الشرق الأوسطتقدير الموقفعاجل

واقع العلاقات التركية – الخليجية واتجاهاتها المستقبلية في ضوء التحديات المحلية والإقليمية

اعداد : ماجد هديب – كاتب وصحفي فلسطيني

  • المركز الديمقراطي العربي

 

لم تكن دول الخليج قد قامت بعد عند تأسيس تركيا الحديثة وذلك بعد انهيار الدولة العثمانية، حيث كانت مجرد مشيخات يبحث شيوخها عما يبقيهم على قيد الحياة، مع البحث عن وجود سياسي لهم في ظل المتغيرات التي تجري بالمنطقة العربية فكانت المعاهدات والاتفاقات فيما بين تلك المشيخات والانجليز على قاعدة تشابك المصالح بعد أن تبدلت الاستراتيجيات والاولويات ما بين الدول والتي لم تكن اللغة هي الأساس في تلك التحالفات والاتفاقات ،ولا حتى العرق او الدين، وانما هي المصالح التي تتحكم في تشكيل تلك العلاقات ، في الوقت الذي كان يعمل فيه الملك عبدالعزيز على توحيد شبه الجزيرة العربية الى ان استطاع ذلك بعد هزيمة الهاشميين في ترابة عام 1926 واعلان المملكة العربية السعودية .

ومنذ ذلك الحين، فان العلاقات العربية التركية يشكل عام والسعودية بشكل خاص كانت ما بين المد والجزر، حيث بدأت العلاقات ما بين الجمهورية التركية ذات النظام العلماني الذي أسسه مصطفى كمال اتاتورك والمملكة العربية السعودية عام 1929، إذ اعترفت تركيا بمملكة أل سعود على نجد والحجاز، وبنفس التاريخ تم توقيع اتفاقية سلام وصداقة مشتركة بين الطرفين، لكن وعلى الرغم من هذه الاتفاقية المُشتركة، إلا أن العلاقات المتبادلة فيما بينهما منذ تأسيسها عام 1929 وحتى ثمانينات القرن الماضي، اتسمت بالبرودة والتباعد.

ومع احتلال الرئيس العراقي السابق “صدام حسين” للكويت، فان العلاقات التركية الخليجية  بدأت تعيش مداً وانتعاشاً ،وذلك في بداية تسعينات القرن العشرين، حيث كانت العلاقات المشتركة قد نشطت ما بين الطرفين بشكل أكبر وأوسع بسبب دعم الرئيس التركي”تورجوت أوزال” ، في تلك الفترة، للموقف السعودي المعارض لهذا الاحتلال ،مع تقديم بعض الدعم اللوجستي للتحالف العربي والدولي الذي تم تأسيسه  بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية للقضاء على الاحتلال العراقي للكويت ،وهذا ما دفع السعودية الى أن تبادر فيما بعد بتفعيل العلاقات السعودية التركية عبر زيارة  قام بها الملك “عبدالله بن عبدالعزيز عام 2006 الى تركيا ، مما ساهم ذلك في انتعاش تلك العلاقة وتمتينها فيما بعد نتيجة لسياسة حكومة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الانفتاحية على دول الخليج العربي، وهذا ما يقودنا الى استقراء تلك العلاقة من اجل استنباط الحقائق ومحاولة تحليلها للإجابة على التساؤل الرئيس التالي:

ما هو مستقبل العلاقات التركية الخليجية في ضوء التحديات المحلية والإقليمية، وهل يمكن القول بان السياسة التركية اتجاه دول الخليج يمكن مقارنتها بطريقة إيران الخمينية، فاذا ما كانت الجمهورية الإيرانية تعمل على إعادة أمجاد الدولة الفارسية من خلال دخولها الى قلب الوطن العربي عبر ميليشياتها في اليمن وسوريا ولبنان، فهل يمكن القول بأن السياسة التركية الانفتاحية تهدف أيضا الى دخول قلب العالم العربي عبر الاخوان المسلمين من اجل احياء امجاد الدولة العثمانية؟.

ان الإجابة على هذا التساؤل ليس بالأمر الهين في ظل المتغيرات وتشابك المصالح، وفي ظل ضبابية المشهد العربي نتيجة ما يسمى الربيع العربي، ولكننا سنحاول الإجابة على ذلك التساؤل من خلال الإجابة على بعض الأسئلة الفرعية وهي :هل يمكن ان تتطور العلاقة التركية الخليجية في ظل المصالح والقواسم المشتركة فيما بينهما ؟،وهل يمكن الاستناد في تطوير تلك العلاقة على المصالح ام على عوامل التاريخ والجغرافية؟ ، وهل تجد دول الخليج علاقتها بتركيا حليفا حقيقيا في المحافل الدولية وداعما قويا ضد التهديدات التي تواجه المنطقة؟،ام ان أردوغان يحاول فعلا قيادة العالم الإسلامي على حساب السعودية؟، وهل سيؤدي ذلك الى إعادة العلاقات  بعد البرودة والتباعد او انها ستؤدي في الاتجاه نحو الصدام في ملفات ما يسمى دول الربيع العربي؟.

المصالح والقواسم المشتركة بين تركيا ودول الخليج:

ليست دول الخليج فقط من تحتاج الى توطيد علاقتها بتركيا، وانما تركيا هي أيضا بحاجة الى توطيد تلك العلاقة، فالمصالح فيما بينهما متقاربة ومترابطة , ليس فقط على قاعدة التاريخ والدين, وانما على قاعدة المصالح وفقا لما استجد من احداث ومتغيرات في المنطقة في ظل ما يسمى الربيع العربي وظهور القضايا المشتركة والمشتعلة في سوريا، العراق، ليبيا، وفلسطين، تلك القضايا التي يتحتم  عليهما التحالف فيما بينهما من اجلها ،لان التحالف مع تركيا يجب العمل على بنائه من اجل مواجهة الاطماع الإيرانية والاسرائيلية، حيث تعمل إسرائيل وبشكل منتظم على تهديد  المصالح العربية ومحاولة تقويضها نهائيا، وهذا ما تتفق مع ايران فيه بشكل غير مباشر, فاذا ما كانت إسرائيل تعمل على ذلك من اجل إقامة إسرائيل الكبرى، فان ايران هي الأخرى تعمل من اجل امتداد نفودها لإقامة مشروعها الصفوي الرافضي، ولذلك فهي تعمل على تقويض المصالح العربية وتهديد الأمن العربي وزعزعة استقرار الدول العربية وسيادتها، فما هي المصالح المشتركة ما بين الدول الخليجية والتركية من اجل مواجهة تلك الاطماع ومنع امتداد النفوذ ؟، وهل يمكن للروابط المشتركة ان تدعم مصالح تلك الدول، ام ان مصالح الاستعمار والولاء لها هي من تحدد اقتراب تلك الدول فيما بينها او ابتعادها؟.

الدول الخليجية بحاجة الى تركيا لتعزيز العلاقات الثنائية معها والارتقاء بها للأفضل، حيث يمكن الاستفادة من تركيا باعتبارها أقرب جار غير عربي للمنطقة ودول الخليج، من حيث الثقافة والتاريخ والجغرافية ووحدة الدين والمذهب أيضا ، بالإضافة لما تتمتع به من نفوذ بالمنطقة ومن وجود في حلف الأطلسي، والأكثر من كل ذلك هو امكانية قيامهما إقامة محور إسلامي غير خاضع لاستقطابات الدول الاستعمارية والطامعة من اجل الوقوف صفا واحدا في مواجهة الخطر الإيراني والاسرائيلي الذي امتد الى قلب العالم العربي والإسلامي,  حيث على دول مجلس التعاون الخليجي وتركيا السعي المتبادل لتعزيز التعاون على كافة الأصعدة  فيما بينهما، وفي مقدمة ذلك ضرورة التعاون العسكري والأمني  .

 اما من الناحية الاقتصادية، فان تركيا قادرة على تزويد الدول الخليجية بالمنتجات والصناعات التي تستوردها من دول أخرى، بالإضافة إلى الدخول فيما بينهما في عقد شراكات في مجال تكنولوجيا صناعة الأسلحة والدفاع، وذلك لما تتمتع به تركيا من صناعات عسكرية محلية للطائرات والدبابات، والمعدات العسكرية المتنوعة أيضا.

تركيا هي الأخرى تعمل في اتجاه تحقيق مصالحها بعيدًا عن العقائد والأيديولوجيات، ولذلك قامت بإجراء إصلاحٍ سياسي ٍ، مع الاتجاه نحو الشرق الأوسط في الوقت الذي ما زالت عيونها مفتوحة نحو الانضمام للاتحاد الأوروبي، حيث عملت على مضاعفة حجم تبادلها التجاري واستثماراتها مع دول الخليج في أعقاب استهداف اقتصادها بعد عملية  الانقلاب الفاشل فيها الذي  أدى الى هبوط اقتصادها لمستويات قياسية متدنية ، مما دعاها ذلك الى تشجيع رجال الأعمال الخليجيين على الاستثمار في تركيا في المجالات غير النفطية ،وهي فرصة أمام تطور العلاقات الخليجية – التركية مستقبلا وبعيدا أيضا عن محاولات إعادة حكم الأجداد ، وقد ظهرت بوادر استغلال هذه الفرصة في الأعوام الأخيرة لما تمثله دول الخليج من حضور ملحوظ في القطاع المالي وقطاع العقارات في تركيا، وهذا ما زاد من حجم الاستثمارات مع ارتفاع في قيمة التبادل التجاري بين البلدين ،حيث بلغت بالمليارات، فهل يمكن ان تنعكس الاختلافات في وجهات النظر بين البلدين فيما يخص الربيع العربي على العلاقات, وما هي تلك الخلافات؟ ، وهل يمكن ان تصبح تلك الخلافات  سببا في تدهور العلاقة التركية الخليجية  وانتهائها؟.

انعكاسات الربيع العربي على العلاقات الخليجية التركية:

إذا ما نظرنا إلى حالة الانهيار التي تتعرض لها بعض الدول العربية وغموض المستقبل فيها ايضا، فانه لم يبق امام تركيا والدول الخليجية، الا التحالف فيما بينهما من اجل تحقيق مصالحهما المشتركة ،وذلك بإعادة العلاقات فيما بينهما على قاعدة الثقة في النوايا والتحركات ،لأن ما يجري الان على مستوى العلاقات فيما بينهما دخلت في اطار العلاقات المشوبة بالحذر نتيجة تشابك العلاقات وتقاطعها أحيانا بفعل ما يسمى الربيع العربي، حيث بدأت الدول الخليجية تتخوف من امتداد النفوذ التركي بالمنطقة رغم الارتباط في المصالح والقواسم المشتركة فيما بينهما، في الوقت الذي تتجه فيه تركيا الى تحقيق مصالحها في القضايا التي تتعارض مع المصالح العربية دون محاولة إيجاد القواسم المشتركة تجاه تلك القضايا.

ان ما يخيف الدول الخليجية بشكل عام، والسعودية بشكل خاص من تركيا هو نمو النفوذ التركي في العالم العربي وذلك بسبب دعمها لجماعة الإخوان المسلمين ، وهذا ما جعل البعض يتساءل فيما اذا كانت تركيا تحاول إعادة امجاد الدولة العثمانية من خلال علاقاتها وارتباطاتها بالإخوان المسلمين ، تماما كما تحاول ايران ذلك من خلال الحوثيين في اليمن ،وحزب الله في لبنان، بالإضافة الى نظام بشار الأسد في سوريا ، حيث  يعتبر أردوغان من أكبر الداعمين لتوسع الإخوان المسلمين في العالم العربي، بالإضافة لما تمتلكه تركيا من علاقات مع اجنحة الاخوان المسلمين ،سواء تلك التي وصلت الى قمة السلطة ومن بينها حزب النهضة في تونس، وكذلك مع حزب العدالة  في المغرب ، او حتى مع تلك الاجنحة التي تمتلك قاعدة جماهيرية واسعة وأصبحت ذات تأثير في الحياة السياسية في بلدانها المستقلة منها، كالعلاقة مع حزب الإصلاح في الأردن ،وحتى مع أجنحة الاخوان المسلمين التي ما زالت بلدانها تعيش حالة من الفوضى والاقتتال كالعلاقة مع حزب الإصلاح في اليمن، ناهيك عن علاقاتها بحركة حماس التي ما زالت تمارس سلطة الامر الواقع  في غزة نظرا لما تتمتع به من دعم قطري كبير وبعلاقات قوية مع تركيا وتمويل إيراني ايضا.

 والأكثر من كل ذلك هو ما استجد من علاقة استراتيجية ما بين تركيا ودولة قطر رغم قرار الدول الخليجية بحصارها، وهذا ما يجعلنا نتساءل عن نوعية تلك العلاقة وابعادها المستقبلية، وهل يمكن القول أيضا بان التخوف السعودي من امتداد النفوذ التركي أصبح مشروعا؟.

النفود التركي بالمنطقة وتخوف السعودية:

رغم العلاقة الجيدة والتقارب فيما بينهما، فان ثورات ما يسمى الربيع العربي قد أحدثت انعكاسا على العلاقة ما بين الدول الخليجية وتركيا، وذلك نتيجة التباين في وجهات النظر بملف ربيع الثورات العربية، وهذا ما دفع السعودية الى التحفظ على الدور التركي حينا، والارتياب من تحركاته السياسية والعسكرية حينا اخر، وذلك منذ المواقف المتباينة فيما بينهما بالملف السوري واليمني وحتى الملف المصري ،وقد زادت الدول الخليجية من تحفظاتها على امتداد النفود التركي منذ القرار الخليجي بحصار قطر، حيث باتت تنظر الى ذلك النفوذ بشيء من الريبة والشك ، وفي الوقت الذي تعتبر فيه  تركيا بان ما يجري في المنطقة العربية من رياح تغيير هي بمثابة بداية لنظام الشرق الأوسط الجديد، ولذلك تسعى الى تامين وجودها فيه كعامل مؤثر وفاعل ، فان السعودية تنظر الى ما يجري على انه بداية لعدم استقرارها ،ومن هنا بدأت بعض المواقف فيما بينهما في حالة من التناقض ،وذلك من خلال التحركات التركية السياسية منها  والعسكرية في كل دولة من دول الربيع العربي دون ان تتسم تلك التحركات بأية اطماع او بمحاولة إعادة التاريخ الى الخلف من حيت العلاقات والتحالفات, وهذا ما يمكن استقراءه معا من خلال تناول تلك المواقف المتباينة ما بين دول الخليج وتركيا حول دول الربيع العربي في ظل امتداد النفوذ الإيراني وانعكاساته على تلك المواقف.

مستقبل العلاقات التركية الخليجية:

ان استقراء الواقع في العلاقات ما بين تركيا والدول الخليجية ،سواء كان ذلك في المحددات السياسية الإقليمية ،ومنها ما يتعلق بأهم  أزمات منطقة الشرق الأوسط في الوقت الحالي، وهي الأزمة السورية بالإضافة للازمة الداخلية الخليجية ، وسواء أيضا في المحددات السياسية التي تشمل العلاقات مع الجمهورية الايرانية  بما لها من دور بارز ومؤثر في منطقة الشرق الأوسط بتعقيداتها وأزماتها، بالإضافة للمحددات الاقتصادية، فانه يمكن القول وبعد استعراض تلك المحددات التي تحكم طبيعة العلاقات التركية السعودية، بان مستقبل العلاقات الخليجية التركية هو مستقبل واعد ، حيث تعتبر تركيا ورغم بعض المنغصات في العلاقات هي الأقرب للدول الخليجية والعلاقة فيما بينهما تستند الى مجموعة من العوامل المؤدية الى استقرار تلك العلاقات وتمتينها وبالأخص العلاقة السعودية التركية التي تأسست على تحقيق منافع متبادلة اقتصادية منها وعسكرية، وبالأخص التحدي الإيراني ومواجهة نفوذه المتصاعد في ملفات المنطقة من خلال ما يسمى الربيع العربي.

تركيا وإيران وملفات المنطقة:

تاريخيا فان الدولتين الإيرانية والتركية كانت في حالة عداء متبادلة، حيث ساهم الصفويين بتفكيك وحدة الدولة الإسلامية وفقا لما أشار اليه السلطان عبد الحميد في مذكراته، الا انه ومنذ تأسيس مصطفى أتاتورك تركيا الحديثة، دخلت العلاقات التركية الإيرانية في مرحلة من التهدئة.

ومع دخول ايران المرحلة الخمينية بدأ التحرش الايراني بتركيا مجددا، وذلك عن طريق الدعم الايراني لحزب العمال الكردستاني ، لكن العلاقات سرعان ما عادت فيما بينهما الى عهدها السابق من حيث الهدوء والحذر مع تطويرها اقتصاديا في ظل النظام الإسلامي الجديد الذي ساهم نجم الدين اربكان بإرساء معالمه، تلك المعالم التي ما زال اردوغان كخليفة له يحاول تعزيزها في العالم العربي أيضا، في الوقت الذي تتجه فيه ايران هي الأخرى لامتداد  نفوذها لقلب العالم العربي ،وهذا ما أعاد العلاقات فيما بينهما الى نوع من البرود حينا، والتباعد حينا اخر نتيجة تناقض المصالح لكل منهما في تلك الدول في ظل ما يسمى الربيع العربي .

كانت ايران قد دخلت قلب العالم العربي لتنفيذ اطماعها في ظل  وجود أنظمة عربية متصارعة ،ومع بداية الربيع العربي اتجهت تركيا الأردوغانية هي الاخرى نحو العالم العربي وفقا لما يحقق أهدافها الاقتصادية  ،ولذلك كانت مواقفها من دول الربيع تختلف من دولة لأخرى وفقا لمصالحها ، وبما يتناقض أيضا مع الموقف الإيراني ،وهذا ما جعلها في حالة توافق مع السعودية في كثير من الأحيان، وذلك بفعل طابع ايران الطائفي وعملها على شق وحدة مجتمعات المشرق العربي على أسس مذهبية كما هو عليه الحال الان  في اليمن وسوريا، لذلك فان الرئيس التركي “أردوغان” كان قد  توافق مع الموقف السعودي في كثير من الملفات العربية ومنها الملف اليمني .

كان الرئيس التركي قد وجه نقدا للجمهورية الإيرانية، وذلك لما تقدمه من دعم للحوثين لقوله “بأن هذا الدعم يزعج تركيا ولا يمكن تحمله”، بل وأبدى استعداده لدعم العملية العسكرية “عاصفة الحزم”، ثم أعاد الرئيس التركي انتقاداته الى إيران بقوله “إن إيران تبذل جهودا للهيمنة على المنطقة”، ودعا إيران إلى “سحب كافة قواتها من اليمن وسوريا والعراق”.

اما بشأن الموقف التركي من الازمة السورية، فانه وان كان يختلف عن موقفها من الازمات الأخرى ،وذلك لاختلاف عوامل الازمة وعناصرها، الا انه كان وما زال في حالة توافق تام أيضا مع السعودية ، وذلك على الرغم أنه لم يظهر وإلى الآن أي تصريح رسمي سعودي يعبر عن توافقها مع تركيا بشأن تخليها عن مطلب رحيل “بشار، إلا أن المؤشرات الأولية تشير إلى أن هناك ثمة تراجعاً نسبياً في الموقف السعودي بهذا الخصوص، وإن لم يكن بنفس درجة التراجع التركي، خاصةً مع ما أثير مؤخرا عن مطالبة وزير الخارجية السعودي “عادل الجبير” المعارضة السورية للقبول ببقاء “بشار” في السلطة.

كان اردوغان في بداية الازمة السورية مع إسقاط نظام الأسد في دمشق واستبداله بنظام سني حليف من خلال جماعة الإخوان المسلمين؛ ولكنه مع مرور الوقت اتجه نحو مجابهة الأكراد في شمالي سوريا لمنع قيام إقليم كردي مستقل على الحدود الجنوبية لتركيا، وذلك من خلال إطلاق أنقرة لعملية درع الفرات، ثم حربها في منطقة عفرين وشمال حلب، كما وأعلنت أن تدخلها العسكري في شمال سوريا من أجل مواجهة ارهاب تنظيم الدولة الإسلامية” داعش”، وتنامي ما اسماه الإرهاب الكردي.

اما بشأن العلاقات الخليجية الداخلية وانعكاساتها على العلاقة الخليجية التركية، فانه يمكن القول بان تلك العلاقة هي عامل الحسم في العلاقة التركية الخليجية، فإما الاتجاه نحو تطويرها الى حد التحالف الاستراتيجي فيما بينهما، واما بالاتجاه نحو التناقض وربما الصدام مع تحول في العلاقة ما بين دول الإقليم كافة من حيث إعادة ترتيب الأولويات فيما بينهما وفقا للمصالح، ففي الوقت الذي اتفقت الدول الخليجية فيما بينها على مقاطعة قطر الى ان يتم اذعانها للشروط المعلنة، فان تركيا قد سارعت لمد يد العون والمساعدة لدولة قطر مع انشاء القاعدة التركية فيها، وهي القاعدة العسكرية الوحيدة لأنقرة في منطقة الخليج، وهذا ما زاد التخوف السعودي من امتداد النفوذ التركي في ظل حالة التوافق التركي القطري على دعم تنظيم الإخوان المسلمين في دول الربيع العربي، خلافا لما هو عليه الحال في باقي دول الخليج.

ان قائمة الإنذارات الصارمة التي وضعتها الدول الخليجية في وجه الأمير القطري، ومن بينها سحب القوات التركية من قطر قد تجعل العلاقات الخليجية التركية في حالة من التوتر والتراجع، حيث كان الرئيس التركي ” أردوغان” قد وصف قائمة الانذارات تلك بأنها “مخالفة للقوانين الدولية” وبأنها “تطاول يصل إلى حد التدخل بالشؤون الداخلية” وبان” الدعوة لإغلاق القاعدة التركية في قطر هي عدم احترام”.

أن الغضب السعودي من الموقف التركي تجاه الأزمة من الدوحة قد يدفعها إلى التلويح بالورقة الكردية في وجه تركيا مقابل مساعدتها لقطر، والبدء بدعم جماعات كردية تعتبر نفسها موالية للدولة السورية، فهل ستؤثر هده الازمة بشكل بالغ على العلاقات الخليجية التركية في المرحلة المقبلة، وسيكون لها ارتدادات سلبية على المستوى السياسي والاقتصادي وخاصة في تطور العلاقات التركية مع بعض الدول العربية التي يتيح لها امتدادا في النفوذ ومنها السودان والجزائر؟.

باعتقادي بان الموقف التركي الداعم لقطر في مواجهة القرار الخليجي بمقاطعتها وحصارها لن يؤثر في العلاقات التركية السعودية، حيث انه ومنذ الدعم التركي فان العلاقات الخليجية التركية لم يشوبها أي توتر ،سواء كان ذلك على المستوى السياسي، او الاقتصادي ،وحتى الإعلامي ،حيث حرص الطرفان حتى الآن على الحفاظ على مستوى العلاقات فيما بينهما ،ولعل الدافع وراء إصرار استقرار تلك العلاقات هو حرص المملكة العربية السعودية على عدم معاداة تركيا في الوقت الذي هي بحاجتها لمواجهة الاطماع الإيرانية والحد من امتداد نفوذها، وحرص تركيا ايضا على كسب المملكة في مواجهة المخاطر الكردية، وضمان عدم تقديم السعودية الدعم للأكراد، هذا فضلا عن التعاون الاقتصادي فيما بينهما.

خلاصة القول فإن مستقبل العلاقات الخليجية التركية بشكل عام، والتركية السعودية بشكل خاص ،لن تتغير كثيراً عما هي عليه الآن، الا انه يمكن القول بان ما يدفع الى تغيير تلك العلاقات مستقبلا، سواء كان ذلك نحو تطور تلك العلاقات الى درجة التحالف، واما نحو تقليصها، وربما نحو القطيعة ايضا هو ان يلعب  أحد الطرفين بالملفات التي تؤثر في الأمن القومي للطرف الآخر، ففي حال استخدمت المملكة  العربية السعودية مثلا  ومعها الامارات ملف الأكراد في العراق وسوريا ولعبت عليه بشكل واضح وعلني، أو قامت تركيا بمناكفة السعودية في ملف اليمن، مع مناكفتها أيضا للإمارات بعد تطوير ميناء سواكن السوداني لما في ذلك من تأثير على الموانئ الإماراتية ، فإن العلاقات التركية الخليجية قد تدخل منحنى جديد، قد تصل ليس الى حد البرود والتباعد مجددا، وانما الى حد التوتر وربما الى حد القطيعة والتصعيد الحاد والمفتوح أيضا على كل الاحتمالات.

أضف تعليقك أو رأيك
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق