرة علي أن يلحق بها فقد فقدت عملة جنوب السودان 90% من قيمتها منذ ديسمبر 2015 وقفزت أسعار السلع الضرورية ومعظمها مستورد خاصة مع توقف عجلة الإنتاج من السلع الزراعية كالحبوب والتي يعتمد عليها قطاع عريض من الشعب , وذلك – كما أشرت – بسبب قرار رفع سعر صرف جنيه جنوب السودان مقابل الدولار , وعلي كل حال فسيظل الوضع الإقتصادي آيل للإنهيار طالما ظلت الحرب الأهلية دائرة وهو ما اكدته Ellen Margrethe Løj المُمثلة الخاصة لأمين عام الأمم المتحدة ورئيسة بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان UNMISS , أمام جلسة لمجلس الأمن الدولي في 17 نوفمبر 2016 حيث قالت أنه بينما إتخذت حكومة الوحدة الوطنية الإنتقالية بعض الخطوات في إتجاه تحسين الوضع الأمني , إلا أن مجمل الوضع في جنوب السودان مازال مُلتهب خاصة في مناطق ولاية الإستوائية وفي أجزاء من ولايتي الوحدة وغربي بحر الغزال  مما أدي إلي تردي الوضع الإقتصادي وزيادة تمزق البلاد بسبب الصراع وإضطراد الإنقسامات .

4- تردي الوضع الإنساني بجنوب السودان :

هناك تداخل وثيق بين تردي الوضعين الإقتصادي والإنساني لكن الفارق الرئيسي بينهما أن إنهيار الموقف الإنساني يستدعي تدخل خارجي من وكالات الأمم المتحدة ذات الصلة والمنظمات غير الحكومية التابعة أو التي تحت مظلة قوي هي في الغالب قوي دولية لها مصالح في جنوب السودان , فيما تعتبر الولايات المتحدة أن إضعاف إقتصاد جنوب السودان وخاصة من خلال فرضها للحظر علي 15 كيان ذا صلة بمجال إنتاج البترول بجنوب السودان أم مطلوب لإجبار نظام الرئيسSalva Kiir للتجاوب مع الجهود السلمية لإنهاء الصراع والحرب الأهلية بجنوب السودان , وفي هذا الصدد تشير النشرة الدورية التي تصدر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية UN Office for the Coordination of Humanitarian Affairs بعددها الثالث المُؤرخ في 23 مارس 2018 إلي أن أكثر من 7 مليون من سكان جنوب السودان وهو ما يعادل ثلثي عدد السكان هناك , قد يصبحون – وفقاً لحذير أطلقته 3 وكالات تابعة للأمم المتحدة هي FAO و UNICEF و WFP في 26 فبراير 2018 – مُعرضون لأزمة غذائية بدون مساعدة إنسانية مُستدامة في الشهور اللاحقة , وإنه إذا ما حدث ذلك فسوف يكون ذلك العدد هو الأعلي لإنعدام الأمن الغذائي في أوساط شعب جنوب السودان وأن الفترة الأعظم خطراً وتدعو للقلق هي فترة الجفاف وتقع ما بين شهري مايو ويوليو وسيكون ما بين 155,000 مواطن بما فيهم 29,000طفل مُعرضون لهذا الخطر الذي قد يصل لمستويات جوع حاد مالم يجري مدهم بمساعدات غذائية , وأكد هذا الوضع المأساوي موقع Integrated Food Security Phase Classification في الأول من يناير 2018 حين أشار إلي أنه في يناير 2018 يُقدر تعرض 5,3 مليون نسمة بالجنوب (حوالي48% من مجمل السكان) إلي أزمة غذاء حادة منهم مليون نسمة في وضع حالة الطوارئ , وأنه بالمقارنة مع العام الماضي يظهر أن هناك زيادة نسبتها 40% في أعداد المعرضون للأزمة الغذائية الحادة في الفترة التالية للحصاد , وقد عزت IFSPC هذا الوضع إلي تداعيات الحرب الأهلية الطويلة ومنها ظاهرة النزوح , وقد دعي هذا الموقف حكومة جنوب السودان إلي الإعلان عن أن البلاد يمكن أن تشهد كارثة الجوع , وهو ما أوضحه مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية OCHA فقد أشار في تقرير عام له أنه بالنظر إلي إمتداد الصراع بجنوب السودان ودخوله عامه الخامس عام 2018 فإن الأزمة الإنسانية مُستمرة وبكثافة وتمتد وتصير مأساة مُكلفة لشعب الجنوب السوداني فقد لاذ نحو 2 مليون من السكان باللجوء لدول الجوار منهم نحو مليون من ولاية الإستوائية لاذوا بأوغندا وأصبح العنف حقيقة واقعة وأصبحت تكاليف المعيشة بالجنوب مُتصاعدة وهي ظاهرة أوضح ما تكون وبحدة في المناطق الحضرية ووصلت نسبة التضخم إلي 183%وأنخفضت قيمة جنيه جنوب السودان إلي نسبة غير مسبوقة فكل 130 جنيه جنوبي تعادل دولار واحد في أكتوبر عام 2017 , وهي معلومات رددها موقع reliefweb حيث أشار في 28 فبراير 2018 إلي أن الحرب الأهلية وهي مُستمرة في تقويض أمن المجتمع بجنوب السودان ألزمت نحو 1,9 مليون نسمة من السكان للنزوح إلي مناطق أخري غير التي بها موطنهم بجنوب السودان , وأضطرت نحو 2 مليون نسمة للجوء لدول الجوار .

إختناقات العلاقة مع السودان :

العلاقة بين نظام الرئيس Salva Kiir  والسودان علاقة عدائية مبدئياً وهذا العداء سابق علي تفجر الحرب الأهلية بجنوب السودان في ديسمبر 2013 , وسأورد كمثال من بين أمثلة عديدة تعبر عن سمة العدائية في علاقة جنوب السودان بالخرطوم كما يلي :

البترول :

كان أول تصادم بين النظامين يتعلق بالبترول الذي يجري إنتاجه من حقول البترول بالسودان وجنوب السودان والتي توجد بمنطقتي المجلد وملوط ومعظم هذه الحقول تقع بجنوب السودان ويتم نقل 200,000 برميل/ يوم عبر أنبوب يخترق أراضي شمال السودان ليصل إلي مصفاة الجيلي بشمال الخرطوم وليصدر عن طريق ميناء “بشاير” أو بورسودان بواقع 32,000 برميل / يوم للهند والصين ,  فقد فرضت حكومة السودان رسوم مرور رأت جنوب السودان أنها مُبالغ فيها لدرجة أن حكومة جنوب السودان بحثت مع الصين إقامة خط أنابيب يصل مواقع إنتاج البترول الواقعة شمال جنوب السودان  ببلدة Lamu الكينية الساحلية علي المحيط الهندي لتصديره , وبالفعل إجتمع رؤساء كينيا وإثيوبيا وجنوب السودان لهذا الغرض في Lamu في مارس 2012 لإقامة خط أنابيب يتكلف 16 مليار دولار لخدمة الدول الثلاث , وعلي التوازي أشارت مجلة THE ECONOMIST البريطانية في 25 مايو 2013 أن جنوب السودان تعقد – بالإنفصال عن مباحثاتها مع كينيا وإثيوبيا – مباحثات مع جيبوتي لإقامة خط أنابيب بترول  يصل لميناءها تستغني به عن خط Lamu مما يقوي من علاقات جنوب السودان بإثيوبيا التي سيمر بأراضيها هذا الخط مما يلغي تحكم جمهورية السودان في إقتصاد جنوب السودان ,لكن في النهاية ولأن الخطين مُكلفين جداً ولأن الحرب الأهلية أجهزت علي أي قدرات تمويلية سواء من خزانة جنوب السودان أو من الدول الممولة لأسباب أمنية بحتة لذلك ظلت جنوب السودان وللآن تعتمد علي خط الأنابيب الواصل إلي بورسودان , وبالتالي مازالت للخرطوم  اليد العليا في السيطرة علي تدفق بترول جنوب السودان لأسواق تصديره وبالتالي علي المورد الوحيد للعملة الصعبة لإقتصاد جنوب السودان المتهاوي بسبب الصراع بين التمرد الجنوبي علي حكومة السودان والذي إمتد لعقود ولم يتوقف إلا بتوقيع الطرفين المُتصارعين لإتفاقية السلام الشامل بكينيا في يناير 2005 .

دعم جنوب السودان للمعارضة الدارفورية :

كذلك فمن بين أخطر نقاط الإختناق دعم كل من الخرطوم وجوبا للمعارضة المسلحة المُضادة لكل منهما , فبالنسبة للخرطوم فإن علاقتها مع  Riek Machar خصم Salva Kiir في الحرب الأهلية الدائرة للآن علاقة وثيقة وقديمة تعود إلي فترة حراسته مع فصيله لحقول البترول التي كانت تحت سيطرة حكومة الخرطوم قبل إنفصال الجنوب والتي كان الشركة الوطنية الصينية تقوم علي إستغلالها ومعها كونسورتيوم من مجموعة شركات كندية وماليزية وكانت الولايات المتحدة تفرض حظراً مماثلاً للذي فرضته مُؤخراً علي جنوب السودان , ثم تدعمت علاقة حكومة الخرطوم بفصيل Riek Machar عندما وقع في إطار ما سُمي بعملية السلام من الداخل علي إتفاقية السلام بالخرطوم في 21 أبريل 1997مع 6 فصائل مُنشقة عن فصيل الجيش الشعبي لتحرير السودان الذي كان يقوده جون جارانج , وبالتالي فعلاقة الخرطوم بنائب رئيس جمهورية جنوب السودان Riek Machar المتمرد علي حكومة جوبا والمُنتمي لقبيلة النوير ثاني أكبر قبائل جنوب السودان والمعادية لقبيلة الدنكا التي ينتمي إليها الرئيس Salva Kiir علي حكومة جوبا لها أساس , ففي أجواء الحرب الأهلية كان إعلان Radio Tamazuj في 15 سبتمبر 2016 بالإحالة علي Manawa Peter Gatkuoth المتحدث باسم المعارضة المسلحة بأن ”فريقاً يمثل حركة SPLM-IO المعارضة للرئيس kiir والمُتحالفة مع نائبه السابق Riek Machar تخطط لعقد إجتماع في الخرطوم وذلك لمناقشة التطورات الجارية في جنوب السودان وأشار إلي أنهم يريدون لقاء الدول المُشاركة في Troika أزمة جنوب السودان لشرح موقف المعارضة لهم وأسباب القتال الذي نشب مجدداً في جوبا في يوليو 2016″ مُضيفاً ” أن حركة SPLM-IO ستعقد مؤتمراً في بلدة Yuai بولاية Jonglei بحضور قادة الجيش الأبيض وآخرين  ” , وتحاول حكومة الخرطوم النأي بنفسها عن الدعم العسكري والإستخباراتي المباشر إلي Riek Macharوحلفاءه من خصوم الرئيس Kiir ونجحت في ذلك إلي حد بعيد حتي أن Machar عندما أصيبي في أحدي معاركه بالحرب الأهلية الجارية ذهب إلي الخرطوم ومنها إلي جنوب أفريقيا لتلقي العلاج .

لكن وخلافاً لموقف الخرطوم  في مسألة دعم متمردي جنوب السودان في الحرب الأهلية الدائرة هناك , نجد أن نظام الرئيس Salva Kiir يدعم جماعات المعارضة السودانية وخاصة الدارفورية منها وربما تكون كافية في هذا الصدد الإشارة التي وردت ضمن الرسالة المُؤرخة في 28 ديسمبر 2017 والمُوجهة إلي رئيس مجلس الأمن الدولي من فريق الخبراء المعني بالسودان المُنشأ عملاً بالقرار 1591 لعام 2005 فهي مُفصحة وبوضوح عن سلوك نظام Salva Kiir رئيس جنوب السودان , فقد ورد بتلك الرسالة ما نصه “… وتمثل التطور الرئيسي الذي شهدته ديناميات النزاع في التوغلات المُشتركة في دارفور لجماعتين مُتمردتين دارفوريتين , وهما جيش تحرير السودان ميني ميناوي , وجيش تحرير السودان / المجلس الإنتقالي , من قواعدهما الخلفية في ليبيا وجنوب السودان …. ” *(صفحة 2) ثم ورد بالرسالة أيضاً ” … تدير القوات العسكرية في جنوب السودان العلاقات بين الجماعات الدارفورية وحكومة جنوب السودان علي مستوي الولاية في جوبا , وظل رئيس الأركان العامة للجيش الشعبي لتحرير السودان بول مالونق حتي تسريحه في مايو 2017 الشخص الرئيسي في الجهاز الأمني لجنوب السودان القائم بإدارة العلاقة مع المتمردين في دارفور , بما في ذلك الدعم الذي يقدمه الجيش الشعبي لتحرير السودان للجماعات والتعاون العسكري , وداخل الجيش الشعبي لتحرير السودان تضطلع الإستخبارات العسكرية والعمليات الخاصة وهو مكتب يعمل تحت رئيس هيئة الأركان العامة والمخابرات العسكرية بالمسئولية عن الإتصال مع الجماعات المُسلحة في دارفور…” وأضافت الرسالة ” ومنذ أواخر عام 2016 كثفت حكومة السودان والمجتمع الدولي الضغوط التي تمارسها علي حكومة جنوب السودان كي تتوقف عن إستضافة جماعات المتمردين السودانية ودعمها بما في ذلك المتمردون في دارفور ….” *( الرسالة صفحة 14و15)  .

النزاع علي منطقة  Abyei الحدودية :

بعد إعلان إستقلال جنوب السودان في 9 يوليو 2011 , بدأت مرحلة جديدة من النزاع بين جنوب السودان وشماله علي منطقة Abyei حيث كانت هناك خلافات داخل إطار دولة السودان قبل الإنفصال خلال التفاوض السابق علي توقيع إتفاقية السلام الشامل بكينيا في يناير 2005 بشأن الحد الإداري لـ Abyei التي تبلغ مساحتها 10,546 كم مربع مع المناطق الواقعة إلي الشمال منها بجمهورية السودان , ولما لم يُحسم أمر في المفاوضات السابقة علي توقيع إتفاقية السلام الشامل يناير 2005 لحسم  أيلولة السيادة علي هذه المنطقة  , فقد وُقعت 3 إتفاقيات بين التمرد وحكومة الخرطوم في 26 مايو 2004 من بينها بروتوكول Abyei أو بروتوكول حل صراع Abyei  , لكن ظل أمر النزاع علي حاله لذلك لم يشمل إستفتاء تقرير مصير الجنوب الذي جري في 9 يناير 2011 منطقة Abyei بسبب التنازع علي أيلولتها , فقد أصرت حكومة الخرطوم وقبيلة المسيرية علي التمسك بحقهما في مشاركة المسيرية في الإستفتاء علي تقرير المصير , ولهذه المنطقة أهمية خاصة إذ أنها منطقة تداخل سكاني يعيش عليها ويرتادها رعاة قبيلة المسيرية الشمالية وقبيلة Ngok  الدنكا وكلاهما يطالب بأيلولة المنطقة له يُضاف إلي ذلك وهذا هو الأهم لحكومتي الخرطوم وجوبا أنها منطقة غنية بالنفط وتعدُّ مصدراً لنحو 75% منه في السودان , والوضع القائم حالياً بالمنطقة يتلخص في أنه لم يحدث حسم حتي يومنا هذا لنزاع Abyei  التي زادت حكومة جنوب السودان من تعقيده عندما أصدرت في 22 أبريل 2011 مسودة ” الدستور إنتقالي لدولة جنوب السودان ” والذي أشارت المادة الأولي منه فقرة 2 إلي ” جمهورية جنوب السودان تتكون من كل الأراضي والمجال الجوي المكون من المقاطعات الثلاث الجنوبية السابقة وهي بحر الغزال و الإستوائية وأعالي النيل بحدودهم القائمة في الاول من يناير 1956 , وكذا منطقة Abyei حيث منطقة المشيخيات التسع لدينكا نوق المُحولة من بحر الغزال لمقاطعة كردفان عام 1905 وكما حدده حكم محكمة تحكيم Abyei  في يوليو 2009 ” , وهو ما ردت حكومة الخرطوم عليه بأنها لن تعتد بذلك بل وسيستدعي الأمر سحب إعترافها بدولة الجنوب إن نصت علي ملكيتها لمنطقة Abyei  في دستورها , وتواصلت المواجهات العسكرية بين الخرطوم وجوبا في Abyei وتدخلت قوة حفظ السلام الأممية هناك ووصل الأمر إلي أن وضعت حكومة السودان المنطقة المشيخيات التسع التي ضُمت عام 1905 لولاية كردفان في قبضتها وحلت الإدارة المحلية مُعتبرة إياها أراض تابعة للشمال السوداني  وفقا لحدود الاول من يناير 1956, وهو ما شجبته الحركة الشعبية لتحرير السودان , وقد وصف وفد يضم أعضاء مجلس الأمن الدولي في 20 مايو 2011 قبل توجهه لزيارة جنوب وشمال السودان ” إستيلاء ” القوات المسلحة السودانية عليAbyei بأنه يشكل إنتهاكاً صارخاً لإتفاقية السلام الشامل ويهدد بتقويض الإلتزام المتبادل للطرفين بشأن تجنب العودة للصراع وحل الخلافات بالسبل السلمية , لكن حكومة السودان أعلنت عن تعيين أحد العسكريين للمنطقة ودعت أبناء المسيرية ودينكا نوق للعودة إليها كما أعلنت عن أن ولاية قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة  UNMIS تنتهي في 8 يوليو 2011كما حُدد لها وأنها لن تُجدد وطلبت سحب كل المدنيين والعسكريين التابعين لها من شمال السودان , وفي 28 مايو 2011 وصل Riek Machar نائب رئيس جنوب السودان الخرطوم في محاولة لحل الخلافات حتي لا تعترض الصراعات عملية إنفصال جنوب السودان المُقرر لها 9 يوليو 2011 , وقد تدخل مجلس الأمن الدولي فأتخذ القرار رقم 1990 في 27 يونيو 2011 الذي يقضي بإنشاء UNISFA القوة المؤقتة للأمن في Abyei , لكن هذا النزاع مازال للآن عصي علي الحل حتي مع محاولة قام بها النظام القائم في جوبا بإجراء إستفتاء في Abyei في الفترة من 27 حتي 29 أكتوبر 2013 قال فيه السكان الجنوبيين أنهم يريدون الإنضمام لحكومة جوبا , وهو ما رفضت نتاجه الخرطوم والإتحاد الأافريقي والمجتمع الدولي ,   لأن هذا الإستفتاء كان قفزاً علي الواقع علي الأرض فرئيس الإتحاد الأفريقي السيد / Nkosazana Dlamini-Zuma وصف تصويت السكان بأنه غير شرعي وأن من نظموه يخاطرون بجر المنطقة إلي أتون الحرب مُجدداً ” * ( Salman M. A. Salman بعنوان “The Abyei territorial dispute between North and South Sudan: Why has its resolution proven difficult ? )  .

أعلنت اللجنة الإدارية السودانية لمنطقة Abyei في 6 أبريل 2017 أنها ستجتمع مع اللجنة الجنوب سودانية المُناظرة لها في أديس أبابا في الفترة من 17 إلي 18 أغسطس 2017 لمناقشة تنفيذ إتفاق 20 يونيو الموقع بين حكومتي الخرطوم وجوبا , لكن تبقي Abyei باباً تدلف إليه نزاعات مختلفة متراكمة بين الخرطوم وجوبا فالمنطقة لا تُدار بلجنة مُشتركة فدينكا نوق رفضوا تشكيل لجنة إشراف مُشتركة للمنطقة بل ودعوا إلي تقرير مصيرها بإستفتاء لا تشارك فيه قبيلة المسيرية الرعوية السودانية وتدار المنطقة بلجنتين مُستقليتين تتبع إحدهما الخرطوم والثانية تتبع جوبا  , وقد أعلن الرئيس السوداني في فبراير 2017 عن أنه وجه السلطات السودانية بمنح المُقيمين ومنهم نوق الدينكا بطاقات هوية سودانية  وتوفير الخدمات الإدارية الأخري لهم .

في سياق الصراع الكامن والعداء المُعلن حذر Lul Ruai Koang الناطق باسمالجيش الشعبي لتحرير السودان (حكومة جنوب السودان) حكومة الخرطوم في 26 مارس  من مغبة تمركز القوات السودانية في Kuek  بشمالي ولاية أعالي النيل 2018 مُوضحاً أن الجيش في جوبا علي علم تام بالتواجد الكثيف للقوات المُسلحة السودانيةعلي طول الحدود المُشتركة وأنهم رصدوا تحكات لمعدات ثقيلة بمنطقة Kuek الحدودية وأنهم ينظرون إلي هذه التحركات العسكرية للسودان علي أنها تهديد لحكومة جوبا وأنهم سيتصرفون في حال تعرض السلامة الإقليمية لأراضي جنوب السودان .

هذا علي الجبهة الخارجية , أما علي الجبهة الداخلية فبخلاف الحرب الأهلية الدائرة والتي هي في المقام الأول أصبحت مُمتدة بنتائجها وتداعياتها إلي الجبهة الخارجية التي تمارس ضغوط مُنسقة مصدرها الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي علي نظام الرئيس Kiir لحمله علي التجاوب مع الجهود التفاوضية التي تجري في إطار عملية سلام أديس أبابا لإستعادة السلام بجنوب السودان , فإن هناك داخلياً تحدي من بعض الوزراء للنظام القائم بجوبا آخرهم وزير المالية ,  كما أن وزير الخارجية  Deng Alor رفض العودة إلي جوبا بعد نهاية جولة مباحثات مع المعارضة المسلحة في أديس أبابا مؤخراً وقد تلقي – كما قال – تهديداً بالقتل  , وكذلك الحال مع بعض ولاة الولايات العشر لجنوب السودان مما إضطره إلي عزل وزراء ومحافظين وقادة في الجيش الشعبي الذين تعتقد الدوائر الرسمية في جوبا أن أهمهم وهو الجنرال Paul Malong الرئيس السابق لهيئة عمليات الجيش يخطط لإنقلاب عسكري يطيح بالرئيس Kiir وأنه قد يقوم بتشكيل فصيل مُتمرد علي الرئيس الذي خاطب السلطات الكينية لترحيله لتورطه في أنشطة تقوض الإستقرار بجنوب السودان , بل إن Telar Riing سفير جنوب السودان لدي روسيا  إستقال في يناير 2018 بسبب إفتقاد الرئيس Kiir الثقة فيه ,  وبوجه عام فإن الوضع الداخلي بجنوب السودان شديد الإضطراب فالقبلية تضع بصماتها علي كل المجالات حتي أن الفساد يتوزع علي القبائل بقدر وزنها داخل مؤسسات الدولة والحكومة والجيش الحكومي نفسه قبلي , وكما كان التمرد إبان الصراع مع حكومة السودان 1955- 2005 قبلي فإن الموجة الثانية من الحرب الأهلية قبلية وهو العامل الذي لم تدرك وزنه الإستثنائي الحاكم الموجه الولايات المتحدة وحلفاءها وهم يضعون وينفذون إستراتيجية فصل جنوب السودان عن السودان التي إكتملت وتمت في 9 يوليو2011 .

موقف جنوب السودان بشأن قضية مياه النيل :

صرح Abraham Chol وهو أحد كبار المسئوليين بديوان رئاسة جمهورية دولة جنوب السودان والذي يُعتقد في قربه من عائلة رئيسها Salva Kiir صرح لأحد الصحفيين في 15 يناير 2017 بأن ” بلاده لا تستطيع التضحية بمصالحها من أجل الآخرين سواء أكانوا إثيوبيا أم آخرين  وأن الزيارة الحالية التي يقوم بها الرئيس Salva Kir لمصر هامة لأن جنوب السودان تثمن علاقاتها التاريخية بمصر ” , وأضاف ” أن بلاده تبحث عن مزيد من الدعم من مصر وأن الرئيسين المصري والجنوب سوداني إتفقا علي العمل معاً في كل القضايا وإيلاء الأولوية لمصالحهما ” , كذلك نشر موقع Nyamilepedia في 26 يناير 2017 تصريحاً أدلي به Peter Garang Malual المستشار بوزراة المياه والري لجنوب السودان ألقي فيه باللوم علي إثيوبيا بسبب الأزمة الحالية لمياه النيل , وأتهم إثيوبيا ببناء سد النهضة علي النيل بدون إذن مصر , مُضيفاً قوله ” إن مصر لها الحق لحماية مصالحها في النيل وهو ما تفعله البلاد الأخري بالمنطقة , وعلي إثيوبيا ألا تلوم جنوب السودان بسبب هذه المشكلة ” و ” لقد أخبر رئيسنا المصريين بأننا علي إستعداد للوقوف معهم (مع مصر) ضد أي تهديد من إثيوبيا والمنطقة وما وراءها , ولا يمكننا التوسل بحلول وسط في مثل هذه القضايا في إطار علاقات وثيقة” , موضحاً أن مصر أعطت الكثير من الدعم لجنوب السودان وذلك بالمقارنة بالدول الأخري بالمنطقة , لكن وبالرغم من ذلك فإن جنوب السودان لم يعترف بعد ويبدو أنه لن يعترف بإتفاقية الإنتفاع الكامل من مياه النيل المُوقعة بالقاهرة بين مصر والسودان في 8 نوفبر 1959 بل إن جنوب السودان كان علي وشك التوقيع علي الإتفاق الإطاري الذي أُعلن عنه عام 2010 والمُوقع تباعاً بمعرفة إثيوبيا وأوغندا وبورندي ورواندا وكينيا وهو الإتفاق الذي يُنكر علي مصر والسودان حقوقهما التاريخية في مياه النيل , أي أن أمن مصر المائي مازال مُعرضاً Vulnerable , وصحيح أن جنوب السودان أعلن مسئوليه فيما بعد بدء الحرب الأهلية في منتصف ديسمبر 2013 عن أنه لا مساس بمصالح مصر المائية , إلا أن هناك ملاحظتين في شأن هذا التعهد غير المُوثق والدعائي – في تقديري – وهو أن جنوب السودان من الوجهة النيلية لا يمثل في حد ذاته تهديداً مائياً مُؤثراً لمصر كالتهديد الإثيوبي الذي يعد تهديداً ماحقاً  لمصالح مصر المائية  أي أن التهديد الأخطر عنوانه أديس أبابا وليس جوبا ولا حتي كمبالا , ولولا إشتعال الحرب الأهلية بين نظام الرئيس Kiir وبين خصمه ونائبه السابق Machar في 15 ديسمبر 2013 لوقع جنوب السودان الإتفاق الإطاري لسبب بسيط وواضح وهو أن أمنه القومي مرتبط بجواره الأفريقي المباشر وخاصة مع كينيا وإثيوبيا , وليس بجواره المباشر مع السودان ولا غير المباشر مع مصر , وما التحالف الذي يبدو وكأنه تحالف بين مصر وجنوب السودان وأوغندا , ما هو إلا تحالف شعوري آني بحت مرتبط بمصالح موقوتة سرعان ما تتحقق أو تتآكل , كما أن جنوب السودان منذ إعلان إستقلاله عن السودان في 9يوليو 2011 لم يبد أي تجاوب يُذكر في شأن إستكمال حفر قناة جونجلي في ولاية أعالي النيل  والتي دمر التمرد الجنوبي في فبراير 1983 الحفار العملاق الذي كان قد أتم حفر نحو 75% منها وكانت هذه القناة ستوفر لمصر والسودان أكثر من 4 مليارات متر مكعب من مياه سهوب منطقة المستنقعات بمنطقة السدود تُقسم بينهما وفقاً لنص إتفاقية الإنتفاع الكامل من مياه النيل , وهو ما لم تبد حكومة جنوب السودان إستعداداً لفعله حتي قبل بدء الموجة الثانية من الحرب الأهلية الحالية التي إندلعت في ديسمبر 2013 , إذن فالسؤال الكبيرهو : ما الذي لدي الرئيس Kiir ليعطيه لمصر وهي تدعمه وهي أيضاً – أي مصر – في ذروة ضعفها الإقتصادي والسياسي ؟ , وبالتالي لعلنا نتساء عن واقعية المبرر الذي ساقه المتحدث باسم خارجية جنوب  السودان ومفاده أن إنضم بلاده بصفة عضو مراقب سيتيح لبلاده مناقشة مسائل تتعلق بمياه النيل , وهو موضوع لا يهم سوي السودان ومصر فقط , والسودان من جهته لديه من العلاقات العدائية مع جنوب السودان بحيث لا يوجد بها حيز لمناقشة موضوع مياه النيل خاصة وأن جنوب السودان حرر نفسه من أي روابط تعاهدية مع السودان أو للسودان صلة بها مع دولة ثالثة ومن بين هذه الإتفاقيات التي لا يلتزم بها جنوب السودان إتفاقية الإنتفاع الكامل بمياه النيل بين مصر والسودان المُوقعة في 8 نوفمبر 1959, أما مصر فعلاقاتها بجنوب السودان علاقة دعم وتأييد من المنطقي أنها تتسع تماماً لمناقشة قضية مياه النيل بصفة مُعمقة وتفصيلية بشكل لا تحتاج معه جنوب السودان لنقلها إلي جامعة الدول العربية التي لم تتناول قضية جنوب السودان إبان الصراع مع جمهورية السودان ولا تناولت قضية الخلاف الحدودي بين مصر والسودان علي حلايب ولا الخلاف الحدودي بين شمال السودان وجنوبه في Abyei , والكل يعلم أن جامعة الدول العربية في حالة يُرثي لها وقد تكون إلبوم أنيق يجمع الدول الأعضاء بإعتبارها طابع بريد لا أكثر ولا أقل , ولذلك فهذه الخطوة غريبة لأن إرتباطات جنوب السودان كلها جهة الجنوب أي مع متلتي شرق أفريقيا والقرن الأفريقي فمصيرها الإقتصادي والسياسي تساهم فيه دول هاتين الكتلتين بدرجات متفاوتة , ولا رابط موضوعي بين جنوب السودان والعالم العربي خاصة مع مقاومة قطاع عريض من شعب جنوب السودان الذي يتكلم جزء كبير منه اللغة العربية والتي تُسمي عربية جوبا أو Juba Arabic .

التقدير :

من الوجهة المبدئية يمثل تقدم حكومة جنوب السودان طلباً للأمانة العامة للجامعة العربية للحصول هلي صفة “العضو المراقب” يمثل تناقضاً مع الدعاوي التي سبق ورفعها تمرد جنوب السودان وفقاً للرؤية الأولي التي إعتنقتها جميع فصائل التمرد الجنوبي التي أشهرت السلاح في وجه الحكومة المركزية في الخرطوم , وهذه الدعاوي أساسها أن شعب جنوب السودان يختلف عرقياً ودينياً عن سكان العرب العرب المسلمين وهي دعاوي رغم بريقها إلا أنه أصبح آفلاً بإندلاع الموجة الثانية من الحرب الأهلية في جنوب السودان منذ 15 ديسمبر وللآن فهذه الحرب بين قبيلة الدنكا أكبر قبائل الجنوب التي يمثلها الرئيس Kiir والقبائل الأخري وأهمها النوير ويمثلها Machar وقبائل حليفة مثل الشيلوك والمورلي وغيرهم , وهو ما يؤكد أنه لا الإختلاف في اللغة ولا العرق ولا الدين يصلح مُبرراً للإنفصال وإلا لأنفصلت أجزاء عديدة من دول أفريقية أخري قائمة بل ولأنقسم جنوب السودان نفسه تحت دعاوي القبلية الضاربة بجذورها في مجتمع جنوب السودان  .

إن توقيت إتخاذ جمهورية جنوب السودان قرار التقدم بطلب عضوية بصفة مراقب بالجامعة العربية وحده كاشف وبمنتهي الوضوح عن غلبة الدواعي والأسباب الإضطرارية السالف الإشارة إليها , علي العوامل الموضوعية التي يجب أن تتوفر ولو بصفة محدودة لتسوغ قبول مثل هذا الميل للعالم العربي من خلال طلب العضوية بصفة مراقب في الجامعة العربية ,  فالحصار الذي فرضته الولايات المتحدة علي 15 كيان ذا صلة بمجال إنتاج بترول جنوب السوزدان والسياسات الضاغطة الأخري للولايات المتحدة وللإتحاد الأوروبي  والعلاقات العدائية بين السودان وإثيوبيا من جانب وجنوب السودان من جانب آخر والأثر السلبي لإستمرار الحرب الأهلية بجنوب السودان والذي أدي لأزمات متنوعة مُنبثقة عن هذه الحرب التي بلا نهاية مرئية , ومن بين هذه الأزمات أزمتي النزوح في الداخل الذي يمثل مع إغلاق منافذ الوصول لهؤلاء النازحين بسبب الأعمال العسكرية وأزمة اللجوء لدول الجوار التي تثقل كاهل هذه الدول لما لها من تداعيات أمنية ومجتمعية سلبية أيضاً , كل هذه الظروف أدت إلي ضيق وتمزق شبكة العلاقات الخارجية لجنوب السودان , ومن ثم كان عليه البحث عن حيز يمكن لنظام الرئيس Kiir فيه الإلتقاء بالدول العربية خاصة الخليجية والتي لا تعد جنوب السودان مجالا مُفضلاً للإستثمار فيه كما لا يعد بذي أهمية سياسية خاصة مع إستمرار الحرب الأهلية فيه ومع القوة النسبية لعلاقات دول الخليج خاصة السعودية بالسودان الذي سارع بالإنضمام في التحالف العربي باليمن , وبالتالي ونظراً للعداء المُتبادل الذي تتسم به علاقات السودان بجنوب السودان – كما أوضحت بإختصار – فسيكون توثيق علاقات الدول الخليجية بجنوب السودان مبرر مبدئي لتفكك بعض الصلات والتعهدات السودانية مع كتلة دول الخليج علي الأٌل تدريجياً خاصة وأن السودان الذي لم يستجب لأي إتصالات من رباعي حصار قطر لتخفيف علاقاته بقطر , بل إن هذه العلاقات تنمو وتتطور فقد أعلن وزير النقل والطرق والجسور السوداني في 26 مارس 2018 عن توقيع اتفاقية في نفس هذا اليوم  لتجديد الاتفاقيات والشراكات بين السودان ودولة قطر في مجال الموانئ البحرية  من خلال مشروع قطري لانشاء ميناء في سواكن على ساحل البحر الأحمر يخدم السودان والدول المجاورة كما يخدم السفن المارة على البحر الاحمر كشراكة سودانية قطرية , كما أنه مما سيحد  من علاقات دول الخليج شديدة الإرتباط لدرجة التبعية بالسياسة الأمريكية أن الولايات المتحدة تفرض حظراً وحصاراً علي جنوب السودان التي تعد حالياً قضية تحدي للسياسة الأمريكية من قبل نظام الرئيس Kiir .

من غير المتوقع حتي بفرض قبول الجامعة العربية منح صقة ” المراقب ” لجنوب السودان أن تتغير توجهات سياسة جنوب السودان ولو جزئياً نحو العالم العربي فعلي سبيل المثال نجد أن من يديرون التفاوض من أجل تنشيط إعمال نصوص إتفاقية إديس أبابالإستعادة السلام في جنوب السودان المُوقعة في 17 أغسطس  2015 هم مجموعة IGAD “السلطة عبر الحكومية للتنمية ” المُكونة من 8 دول بشرق أفريقيا والقرن الأفريقي والتي مقرها جيبوتي , وهي المنظمة التي في إطارها وقع إتفاق وقف العدائيات في نهاية ديسمبر 2017 والذي تم إنتهاكه عدة مرات بواسطة أطراف الحرب الأهلية مما وضع الإتفاق فيموضع شديد الحرج , وعلي أي الأحوال فقد جدد سفير جنوب لدي إثيوبيا في تصريح له في 24 مارس 2018 خيار بلاده في أن تظل أديس أبابا مكاناً للتفاوض بين الأطراف الجنوب سودانية ونفي السفير الشائعات التي تربط بين حالة العلاقات بين جنوب السودان وإثيوبيا تغيير مكان التفاوض بأديس أبابا , كما أنه وللتأكيد علي التوجه نحو الإقليم المباشر لجنوب السودان أشير إلي أن جنوب السودان وقعت في 21 يناير 2015 إتفاق مصالحة بين أطراف الحرب الأهلية بجنوب السودان , وذلك في Arusha بتنزانيا برعاية من الرئيس التنزاني Jakaya Kikwete .

لا يقتصر إرتباط جنوب السودان السياسي بإقليمه المباشر المُتمثل في القرن الأفريقي وشرق أفريقيا بل إن هذا الإرتباط يتعزز من الوجهة اللوجيستيكية , فبإعتبار جنوب السودان دولة حبيسة فإن حركة الصادر والوارد إليه مُرتبطة بموانئ شرق أفريقيا والقرن الأفريقي وهناك مشروعات جارية وأخري مُرتقبة تربط جنوب السودان مينائياً وبالتالي إقتصادياً بالكتلتين المُتداخلتين وهما دولشرق أفريقيا والقرن الأفريقي فعلي سبيل المثال أدرج التقرير السنوي لمبادرة الشراكة الجديدة لتنمية أفريقيا  NEPADلعام 2015 نحو 13 مشروع منها مشروعLamu Port Southern Sudan- Ethiopia Transport – Corridor Projectوتشترك فيه جنوب السودان وإثيوبيا وأوغندا وكينيا ومنظمات تجمع الساحل والصحراء و COMESA وIGAD و EAC , كما أشارت شبكة The East African الإخبارية في 2 مارس 2017 إلي إنضمام كينيا إلي أوغندا ورواندا في إطلاق نظام تتبع الشاحنات الإليكتروني E-Cargo Tracking System ويهدف إلي خفض تكلفة التجارة ومكافحة التهرب من الرسوم وهناك خطط لتطبيق هذا النظام في جنوب السودان وتنزانيا لتطبيق هذا النظام , ويُشار في هذا الصدد إلي أن هناك طرق من المُخطط إنشاؤها تربط إثيوبيا وجنوب السودان علي محور Gambella-Pagak-Palouge مع المحور الثاني الذي يربط Dima-Raad-Boma-Bor , وإتصالاً بشبكة المصالح التي تتكون حالياً بين إثيوبيا وجنوب السودان تمثل مشروعات الطرق الداعم الرئيسي لها , فقد صرح وزير شئون رئاسة جنوب السودان Mayiik Ayii, Gai أثناء هذه زيارة للرئيس Kiir لإثيوبيا في فبراير 2017 بقوله ” إن إنشاء الطريق يتزامن مع إقامة مصفاة لتكرير بترول جنوب السودان في ولاية أعالي النيل مُمولة من شركات سويسرية وأمريكية وتبلغ طاقتها 100,000 برميل بترول / يوم ” , وهناك إتفاقيات الجديدة وقعها الرئيس Kiir في زيارته تلك منها إتفاق بإنشاء طريقين يربطان البلدين هما طريق Boma, Bor, Dima and Raad وطريقPagak, Gamebella  , Palouge ستمولهما الحكومة الإثيوبية في الغالب , وبالتالي فكما تري لا روابط إتصالية لوجيستيكية بين جنوب السودان والعالم العربي حتي من خلال السودان الذي لا تربطه بجنوب السودان غير طرق العداء ذات الإتجاهين , ومن غير المُتوقع في المستقبل المنظور تعبيدها بالأسفلت حتي تتحرك عليها حياة شعبين كانا شعباً واحداً لولا التمرد الذي يعد Salva Kiir من كبار معتنقي عقيدته .

قرار جنوب السودان التقدم للجامعة العربية للحصول علي صفة “عضو مراقب” يعبر عن حالة من حالات اليأس السياسي , إذ أن هذه الخطوة تعبير مباشر عن ضيق حيز المناورة أمام نظام الرئيس Salva Kiir بل ومؤشر علي سوء موقفه ميدانيا وتفاوضياً في الحرب الأهلية الدائرة منذ ديسمبر 2013 وحتي الآن , وهي كذلك خطوة في ضوء ما تقدم عرضه غير مُنتجة وتوقيتها يدل دلالة قاطعة علي أنها نزوع إلي سلوك إنتهازي أكثر منه سلوك قائم علي قناعات فكرية وأخلاقية , فمن غير المتوقع من رجل يسفك دماء الأبرياء في حرب أهلية لا نهاية لها أن يتخذ قرار كهذا ففاقد الشيئ لا يعطيه .

خاص – المركز الديمقراطي العربي – القاهرة : تحــريــراً في 29 مارس 2018

أضف تعليقك أو رأيك
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق