مقالات

وساطة الذئب التركي في الغابة السورية

بقلم الباحث السياسي : سيهانوك ديبو – المركز الديمقراطي العربي

(وساطة) تركيا بمفاد التهدئة ما بين موسكو وواشنطن ومنع نشوب مواجهة مباشرة -من شكل ما- فيما بينهما على الساحة السوريّة؛ تبدو قبل كل شيء بالنكتة السمجة. تركيا هي التي من تحتاج إلى وساطة كبيرة استثنائية -تفوق حجم أمريكا وروسيا- لحل الأزمات الكبيرة التي تعانيها داخلياً؛ آخرها دنو تركيا من حالة إفلاس عام وانهيار شبه كامل في الاقتصاد، وأما في السياسة فلا حل يبدو في الأفق غير البعيد سوى الطلاق ما بين النظام التركي الاستبدادي من جهة ومن جهة أخرى الشعوب في تركيا. إنها الأزمة الكبيرة في تركيا والتي يبدو الأمر مرجحاً أن تضاهي بكثير الأزمة في السورية.
تركيا نفسها من تحتاج إلى وساطة لإعادة العلاقة ما بينها ودول الناتو، وهذه العلاقة التي تراجعت بشكل ملفت للنظر في الأزمة السورية. وتركيا التي تقتل شعب سوريا وتحتل بعضاً من مناطقها بسلاح الناتو لكنها حتى حققت ذلك كانت على حساب تموضع جديد لتركيا قد يؤدي لو تركت سائبة إلى الضد، ولا يمكن الاعتقاد بأن تركيا حتى ترجع إلى الناتو دون دفع تلك الفاتورة الباهظة والمكلفة. وتركيا تحتاج اليوم في تموضعها الجديد الذي يبدو كعش من قش نثرته هبوب رياح المقاومة العفرينية وجعلت تركيا أكثر عريّاً في أنها المحتلة؛ تحتاج تركيا إلى واسطة نقل كبيرة تهتم بنزول آمنٍ بتركيا بعد أن باتت في أعلى الشجرة العفرينية. وهذا الواسطة هي الوساطة. لكن تركيا هنا إن بقيت فتخسر تموضعها الجديد وهذا ما يبدو عليها بعد انتهاء قمة أنقرة وبروز التناقضات ما بينها؛ وأن المتحالفين معها أي إيران وروسيا لن يقبلوا هذا الاحتلال، وإن انسحبت تركيا فإن داخل تركيا يغلي أكثر مما هو عليه الآن. وضعت تركيا هنا نفسها في الموقع الخطر؛ كمن يدوس على لغم ويفتش عن أقل الخسائر ويبحث عن شتى التضحيات كي يبقى على قيد الحياة.
وكل ذلك حدث لتركيا لأن مقاومة العصر في عفرين لا تهدأ. ليست المرة الأولى في التاريخ المعاصر التي تحتل تركيا أرض غيرها؛ من قبرص وحتى احتلال جرابلس واعزاز والباب؛ لكنها المرة الأولى في تاريخ المنطقة المعاصر بأن جابهت تركيا مثل هذه المقاومة. وفي ظل ظروف معقدة تشبه ظروف العالم والمنطقة بشكل خاص فإن خصوم وأعداء المشاريع الفئوية كما في مشروع تركيا العثماني الجديد الذي لا يختلف قيد أنملة عن صيغته القديمة؛ لا بل يكاد قصٌّ من القديم وإنْ لم يجد مقاومة فلصقٌ له وإعادة جديدة له. لكن من مقاومة عفرين التي تدخل شهرها الثالث بعزيمة صلبة لن تتوقف حتى بطرد أو خروج للمحتل التركي ولمرتزقته. وكل من يرى في مشروع العثمانية الجديد أو أي مشروع آخر يختلف عنه وبمحاذاته يسير، وبأن هذه المشاريع تشكل الخطر على أمنه واستقرار بلدان الشرق الأوسط والعالم؛ لا بد من دعم هذه مقاومة عفرين وبدعم مشروع حل الأزمة السورية المتمثل بالفيدرالية الديمقراطية السوريّة. وخطوة وزراء خارجية العرب في إدانة الاحتلال التركي مفيدة لن تنفصل عن السياق القادم عليه في ذلك.
تركيا أساءت إلى جميع البلدان العربية دون قطر؛ حتى يحين دورها وتتحين الفرصة؛ فلا صاحب للذئب حتى لو كان شبِعاً. عدم الاستقرار في الصومال يعود بسببه الأساسي إلى تحكّم تركيا بحركة الشباب الصومالي؛ لا يختلف هؤلاء عن داعش كثيراً، وقد شوهدت جماعات منها في عفرين أيضاً. من الصومال والسودان إلى ليبيا والعراق ولبنان، وسوريا بشكل خاص توجد آلة القتل والإرهاب فيها ودائماً متعدد الأشكال بطابع رئيسيٍّ تركي. أما وساطة تركيا الهشّة ما بين موسكو وواشنطن فلها العلاقة بالمرحلة الجديدة التي تمر بها المنطقة. مرحلة انتهاء حرب الوكلاء والحرب الاعلامية التي ابتدأت بها المرحلة الجديدة واحتمال المواجهة المباشرة بين الإقليميين قبل اللاعبين العالميين في سوريا؛ ومن المحتمل جداً حين المواجهة أن تكون مشمولة بالجميع؛ الشأن في ذلك شأن النمطية المعهودة في الحربين العالميتين الأولى والثانية.
لكن انتقال الرأسمالية من شكلها التجاري في بدايات الثورة الفرنسية إلى شكلها الصناعوي في بداية القرن العشرين إلى شكلها المالي منذ العام 2003؛ تشير بأن مواجهة من شكل ما تقع. وهنا فإن وساطة تركيا على علاقة بتمرير احتلالاتها واعتبارها بالأمر الواقع. لكن في الحالة الواقعة لا يستطيع أمر الواقع أن يفعل أمامه شيئاً. الحالة الواقعة هي المقاومة، والأمر الواقع هو الاحتلال التركي. من الضرورة أن تكون المقاومة أقوى من الاحتلال. أما سرعة الانجاز فلا يبدو منوطاً بالذات فقط إنما بالموضوع أيضاً. ولأن لكل حركيّة تمتلك دبلوماسية فإن دبلوماسية المقاومة أقوى من دبلوماسية الحروب وأسلحتها المتطورة؛ لأنها عين الدبلوماسية الوقائية. فلو لم تجد الأسرة العالمية في دعم مقاومة كوباني بأنه وقائية لها لما أقدمت على ذلك. ولو لم يجد الإليزيه بأن في دعم مقاومة عفرين ومقاومة منبج وعموم شمال سوريا وقاية لفرنسا من خطر الإرهاب لما قامت بدعوة وفد شمال سوريا. الجميع بات متيقناً بأن طباخ السمّ هو أردوغان إلى جانب طباخين آخرين. والجميع يدرك بأن انهاء المأساة السورية تكمن بعدة خطوات أهمها دعم الفيدرالية الديمقراطية لشمال سوريا.
– هل تكون هناك ضربة أمريكية بريطانية فرنسية للنظام السوري ولإيران في سوريا؟
– ماذا لو قلنا بأن الضربة الكبيرة انتهت، ومعظم أهداف الضربة تحققت. وما يحدث ليست سوى بالجعجعة الاعلامية قد يلحقها بعض الضربات المحدودة هنا وهناك.
– كسوريين وككرد وكقوى ديمقراطية وطنية في الوقت نفسه؛ ما هو بنك أفكارنا في المرحلة الجديدة؟ ألم يحن الوقت كي نلتفت إلى المنجز من المشاريع؛ أيّها خدمت المجتمع السوري وأيُّهم دمّرت سوريا؟

 

أضف تعليقك أو رأيك
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق