الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

اللاجئون السوريون في البلاد العربية بين اجحاف أنظمة وتعاطف شعوب

اعداد : د.محمد عبد الرحمن عريف – كاتب وباحث في تاريخ العلاقات الدولية والسياسة الخارجية

  • المركز الديمقراطي العربي

 

لقد جاء الحكم الرشيد، ليؤكد أصالة الكرامة الإنسانية، وليرسّخ في الإنسان إحساسه بكرامته، وليقوي تمسكه بها، وصونه لها، وذوده عنها، لأنها جوهر إنسانيته، ولبُّ بشريته، وأسُّ ذاتيته. وسط ذلك تنفرد المنطقة العربية عمومًا ومعها سوريا بأهمية قصوى في حسابات الدول الكبرى، لما لها من أهمية استراتيجية في المشهد السياسي الإقليمي والعالمي، ولما تتمتع به من غنى مواردها الطبيعية وعلى رأسها النفط والغاز وموارد الطاقة المختلفة، وهي من أهم عناصر الجذب التي تستقطب نفوذ الدول وصراعاتها، لا سيما منطقة الشرق الأوسط بالإضافة إلى جغرافية الشرق والموقع المتميز في وسط العالم، وما يُشرف عليه من ممرات مائية، فقد شكلت المنطقة نقطة استقطاب استراتيجية منذ سنوات طويلة لعديد من الدول التي تتنافس في سباق محموم في صراع على مصادر الطاقة ومناطق النفوذ الإستراتيجية.

في سورية 2011 ثلاث محافظات هادئة في شكل ملحوظ: طرطوس، والسويداء، والرقة حيث الزراعة ما زالت محافظة على مردودها عند سد الفرات. في حلب يمكن تفسير الهدوء الاحتجاجي مثل الرقة، وعزوه إلى الاقتصاد، فيما يمكن قول العكس عن مدينة حمص التي تحولت كل الطرق الرئيسية السورية، بين الساحل ودمشق وبين الأخيرة وحلب ومن المنطقة الشرقية ودمشق، عن المرور في وسطها، لأوتوسترادات خارج حمص أو بعيداً عنها، فيما كانت حتى أواسط الثمانينات تمر في داخل المدينة وتنعش أسواقها، وهو ما زادت مفاعيله السلبية مع تمييزات في الوظائف لغير مصلحة أبناء مدينة حمص فيما كان عمل إدارة المحافظة في السنوات الأخيرة قبل 2011 غاية في الفساد.

في 2012: انفجر الوضع في حلب من خلال غزو مسلحي الريف المدينةَ في تموز وسيطرتهم على أحيائها الشرقية، فيما كانت مدينة حلب خلال ستة عشر شهراً من الاحتجاجات السورية هادئة وتنأى بنفسها عنها وكان جسمها الاجتماعي بغالبيته أكثر تأييداً للسلطة. في الرقة كان الوضع كذلك حتى آذار 2013 عندما دخلتها تنظيمات مسلحة أتت من الأرياف وسط سلبية السكان الرقاويين المدينيين. في دير الزور في آب (أغسطس) 2012 سيطر المسلحون الآتون من الريف غالباً على قسم كبير من أحيائها ولكن الفرق عن حلب ثم الرقة، أن دير الزور كانت في 2011 كمدينة مركزاً لحركة احتجاجية سلمية ناشطة.

هنا استغلت روسيا منطقة الشرق الأوسط بما فيها من صراعات داخلية، وتطورات بسبب ثورات الربيع العربي، بالإضافة إلى سياسة الإنسحاب التي اتبعتها الولايات المتحدة الأمريكية، بسبب المشكلات الإقتصادية الداخلية، التي جعلتها تتجه إلى دول شرق آسيا والتعاون معهم، بعيداً عن صراعات الشرق الأوسط، والتدخلات العسكرية الطاحنة في بعض الدول مثل سوريا، وبدأت روسيا بالتقرب إلى الدول الشرق الأوسطية عن طريق العقود الإقتصادية، وصفقات الأسلحة، بالإضافة إلى التدخل العسكري في سوريا إلى جانب الإقتصادي والدبلوماسي، راجية استمرار السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، وهذا التدخل الروسي في الشرق الأوسط يمكن أن يُحدث تغيرات جذرية في هيكل النظام الدولي.

سبق وقالت الأمم المتحدة في شهر يوليو/ تموز 2013 إن النزاع في سورية ساهم في ارتفاع عدد اللاجئين في العالم في 2012 لأعلى مستوى له منذ 18 عامًا، وأن سورية احتلت المركز الرابع كأكثر الدول تصديرًا للاجئين عام 2012. وبحسب المفوضية في حينها، كان هناك حوالي 80 ألف لاجئ سوري في مصر من المسجَلين في المفوضية، بينما قدرت مصر عدد السوريين بين (250-300) ألف شخص. وكانت حالة اللاجئين السوريين في مصر تعد من أفضل الحالات نسبيًا مقارنة مع بقية الدول المضيفة، إلا أن قرار السلطات المصرية بعد الثالث من يوليو/ تموز 2013، بمنع دخول اللاجئين السوريين إلى البلاد، والتضييق على الموجودين فيها أصلًا أثر سلبًا على حالتهم، كما أثر على أوضاع السوريين الذين كانوا ينوون الذهاب إلى مصر.

سيطرت قصص اللاجئين السوريين على مختلف وسائل الإعلام العربية مع توالي نزوح ملايين السوريين إلى أوروبا سواء تكللت بالنجاح أو بالفشل. ورغم اختلاف استراتيجيات التناول الإعلامي من وسيلة لأخرى، فقد غلبت عليها عدة موضوعات أساسية أهمهم إدانة الدول العربية النفطية بسبب لا مبالاتها بالأزمة، الإصلاحات الداخلية، وانتقاد الدول الغربية. فأعربت بعض وسائل الإعلام العربية عن غضبها من قادة الدول العربية متهمة إياهم بعدم المسئولية تجاه دعمهم للاجئين السوريين.

على سبيل المثال، قامت صحيفة أخبار الخليج اليومية الناطقة باللغة الإنجليزية بعقد المقارنات بين لافتات الترحيب باللاجئين في ألمانيا والنمسا وبين صمت دول الخليج العربية. دفعت القصص ذاتها بعض مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي للتساؤل لماذا تجنبت الدول العربية النفطية التدخل وتقديم المساعدة لللاجئين، حيث تم استخدام الهاشتاج العربي الترحيب باللاجئين السوريين هو واجب الخليج أكثر من ٤٠ ألف مرة وفقاً للبي بي سي. كما سخرت بعض التغريدات على موقع تويتر من عرض المملكة العربية السعودية لبناء ٢٠٠ مسجد في ألمانيا للاجئين المسلمين هناك، بينما تعهدت الدول الأوروبية لتستقبل أكثر من ٤ مليون لاجىء وفقاً للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين.

حاولت بعض وسائل الإعلام القومية تبرير موقف دول الخليج بأن دولهم قد قدمت تبرعات إنسانية كبيرة للاجئين السوريين، بينما صبت بعض التعليقات جام غضبها على الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها من المجتمع الغربي، متهمين إياهم بعدم التدخل بالقوة ضد الأسد، حيث يعتقدون بأن مثل ذلك التدخل كان سيوقف أزمة اللاجئين منذ بدايتها. ولم يخل الأمر من استخدام الرسائل السياسية بشكل غير مباشر في العديد من وسائل الإعلام العربية. حيث واجهت مذيعة مصرية شهيرة بقناة مصرية خاصة انتقادات واسعة عبر وسائل التواصل الإجتماعي بعد بثها لفيديو يصورها أثناء توزيعها هي وفريق برنامجها الطعام والملابس للاجئين سوريين بمعكسر لبناني. وصفت فيه المذيعة اللاجئين بأنهم “غير محترمون وضائعون وفاسدون”، مضيفة أن “على المصريين مساندة الجيش إن أرادوا تجنب مصير مشابه لسوريا”. “جيشنا على الحدود يعمل جاهداً على منع حدوث ذلك” هكذا قالت المذيعة في برنامجها.

عدد أقل من الوسائل الإعلامية ركزت على حياة اللاجئين السوريين أنفسهم في البلاد الحاضنة كما تساءلت صحيفة الأهرام عن التحديات الثقافية التي واجهتهم أثناء الأزمة. “لطالما ركز الإعلام العربي على الأزمة فحسب ولا أحد يهتم بقصص النجاح وكيف نجح اللاجئون في التكيف اجتماعياً وثقافياً في بلادهم الجديدة، كالمطاعم والأسواق والمشروعات التي يديرونها وتأثير كل ذلك على الاقتصاد”.

الواقع أنْ ما حَدث مِنْ إِسَاءِة الإعَلاَم العرِبيّ للَاجَئيّنَ السُورِيِيّنَ. وذَلك في مُحاولةِ لتَطُوير وَاقع اللاجئِينَ السوُريينَ إلىّ الأفضَل والمأمُول. والمقالة تَدعو إلىّ موُقف للإعَلام الحُر مِن قَضية اللاجئينَ السوُريينَ، وإدَانة للتصرُفَات الإعَلامية غَير المهنية، والتي تَصنع أخبارًا غَير وَاقعية وتَستثمِرَهَا لأغرَاضِ خَاصة وما موقف القانون الدولي من هذه الإساءة.

نحن إذ نرمي إلى تسليط الأضواء على بيان الحلول التي تحتاجها الأمم والشعوب للحفاظ على الكرامة الإنسانية .يجب أن نثير لجملة من القضايا الحساسة والشائكة، فنحاول أن وصف الواقع نظريًا، ومحاولة طرح بعض الحلول العملية لتجاوز الأزمة الراهنة على أيدي العقلاء والصلحاء .وذلك في محاولة جادة وسريعة لترشيد هذه القنوات الفكرية، وتصحيح مسارها، وضبطها، للمحافظة على البناء الصحيح للحكم الرشيد في عمومه عربيًا وإسلاميًا وعالميًا .وتطبيق ذلك على الواقع بنموذج اللاجئين السوريين في العالم العربي والاسلامي، من تقديم العون بكل الأشكال لهم.

على أن يهدف ذلك نحو توضيح ما قامت به المنظمات العالمية، من التأكيد على حماية جقوق الإنسان، فقد وضعت جملة من الوسائل للمحافظة عليه وعلى كل القضايا الضرورية، التي تكفل له الحياة الكريمة والسعيدة. وأن الإنسان يتأثر بمحيطه وواقعه، فعلى المصلحين أن يقوموا بدورهم لترشيد السلوك الإنساني وتقويمه بمعيارية مقاصد الشريعة الإسلامية .وأن ترك الساحة لغير أهلها، أوجدت تيارًا متطرفًا، يستبيح الدماء، ولا يراعي حرمة لمعتقد ولا انسان. وأن على أهل الحل والعقد أن يقوموا بدورهم التربوي والإصلاحي، فلا بد من الرجوع للواقع ومحاولة إعادة الشباب إلى موضعهم. وجاء نموذجًا لما سلف، ما فعله الاعلام العربي من الخوض في حق اللاجئين السوريين.

يبقى أنه لكلٍ من الثورات العربية خصوصيتها. والثورة السورية التي بدأت في العشرين من مارس 2011 زادت زخمًا يومًا بعد يوم. وتعبئ كل يومٍ المزيد من السوريين الذين يطالبون بإسقاط النظام بهدف ممارسة مواطنتهم. على الرغم من ذلك و بفضل الشهادات التي جمعت من قبل منظمات حقوق الإنسان ووكالات الأنباء من شهود العيان فإنه يمكننا رسم خطوطٍ عريضةٍ تبرز خصوصية هذه الثورة.

تساءل البعض عن أسباب عدم استقبال دول عربية للاجئين السوريين في مقالات نشرتها صحيفة الحياة اللندنية بعنوان “أن تكون لاجئًا سوريًا“. “لماذا لا تستقبل الدول العربية اللاجئين السوريين عوضًا من أن يموتوا  في البحر؟، يسأل بَعضُنَا بسذاجة”. بينما آخر يلقي السؤال بخبث ليغير الموضع ويلقي بدائرة الاتهام بعيدًا عن النظام الذي دفع شعبه إلى اختيار الموت في البحر ولا يعيش في وطن لم يعد يراه وطناً”. فمنذ بداية المأساة السورية والدول العربية تستقبل سوريين، يقدرهم البعض بنحو بالملايين، ولكنهم لم يسجلوا بصفة لاجئين.

تستطيع الدول العربية أن تستقبل مزيدًا منهم، كما تطالب بعض الدول الأوروبية والمنظمات الحقوقية بسذاجة أو خبث، ولكنهم لا يريدون أن يأتوها لاجئين، ما من فائدة في أن تقيم المملكة أو دول الخليج مزيدًا من المخيمات، لأن السوري ضاق بحياة المخيمات ويريد أن يعيش، ما لم نعد له وطنه فسيظل رحالاً يبحث عن وطن يؤمنه ويبني فيه مستقبلًا.

تعلل البعض على سبيل المثال في السعودية بأن توطين مئات آلاف من السوريين سيربك كل حسابتهم الاقتصادية ومصالح المواطنين، وإنهم ليسوا في حاجة إلى ملاجئ، فهناك ملاجئ لهم في الأردن وتركيا ولبنان، انتشر فيها نحو أربعة ملايين سوريين مسجلين -رسمياً- لاجئين، ولكنهم في حاجة إلى وطن، والسعودية ودول الخليج لا تستطيع أن تكون ذلك الوطن البديل.

دول مجلس التعاون متمسكة بقناعتها أنها قامت بدورها المطلوب لتخفيف الأزمة، لكن عليها أن تفهم أيضاً أنه يوجد سبب لتفضيل معظم السوريين الرحلةَ الخطيرة عبر المتوسط لطلب اللجوء على السفرِ 2000 كيلو متر للحصول على إقامة عمل في بلدٍ مثل المملكة العربية السعودية. لقد لاحظ السوريون الجهود الغربية لاستقبال اللاجئين بأذرعٍ مفتوحة.

في الوقت الذي يتباحث فيه الاتحاد الاوروبي كيفية مواجهة تدفق المهاجرين واللاجئين الى اراضيه، وجهت انتقادات كثيرة لدول الخليج لعدم تقديم ما يكفي من المساعدات لهؤلاء الفارين من اراضيهم، وخاصة لرفضها دخولهم اراضيها. اتهامات قوبلت بالنفي.

في الوقت الذي تكافح فيه بلدان القارة العجوز لاستقبال الأعداد الهائلة من المهاجرين واللاجئين من مختلف أصقاع الأرض، تبرز دول الخليج العربي النفطية الغنية كبلدان قادرة على احتواء أعداد كبيرة من اللاجئين في الشرق الأوسط، إلا أن الأرقام تكشف أن تلك الدول مازالت تقف على الحياد لناحية استقبال لاجئين سوريين. وسبق من خلال سؤال عدد من اللاجئين عن وضع حياتهم في دول جوار سوريا، وما يقدم لهم من أجل حياة كريمة، ظهرت مؤشرات عدة تحكم عملية المفاضلة هذه، والتي ترجح أخيرًا كفة دول أوروبا على دول عربية شقيقة.

أضف تعليقك أو رأيك
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق