الأفريقية وحوض النيلالدراسات البحثية

الكنيسة الكاثوليكية فاعل سياسي بأفريقيا من واقع حالتي الكونجو الديموقراطية وأنجولا

اعداد  السفير بلال المصري –

ســفيـر مصر السابق لدي أنجولا وساوتومي والنيجر مدير المركز الديمقراطي العربي – مصر – القاهرة

مــــقـــدمــــة:

يُواجه التيار الإسلامي عموماً ودائماً عندما ينزع إلي الحركة صوب المجال السياسي بمتلازمة Dogma ” لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين ” , وهي عبارة مُضللة غالباً ما تُقال في مواجهة هذا التيار سواء أكان تياراً سياسياً صرفاً أو مؤسسة من مؤسسات الدولة كالأزهر الشريف مثلاً في حالة مصر, وذلك لسد الطريق أمام أي تيار سياسي أو مؤسسة إسلامية لتشكيل أو للمشاركة أوعلي الأقل للتفاعل مع أو في العمل السياسي في مجاله المُتسع بين حدين أدناهما إبداء الرأي أو الإرشاد وأعلاهما تبوأ مكانه فيه – وهذا حقه بل وواجبه – بين الفاعلين والتيارات السياسية الأخري أيا كان إتجاهها إما يساراً أو يميناً أو بلا إتجاه كالذي يُسمونه بالليبرالية , ولا تتوقف هذه المواجهة عند مجرد ترديد هذه العبارة بل إن هذا التيار يُواجه كذلك بوصمه بالتطرف أو الإرهاب الفكري , حتي لقد بلغ الأمر حد تجريم أو علي الأقل تقييد أي حزب سياسي يتبني فكراً إسلامياً , وهو ما لا يحدث في الغرب المُقيد بالديموقراطية وقواعدها .

سيتضح من خلال  هذه الدراسة أمر بالغ الأهمية وهو اللهجة المواتية للغاية من الإعلام الغربي عند تغطيته لمسعي الكنيسة الكاثوليكية في الكونجو الديموقراطية لإنهاء حكم Joseph Kabila الديكتاتور الثعلب في Kinshasa و في أنجولا وتحديداًCabinda التي تعتبر أحد محافظات أنجولا الثمانية عشر والتي تطالب كنيستها الكاثوليكية مع منظمة Mpalabanda المدنية وجبهة تحرير جيب كابيندا FLEC بالحصول علي حق تقرير المصير لإقليم كابيندا  الأنجولي , وسيتضح من العرض التالي أن جهود الكنيسة الكنيسة الكاثوليكية في الحالتين لا تتعرض لإنتقاد إلا من خصمها السياسي  أي من نظام الحكم القائم في Luanda و Kinshasa فقط , ولا يحيطها الإعلام الغربي بل والأفريقي بصفات مثل التطرف , الأصولية , العنف , الطائفية , مزج السياسة بالدين , تسيس الدين ألخ , بالعكس يسبغ الإعلام الدولي والأفريقي علي قادة الكنيسة الكاثوليكية هنا وهناك بصفات البطولة والإستجابة لأماني وتطلعات الشعب ألخ وكمثال من بين أمثلة لا تحصي نقرأ هذا العنوان علي موقع تشادي هو caTchas ” الكنيسة الكاثوليكية في مواجهة تحديات الديموقراطية والسلام والإستقرار في الكونجو الديموقراطية” أوL’église catholique face aux défis de la démocratie, de la paix et de la stabilité en RDC وذلك في مقالته الأولي لعام 2017 , وكذلك موقع Courrier نجده يضع عنواناً علي موقعه بتاريخ 7 يناير 2018 يُقرأ : ” جمهورية الكونجو الديموقراطية : الكنيسة الكاثوليكية مُعارض سياسي رئيسي ؟ ” , كما أن الفاتيكان نفسه لا يخفي دوره أيا ما كان هذا الدور في الحالتين فهو في كل من هاتين الحالتين مُسلح بمنطق ما , وقد تجنبت التطرق لدور الكنيسة الكاثوليكية في الكونجو برازافيل وبورندي ورواندا وساوتومي وبرنسيب  وفي أنجولا نفسها التي يكفي الإشارة بشأنها أن هناك صلات تتنامي بين الدولة الأنجولية والكنيسة الكاثوليكية بها ظلت متوترة طيلة الحرب الأهلية الأنجولية 1975 – 2002 , فمثلاً إلتقي رئيس أنجولا José Eduardo dos Santos بأسقف لواندا Mgr Damião Franklim في 30 سبتمبر 2009 وجرت المقابلة وفقاً لتصريح الأسقف لوكالة الأنباء الأنجولية في جو ودي وتناولت موضوعات ثنائية تتعلق بعلاقة الكنيسة الكاثوليكية الأنجولية بمجلس الوزراء الأنجولي , وكانت أهم نقطة تحول في علاقات الدولة الأنجولية “العلمانية” بالكنيسة الكاثوليكية الأنجولية هي تلك الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس الأنجولي José Eduardo dos Santos للفاتيكان في 2 مايو 2014 ولقاءه بحبر الفاتيكان وقد أشار بيان الفاتيكان عن الزيارة إلي أنها تناولت العلاقات الجيدة القائمة بين الفاتيكان وجمهورية أنجولا وكذلك وضع مشروع إتفاق ثنائي  بشأن الموقف القانوني للكنيسة بأنجولا , وعندما إلتقي وزير العلاقات الخارجية الأنجولي Georges Rebelo Pinto Chikoti بممثل الفاتيكان بأنجولا بمكتبه في 4 أكتوبر 2015 صرح الأخير لوكالة الأنباء الأنجولية بقوله ” إن هناك علامات جيدة بشأن العلاقات بيننا ” , وفي مارس من عام 2016 بدأت مفاوضات بين الحكومة أنجولا (وزارة الدفاع) والكنيسة الكاثوليكية بها لفتح مدارس التعليم العالي العسكرية الكاثوليكية  , بل لقد زاد وضوح دور الكنيسة الأنجولية أكثر في دعوة الزعماء الدينيين لإجتماع مع رئيس حزب MPLA الحاكم الرئيس السابق لأنجولا José Eduardo dos Santos في 26 أبريل 2018 فعقب هذا الإجتماع صرح Don Afonso Nunes رئيس كنيسة Tocoism ( واحدة من أكبر الحركات المسيحية بأنجولا) بأنه تلقي تأكيدات من الرئيس dos Santo بأن الإنتقال الثاني للسلطة بالحزب الحاكم في أنجولا سيكون سلمياً وهادئاً كما كان الأمر في حالة نقل السلطة من الرئيس dos Santos للرئيس الأنجولي الحالي João Lourenço عام 2017 .

عموماً يمكن القول بان دور الكنيسة الكاثوليكية بهذه الدول وغيرها دور واضح وتاريخي ويؤكد ما سأنتهي إليه في الخلاصة وهو أن الكنيسة الكاثوليكية تلعب الدور الأهم في صياغة / تشكيل أو توجيه السياسات أو علي الأقل بعض السياسات بالدول الأفريقية التي للمذهب الكاثوليكي الغلبة السكانية بها , وهذا الدور تمارسه الكنيسة الكاثوليكية من نقطتين متداخلتين إحداهما في حاضرة الفاتيكان والأخري في عاصمة هذه الدولة الأفريقية أو تلك , كما أن هناك إشارة ذات مغزي وهي أن الكنيسة الكاثوليكية تلعب دوراً مهماً ومُتفاعلاً مع الأحداث في أنجولا التي تعتبر دولة علمانية وفقاً لدستورها , كما أن الكنيسة الكاثوليكية تتفاعل في فضاءات سياسية متعددة خارج النطاق القطري فنجدها تتحرك في إطارتجمع الدول الناطقة بالبرتغالية CPLP الذي أُنشئ في 17 يوليو 1996 وهو ما يمكن وصفه بكومنولث برتغالي Lusophone Commonwealth وهو يضم ثماني دول بالعالم لغتها الرسمية البرتغالية  منها خمس أفريقية , منها انجولا وساوتومي , وداخل هذا التجمع السياسي في الجانب الأهم منه نجد للكنيسة الكاثوليكية الأفريقية حيز به ففي 23 سبتمبر 2013 عُقد بالبرازيل الإجتماع الثاني عشر المُوسع للأساقفة المتحدثين بالبرتغالية , كذلك من المثير أنه رغم أن دولة كالنيجر 99,8% من سكانها مسلمين حرص أسقف الكنيسة الكاثوليكية في Niamey عاصمة النيجر  علي حضور الجلسات العامة للمفاوضات التي قام بها التجمع الإقتصادي لدول غرب أفريقيا ECOWAS لحل الأزمة الدستورية والسياسية بالنيجر عام 2009 عندما قرر الرئيس تغيير دستور البلاد بدستور آخر يتيح له ولاية رئاسية ثالثة .

من المعروف بالضرورة أن الإسلام لم يأت لنا كمسلمين بالعقيدة الصحيحة وحدها , ولا بالنظام الأخلاقي الذي يقوم عليه المجتمع فحسب , بل جاء مع هذا وذاك بالشريعة المُحكمة العادلة , هذه الشريعة التي تحكم الإنسان والمجتمع في مجالات الحياة الإقتصادية والسياسية والإجتماعية بل والقانونية أيضاً , والإسلام بهذا يتميز عن العقائد السماوية الأخري بتنظيمه لهذه المجالات المختلفة واضعاً لها الأصول والمبادئ العامة التي تقوم عليها ويتأسس علي أعمدتها نظام ونظم المجتمع والدولة معاً , وليس ما تقدم رأي شخصي أبديه , لكن هناك الكثير ممن يعلموا تمام العلم ما قاله مُستشرقين ومُفكرين غرباً وشرقاً , فالدكتور فيتزجرالد يقول ” ليس الإسلام ديناً فحسب , ولكنه نظام سياسي أيضاً , وعلي الرغم من أنه قد ظهر في العهد الأخير بعض من المسلمين ممن يصفون أنفسهم بأنهم عصريون يحاولون أن يفصلوا بين الناحيتين , فإن صرح الفكر الإسلامي كله قد بُني علي أساس أن الجانبين مُتلازمين ولا يمكن أن يُفصل أحدهما عن الآخر” , كما أن الأستاذ الإيطالي المعروف C.A Nollino يقول في هذا ” لقد أسس محمد “صلي الله تعالي عليه وسلم ” في وقت واحد ديناً ودولة وكانت حدودها مُتطابقة طول حياته” , كما قال الدكتوةر شاخت ” إن الإسلام يعني أكثر من دين , إنه يمثل أيضاً نظريات قانونية وسياسية , وجملة القول أنه نظام كامل من الثقافة يشمل الدين والدولة معاً ” , وأخيراً وليس آخراً قال الأستاذ R.Jibb ” عندئذ صار واضحاً أن الإسلام لم يكن مجرد عقائد دينية فردية , وإنما إستوجب إقامة مجتمع مُستقل له أسلوبه المُعين في الحكم وله قوانينه وأنظمته الخاصة به ” , * ( د . محمد يوسف موسي . نظام الحكم في الإسلام . دار الكاتب العربي للطباعة والنشر . 1963 .صفحة 15 , 16) , وقد بين من دافعوا عن العلاقة الوثيقة بين الإسلام والحكم وهم كثر مثل الماوردي والإمام الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين في كتابه القيم ” نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم ” , أن للإسلام دوره في صناعة وممارسة السياسة , وهو ما لن أتطرق إليه إلا في النتيجة النهائية بناء علي العرض التالي بشأن الدور السياسي النشط والفاعل للكنيسة الكاثوليكية في أفريقيا من واقع حالتي الكونجو الديموقراطية وأنجولا .

يخطئ من يعتقد أن أفريقيا جنوب الصحراء لا حيز للمكون الديني بها في المجالات السياسية والثقافية والإجتماعية بل والإقتصادية في بعض الأحيان والحالات في معظم دول أفريقيا جنوب الصحراء خاصة التي يتبع سكانها المذهب الكاثوليكي الذي إعتنقوه نزولاً علي الإرادة الغالبة لدول الإستعمار التقليدي , وهذا المكون الديني بقدر ما هو في حالات مكون “ثوري” بقدر ماهو قابل للإستخدام سياسياً من قبل نظم الحكم القائمة بأفريقيا – إن إستطاعت – بقدر ما يمكن أيضاً  إستخدامه من المعارضة السياسية والكنيسة الكاثوليكية نفسها أكثر من أي من الكنائس الأخري التي تتبع مذهباً مسيحياً آخر كالكنيسة البروتستانتية أوغيرها من الكنائس الوطنية(الأفريقية المُستقلة) أو التي تبدو وكأنها وطنية مثل كنيسة L’Église kimbanguiste والتي تأسست في 6 أبريل 1921 علي يد Simon Kimbangu ومعظم أتباعها في الكونجو ونامبيا وأنجولا التي لكنيسة Kimbanguiste دور سياسي بها , صحيح أنه دور لا يُعادل دور الكنيسة الكاثوليكية , لكن اللعبة السياسية في أنجولا كما في الكونجو الديموقراطية تستخدم هذه الكنيسة “الوطنية” في سياسة أو تشكيل علاقاتها مع الكنيسة الكاثوليكية , فعلي سبيل المثال إلتقي José Lourenço  وزير الدفاع الأنجولي في 6 يوليو 2017 خلال فترة ترشحه لإنتخابات رئاسة الجمهورية الأنجولية عن حزب MPLA الحاكم بالسيدPaul Kisolokele Kiangani الممثل الشرعي لكنيسة  Kimbanguiste حيث ناقشا أمور مُتعلقة بكنيسة Kimbanguiste والإنتخابات الرئاسية المُقبلة , ولما كانت أنجولا التي يبلغ عدد سكانها وفقاً لتعداد عام 2014 نحو 24,789,024 مليون نسمة يتبع حوالي 50% منهم المذهب الكاثوليكي , والكونجو الديموقراطية التي يبلغ عدد سكانها وفقاً لتقديرات عام 2016 نحو 78,736,153 مليون نسمة يتبع 35 مليون مواطن منهم المذهب الكاثوليكي, فإننا والحالة هذه نتكلم عن أكبر تجمع سكاني كاثوليكي بأفريقيا وهو ما يلقي كل الإهتمام من الفاتيكان – كما سأشير لاحقاً – بمعني أن أهمية الكنيسة الكاثوليكية في أفريقيا تأتي من كونها إضافة ديموجرافية وروحية مهمة للفاتيكان الذي يعضدها بنفوذه المتعدد الأبعاد , وبناء علي ذلك أعتقد أنه سيمكن تبين بجلاء دور الكنيسة الكاثوليكية المباشر كفاعل سياسي مُؤثر من عرض مختصر للأزمتين السياسيتين التي تواجه كل من الكونجو الديموقراطية وأنجولا حالياً  .

(1) دور الكنيسة الكاثوليكية في الأزمة السياسية بالكونجو الديموقراطية :

وفقاً لبيان أصدره المكتب المركزي للإحصاءات للكنيسة الكاثوليكية  Bureau central des statistiques de l’Eglise فقد بلغ عدد الكاثوليك في العالم 1,3 مليار نسمة وذلك عام 2015وأشار البيان إلي أن هناك إتجاه نحو الزيادة خاصة فيما يتعلق بأفريقيا التي سُجلت فيها زيادة للكاثوليك بواقع 19,4% وهي القارة التي دخلت دولة أفريقية كالكونجو الديموقراطية في تصنيف الدول العشر علي مستوي العالم الأكثر سكاناً من الكاثوليك , فقد جاءت الكونجو الديموقراطية في المركز التاسع حيث بها 43,2 مليون نسمة من سكانها ممن ينتمون للمذهب الكاثوليكي , ومن ثم فعندما نعرض لدور الكنيسة الكاثوليكية في الأزمات السياسية بالدول الأفريقية ذات الغالبية الكاثوليكية من مسيحيي هذه الدول , فنحن في نفس الوقت نتكلم عن وزن هذه الكنيسة ومكونات هذا الوزن بمعني أن فاعلية تأثير الكنيسة الكاثوليكية مُؤسسة علي وزن ديموجرافي مُميز وعلي حيازة هذه الكنيسة لأصول إقتصادية بتلك الدول إضافة لدعم الفاتيكان والقوي الكبري الكاثوليكية وهي علي وجه التعيين فرنسا ويأتي بعدها في الأهمية بلجيكا والبرتغال , ومنذ العهد الإستعماري البلجيكي عندما كانت الكونجو أحد ممتلكات ملك بلجيكا Leopold II كان الملك يستعين بالكنائس الكاثوليكية في عموم الكونجو لإدارة البلاد مما أعطي هذه الكنائس نفوذا سياسياً وإقتصادياً حاكماً , وبالتالي أصبحت الكنيسة الكاثوليكية الكونجولية تمتلك الإدارة والإقتصاد وتعمل بصفة رئيسية في مجال التعليم وبناء المدارس وفي مجال الصحة وكانت مقاومتها للمستعمرين من خلال القادة السياسيين الذين تعهدتهم الكنيسة تعليمياً وثقافياً فكان هؤلاء وأصبحوا بمثابة المُدافع عن مصالح الكنيسة , وكان الرئيس الأول للكونجو  Joseph Kasa-Vub أول من إستخدمت الكنيسة الكاثوليكية معه نفوذها القوي وخف هذا التدخل في عهد Patrice Lumumba الذي لم تكن هذه الكنيسة بمتحمسة لتوليه منصب رئاسة الوزراء , وبعد مقتله توليJoseph Ileo عادت الكنيسة مُجدداً لممارسة نفوذها القوي , وكما كان نفوذ الكنيسة الكاثوليكية شديد الوطأة علي Kasa-Vub فقد كان كذلك مع الرئيس الراحل  Mobutu Sese Seko الذي شهد عهده – وبغض النظر عن تقييم سياساته وإستبداده بالسلطة- الكثير من الصدامات مع الكنيسة الكاثوليكية الكونجولية التي كان يدعمها وينسق معها الفاتيكان مواجهة نظام Mobutu , وهذا ما يفسر جزئياً إستخدام الرئيس Mobutu مع سياسات ووسائل أخري ورقة كنيسةEglise kimbanguiste  المحلية الكونجولية لإدارة صراعه مع الكنيسة الكونجولية التي كان يقودها آنذاك الكاردينال  Joseph-Albert Malulaفي سبعينات وثمانينات القرن الماضي , فكنيسة kimbanguiste  بدأت في الظهور كحركة دينية علي مسرح الأحداث بالكونجو منذ 1921 ثم حصلت رسمياً من السلطات الإستعمارية البلجيكية عام 1959 علي “وضعية الكنيسة” , وعملت هذه الكنيسة الأفريقية وهي تتابع الصراع ما بين الرؤساء الكونجوليين وما بين الكنيسة الكاثوليكية علي الظفر بمساحة مناسبة تتحرك فيها , إذ أن هذه الكنيسة وحتي إستقلال الكونجو عن بلجيكا في 30 يونيو 1960 وحتي يومنا هذا لم يكن هناك قوة خارجية ذات تأثير تدعمها , فيما الكنيستين الكاثوليكية والبروتستانتية في الكونجو كانت لهما في الفاتيكان وروما وباريس وسويسرا قوة كنسية داعمة لهما وبقوة , كذلك لم يكن مجرد حصول كنيسة kimbanguiste علي “وضعية الكنيسة ” وحده بكاف لتكون قوية بذاتها خاصة مع فارق النفوذ واليسر المالي الهائل بينها وبين الكنيسة الكاثوليكية الكونجولية , وبالتالي إتجهت كنيسة kimbanguiste – التي يمثل أتباعها 10% من مجمل سكان الكونجو Kinshasa ويبلغ مجمل تعدادهم بالكونجوليتين Kinshasa و Brazzaville وبأنجولا وغيرها نحو 17 مليون نسمة – للإستخدام السياسي لصفتها ككنيسة وطنية أو لنقل أفريقية للظفر بكثير من المزايا ولإكتساب وضعية خاصة لدي الدولة الكونجولية ومن بين هذه المزايا إعتراف المجلس المسكوني الكنسي عام 1969بها بمعاونة من الدولة الكونجولية , ومن هنا نشأت علاقة خاصة وتبادلية بين كنيسة kimbanguiste ونظام الرئيس Mobutu  وكان كلاهما يجني بعض الفوائد منها , وبالتالي فقد نمت هذه العلاقة علي مر الزمن , إذ كانت المسافة التي بين كنيسة kimbanguiste والنظام السياسي الكونجولي في عهد Mobutu قصيرة جداً بشكل أدي إلي أن تكون هذه الكنيسة داعم رئيسي لسياسات Mobutu ومازالت هذه المسافة هي نفسها التي تفصل بينها وبين نظام الرئيس Joseph Kabila وبالتالي فإن موقفها من الأزمة السياسية / الدستورية الكونجولية الحالية مُؤيد للرئيس Kabila وهو ما دعي لقلق الكنيسة الكاثوليكية الكونجولية التي بسبب تاريخ ومواقف كنيسةkimbanguiste الخارجة عن الإجماع الوطني جعلت الأولي تقرر في يوليو عام 2004وقف كل أشكال العلاقات مع kimbanguiste وعدم الإعتراف بتعميدها لأسباب لاهوتيةThéologique   فوفقاً لقرار وقف العلاقة لم تعد الكنيسة الكاثوليكية تعترف بأن كنيسة kimbanguiste تعتنق الإيمان المسيحي .

ألقت الأزمة السياسية الكونجولية التي إكتست بملامح الصراع , ألقت بظلها القاتم علي العلاقات بين الكنائس الرئيسية بالكونجو الديموقراطية وهي علاقات تنافسية ذات مذاق مر , فالكنائس الرئيسية لا تتنافس فقط علي إجتذاب المؤمنين الذين بقدر تعميد كل كنيسة منهم للعدد الأكبر من الكونجوليين بقدر ما يُنعم الفاتيكان أو الكنائس البروتستانتية علي هذه الكنيسة أو تلك بالدعم المالي , بل هي تتنافس أيضاً علي جني ثمار سياسية علي الطرف الذي تنضم إليه في هذا الصراع السياسي غير المنتهي , فالكنيسة الكاثوليكية الكونجولية وهي تقود المعارضة لنظام الرئيس Kabila يرافقها الفاتيكان في هذا السبيل  , بينما نجد كنيسة kimbanguiste تدعم نظام Kabila ومعها الكنيسة البروتستانتية مُمثلة في تحالف الكنائس البروتستانتية الكونجولية بقيادة Marini Bodhoشديد الولاء للرئيس Kabila لدرجة إعلان تأييده لإجراء تغيير للدستور الكونجولي بما يتيح للرئيس تجديد ترشحه للرئاسة , الأمر الذي يقيده الدستور الكونجولي المعمول به حالياً , وبالتالي علينا أن نتصور أنه من بين النتائج السلبية العرضية للأزمة السياسية الكونجولية سيادة حالة صراع موازية بين الكنائس الرئيسية الثلاث بالكونجو وهي الكاثوليكية والبروتستانتية وكنيسة kimbanguiste التي أعلم من خلال عملي بأنجولا في الفترة من 2003 – 2007أنها كانت تتلقي دعماً مالياً وسياسياً بتوجيه من الرئيس الأنجولي السابق Jose Eduardo dos santos ورئيس حزب MPLA الأنجولي الحاكم حالياً , ومن ثم علينا وبدون الحاجة لإفتراضات أن نستنتج أن الكنيسة بأفريقيا تمارس السياسة بقوة وبصفة مباشرة لا مواربة فيها وأن الإعلام الأفريقي والغربي في معظمه لا  يدين هذا الإتجاه أو يصفه بالتطرف , فالمؤسسة الكنسية الكاثوليكية الكونجولية تصف دورها السياسي بأنه لخدمة المجتمع وهي حقيقة , إذ لا شك في حقيقة أن Kabila تستهويه فكرة العصف بالدستور الكونجولي الموضوع عام 2006 وبه مادة تحدد ولاية أي رئيس بإثنتين كحد أقصي , وبالتالي ينطبق عليه وصف ” ديكتاتور” , لكن يُلاحظ أنه رغم ديكتاتوريته وسلوكه غير الدستوري فإنه مازال باقياً مُستفيداً من تغليب القوي الدولية لمصالحها الإقتصادية بالكونجو خاصة في شرقي الكونجو الذي أصبح الرابط بينه وبين باقي جمهورية الكونجو الديموقراطية واه بل ويكاد أن لا تراه عين المراقب السياسي .

إن أحد أهم المُبررات التي يستند عليها الرئيس Kabila في وضع منطق لتحقيق رغبته في البقاء في السلطة مُتجاوزاً القيد الدستوري مُتمثلاً في المادة التي تحدد ولاية الرئيس بفترتين فقط هي سوابق تغيير رؤساء أفارقة للدستور أو تعديله بحيث يسمح لهم بزيادة فترات رئاستهم أو فتحها بلا قيد , ومن بين أمثلة عديدة أسوق السوابق التالية :

سابقة مصر :

بادر الرئيس المخلوع مبارك في مصر في إطار عملية إنتقال ماكر للسلطة بتوريثها لأبنه الأكبر من خلال طرح تعديل دستوري  للمادتين 76 و 192 مكرر المنصوص عليهما بدستور مصر الصادر عام 1971, وقد بدا للكثيرين في مصر أن التعديل الذي أُجري علي المادة 76 كأنه إقتباس لوغاريتمي أو مُشتقاً من علم الرياضيات أو نظرية من الإحتمالات , إذ صيغ هذا التعديل بإلتفاف وتعقيد بالغين كي يوصد أي باب محتمل أن يُفتح أمام أي مرشح للرئاسة من خارج الحزب الوطني الديموقراطي الذي أفسد مصر وخربها كما لم تخربها قوي أخري بما فيها الإحتلال البريطاني لمصر طيلة 73 عاماً , فقد كان نص تعديل المادة 76 التي صوت البرلمان بالموافقة عليها بأغلبية 405 من أعضاءه في 10 مايو 2005 ثم طُرحت للإستفتاء العام في 25 مايو 2005 وقبلها الشعب – فهكذا يسمونه دائماً – بنسبة 83%  , كما يلي ” ينتخب رئيس الجمهورية عن طريق الاقتراع السرى العام المباشر. ويلزم لقبول الترشيح لرئاسة الجمهورية أن يؤيد المتقدم للترشيح مائتان وخمسون عضوا على الأقل من الأعضاء المنتخبين لمجلسى الشعب والشورى والمجالس الشعبية المحلية للمحافظات، على ألا يقل عدد المؤيدين عن خمسة وستين من أعضاء مجلس الشعب وخمسة وعشرين من أعضاء مجلس الشورى ، وعشرة أعضاء من كل مجلس شعبي محلى للمحافظة من أربع عشرة محافظة على الأقل . ويزداد عدد المؤيدين للترشيح من أعضاء كل من مجلسى الشعب والشورى ومن أعضاء المجالس الشعبية المحلية للمحافظات بما يعادل نسبة ما يطرأ من زيادة على عدد أعضاء أي من هذه المجالس . وفي جميع الأحوال لا يجوز أن يكون التأييد لأكثر من مرشح ، وينظم القانون الإجراءات الخاصة بذلك كله . وللأحزاب السياسية التي مضى على تأسيسها خمسة أعوام متصلة على الأقل قبل إعلان فتح باب الترشيح ، واستمرت طوال هذه المدة في ممارسة نشاطها مع حصول أعضائها في أخر انتخابات على نسبة 5% على الأقل من مقاعد المنتخبين في كل من مجلس الشعب ومجلس الشورى ، أن ترشيح لرئاسة الجمهورية أحد أعضاء هيئتها العليا وفقا لنظامها الأساسي متى مضى على عضويته في هذه الهيئة سنة متصلة على الأقل . واستثناء من حكم الفقرة السابقة ، يجوز لكل حزب سياسى أن يرشح في أول انتخابات رئاسية تجرى بعد العمل بأحكام هذه المادة أحد أعضاء هيئته العليا المشكلة قبل العاشر من مايو سنة 2005، وفقا لنظامه الأساسي . وتقدم طلبات الترشيح إلى لجنة تسمى ” لجنة الانتخابات الرئاسية ” تتمتع بالاستقلال ، وتشكل من رئيس المحكمة الدستورية العليا رئيسا ، وعضوية كل من رئيس محكمة استئناف القاهرة ، وأقدم نواب رئيس المحكمة الدستورية العليا ، وأقدم نواب رئيس محكمة النقض ، وأقدم نواب رئيس مجلس الدولة ، وخمسة من الشخصيات العامة المشهود لها بالحياد ، يختار ثلاثة منهم مجلس الشعب ويختار الاثنين الآخرين مجلس الشورى وذلك بناء على اقتراح مكتب كل من المجلسين وذلك لمدة خمسة سنوات، ويحدد القانون من يحل محل رئيس اللجنة أو أي من أعضائها في حالة وجود مانع لديه . وتختص هذه اللجنة دون غيرها بما يلى :-  ….. “ , وبعد ذلك أطمئن مبارك بعد أن حقق دستورياً التوريث لأبنه بواسطة هذا التعديل إلي دوام حكم جمهوري مزيف بلون أزرق ملكي لأسرة لم يُستدل للآن أن لمؤسسها نضال ضد الإحتلال البريطاني أو ممارسة سياسية ما في أي يوم من أيام حياته التي عُرف عنها أنها كانت حياة موظف مُؤدب يطيع رؤساءه بدون قيد أو شرط , لكن الغرب وفي صدارته الولايات المتحدة التي تحاول أن تعطي إنطباعاً بأن قيم الديموقراطية تعنيها وعلي إستعداد للذود عنها لم تعترض علي ما يفعله مبارك بالديموقراطية التي جعلها مبارك وغيره مثل العروض والأصول الثابتة والمتداولة يمكن توريثها أو بيعها أو التنازل للغير عنها .

لم يكن للأزهر ولا أي مؤسسة إسلامية رسمية أخري أي رد فعل مُضاد للتعديلات التي طرحها الرئيس المخلوع بل إنها سارعت بالترحيب بها , وكأن الأمر لا يعنيه وكانت هناك أصوات معارضة هنا وهناك من خارج المؤسسة الإسلامية الأزهرية لكنها كانت بلا فاعلية , فقد مضي مبارك قُدماً في توريث الحكم , كذلك لم تعارض الولايات اللمتحدة ولا القوي الغربية الداعمة دائماً لنظام مبارك المطيع للسياسات الغربية وكانت تتذرع بأن الأمر برمته “شأن داخلي” .

سابقة أوغندا :

 كذلك فالرئيس الأوغندي فعلها أيضاً فقد أوردت وكالة أنباء Reuters علي موقعها في 14 يوليو 2017 بالإحالة علي ما قاله مسئول أوغندي كبير للوكالة يوم 14 يوليو 2017 من أن الحكومة الأوغندية تريد حذف حد السن للمرشحين لإنتخابات الرئاسة الأوغندية القادمة والمُقرر إجراؤها عام 2021  بما يسمح للرئيس Yoweri Museveni البالغ من العمر 73 عاماً بالبقاء في منصبه عند إجراء هذه الإنتخابات , وأكدت الوكالة ما تقدم بتصريح آخر أدلي نائب المُدعي العام الأوغندي Mwesigwa Rukutana أشار فيه إلي أن الحكومة الأوغندية إستعرضت عدة تغييرات مُحتملة تُجري علي الدستور الأوغندي وأن مسألة السن للمرشح الرئاسي أحد هذه التغييرات وقال ما نصه ” إذا ما خدم شخص ما بشكل جيد جداً والناس يعتقدون أنه مازال لديه الكثير ليساهم به , فليس هناك ثمة ما يمنع من ذلك لمجرد أنه بلغ سن الخامسة والسبعين ” وأضاف “أن هناك أشخاص كثر يودون تعديل ذلك … وطالما أن الناس يُصوتون , فإن سن المُرشح لا يهم والحالة هذه “ , لكن الرئيس الأوغندي Museveni دائماً ما له تقدير مختلف للمعارضة فقد قال بمناسبة تقديمه التعزية في 6يوليو  2017في وفاة John Ssebaana Kizito محافظ مدينة Kampala ورئيس حزب DP إن Ssebaana ترك الحزب والمعارضة لقادة ضعفاء كل همهم أن يأكلوا ويبيعوا أرواحهم السياسية لمن يدفع أكثر ولا يعنيهم هدف بناء الأمة , طبعاً يتكلم الرئيس الأوغندي علي هذا النحو بإعتباره رمزاً للنقاء الوطني , غافلاً عن تقييم دول كثيرة له بأنه صاحب أكثر من وجهين وأزمة الحرب الأهلية في جنوب السودان ودوره المزدوج فيها وأزمة مصر مع دول الإتفاق الإطاري وتلاعبه بمصر مجرد أمثلة علي طبيعة شخصيته لكنه مُصنف علي أنه ” متعاون ” مع الإستراتيجية الأمريكية في أفريقيا إذ من بين مظاهر عدة لذلك أتاح مسرحاً حراً في أراضي بلاده لحركة ومهام القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا AFRICOM .

 كان موقف الكنيسة البروتستانتية في أوغندا مخالفاً لموقفها المؤيد للرئيس Museveni فأسقف الكاثوليك بالعاصمة كمبالا Cyprian Kizito Lwanga أدلي في 6 يناير 2018 بتصريح نشره موقع CRUX عارض فيه تغيير الرئيس Yoweri Museveni  للدستور حتي يمكنه الترشح للرئاسة لولاية رئاسية يمنعها عنه الدستور الحالي , وأشار في تصريحه إلي أنه ” علي الأوغنديين مقاومة السياسات السيئة التي سادت أوغندا تحت حكم الرئيس Museveni  الذي ظل يحكم أوغندا منذ 1986 , وجاء هذا التصريح رداً علي ما ورد بكلمة للرئيس الأوغندي بمناسبة العام الجديد 2018 دعا فيها الزعماء الدينيين بأن يتحروا التواضع في سلوكهم ويركزوا علي الأشياء التي من المُفترض أن يعملوا عليها , وقال ما نصه ” إن بعض من الناس القائمين علي الأمور الدينية من الغطرسة بمكان بحيث أنهم يتكلمون وكأنهم مخولين بذلك تماماً في كل شيئ , حتي أنهم لا يجشموا أنفسهم عناء البحث عن الحقيقة , هذا مع إفتراض أنهم ليس لديهم نوايا شريرة هي الأسوأ وهذا من شأنه أن يجعل هؤلاء مثلهم مثلCaiaphas رئيس الكهنة الذي خان يسوع ” , كذلك عارض Reuben Kisembo أسقف أبرشية Ruwenzori الإنجليكانية (منطقة جبلية تقع علي الحدود الأوغندية مع الكونجو الديموقراطية) ” إن رفع حد العمر مرادفاً لسد الطريق أمام حكام مُحتملين آخرين لأوغنداً التي بها أناس آخرين مؤهلين ولهذا ليس هناك ثمة حاجة ضاغطة لتغيير الدستور الأوغندي” , كما صرح Danhg Zoreka الإنجيليكاني وهو أسقف أبرشية Kinkizi ” إني لا أؤيد إزالة حد العمر من الدستور الأوغندي , ونحن ننتظر لنري الرئيس Museveni وهو يغادر السلطة رسمياً , فتغيير الدستور ليس شيئاً طيباً لإستقرار وسلام أوغندا ” , وقال المطران بمنطقة  Gulu  الأوغندية  رئيس مؤتمر الأساقفة الكاثوليك بأوغندا ” إن هؤلاء الذين يخططون لتغيير الدستور يخربون السلام في أوغندا في الوقت الذي نريد فيه إنتقال سلمي للسلطة” * (موقع CRUX 23 سبتمبر 2017) , وخلاصة الموقف الحالي بأوغندا إزاء هذه القضية أن العلاقة بين الرئيس الأوغندي Museveni والكنيستين الكاثوليكية والأنجيليكانية تسوء بسبب نيته وإتجاهه لتعديل الدستور الأوغندي المعمول به للآن , وبسبب إتهامه للكنيستين بالتدخل في السياسة , فالكنيستين تضغطا علي الشارع الأوغندي وبه قطاع مهم يعارض رغبة Museveni كما أنهما إقترحا مؤخراً عقد مؤتمر حوار وطني أو إستفتاء شعبي نظراً لأن نتائج هذا التعديل للوفاء برغبة الرئيس تهدد الإستقرار ومن ثم فلا ضرورة لجعل البرلمان الأوغندي ينفرد بإقرار هذه الرغبة المُولع بها Museveni الذي لم يعبأ بكل هذه المعارضة فوقع في 26  ديسمبر 2017 علي مشروع القانون القاضي بإزالة حد العمر من عملية الترشح لمنصب الرئيس , مما يمهد الطريق لدورة رئاسية سادسة في إنتخابات رئاسية تُنظم في 2021 يتقدم إليها الرئيس Yoweri Museveni البالغ حالياً 73 عاما .

سابقة النيجر :

 وهي حالة عشتها شخصياً يوما بيوم فقد حدث أنه في الربع الأول من عام 2009 أن أعلن الرئيس Mamadou Tandja الذي تولي حكم النيجر عام 1999 لفترتين رئاستين متتاليتين كان من المُفترض أن تنتهيا في ديسمبر 2009 عن رغبته في ولاية رئاسية ثالثة (مبارك وغيره من الأفارقة حكموا لعقود) أو ما سُمي بلغة الهوسا السائدة بالنيجر ” Tazarche ” وذلك بالمخالفة لدستور النيجر الصادر في 9 أغسطس 1999والذي تنص المادتين 36 و141 منه علي فترة الرئاسة وما يتعلق بمؤهلات رئيس الجمهورية لكن الرئيس Tandja الذي أعلن عن طرحه دستوراً جديداً علي الإستفتاء الشعبي بدلاً من دستور 1999 , كذلك وفي سياق التهييج الذي مارسته القوي الدولية آنئذ (فرنسا والولايات المتحدة أساساً) دخل التجمع الإقتصادي لدول غرب أفريقياCEDEAO علي خط هذه الأزمة بكل ثقله وعلق عضوية النيجر فيه , ولم يكن موقف الرئيس Tandja مُؤيداً من الدول الأعضاء بالتجمع رغم أنه بد دول منها رؤساء ها مُؤبدين مثل نظم الحكم بالشرق الأوسط , لذلك  تجد الزعيم القذافي والرئيس المصري مبارك كانا هما الوحيدان اللذان أيدا رئيس النيجر في رغبته المخالفة لدستور النيجر , وقد أرسل الرئيس المعزول مبارك برقية تهنئة للرئيس Tandja في 13 أغسطس 2009 بمناسبة النتيجة الإيجابية في الإستفتاء علي الدستور الجديد ونشرت الصحيفة الحكومية Le Sahel نص البرقية في صدر صفحتها الأولي , لكن وفقاً لمعلومات مصدر نيجري فقد نفذت الأجهزة الإستخباراتية الأمريكية والفرنسية إنقلاباً عسكرياً في 18 فبراير 2010عن طرق عناصر بشركة Black Water أطاح بالرئيس Tandja ليس لمحاولته تعديل الدستور كمبارك و Yoweri Museveni وعمر بونجو و  Kabilaوتوجو التي تلعب فيه الكنيسة الكاثوليكية دوراً معارضاً للعبث بالدستور القائم وأضراب هؤلاء المُستبدون بأفريقيا كثر , فالحقيقة – وأنا لا أدافع عن مسلك الرئيس Tandjaفهو مرفوض وأنما أصحح مبرر الإطاحة به – أن الرئيس Mamadou Tandja كان يريد الحفاظ علي ثروة النيجر القومية ويمثلها اليورانيوم لأن الفرنسيين عن طريق مجموعةAREVA  المملوك معظمها للدولة الفرنسية كانت ترفض تغيير مضمون وأسعار اليورانيوم النيجري بالتعاقدات المستقبلية في منجم Imoraren  ثاني أكبر منجم يورانيوم بالعالم والقائمة مع النيجر وهو ما أصر علي رفضه الرئيس Tandja فكان الإنقلاب العسكري عليه .

يُلاحظ أن المجلس الإسلامي بالنيجر لم يُقدم أو يتجاسر علي معارضة رغبة الرئيس Tandja في تجاوز المادة الدستورية التي تحظر عليه الرئاسة لفترة ثالثة , فكل ما حدث أن قوي المعارضة المدنية ممُثلة في قوي التنسيق للقوي الديموقراطية من أجل الجمهورية CFDR هي التي صدرت عنها صيحات المعارضة لرغبة الرئيس Tandja , والتي صرح زعيم المعارضة Mamadou Issoufou آنئذ (رئيس الجمهورية الحالي الذي تولي الرئياسة مُنتخباً بعد إنتهاء عام من حكم المجلس العسكري الذي قام بإنقلاب 18 فبراير 2010 العسكري) بإسمها لوكالة الأنباء الفرنسية في 9 أغسطس 2009 قوله ” سنمضي قدماً في الدفاع عن دستور 9 أغسطس 1999 الذي أظهر شعب النيجر إلتزامه به من خلال رفضه الدستور الجديد وإننا ماضون أيضاً في مقاومة هذا الإنقلاب علي الدولة الذي قام به الرئيس Tandja وماضون أيضاً ضد التأسيس للديكتاتورية في بلادنا ” مُضيفاً قوله “وفقاً لنتائج 50% من مراكز التصويت (علي الدستور الجديد الذي وضعته حكومة الرئيس Tandj )  التي في مدي مراقبتنا فإن نسبة الإقبال كانت أقل من 5% ” .

 وكما تري فإن حالة النيجر مماثلة للحالة المصرية والأوغندية , وهي حالات تجعل المرء يتيقن من أن الولايات المتحدة وفرنسا ومعهما حلفاءهما لا يريدون ديموقراطية خارج أسوارهم وأن مسألة أزمة الديموقراطية الكونجولية لولا الكنيسة الكاثوليكية الكونجولية وإرتباطها بهموم الشعب الكونجولي ما كان لها أن تكتسب هذا الزخم وتلك الضوط الإيجابية لصالح مستقبل الأجيال الكونجولية , فلو كانت المؤسسات الدينية والإسلامية بوجه خاص في عالمنا العربي لم تتعرض للإضعاف من قبل الديكتاتوريات العسكرية الغاشمة الجهولة لما سادت الديموقراطية المُعتمة في بلادنا والتي طبقها ويطبقها للآن رؤساء أفارقة وشرق أوسطيين كُثر كان مبارك من بين أكثرهم مكراً وإلتفافاً في تطبيقها , هذه الديموقراطية الممسوخة الشائهة هي التي شجعت وأغرت واشنطن وباريس حكاماً أفارقة وشرق أوسطيين علي العمل وممارسة الحياة السياسية بها , إذ أنها أكبر ضمانة لإستمرار التخلف والفساد وهما ممر الغرب لإستغلال ونهب ثرواتنا , هذه الديموقراطية التي مارسها هؤلاء بالتعديلات الدستورية التي تنكرها المبادئ والأعراف الدستورية الثابتة والمُتعارف عليها  مُنعت عن النيجر وحُرمت عليها .

هناك حالات وسوابق اخري لراغبي السلطة المُؤبدة في أفريقيا علي نحو خاص منهم كمثال  Senis Sassou رئيس جمهورية الكونجو برازافيل الذي حكم لثلاثين عاماً متصلة و Pierre Nkurunziza رئيس بوروندي و الرئيس الأنجولي السابق Jose Eduardo dos Santos , يُضاف إلي ذلك حكام دول الشمال الأفريقي العربية حيث إلتصق بكراسي الحكم بها نوعيات كمبارك رؤساء ليبيا وتونس والجزائر أما موريتانيا فكانت الإنقلابات العسكرية فترات إنقطاع تمهد لرئيس مؤبد جديد .   

تطورت الأزمة السياسية بالكونجو الديموقراطية وأخذت شكلها وحجمها الحالي نتيجة إصرار الرئيس الكونجولي Joseeph Kabila علي التشبث بالسلطة حيث كان من المُفترض أن تنتهي ولايته الرئاسية الثانية والأخيرة وفقاً للدستور الكونجولي في 19ديسمبر 2016 , لكنه قام بتأجيل الإنتخابات الرئاسية التي من المفروض ألا يترشح فيها مرتان حتي الآن , بالرغم من إتفاقSaint – Sylvestre  الذي وقعه Kabila مع المعارضة الكونجولية عام 2016 , وقد برر التأجيل الأول بأن 10 ملايين معظمهم من الشباب ممن يُطلق عليهم الرواد الجدد ” Nouveaux Majeurs “لم يُسجلوا في القوائم الإنتخابية , ثم وفي 7 يوليو 2017 أعلن Cornneille Nangaa رئيس اللجنة الإنتخابية الوطنية المُستقلة والمُرتبط بالرئيس Kabila في تقرير جديد له أشار فيه إلي أن الأحوال الأمنية في عدة مقاطعات كونجولية خاصة في Kasai لم تستقر بعد , وهو ما أدانته المعارضة مُوضحة أن تفجر الوضع في Kasai سببه مصرع أحد القادة التقليديين هناك علي يد قوات الأمن في 12 أغسطس 2016 , وإزاء إصرار الرئيس علي البقاء في السلطة بصفة غير دستورية بدأت الكنيسة الكاثوليكية الكونجولية في نوفمبر 2017 تحركها الرافض لرغبة الرئيس Kabila حين دعاه أساقفة هذه الكنيسة علناً بعدم التوجه للحصول علي مدة رئاسية ثالثة , عقب ذلك مباشرة نظم تجمع ” مبادرة اللجنة العلمانية للتنسيق ” المدعوم من الكنيسة الكاثوليكية الكونجولية بمظاهرة في 21 يناير 2018 طالب فيها المُتظاهرين بتنظيم الإنتخابات بالعاصمة  Kinshasa وبولاية Kisangani واجهتها قوات الأمن بمنتهي القوة فقتلت البعض وأصابت آخرينورفع كل هؤلاء لافتات كُتب عليها “نحن العلمانيون المخلصون نطالب بالتطبيق الكامل لإتفاق Saint – Sylvestre” , المُوقع في 31 ديسمبر 2016 والذي يسمح للرئيس Kabila بالبقاء بالسلطة والتخلي عنها بمجرد عقد إنتخابات رئاسية خلال عام من توقيع هذا الإتفاق وهو موعد تقوم اللجنة الإنتخابية المُستقة بتسويفه بإيعاز من الرئيس Kabila وإئتلافه الحاكم  (حددت حكومة الرئيس Kabila  23 ديسمبر 2018 تاريخاً لإجراء الإنتخابات الرئاسية وهناك ثمة شك في جدية الرئيس الذي يخشي بعد فقدانه المنصب الملاحقات القضائية ومصادرة ممتلكاته)  , علي أية حال لم تيأس الكنيسة الكونجولية فقد سبق أن مارست ضغوطها علي النظام الكونجولي عندما توسطت من خلال مؤتمر أساقفة الكونجو CENCO فيما بين الخصوم السياسيين إلي أن توصلت لإتفاق بينهم عشية رأس سنة 2017لوضع نهاية للأزمة السياسية تضمن تكوين حكومة إنتقالية برئاسة وزير أول تعينه قوي المعارضة لتولي إدارة البلاد حتي عقد الإنتخابات الرئاسية قبل نهاية عام 2017 وخلال هذه الفترة يكون الرئيس Kabila خارج السلطة , وفي هذا الإطار أدان Laurent Monsengwo Pasinya كاردينال Kinshasa بشدة عنف الأمن الكونجولي مع المظاهرة التي نظمتها الكنيسة الكاثوليكية الكونجولية في 31 ديسمبر 2017, وقال أن الحكومة لم تحترم الطبيعة السلمية لها , وفي إطار توسيع نطاق الإهتمام الدولي ضد نظام الرئيس  Kabila إجتمع في أغسطس 2017 بباريس أساقفة من الكنيسة الكاثوليكية الكونجولية وأعضاء بالمجتمع المدني الكونجولي لمناقشة قضية إستعادة النظام الدستوري بالكونجو ومانفستو المواطن الكونجولي الذي أُشير فيه إلي أن الرئيس Kabila  يستخدم  القوة والفساد المالي للبقاء بالسلطة ونهب موارد البلاد لصالح نفسه وعائلته ومتسلقي نظامه وحلفاءه الأجانب بأفريقيا وخارجها , وهو يعمل لتحقيق ذلك علي إشاعة مناخ من الرعب والإرهاب ليستغله كمشجب لتعليق تهمة الإرهاب علي الغير من أجل التذرع بها لفرض حالة الطوارئ بعموم البلاد وبالتالي تأجيل تنظيم الإنتخابات , كما أصدر أساقفة الكونجو بعد إجتماع بينهم في العاصمة Kinshasa في منتصف يناير 2018علي مدي 3 أيام بياناً تضمن تذكير الرئيسKabila بأنه الضامن للدستور وطالبوه بعدم البحث عن ولاية رئاسية ثالثة , وحث اللجنة الإنتخابية علي إعادة تأكيد إستقلالها والعمل بشفافية , لكن من الواضح أن العنف الذي تمارسه الحكومة الكونجولية وصل إلي حد تحميل الكنيسة الكثوليكية الكونجولية ثمناً باهظاً لقيادتها المعارضة فقد أصبحت الكنائس الكاثوليكية والأساقفة ومن دونهم مرتبة هدفاً لهجمات مميتة , خاصة وأن هذه الكنائس تعد المؤسسات الإجتماعية الوحيدة التي لم تغادر من المناطق المُضارة أو المُستهدفة في البلاد وفي شرقي الكونجو خاصة حيث تدور رحي حرب من بين المسئوليين عنها الشركات الأوروبية / الأمريكية مُتعددة الجنسية التي تستخرج وتستغل المعادن هناك والتي من مصلحتها أن تبقي الكونجو الديموقراطية محكومة بنظام هش كنظام الرئيس Kabila المُفعم بالفساد وعدم الأهلية , وقد إنضم Mariano Montemayor سفير الفاتيكان لدي الكونجو إلي الأساقفة الكونجوليين وإلي قوة الأمم المتحدة لحفظ السلام بالكونجو في دعوتهم لوضع نهاية للهجمات التي تبعث علي الأسي وتستهدف الكنائس ومرافقها بالبلاد .

لم تنظر الحكومة الكونجولية ومجلس وزراءها إلي دور الكنيسة الكاثوليكية الكونجولية بإعتباره أمراً عادياً أو مشروعاً ففي بيان صادر عن مجلس الوزراء الكونجولي في 6 يناير 2018 أكدت الحكومة علي علمانية الدولة الكونجولية وأدان بشدة أحداث 31 ديسمبر , وفي مواجهة الاتهامات التي وجهتها السلطات الكونجولية عن تدخل الكنيسة الكاثوليكية في الشؤون السياسية ، أشار الإعلان الصادر عن مؤتمر الأساقفة الكاثوليك بالكونجو  Cenco بعد إنعقاد جمعيته العامة المُوسعة غير الإعتيادية في الفترة من 15 إلي 17 فبراير 2018 إلي أن ” الكنيسة ليست تابعة لأي منظمة سياسية. وشاغلها الوحيد هو الإسهام في رفاهية شعب الكونجو بأكمله ، من أجل حماية وتعزيز كرامة الإنسان واحترام الحياة والحرية والحقوق الأساسية “,  ولم تتوان الكنيسة الكاثوليكية في الرد علي منطق نظام  Kabila ففي كل المناسبات أكدت هذه الكنيسة علي حقها في إتخاذ مواقف تتعلق بالقضايا السياسية , ففي كلمته للصحافة في Kinshasa في 11 يناير 2018 أوضح Donatien Nshole الأمين العام للمؤتمر الأسقفي الوطني الكونجوليCENCO ” إن الكنيسة   بطبيعتها لديها الحق في التدخل في المسائل  المُتعلقة بالإيمان وبالأخلاق , فهذه الكنيسة تستطيع إتخاذ موقف حيال الموضوعات السياسية من منظور ممارسة أوجه إهتماماتها ومسئولياتها إزاء الإنسان كما عهد إليها بذلك المسيح ” ,ثم أضاف عبارة ذات مغزي حاسم في مسألة دور وعلاقة الكنيسة بالسياسة عندما أكد في هذا المؤتمر الصحفي ما نصه ” يجب أن نتذكر أن الطبيعة العلمانية للدولة الكونجولية لا يمكن أن تمنع الكنيسة الكاثوليكية من الوفاء بمهمتها , لكونها في خدمة الشعب الكونجولي وتهدف إلي تحقيق إحترام حقوق الإنسان وكرامته الإنسانية التي لا غني عنها في رفاهيته وتطوره” , وأضاف – في معرض بيان الدور السياسي للكنيسة في الكونجوليتين Kinshash و Brazzaville – أنهم أي أعضاء المؤتمر الأسقفي للكونجو – قاموا بزيارة الكونجو Brazzaville لمقابلة الرئيس Denis Sassou Nguesso بإعتبار أن المؤتمر الأسقفي مُكلف بمتابعة عملية السلام والأمن بالكونجو الديموقراطية وبمنطقة البحيرات العظمي ”  .

إذن وبناء علي ما تقدم فلم تكن الكنيسة الكاثوليكية الكونجولية بذاتها أو من خلال المؤتمر الأسقفي الوطني للكونجوLa Conférence épiscopale nationale du Congo  – كما تقدمت الإشارة – ببعيدة عن هذه الأزمة فقد تطور موقفها إزاءها علي ثلاث مراحل مُتداخلة أولهما المتابعة عن كثب ثانيهما التوسط ما بين نظام الرئيس Kabila  والمعارضة (طُرحت مبادرات في يوليو / أغسطس 2012 من قبل رابطة المؤتمرات الأسقفية لوسط أفريقيا التي أعضاؤها الكونجو الديموقراطية وبوروندي ورواندا للتوصل إلي تسوية للحرب الدائرة في شرقي الكونجو بشمال وجنوب مقاطعة Kivu) ثم المرحلة الثالثة والأخيرة وهي الدخول في الأزمة بإعتبارها طرفاً مُهتماً بالإستقرار لكن بدون التخلي عن روابطها مع القوي الدولية ذات الصلة المصلحية والدينية التاريخية بالكونجو ليبولد فيل (كنشاسا) وهي بلجيكا الدول التي سبق لها إستعمار الكونجوليتين وفرنسا وبينهما الفاتيكان , وقد بلغت قوة الدور السياسي للكنيسة الكاثوليكية حداً وصل إلي قيادة المعارضة الكونجولية برمتها في هذه الأزمة ضد الرئيس Kabila خاصة وأن هذه المعارضة في عهد Kabila  تتناقص قوتها , فمعظم رموز هذه المعارضة كانوا حلفاء للرئيس  Kabilaحتي وقت قريب مثل Vital Kamerhe و Moise Katumbi و Pierre Lumiو Olivier Kamitatu فيما عدا Etienne Tshisekedi الذي توفي مُؤخراً والذي كان مُعارضاً شديداً للرئيس الأسبق Mobutu Sese Seko  , وهي في سبيل قيادتها تستخدم وسائل مختلفة منها الإتصال المباشر بالقوي الدولية مُستعينة بنفوذ الفاتيكان مع هذه القوي ذات المصالح المُتسعة بالكونجو أي مع الولايات المتحدة (التي لأسباب مختلفة منها ما يتعلق بالتنافسية بين كنيستها البروتستانتية بل والدولة الأمريكية التي تحكمها عقيدة White Anglo-Saxon Protestant وبين الكنيسة الكاثوليكية), لذلك لا تبدو واشنطن مُتحمسة بشكل كاف لتبني وجهة نظر الأخيرة بالإضافة لغلبة المصالح الإقتصادية / العسكرية الأمريكية وهي للآن في يد الرئيس Kabila علي ما عداها , خاصة وأن الرئيس Kabila بروتستانتي وزوجته Olive Lembe كاثوليكية وهي لا تخفي قرابتها للكاردينالLaurent Monsengwo أسقف Kinshasa  والمعروف عنه عداءه للرئيس Kabila , أما بالنسبة لبلجيكا ولفرنسا فالأمر مختلف تماماً إذ أن الدولة الفرنسية التي تبني وأعلن رئيسها الأسبق Nicolas Sarkozy عام 2011مبدأ العلمانية الإيجابيةlaïcité positive أو العلمانية الذكية علي حد وصف الكنيسة الفرنسية , وهو إتجاه يعبر عن وجهة نظر لقطاع من السياسيين باليمين الفرنسي المحافظ خلافاً لمبدأ العلمانية التامة للدولة او ما يُوصف بالعلمانية المُقيدةLa laïcité restrictive  ولذلك ولأسباب أخري نري أن الدولة الفرنسية من خلال بعض رموزها والكنيسة الكاثوليكية بدرجة أو بأخري من القوة تدعم كنيسة الكونجو في صراعها مع الرئيس Kabila , أما بلجيكا – وكما سأشير لاحقاً – فإن دورها التاريخي في الكونجو أدي من بين أمور أخري إلي الوضعية الروحية الممُيزة لكنيستها الكاثوليكية في الكونجو الديموقراطية وهو ما يبرر تميز الدور البلجيكي نسبياً حتي الآن في هذا البلد فبعد إكتشاف الكونجو بواسطة Diégo Cao عام 1492 التي كانت تسودها عقائد تقليدية أفريقية بدأت بعدها الموجة الأولي من التنصير الكاثوليكي في مملكة Kongo تبعتها موجة تنصير كاثوليكي أكبر عام 1880ولذلك تمثل بلجيكا قوة سياسية / كاثوليكية ضاغطة علي نظام الرئيس Kabila  .

يلخص موقف هذه الدول الثلاث المُشار إليها عاليه علي إختلاف درجة دعمها للكنيسة الكاثوليكية الكونجولية في صراعها مع الرئيس البيان المُشترك الصادر بعد إجتماع غير رسمي في 12فبراير 2018 عن 7 دول أعضاء بمجلس الأمن الدولي هي الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا بالإضافة إلي ساحل العاج وغينيا الإستوائية وهولندا والسويد  تضمن موضوع الإنتخابات الكونجولية وحث الرئيس Kabila علي الإعلان عن أنه لن يتقدم للترشح كرئيس في الإنتخابات الرئاسية الكونجولية القادمة , ومن جهة أخري فقد قالت Nikki Haley مندوبة الولايات المتحدة لوزير الخارجية الكونجولي لدي زيارتها إلي Kinshasa عام 2017 ” إن المواطنيين الكونجوليين يريدون أن يعبروا عن أنفسهم بلا خوف إن هم عارضوا ” , كذلك فقد حثت الولايات المتحدة اللجنة الوطنية الكونجولية للإنتخابات لإلغاء خطة إستخدام التصويت الإليكتروني  لأول مرة والإبقاء علي ممارسة الإقتراع ورقياً , حيث لم يُجرب الإقتراع الإليكتروني قبل ذلك بالكونجو أبداً , أما بلجيكا ففي أجواء من التوتر الدبلوماسي سادت العلاقات الثنائية بسبب موقفها من الأزمة السياسية وهو موقف مُضاد للرئيس Kabila , فقد قامت حكومتها في 29 يناير 2018 بإستدعاء سفيرها لدي الكونجو للتشاور    والمشاركة في مؤتمر داخلي ببلجيكا , ورغم محاولة الخارجية البلجيكية تهوين الأمر إلا أنه ربما تكفي الإشارة إلي إعلان الحكومة البلجيكية في تطور لاحق في 10 فبراير 2018 عن تعليقها لتعاونها الثنائي مع الكونجو الديموقراطية , وفي رد كونجولي رسمي سريع أعلنت Kinshasa عن طلبها إيقاف أنشطة وكالة التنمية البلجيكية بالأراضي الكونجولية وتفكيك النظام القنصليMaison Schengen وهو نوع من أنواع النظم القنصلية تديرها Bruxelles لصالح 17 بلد عضو بالإتحاد الأوروبي  إضافة إلي النرويج , وأشارت الحكومة الكونجولية ايضاً إلي أنها في حالة التصعيد فإنها مُستعدة لإتخاذ تدابير إنتقامية جديدة , بل إن مصدراً قريباً من وزير الخارجية الكونجولي أفاد مجلة Jeune Afrique في عددها بتاريخ 2 فبراير 2018 بأنه من بين هذه التدابير إجراء خفض ملموس لأعضاء البعثة الدبلوماسية البلجيكية وإغلاق القنصليتين البلجيكيتين في Lubumbashi و Gomaوتعليق عمل الخطوط الجوية البلجيكية في عموم الكونجو الديموقراطية , كما قررت Kinshasa في 5 فبراير 2018 إغلاق قنصليتها في Anvers ببلجيكا مما ألزم الأخيرة بإتخاذ قرار مماثل , وإتصالاً بذلك صرح Leonard She Okitundu وزير الخارجية الكونجولي لمجلة Jeune Afrique في عددها بتاريخ 7 يوليو 2017 بأن بلاده علي خلاف كبير مع الإتحاد الأوروبي منذ أن فرض عقوبات علي شخصيات بعينها بنظام الرئيس Joseph Kabila منوهاً بأن ” بلاده تريدها علاقة شراكة مع الإتحاد الأوروبي وليست علاقة تبعية ” مُوضحاً إجابة علي سؤال آخر “أن الرئيس لكي يبقي علي رأس السلطة فإن عليه تعديل الدستور وهو  ما فعلته جميع البلاد المُحيطة بالكونجو فلم لا نفعلها نحن ؟ , كما أنه لا تكتيكات من جانب الرئيس لإحداث تأخير في تنظيم الإنتخابات ” , ثم أشار إلي أنه كان لابد من الإنتهاء من العملية الإنتخابية في يوليو 2017 وفقاً لتوقعات اللجنة الإنتخابية , لولا أن الوضع في Kasaï أخر العملية الإنتخابية وأدي إلي تعليقها , لكن الكونجو الديموقراطية تعدي موقف رئيسها Kabila النطاق السياسي للنطاق الإنساني , فبسبب عدم الإستقرار الأمني والسياسي في شرقي الكونجو وأجزاء أخري من البلاد قررت الأمم المتحدة في إطار مواجهتها للوضع الإنساني البائس بالكونجو الديموقراطية قررت عقد مؤتمر دولي للمانحين في 13 أبريل 2018بجنيف بحضور ممثلي 54 بلد وعديد من المنظمات الإقليمية ووكالات الأمم المتحدة لمواجهة هذا الوضع , وفي هذا المؤتمر وإتساقاً مع توقعات مُسبقة أبدي المشاركين إستعدادهم للمساهمة بملغ إجمالي قدره 528 مليون دولار لمواجهة أزمة الكونجو الإنسانية , وهو نفس ماحدث في مؤتمر مماثل عام 2017 إذ كان المبلغ الذي أستهدفه المؤتمر 812,5 مليون دولار أمكن تدبير نصفه أو أقل فقط  , ورغم عدم حضور حكومة الكونجو التي قاطعت هذا المؤتمر بذريعة أنها لم تُستشر بشأنه وكذلك بسبب العقوبات الأوروبية التي فُرضت علي الكونجو , إلا أنه تجري مشاورات بين الأمم المتحدة والحكومة الكونجولية لإنشاء أداة متابعة لهذا المؤتمر وقراراته , وقد قدرت المنظمة الدولية أن مبلغ  1,7 مليار دولار يمكن أن يواجه الأزمة الإنسانية بالكونجو هذا البلد الأفريقي الشاسع الذي أدي تردي الأوضاع السياسية فيه إلي تداعيات أمنية وإنسانية بالغة السوء فمنذ أكتوبر 2017هناك ثلاث محافظات (Kasaï, Tanganyika, Sud-Kivu) من بين 26 محافظة كونجولية أعلنت الأمم المتحدة بها حالة الطوارئ الإنسانية كونها تمر حتي الآن بأسوأ وقت في تاريخها , يُضاف إلي ذلك أن هذه الأزمة الإنسانية تتضمن أزمة لجوء أيضاً فقد أشارت وكالة Reuters في 15 أبريل 2018 إلي أن المفوضية السامية للاجئين التابعة للأمم المتحدة UNHCR تتوقع وصول 200,000 مواطن كونجولي من منطقةIturi  للجوء بأوغندا هذا العام , كل ذلك فيما يسود مناخ من الفساد والتوتر السياسي الحاد والصراع العرقي بهذا البلد  .

كذلك لم تغفل الكنيسة الكونجولية عن أهمية تأثير تنظيم المظاهرات المعارضة للخط الذي ينتهجه الرئيس  Kabila في إدارة هذه الأزمة التي بلغت مستوي الصراع , فنظمت من بين مظاهرات أخري مظاهرة في الأول من يناير 2018 صرعت فيها قوات الأمن وأصابت وأعتقلت مواطنين كثر , ولم يكن دور الكنيسة المُوجه في هذا الصراع الدائر محلاً لخلاف بين قوي المعارضة الكونجولية , إذ أن الأستاذ Thierry Nlandu Mayamba وهو أستاذ للأدب الأنجلو/ أمريكي بجامعة Kinshasa وعضو لجنة CLCبأبرشية Kinshasa صرح في حديث أدلي به لموقع LA CROIX بتاريخ 5 يناير 2018 ” أن الكنيسة علي الخط الأول في مواجهة نظام الرئيس Joseph Kabila ”  مُوضحاً قوله ” يبدو لي أنه من الأهمية بمكان أن نفهم أولاً ماهية الكنيسة الكاثوليكية في الكونجو , فهي ليست مجرد التسلسل الهرمي , إنها كل شعب الله تعالي , وإذا إعترفنا أن هذا الشعب مكون من مواطنين , فإنه يمكننا القول أن حشد شعب الكونجو الديموقراطية ليس حشداً للكاثوليك فحسب ” .

ظلت الكنيسة الكونجولية تمارس دورها المُوجه للمواجهة العلنية ومعها الكتل والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني المعارضة بينها وبين نظام الرئيسKabila  مباشرة ومن خلال اللجنة العلمانية للتنسيق Comité laïc de coordination  والمؤتمر الأسقفي الكونجولي Conférence épiscopale congolaise الذي ما فتأ يطالب الحكومة بالتنفيذ الدقيق لإتفاق Saint Sylvestre والغاء المراسيم التي تحظر المظاهرات السلمية , وإنهاء التهديدات والدعاوي القضائية ضد منظمي المسيرات السلمية , فقد حظرت الحكومة منذ إندلاع المظاهرات السلمية في سبتمبر 2016 أي مسيرات التي وصفتها الرئاسة الكونجولية بأنها تطالب ” بديموقراطية هستيرية تقوم علي ممارسة العنف والإثارة ” , فالحكومة في كل بياناتها وتصريحات مسئوليها تحاول محاصرة دور الكنيسة في الأزمة السياسية بأسئلة تُشكك في دورها وإنكار العلاقة بين رسالة الكنيسة والمجتمع , لكن الكنيسة التي حاولت الترويج لصلاحية نهج الحوار بين الأطراف إضطرت إضطراراً إلي الولوج مباشرة داخل هذا الصراع وأصبحت أهم أطرافه الفاعلة بقيادة الكاردينال Laurent Monsengwo الذي أوضح في خطبة له بتاريخ 2 يناير 2018 ” إنه وقت الحقيقة والتغلب علي الكذبات المُنتظمة , فقد حان وقت مغادرة هؤلاء القادة البائسين” , وقد بلغت قوة تأثير Monsengwo كاردينالKinshasa حداً جعل الأساقفة هم من يقودون المظاهرات خاصة مظاهرة 31 ديسمبر 2017 عارضت بقاء الرئيس Kabila لولاية رئاسية أخري غير دستورية ووُجهت بعنف مُفرط , تلك المظاهرة وُوجهت بعنف مُفرط وأسفرت عن قتلي ومصابين وموقوفين , وفي سياق المواجهة بين الكنيسة الكاثوليكية الكونجولية ونظام الرئيس Kabila بالتزامن مع إنهيار الوضع الأمني والعسكري للنظام في شرقي الكونجو وتداخله مع الأزمة السياسية / الدستورية في Kinshasa كان من اليسير تعرض رجال الكنيسة الكونجولية لهجمات قاتلة فمنذ نوفمبر 2017 علي سبيل المثال إنزلقت منطقة Kasaï إلي هوة من العنف منذ سبتمبر 2016 بعد شهر من مصرع زعيم تقليدي أثناء عملية عسكرية حكومية كان معروفاً عنه معارضته سلطة الرئيس Kabila , كما أدي تمرد التلاميذ  بهذه المنطقة إلي عنف شديد من جانب الجيش الكونجولي سقط علي إثره 3,000 قتيل وما يربو عن مليون نسمة من النازحين , كما عرفت منطقة Kasaï-central تصاعداً في تردي الوضع الأمني بعد إستئناف الميليشيا لهجماتها التي أسفرت عن كثير من القتلي   .

لم تكن معركة نظام الرئيس Kabila مع الكنيسة الكاثوليكية سهلة ففي 9 أبريل 2018 أعرب المؤتمر الأسقفي الوطني للكونجو عن بالغ فزعه جراء إغتيال أحد رجاله يوم 8 أبريل في منطقة Masisi بمحافظة شمال Kivu بشرقي الكونجو والذين تعرضوا لسلسلة هجمات من مُسلحين ,  وفي بيانه عن هذا الحادث أشار المؤتمر الأسقفي بأن الكنيسة الكاثوليكية تدفع ثمناً باهظاً جراء إنعدام الأمن الذي يتسع بالكونجو الديموقراطية  وحثت الكنيسة السلطات علي ضمان الأمن للناس وممتلكاتهم , وأشار البيان إلي أن المؤتمر الأسقفي يُذكر الرأي العام والمجتمع الدولي بأن إتفاق Saint-Sylvestre تناول هذا الأمر في مادته الرابعة 8/ 2المُتعلقة بأمن الأشخاص والممتلكات , وأنه للأسف فإنه وحتي الآن لم تُوضع في الإعتبار هذه التوصية الواردة بالإتفاق خاصة في مناطق Ituri و Kivu الشمالية والجنوبية  , وفي الواقع فإن إنعدام الأمن حصيلة منطقية لوضع سياسي مُعقد وتدخلات غربية إلتفافية علي الأزمة الكونجولية , ولذلك وبالرغم من أن الرئيس  Joseph Kabila عاد ليكرر ما فتئ يقوله أمام الجماهير والإعلام  في 16 أبريل 2018 أمام جمع من نواب الأغلبية الرئاسية والحزب اللومومبي المُتحد Palu القول بأنه لابد من إستعادة الأمن المُفتقد طويلاً في الكونجو ” , إلا أن الأمن مازال أمراً عصياً علي التحقيق , كذلك أكد فقال إن ” موقفي هو الدفاع عن الدستور ” , مع أنه هو الذي ينتهك هذا الدستور بإصراره علي البقاء في السلطة رغم تقييد الدستور الذي يدافع هو عنه للمدد الرئاسية , وفي تناغم مع لهجة الرئيس Kabila يستأنف المُتحدث باسم الحكومة وزير الإتصالات الكونجولي Lambert Mende المناورات السياسية التي يقودها الرئيس Joseph Kabila فيبلغ الوزير إذاعة صوت أمريكا في 5 فبراير 2018 بأن الرئيس Kabila علي إستعداد لترك السلطة وأنه لن يسعي للحصول علي ولاية رئاسية ثالثة وسوف لا يتقدم بالتالي للترشيح في الإنتخابات الرئاسية التي ستجري في ديسمبر 2018, وهو حديث واضح أنه من قبيل المناورات المُستمرة لأنه ومنذ إنتهاء ولايته الثانية عام 2016 لم يدع للإنتخابات الرئاسية التي كانت مُقررة عام 2016 تجري وظل مُتشبثاً بالحكم , كما أن الإتفاق المُوقع في 31 ديسمبر2016 بين الأغلبية الرئاسية والمعارضة  برعاية المؤتمر الأسقفي الكونجولي الوطني والذي كان الهدف النهائي منه حث الرئيس Kabila علي الإنسحاب , هذا الإتفاق أصبح حبراً علي ورق , ولذلك – ففي تقديري – يمكن القول أن ضغوط الكنيسة الكاثوليكية ودورها بالغ الأهمية نظراً لكون التنظيم الكنسي مُحكم قياساً علي اي حزب سياسي كونجولي , كما أن قدرة الكنيسة علي التعبئة والحشد السياسي الجماهيري عالية وكفئة , ومع ذلك ففي النهاية لابد من وجود أحزاب معارضة , ولهذا فبالتضافر بين الجهدين الكنسي والحزبي يمكن أضعاف قدرة الرئيس Joseph Kabila وحلفاءه السياسيين والكنسيين علي المناورة , ومما يدل علي ذلك أن زعيم المعارضة الكونجولية Felix Tshisekedi (وهو ومعه Moise Katumbi مرشحين مُحتملين لإنتخابات الرئاسة الكونجولية)وفقاً لما أوردته وكالة Reuters في 24 أبريل 2018 رفض إقتراحات لإتمام صفقة مع نظام الرئيس Kabila تتعلق بالمظاهرة التي تزمع المعارضة القيام بها , فيما ظلت المعارضة الكنسية تتصاعد فالكاردينال الكونجولي Laurent Monsengwo والذي كان معارضاً شرساً لنظام الرئيس الراحل Mobutu لم يتوقف عن إدانة نظام الرئيس بسبب عدم إحترامه لإتفاق Saint-Sylvestre واصفاً إياه بالبربري والكاذب وبالوحشية من قبل شرطته .     

موقف الفاتيكان من الأزمة السياسية بالكونجو الديموقراطية :

للكنيسة الكاثوليكية بالكونجو الديموقراطية وضع ممُيز لدي الفاتيكان لأسباب عدة منها مثلاً أنها الأكبر علي مستوي أفريقيا إذ يتبعها أكثر من 40 مليون نسمة , كما أن Laurent Monsengwo Pasinya  كاردينال Kinshasa شخص شديد الذكاء وزعيم كاثوليكي يحسن إدارة وتحريك الجماهيير وهو أحد 9 كاردينالات علي مستوي القارة كلفهم البابا François بإقتراح إصلاح داخل الكنيسة ,  ومن المنطقي أن نشير إلي دور الفاتيكان فهو المنصة التي تتحرك من فوقها كنيسة الكونجو الكاثوليكية في معارضتها الحادة لرغبة الرئيس Kabila الجامحة للتمسك بسلطة غير دستورية , ففي وقت مبكر جداً تحرك بابا الفاتيكان Francis بصفة إستباقية فألتقي الرئيس Kabila لمدة 20 دقيقة بالمقر البابوي بالفاتيكان في 26 سبتمبر 2016 أي قبل إنتهاء ولايته الرئاسية بأكثر من شهرين , وفيها أشار الرئيس الكونجولي Kabila إلي أن حكومته تستخدم الحوار المُحترم لإنهاء المُصادمات العنيفة بسبب تأخر الإنتخابات مع قوي المعارضة , وقد حاول نظام الرئيس Kabila إسترضاء الفاتيكان وتخفيف قبضته علي إدارة الصراع ضده من خلال دعمه كنيسة الكونجو الكاثوليكية بتوقيع إتفاق بينه وبين الفاتيكان لإستعادة ممتلكات الكنيسة التي صادرها نظام الرئيس الراحل Mobutu  ووُقع هذا الإتفاق بالفاتيكان في 20 مايو 2016 وتضمن تنظيم العلاقة بين جمهورية الكونجو الديموقراطية والفاتيكان وتحديد الدور ومسئولية الكنيسة بالكونجو ووضعها القانوني في الفضاء المدني وتنظيم حريتها في الأنشطة الرسولية Apostolique بالمؤسسات التعليمية الكاثوليكية والأنشطة الخيرية وكذلك ما يتصل بأنشطة القساوسة العسكريين ومن منهم يعمل بالسجون والمستشفيات والنظام المالي والحصول علي تأشيرات الدخول والإقامة بالكونجو لرجال الدين , وهذا الإتفاق أعلن léonard  She Okitundu وزير خارجية الكونجو بالإنابة في 19يناير 2018 بشأنه أن حكومة بلاده تتابع عملية التصديق عليه فيما قد عُرض علي دورة البرلمان في مارس 2018, ومع ذلك ظل هناك إصرار من الكنيسة الكونجولية علي موقفها الرافض لنهج الرئيس Kabila وزمرته , إلا أن النظام الكونجولي يحدوه بعض الأمل  في تكرار ما حدث من قبل مؤتمر أساقفة الكاثوليك بالكونجو في إنتخابات عام 2011 عندما كان للمؤتمر 30,000 مراقب لهذه الإنتخابات وحدث بها تزوير رصده مراقبوها لكنهم آثروا الركون للهدوء وعدم إثارة الموضوع بنشر النتائج , وكان السبب في ذلك الموقف إنقسام الكنيسة الكونجولية آنذاك وتفضيل قيادتها الحفاظ علي وحدتها أكثر من نشر النتائج الحقيقية , لكن الكنيسة الكاثوليكية الكونجولية حالياً تعد في أفضل حالاتها حيث يتوفر لها علي الأقل دعم واضح ومنتظم من الفاتيكان , فقد أشار موقع إذاعة صوت أمريكا في تغطيته لزيارة الرئيس Kabila للفاتيكان إلي أن بابا الفاتيكان لم يُرحب بالرئيس Kabila بحجرة الإستقبال والتي جري العرف البروتوكولي بالفاتيكان أن يستقبل فيها البابا رؤساء الدول , إلا أنه آثر إستقبال الرئيس Kabila بالمكتبة فيما بدا البابا معه مُكتئباً , وفي البيان الصادر عن هذه الزيارة أشار الفاتيكان إلي أن البابا ووزير الخارجية الفاتيكاني شددا علي ضرورة الحوار فيما بين السياسيين الكونجوليين والسلطات المدنية والدينية لتأمين السلام للبلاد , ومع إصرار الرئيس الكونجولي علي التشبث بالسلطة وتأجيل الإنتخابات الرئاسية بأعذار واهية غير مُقنعة لا للمعارضة المدنية ولا للكنيسة ولا للفاتيكان الذي تطور موقفه وإزداد وضوحاً وحدة عندما أعلن سفير الفاتيكان بالعاصمة Kinshasa في 6 يناير 2018عن دعم الفاتيكان للجنة العلمانية للتنسيق – التي تتحدي النظام الكونجولي – بل إن سفير الفاتيكان بعث برسالة نُشرت وجهها لأساقفة الكنيسة الكاثوليكية الكونجولية أشار فيها إلي المظاهرة التي حظت بشعبية عالية والتي دعت إليها هذه الكنيسة في 31 ديسمبر 2017 ووُجهت بعنف مغير مُتناسب من الأمن الكونجولي تأتي كواحدة من مبادرات عدة ستأتي تباعاً , وهو ما رد عليه الرئيس المُساعد لديوان رئاسة الجمهورية الكونجولية عندما تساءل في تغريده له إن كان المقر البابوي يريدها حرباً أهلية بالكونجو ؟ , ومازال التوتر والحدة هما سمتي العلاقة القائمة بين الفاتيكان و Kinshasaوالدليل علي ذلك أن الزيارة التي كان علي بابا الفاتيكان القيام بها للكونجو في سبتمبر 2016 مازالت مُؤجلة بل لا يتطرق أي نقاش إليها وهي مشروطة بالبدء في تنظيم الإنتخابات الرئاسية  وذلك وفقاً لتصريح  أدلي به سفير الفاتيكان في الكونجو  Mariano Montemayor   نشره موقع CRUX في 19 سبتمبر 2017 , وظلت أزمة الكونجو موضوعاً لإهتمام وقلق بابا الفاتيكان الذي أشار في كلمته باللقاء العام في 24 يناير 2018 إلي العنف الذي يمُارس ضد مُتظاهري الكونجو السلميين في 21 يناير 2018 , وقال ” من سوء الطالع سمعنا أخباراً سيئة من الكونجو الديموقراطية , ولهذا فإني أجدد الدعوة للكل بتحري تجنب كافة أشكال العنف , فالكنيسة من جانبها لا تريد شيئاً غير المساهمة في إرساء السلام من أجل الخير العام للمجتمع ” , ولقد مضت كنيسة الكونجو الكاثوليكية قدماً وبكل ثبات وبدعم واضح من الفاتيكان فنظمت بعد تظاهرة 21 يناير 2018 وحشدت لتظاهرة أخري في 25 فبراير 2018 “للمؤمنين الكاثوليك” ضد الرئيس Joseph Kabila رفضت السلطات الترخيص بها , فقامت سلطات الأمن الكونجولية بقمعها بكل عنف وقسوة أسفرت عن مصرع وإصابة العديد من هؤلاء , وكانت اللجنة العلمانية للتنسيق(وهي كنسية) أعلنت في 9 فبراير 2018 عن أن المظاهرات لن تتوقف ضد الرئيس Kabila , كما رأس Laurent Monsengwo  كاردينالKinshasa صلاة بكنيسة Notre-Dame بالكونجو في 10 فبراير حضرها شخصيات من المعارضة .

تبقي إشارة ضرورية مفادها أن هناك بعض الإختلاف بين الكنيستين الكاثوليكيتين في جمهورية الكونجو الديموقراطية Kinshasa وجمهورية الكونجو Brazzaville نتيجة الوزن الجيو سياسي الأثقل لجمهورية الكونجو Kinshasa , ولهذا نجد أن إهتمامات كنيسة Brazzaville الكاثوليكية مختلفة إلي حد ما فالإهتمامات والقضايا بينهما مختلفة , ففي مقابلة للوكالة التبشيرية Fides في 17 مارس 2017 مع الأمين العام للمؤتمر الأسقفي لجمهورية الكونجو Brazzaville الأب Armand Brice Ibombo أعرب عن قلقه من ” إنتشار الكنائس الخمسينية (حركة دينية بروتستانتية ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية في أواخر القرن 19) والطوائف والمنظمات الإسلامية التي تجذب بعض المؤمنين الكاثوليك , وقال ” أنه بعد 135 من التبشير بهذا البلد بواسطة الإرساليات فمازال هذا البلد مُوضحاً أن الكنائس الخمسينية التي تشكل التهديد الأول وهي تُمول في الغالب من الخارج ( وكأن كنيسته لا تُمول هي الأخري من الخارج) وأن الممُول الرئيسي لها هو الولايات المتحدة الأمريكية ودول أخري ” , وقال أنه ” يأتي بعد هذا التهديد تهديد آخر يتمثل في زيادة أعداد الكونجوليين المتحولين للإسلام وهم من الشباب في الغالب وهم طامعون في تلقي مساعدات إقتصادية كفتح محال تجارية لهم وإيفادهم في منح تعليمية للبلاد العربية” (وكأن الكنيسة لا تفعل ذلك)  منوهاً بأنه ” لا مشكلة حتي الآن إلا أننا نخشي من تسرب التطرف لبلادنا ” , لكن ما لم يقله أو يتطرق إليه دور كنيسته غير المباشر في دعم أو معارضة كنيسة Kinshasa الكاثوليكية في معركتها مع نظام الرئيس Kabila, فبالرغم من الرابطة الكاثوليكية التنظيمية بين الكنيستين الكاثوليكيتين في Brazzaville و Kinshasa اللتين لا يفصل بينهما غير مجري نهر الكونجو فالعاصمتين جغرافياً في مواجهة بعضهما البعض , إلا أنه لم يصدر عن كنيسة Brazzaville دعم صريح لموقف كنيسة الكونجو الديموقراطية في هذه المعركة بالرغم من أنهما تحت مظلة وتوجيه الفاتيكان  .  

(2) دور الكنيسة كنيسة كابيندا الكاثوليكية في الصراع علي كابيندا :

هناك صراع طرفاه الحكومة الأنجولية وجبهة تحرير جيب كابيندا FLEC بسبب مُطالبة  هذه الجبهة ممارسة شعب إقليم Cabinda لحق تقرير المصير الذي مارسته شعوب أخري كان آخرها ممارسة شعب جنوب السودان لهذا الحق في 9 يناير 2011 وإختياره الإستقلال عن السودان في 9 يوليو 2011 وهو ما ترفضه الحكومة الأنجولية بقوة التي نجحت في حجب هذا الصراع عن الإعلام الدولي والأفريقي بإصرارها علي كونه مجرد “شأن داخلي” وأستجابت القوي الدولي لرؤية حكومة أنجولا بسبب مصالحها البترولية مع أنجولا التي تتنتج سنويا نحو 2 مليون برميل 75% من هذا الإنتاج بإقليم Cabinda , وهذا الصراع بدأ منذ ما قبل إستقلال أنجولا عن البرتغال في 11 نوفمبر 1975 بفترة قصيرة , وبدأ الصراع في كابيندا في التبلور بعد أن تمكنت قوات الحركة الشعبية لتحرير أنجولا MPLA من السيطرة علي الإقليم بدخولها إياه من نقطة إرتكازها بمدينة Pointe-Noire بالكونجو برازافيل خلال يومي 2 و3 نوفمبر 1974 وأستطاعت إحتلاله عسكرياً بدعم عسكري من الكوبيين والسوفييت  قبل الإعلان عن إستقلال أنجولا في 11 نوفمبر 1975عن البرتغال بموجب إتفاقية Alvor التي وقعتها الأخيرة في 15 يناير 1975 مع حركات التحرير الأنجولية الثلاث وهي الحركة الوطنية لتحرير أنجولاFNLA  والحركة الشعبية لتحرير أنجولا MPLA والإتحاد الوطني للتحرير التام لأنجولاUNITA , وبمقتضي هذه الإتفاقية تم إلحاق إقليم كابيندا بأنجولا , وكان أن بدأ الصراع في إقليم كابيندا الذي تقع مطالبات قوي المقاومة فيه ضد ما تصفه بالإحتلال الأنجولي ما بين الحصول علي الإستقلال عن أنجولا وبين ممارسة حق تقرير والحكم الذاتي علي غرار سوابق أفريقية كان آخرها – كما سبق وأشرت – ممارسة شعب جنوب السودان حق تقرير مصيره وفقاً لإتفاقية السلام الشامل المُوقعة بين الجيش الشعبي لتحرير السودان Sudan People’s Liberation Army بقيادة جون جارانج وحكومة السودان في كينيا في يناير 2005 , وتُؤسس حركات المقاومة الكابيندية وأهمها جبهة تحرير جيب كابيندا FLEC موقفها الرافض للوضع الراهن بتبعيتها لأنجولا علي أساسين هما (1) الأساس القانوني والتاريخي ويستند علي أن ممالك كابيندا الثلاث عقدت مع البرتغال ثلاث معاهدات في الفترة من 1883 حتي 1885 آخرهم معاهدة Simulambuco المُوقعة بين التاج البرتغالي وأمراء هذا الإقليم  في فبراير 1885 وبموجب هذه المعاهدة أعلنت البرتغال لأول مرة عام 1885 عن سيادتها علي كابيندا بإعتبارها ” محمية ” وهو وضع مشابه للوضع الذي فرضته فرنسا علي تونس والمغرب لكنه كان وضعاً مختلفاً عن الذي كانت عليه أنجولا التي إعتبرها البرتغاليين ” مُستعمرة ” منذ عام 1842 إذ لم ترتبط البرتغال بأي معاهدة من هذا النوع مع أنجولا التي كانت مُستعمرة بلا سيادة  مما يؤكد خصوصية أو تميز وضعية هذا الإقليم عن أنجولا , (2) الأساس الثقافي والإثني فرغم أن سكان كابيندا إلي إثنية Kikongo مثلهم مثل سكان مُحافظتي Zaire و Uije الأنجوليتين , إلا الكابينديين يعتقدون في أن بينهم وحدة ثقافية ولغوية يطورونها وأنها ثقافة متباينة عن تلك السائدة بأنجولا , وكان أن بدأ الصراع في إقليم كابيندا منذ 1975 وتقع مطالبات قوي المقاومة فيه ضد ما تصفه بالإحتلال الأنجولي ما بين الحصول علي الإستقلال عن أنجولا وبين ممارسة حق تقرير والحكم الذاتي علي غرار سوابق أفريقية كان آخرها ممارسة شعب جنوب السودان حق تقرير مصيره وفقاً لإتفاقية السلام الشامل المُوقعة بين الجيش الشعبي لتحرير السودانSudan People’s Liberation Army   بقيادة جون جارانج وحكومة السودان في كينيا في يناير 2005   .

تقود كنيسة Cabinda الكاثوليكية ومنظمة Mpalabanda المدعومة من كنيسة كابيندا وجبهة تحرير جيب كابيندا  FLEC الصراع الدائر حتي اليوم بين حكومة أنجولا و سكان Cabinda وهو الصراع الذي لم يحدث للكنيسة الكاثوليكية بأنجولا منذ تأسيسها قبل 500 عاماً خلت أن واجهته , وسوف أشير بإختصار إلي دور هذه الكنيسة لبيان مدي قوة وفاعلية دور الكنيسة الكاثوليكية في الدول الأفريقية في تشكيل / توجيه السياسة الداخلية بل ومواجهة الأنظمة المُستبدة , ومازال هذا الصراع قائماً حتي يومنا هذا رغم محاولة الحكومة الأنجولية إعطاء إنطباع للرأي العام الدولي بأن الصراع جرت تسويته بموجب مذكرة التفاهم التي وقعها في محافظة Namibe بجنوب أنجولا في الأول من أغسطس 2006 وزير الإدارة المحلية الأنجوليHelder Vieira Dias  معرئيس منتدي الحوار الكابيندي Antonio Bento Bembe المُنشق عن جبهة تحرير جيب كابيندا FLEC , وهو إتفاق رفضته القوي الكابيندية المُعارضة , ومنذ توقيع مذكرة تفاهم Namibe وإلي يومنا هذا ظل موقف جبهة تحرير جيب كابيندا كما هو رافضاً لهذه التسوية المُبتسرة كما حافظت منظمة Mpalabanda علي موقفها الرافض لها أيضاً لكن فيما يتعلق بكنيسة Cabinda فقد ظلت الحكومة والأمن الأنجولي يبذلان جهودهما المُتصلة لتعديل أوتخفيف وطأة مواقف الرموز الكنسية لإدراكهم أن الكنيسة الكاثوليكية الكابيندية هي رأس رمح المقاومة الكابيندية المُناهضة للإنتشار العسكري الأنجولي في الإقليم لإبقاء كابيندا بالخريطة الرسمية لأنجولا بإعتبارها المحافظة الثامنة عشر , وظل القس Casimiro Congo لذي أنشأ كنيسة كاثوليكية مُستقلة بالإقليم يطلق تصريحاته الحادة ضد حكومة أنجولا فعلي سبيل المثال صرح لإذاعة صوت أمريكا في 2 ديسمبر 2014 بأن الكنيسة الكاثوليكية الكابيندية التي كان هو أسقفها أصبحت بعد فرض Filomeno Vieira Dias   الأسقف المُعين من حكومة أنجولا عليها  مازالت تمثل الذراع اليمني لحكومة كابيندا (المُعينة من قبل حكومة أنجولا) وبأنها “عار”  , وقد أنشأ ليُنشئ لقس Casimiro Congo في إطار معارضته كنيسة موازية لكنيسة كابيندا الخاضعة لحكومة أنجولا  , وبطبيعة الحال فلم تعترف  السلطات الرسمية الأنجولية بكنيسته لتعارضها مع القانون , وقد أوضح Casimiro Congo لصوت أمريكا كذلك قوله “إن الكنيسة الرومانية الكاثوليكية قد أعطت بالفعل ما أعطته , وهي ليست حرة في أن تقود وتمنح الحياة لأولاد الرب , لكن كنيستي تمثل في هذه اللحظة من الوجهتين الطقوسية والأنجيلية القوة العظمي وهي ليست الوحيدة لكنها القوة الحية في كابيندا , وفي هذه اللحظة هناك كثير من الكاثوليك تركوا الكنيسة وتوجهوا لكنيستي حتي وهي مُضطهدة ” .

نشرت وكالة الأنباء البرتغالية LUSA في 20 أبريل 2018 مضمون الرسالة التي وجهها Emmanuel Nzita رئيس جبهة تحرير جيب كابيندا  FLEC ورئيس حكومة كابيندا الإنتقالية لأمين عام الأمم المتحدة António Guterres والتي تضمنت مناشدة Guterres للتدخل والضغط من أجل إنهاء إحتلال كابيندا ومواجهة ما وصفه ” بإنتهاك الملكية والقيود علي التنقل والعمالة بالإقليم وغيرها من إنتهاكات حقوق الإنسان ” , موضحاً أن جبهة FLEC تقاوم علي مدي 50 عاماً مضت من أجل إستقلال كابيندا , وكرر رئيس هذه الجبهة في رسالته تلك الإشارة إلي ” أن القوات الأنجولية غزت الإقليم الكابيندي بعد إتفاقية Alvor المُوقعة عام 1975 والتي بموجبها سلمت السلطات الإستعمارية البرتغالية كابيندا للإنجوليين دون إستشارة الكابينديين رغم أن إتفاقيةSimulambuco بين التاج البرتغالي وأمراء كابيندا المُوقعة في أول فبراير 1885 جعلت من كابيندا محمية برتغالية أو Portuguese protectorate وهذه الإتفاقية هي التي تعتبر للآن الأساس الذي تطالب جبهة FLEC-FAC مطالبتها بالإستقلال عن أنجولا ” , ثم أوضح أنه ” سيكون خطأ تاريخياً إذا لم نسمع والأخذ بجدية لما يريده الشعب من خلال نقل رسالة كهذه تعبر عن الخيار المشروع , لأن الحرب للجميع وتحت أي سبب لا يجب أن تعود ثانية خياراً للضغط أو لحل الصراع في كابيندا ” , وأشار رئيس جبهة FLEC في خطابه إلي ” فشل مذكرة تفاهم Namibe والوضعية الخاصة لإقليم كابيندا , لأن التفاوض بشأنها كان بائساً ولم يتوصل إلي السلام المأمول , كما أن وضعية كابيندا مازالت شبحاً دونه الحقيقة ولغزاً غير مقروء في أعين شعب كابيندا خاصة الشباب ” ,كما أشار  Emmanuel Nzita بفي رسالة أخري وجهها للرئيس الأنجولي الجديد Joao Lourenco  ” سيدي الرئيس نتوقع منكم إشارة قوية وواضحة بشأن السلام والحوار رداً علي هذه المبادرة للتأكد من أن قضية كابيندا ذات أولوية وطنية في أجندتكم السياسية وبذلك يمكننا جميعاً التقدم نحو بيئة سلمية وكريمة وتحقيق السلام الدائم وتنظيم إجتماعات دائمة ومباشرة ومتعددة الأطراف من خلال رؤية نتوصل من خلالها لحل نهائي ”  .

أعتقد بناء علي سابق خبرتي المهنية كسفير لمصر لدي أنجولا علي مدي الفترة من 2003 وحتي نهاية 2007 , أن النظام الأنجولي بقيادة حزب الحركة الشعبية لتحرير أنجولا MPLA ومعه أحزاب المعارضة لن يوافقوا أبداً لا علي ممارسة سكان كابيندا لحق تقرير المصير ولا علي درجة مُتسعة من الحكم الذاتي ولن تتعدي الرؤية الأنجولية حد الإدارة الذاتية للإقليم مُحاطة بقبضة أمنية قوية ذات بأس شديد لأسباب مختلفة منها أن الإقليم ينتج 75% من بترول أنجولا البالغ في المتوسط 2 مليون برميل / يوم ولأن الإقليم إمتداد جغرافي يتيح للدولة الأنجولية ممارسة دور حاكم في سياسات وسط أفريقيا خاصة علي العملاق الأفريقي الكونجو الديموقراطية والتي يحكمها نظام Joseph Kabila , ولذلك فمن بين تصريحات علنية مُتعددة نجد Salviano Sequeira  وزير الدفاع الأنجولي يصرح وتنقل عنه صحيفة Folha 8 الأنجولية المعارضة علي موقعها بتاريخ 24 يناير 2018قوله ” إن مقاطعة كابيندا من وجهة النظر الإستراتيجية تحتاج إلي أقصي إهتمام وقوات كافية بهذه القطعة من الأراضي الأنجولية , لقطع صلة جبهة تحرير جيب كابيندا FLEC بالأراضي الكونجولية ” , لذلك فلا أتوقع أبداً أن تتخلي أنجولا عن رؤيتها الإستراتيجية بوحدة الأراضي الأنجولية تحت شعار Angola, from Cabinda to Cunene , ومع ذلك فهناك من يعتقد في أن هناك ثمة إحتمال في مراجعة النظام الأنجولي في إمكانية صمود هذه النظرة الإستراتيجية الثابتة فصحيفة Folha 8 أشارت في 24 ينلير 2018 إلي أن سقوط مبارك في مصر في 11 فبراير 2011 وإستقلال جنوب السودان بالإنفصال عن شماله في 9 يوليو 2011 والتغييرات الدستورية التي أجراها عاهل المغرب محمد الخامس لحماية النظام الملكي المغربي الراسخ يجب أن تؤدي بنخبة السلطة الأنجولية إلي التفكير بجدية في مستقبل كابيندا , خاصة وأن جبهة تحرير جيب كابيندا FLEC بكل قادتها دائمي الإستعداد للحوار ومعهم المجتمع المدني الكابيندي , وفي تقديري أيضاً أنه رغم أن القضية الكابيندية لم تسو بعد ورغم أن النظام الحاكم في أنجولا أستطاع مع الفاتيكان الضغط علي وتليين مواقف المعارضين الأقوياء داخل كنيسة كابيندا أمثال Jorge Casimiro Congo و Raul Taty بتوظيف علاقاته التي تتسع مع الفاتيكان والتي يدل علي أنها مزدهرة  قرارالرئيس الأنجولي الجديد بالسماح لإذاعة Ecclesia الكاثوليكية بالبث الإذاعي في عموم أنجولا بعد أن ظل هذا البث لأكثر 40 عاماً مقصوراً علي العاصمة لواندا فقط , ورغم كل ذلك فهناك حاجة لإقرار السلام في كابيندا خاصة وأن الموقف الإقتصادي بالإقليم يزداد سوءاً وفقاً لما صرح به António Bento Bembe رئيس منتدي الحوار الكابيندي والمُنشق عن جبهة تحرير جيب كابيندا – القوات المسلحة FLEC- FAC ونُشر علي موقع صوت أمريكا في 3 أغسطس 2016 بمناسبة مرور 10 سنوات علي توقيع مذكرة تفاهم بشأن السلام والإستقرار في كابيندا التي وقعها مع حكومة أنجولا بمحافظةNamibe  الأنجولية في الأول من أغسطس 2006 حيث أوضح  ” أن الإقليم لم يعرف التنمية الإقتصادية التي كانت مُتوقعة , فالحقائق علي الأرض بكابيندا تُظهر تردياً للأوضاع بالمقاطعة ” , وربما يزيد من سوء هذا الوضع ما نقلته صحيفة Folha8 الأنجولية المعارضة علي موقعها بتاريخ 16 ديسمبر 2016 عن البيان الذي صدر عن اللجنة السياسية لجبهة تحرير جيب كابيندا – القوات المُسلحة FLEC-FAC وتضمن دعوة إلي فتح تحقيق دولي بشأن أنشطة غسيل أموال لصالح النخبة السياسية والعسكرية الأنجولية في كابيندا .

موقف الفاتيكان من الصراع الكابيندي :

كان للفاتيكان موقف ودور في هذا الصراع منذ أن بدأ عام 1975 , وفي سياق هذا الموقف و / أوالدور قام بابا الفاتيكان جان بول الثاني في 11 فبراير 2005بإصدار قرار تعيين المطران Filomeno Vieira Dias   (كان مُساعداً لأسقف لواندا العاصمة الأنجولية أسقفاً لكابينداً بدلاً من المطران Dom Paulino Madeka الذي تقاعد وكان موقفه أقل حدة إلي حد كبير من معظم قساوسة كنيسة كابيندا فقد دعا السياسيين إلي التحلي بالحس السليم والحوار حتي تهب رياح السلام علي كابيندا , لكن رجال الدين المحليين إستمروا في معارضة قرار الفاتيكان بتعيين لأن Filomeno Vieira Dias كونه لا ينتمي لأهل الإقليم الكابيندي بإعتبار أن كنيستهم مُستقلة ويجب أن تكون مُستقلة عن كنيسة أنجولا خاصة وأن Filomeno مُؤيد ومدعوم من الحكومة الأنجولية وأنه عُين لمهمة إنقاذ حكومة حزب MPLA الحاكم منذ 1975 للآن من الغرق في كابيندا ولتسليم كنيسة كابيندا للسلطة السياسية الأنجولية , وقاد معارضة الكنيسة الكابيندية لهذا التعيين كل من القس Jorge Casimiro Congo والقس  João de Brito Monteiro Maiaba وأندلعت مظاهرات بكابيندا منعت من توجه  Filomeno Vieira Diasإلي كابيندا لتسلم مهام منصبه , وإزاء توتر الموقف قام المؤتمر الأسقفي لأنجولا وساوتومي بتعيين الأسقف الإيطالي Dom Eugénio d’Al Corso بصفة مؤقتة لإدارة وتسيير أمور كنيسة كابيندا الذي تعرض هناك للإعتداء عليه سبب ما قيل  عن إتخاذه تدابير وُصفت بأنها محض تطهير عرقي  Purga Etnica مما فاقم من الإنقسامات داخل كنيسة كابيندا مما جعل من مهمة المجلس الكنسي لأنجولا وساوتومي CEAST لرأب صدع الكنيسة صعباً بحيث أن المراقبين للوضع كان تقديرهم آنئذ أن الوضع في كابيندا بسبب ما يجري لكنيستها قابل للإنفجار إن زاد تدخل حكومة حزبMPLA  الحاكم في أنجولا التي تستغل هذا الموقف المُلتهب للضغط علي مختلف القوي الفاعلة في كابيندا وأهمها الكنيسة الكاثوليكية هناك التي يحاول رجال الدين بها إستخلاص إستقلالها عن كنيسة أنجولا للتواءم مع رغبة سكان كابيندا للإستقلال عن أنجولا بمقاومة الوجود الأنجولي أيا كان شكله في كابيندا , ولذلك كان لابد أن يصدر قرار بوقف قسيسين  كابينديين عن العمل بسبب ذلك لتحريضهم السكان علي التظاهر وكان أحدهما القس Jorge Casimiro Congo أحد أهم قادة كنيسة كابيندا المعارضين “لإحتلال أنجولا للإقليم ” , والذي قال في مقابلة مع إذاعة البريطانية نُشرت بموقعBBC في 7 ديسمبر 2005 أن “هناك أزمة تمر بها كنيسة كابيندا” , وأن هذه الأزمة أبعد من كونها أمر شخصي أو سلطوي , بل أبعد كذلك من التسلسل الهرمي لهذه الكنيسة , وأنه يجب تناول مشكلة كابيندا من كل أوجهها  , وكانت هذه المقابلة علي خلفية تعرض القس Dom E.Corso المُعين من قبل الفاتيكان مؤقتاً لإدارة الكنيسة بكابيندا للضرب في 19 يوليو 2005عندما هجم عليه مجموعة من الشباب الكابيندي وهو يُجري الطقوس الكنسية في حضور أحد زملاءه من الكابينديين وهو القس Jorge Casimiro Congo وكانت دوافع المُهاجمين دينية / سياسية وعرقية , ولم يكن لدي بعض المسئوليين عن الإتصالات بالفاتيكان إحاطة كاملة بواقعة الضرب هذه , مع أن Dom E.Corso بعث برسالة لأمين الدولة بالفاتيكان الكاردينال Angelo Sodano في 21 يوليو 2005 يعيده بإستمرار التوتر بكابيندا , رد عليه البابا برسالة بابوية في 21 يوليو قرأها سفير الفاتيكان بأنجولا مضمونها إبداء التضامن مع الأسقف Corso  بالإضافة إلي أن سفير الفاتيكان بأنجولا وجه بإغلاق كنيسة كابينداً عقب هذه الأحداث ووقف عمل بعض كهنتها , وقد نفت منظمة Mpalabanda المدعومة من كنيسة كابيندا المعارضة لأنجولا أي تورط لها في أحداث 19 يوليو , وبتوجيه من الفاتيكان قامت كنيسة أنجولا بجهود تفاوضية مع رجال الدين المعارضين بكنيسة كابيدا إنتهت إلي تسوية بموجبها أُعيد فتح كنيسة كابيندا لكن هذه التسوية لم تتطرق لموضوع رفض الكابينديين لتعيين   Filomeno Vieira Dias , لكني علمت في إطار متابعتي لهذ الموقف من مصدر أمني أنجولي رفيع المستوي لي له صلات قوية بكنيسة أنجولا الكاثوليكية أن السبب الرئيسي لما حدث في كابيندا هو علم السلطات الأمنية الأنجولية بأن Filomeno Vieira Dias الأسقف الجديد والذي رفضه الكابينديين وكذلك المُعين مُؤقتا Dom Eugénio d’Al Corso لتسيير أمور كنيسة كابيندا مُؤقتاً من قبل الفاتيكان , كلاهما جاسوسان للمخابرات البرتغالية ووجودهما في كابيندا مرفوض من الكابينديين ومن الحكومة الأنجولية معاً , وقال المصدر أن لدي حكومة أنجولا حساسية دائماً من أي تواجد برتغالي في إقليم كابيندا لذا فهي تخشي من تواجدهما هناك لأن الأمر والحالة هذه مُتعلق بامن أنجولا القومي وليس الكنيسة الكابيندية علي أي حال , فللبرتغال إسهام كان واضحاً في إشعال الحرب الأهلية الأنجولية , ولذلك كان موقف حكومة أنجولا من أحداث 19 يوليو هو موقف الحياد السلبي , فيما دعا الفاتيكان في بيان أصدره في أبريل 2006 إلي وحدة الكاثوليك في كابيندا من أجل عودة الحياة الدينية لطبيعتها بالإقليم بعد أن قضي Filomeno Viera days الأسقف المُعين من قبل الفاتيكان عاماً بدون تسلم عمله في كابيندا , والذي تلاه الأب Milan Zednichek متولي الشئون الإدارية بالكنيسة علي كهنة كنيسة كابيندا , قال ” إن قرار البابا John Paul II  بتعيين Filomeno Viera days أسقفاً جديداً لكابيندا قرار رعوي فيه من الخير العظيم الكثير , وأن كنيسة كابيندا يجب أن تسعي جاهدة للعيش ككنيسة خاصة بالتواصل الكامل مع الكنيسة العالمية بإعتبار أنها تمثل كنيسة يسوع واحدة ومقدسة وكاثوليكية ورسولية “.

ظلت الأزمة مُستعرة جراء معارضة كنيسة كابيندا لتعيين الفاتيكان Filomeno Vieira Dias أسقفاً لكابيندا ومصادقة الحكومة الأنجولية علي هذا القرار (يمت بصلة قرابة للجنرال كوبوليبا رجل الرئيس الأنجولي Eduardo dis Santos القوي) , لدرجة أن بعض الناشطين في العمل الكنسي بكابيندا دعوا في نوفمبر 2016 لإقامة كنيسة كاثوليكية مُستقلة تماماً عن كنيسة كابيندا المُعتمدة من الفاتيكان وهو تطور غير مسبوق عملت الحكومة الأنجولية والفاتيكان اللذان رغم بعض الخلافات بينهما إلا أنهما يحافظان معاً علي بعض القواسم المُشتركة إزاء قضيتي الكاثوليكية بأنجولا (وهي دولة علمانية وفقاً لدستورها) وكبح الصراع في كابيندا , وبالتالي عملا معاً علي إحباط هذه الخطوة الخطيرة النتائج علي هاتين القضيتين خاصة وان ملامح هذه الخطوة حددها مجموعة من القانونيين الكابينديين عكفوا علي وضعها في إطار قانوني يتناسب مع المشاكل التي ستنشأ بمجرد إنشاء كنيسة مُستقلة مثل مشكلة تقاسم الممتلكات وإبعادها عن قبضة الأمن الأنجولي التي سيطرت علي الكنائس الأخري بالإقليم المُضطرب , وقد نجح الفاتيكان بمساعدة الحكومة الأنجولية في عرقلة هذه الخطوة لوقت قصير بوسائل مختلفة , لكن الأسقف Casimiro Congo الذي أصدر البابا قراراً وقعه في 16 أبريل 2005 بإخراجه من الكنيسة الكاثوليكية الكابيندية مع زميلين لآخرين هما Raul Taty وAlexandre Pambo ومنع ثلاثتهم من التواجد في المراسم القربانية بالكنيسة , نجح قبل عام 2014 في إنشاء كنيسة موازية وظل ثلاثتهم من أشد المعارضين للوجود الأنجولي في كابيندا , وقد أعلن أسقف كابيندا Filomeno Vieira Dias القرار البابوي المُشار إليه داخل كنيسة كابيندا في مايو 2005لكن القرار البابوي لم بذكر السبب أو الأسباب من وراء ذلك , لكن السبب العام معروف وهو ممارستهم للشأن السياسي , وبينما إستمر الوضع في الإقليم علي ما هو عليه من إضطراب مع كثافة المواجهات العسكرية متقطعة بين القوات الأنجولية وقوامها أكثر من 40,000 جندي ( المحافظة الثالثة بأنجولا بعد محافظتي Luanda و Huambo في حجم التمويل لقوات الأمن ) وقوات جبهة تحرير جيب كابيندا FLEC ظلت الكنيسة الكابيندية أيضاً في حالة مواجهة سياسية مع حكومة أنجولا ويعكس ذلك تصريحات لكل من القس Raúl Tati الناشط السياسي بالإقليم والقس Jorge Casimiro Congo , فالأول قال في مقابلة مع إذاعة صوت ألمانيا نُشرت في موقعها في 7 يناير 2014 بمناسبة نشر كتابه ” كابيندا . المسار التاريخي  بين الرب وقيصر , 1975 – 2012″ , ” إن مسار الكنيسة الكاثوليكية في كابيندا شديد التعقيد ” , منوهاً بأنه حتي في العهد الإستعماري البرتغالي قبل الإستقلال عام 1975 كان هناك ثمة تدخل   برتغالي بالرغم أن كابيندا كانت محمية وليست مُستعمرة برتغالية وكان من بين هذه التدخلات ترحيل السلطات الإستعمارية البرتغالية لأسقف كابيندا Manuel da Costa المُعارض للإستعمار للبرتغال وظل هناك حتي عام 1974, وزاد التدخل عام 1975 عند غزو قوات حزب الحركة الشعبية لتحرير أنجولاMPLA  (الحاكم حتي الآن) وحركات أنجولية أخري لكابيندا , لكن الكنيسة الكابيندية ظلت تقاوم الإستعمار البرتغالي حتي بعد إتفاقية Alvor وقامت بإتصالات مع الفاتيكان ومنظمة الوحدة الأفريقية لإيلاء إهتمام دولي بقضية إستقلال كابيندا , وأكد Raúl Tati في هذه المقابلة علي تطلع الكابينديين لإيجاد دولتهم , أما الثاني وهو القس Jorge Casimiro Congo فقد صرح في لإذاعة صوت أمريكا علي موقعها في 22 أغسطس 2017 ” إنني أرحب بالحوار ما بين كابيندا وأنجولا لكني لا أرحب بالتنازل فسوف لا أستسلم ” , وأضاف  قوله ” أنا شخصياً لا أصدق أي حزب أنجولي لكني أريد أن أصدق النية الطيبة التي لدي الشعب ” .

لكن ومع تطور الأمور والضغوط من الفاتيكان ومن الأمن الأنجولي علي الشخصيات الكاثوليكية المعارضة وخاصة  القس  Raul Tati و القس  Jorge Casimiro Congo فقد لُوحظ تغير في موقفيهما بدرجة أو بأخري , فبالنسبة  للقس Raul Tatiالنائب العام لأبرشية كابيندا مؤلف كتاب ” كابيندا يتيم تصفية الإستعمار البرتغالي فيما وراء البحار” والمرشح المُستقل للبرلمان الأنجولي علي قائمة حزب UNITA المُعارض ثاني أكبر أحزاب أنجولا  نجده يصرح في أحد البرامج التليفزيونية الأنجولية  ونقلت عنها إذاعة صوت أمريكا في 2 يونيو 2017 بأنه ” بالرغم من أن الهدف النهائي للكابينديين هو تقرير المصير , إلا أن هذا لا يمنع من الحوار بهدف كيفية تحقيق ذلك ” , ” لقد دافعت دائماً بالقول بأن شعب كابيندا له الحق في تقرير مصيره وعلينا إعادة التأكيد في كل الظروف بأن كابيندا لديها حقها في تقرير المصير ” , وأضاف قوله ” لقد عملنا علي هذا المدي وسوف لا نوصد أبوابنا أبداً ” , وفي تبريره علي ترشحه علي قائمة حزبUNITA الأنجولي الذي يعارض كحزب MPLA  الحاكم إنفصال كابيندا أو ممارستها لحق تقرير المصير قال ” لقد إتفقت مع حزب  UNITA علي إحترام كلا الفريقين لمواقفهما الخاصة , كما أني لست من أنصار حزب UNITA ولن أكون ” , وكانت العبارة المفعمة بالمعاني عندما قال ” إن التغييرات في أنجولا يُتوقع أن تؤدي إلي تغييرات في كابيندا ” وذلك في إشارة إلي تنحي الرئيس التاريحي لأنجولا Eduardo dos Santosعن الحكم والإكتفاء برئاسة حزب MPLA لصالح وزير الدفاع الأنجولي السابق Joao Lourenco والرئيس الجديد الحالي , وهي عبارة – في تقديري – لا تحوي من الحقيقة والواقعية إلا القليل فالرئيس Eduardo dos Santos مازال يقود أنجولا وسياستها الداخلية والخارجية من موقعه بحزب MPLA كما أن مجموعات المصالح الأنجولية في الإقتصاد والعسكرية لن تسمح بإنفصال كابيندا أبداً مالم تتلقي دعماً خارجية مؤثراً كما فعلت الولايات المتحدة مثلاً في حالة الحرب الأهلية بين متمردي جنوب السودان والجيش الحكومي حتي إرغام الحكومة السودانية علي توقيع إتفاق السلام الشامل معهم في يناير 2005 والذي تضمن مادة تتعلق بحق الجنوبيين في تقرير المصير وهي ما أدت إلي إنفصال جنوب السودان الذي تحقق في 9 يوليو 2011  , كما صرح Tati أيضاً لإذاعة صوت ألمانيا في 24 فبراير 2018 بأن ” بأن الشعور بخيار التسيير الذاتي (لإقليم كابيندا) تزداد قوة ومرونة ” , و” أن أخطاء وراء أخطاء أرتكبت لإخماد المشكلة الكابيندية , والمنطقة بحاجة لحلول عاجلة ” , وفي مارس 2018 نقلت عنه وكالة الأنباء البرتغالية قوله ” هناك ثمة حلول وسط  منها الحل التفاوضي بإتجاه التوصل إلي منح الإقليم وضعية سياسية وإدارية ذاتية والذي يمكن أن يكون خطوة هامة بإتجاه تفكيك المشكلة و وفي هذه الحالة يمكن للدبلوماسية أن تلعب دوراً أساسياً وحاسماً فمنذ 1991والبرتغال تلعب دوراً هاماً عندما عادت لدائرة الضوء بعد مأساة تصفية الإستعمار , للمساعدة بالتوسط في الصراع الأنجولي … ولم لا نستخدم هذه الآليات الدبلوماسية لإغراء الحكومة الأنجولية للتقدم للأمام ؟ ” , وأضاف ” في الوةقت الحالي هناك ثمة نهج بداخل المجتمع الأنجولي , يمكن من خلاله القول بأنه بالنسبة لكابيندا يمكن التوقف عن إعتبارها مجرد محافظة أنجولية وهذا ما يمكن أن يؤدي إلي تمتع الإقليم بوضعية الإدارة الذاتية ” , أما بالنسة للقس الكاثوليكي السابق والمعارض Jorge Casimiro Congo نجده قد قبل تنفيذ قرار أصدره Eugénio Laborinho حاكم مقاطعة كابيندا الأنجولي يقضي بتوليه منصب أمين التعليم والعلوم والتكنولوجيا لمقاطعة كابيندا وهو الذي كان يرفض التعامل مع كابيندا علي أنها مقاطعة أنجولية في السابق , وهو الأمر الذي أثار موجة من الإنتقادات في أوسط الكابينديين المختلفة التي إتهمت الأب Congo بتخليه عن المعركة من أجل إستقلال كابيندا , وهكذا نجد أن كنيسة كابيندا خفف قادتها المعارضين أو الذين كانوا معارضين بحدة واضحة “الإحتلال الأنجولي ” لأرضهم قد غيروا من إتجاههم , ولا يمكن أن يكون ذلك التغيير تغييراً طوعياً بالمرة , فهو نتاج لضغوط وإغراءات من الفاتيكان بالتنسيق مع أنجولا وضغوطها الأمنية والعسكرية بإقليم كابيندا والتي تُمارس علي قادته الكاثوليك والسياسيين بل والعسكريين أيضاً .  

كان هناك ثمة إعتراف من قبل الشخصيات الكنسية بكنيسة كابيندا مثل القس Jorge Casimiro Congo والأب Raul Tati النائب العام لأبرشية كابيندا والأب Pambo أن موقف الفاتيكان يميل لجهة موقف حكومة أنجولا بالنسبة للصراع بالإقليم , ومن بين مظاهر عدة لمواجهة الكابينديين هذا الموقف من الفاتيكان أن Angelo Baccio سفير القاصد الرسولي بأنجولا رُجم من قبل م}يدين لكنيسة كابيدا خلال زيارة عمل بكابيندا في مايو 2005 , وقد أبلغه رجال كنيسة الإقليم برفضهم تعيين أسقف لكابيندا من خارجها , ولكنه أبلغم أن ” الفاتيكان سوف لا يُغير موقفه وأن Filomeno Vieira Dias سيتسلم مهامه مأسقف لكابيندا ليدافع عن حقوق الإنسان بالإقليم ” , وقبله في مارس 2005 رُشق بالحجارة من الجماهير الغاضبة بالإقليم  أسقف لواندا Damiao Franklin  خلال زيارة مماثلة للإقليم مما دعا المجلس الأسقفي لأنجولا وساوتومي إلي إصدار بيان عبر فيه عن أسفه لموقف الأخوة في كابيندا , ومع ذلم فقد إستمر موقف الفاتيكان ونجح في فرض تعيين Filomeno Vieira Dias أسقفاً لكابيندا إلي أن تم تعيينه عام 2014 مُستشاراً بالمجلس البابوي للثقافة في الكرسي الرسولي , وعضواً بالصندوق الأنجولي للمساعدة التعليمية ومقره Boston بالولايات المتحدة  من بين مناصب آخري .

الأخطر في دور الفاتيكان في أنجولا وحتي في الصراع الدائر حالياً في كابيندا أنه تجاوز في وقت الحرب الأهلية الأنجولية 1975 – 2002 حده الدبلوماسي / السياسي فتعداه إلي حد التورط في توريد السلاح لطرفي الحرب الأهلية , وهذا وفقاً لإفادة  هذا المصدر لي إبان عملي بأنجولا 2003 – 2007 , ولذلك ولإسباب أخري أهمها مبدأ علمانية الدولة الوارد بالدستور الأنجولي , نجد بعض المشاكل في علاقة الفاتيكان بأنجولا منها مثلاً موقف الفاتيكان من المسألة الكابيندية الذي نجحت ضغوط حكومة حزب MPLAالحاكم منذ إستقلال أنجولا وتفجر النزعة الإستقلالية في إقليم كابيندا في نوفمبر 1975 في إجبار الفاتيكان علي التماهي مع موقف حكومة Luanda إزاء النزعة الإنفصالية بالإقليم التي تقودها كنيسة كابيندا الكاثوليكية ومنظمة Mpalabanda و جبهة تحرير جيب كابيندا FLEC مما أحدث صدعاً بل ومواجهة ما بين الفاتيكان وجزء مهم من الكنيسة الكابيندية الكاثوليكية من الصعب التراجع عنه , ومن بين المشاكل الأخري مشكلة رفض حكومة حزب MPLA  الدائم منح إذاعة  Ecclesia الكاثوليكة ترخيصاً بالبث لخارج العاصمة Luanda رغم طلبات عدة من الفاتيكان وكنيسة أنجولا الكاثوليكية بل ومن الولايات المتحدة التي أشار تقرير للخارجية الأمريكيةعام 2006 بشأن حالة حقوق الإنسان في أنجولا في أحد مواضعه إلي ” أن هناك عدم وضوح فيما يتعلق بتراخيص البث الإذاعي لمحطات راغبة في البث لكل الإقليم الأنجولي , وتلقي رغبتها تلك بعض التعقيدات من بينها أن هناك جهة تمنح تراخيص للتردد الإذاعي وأخري للبث ” رغم أن الموقف الأمريكي إزاء كابيندا موات تماماً للحكومة الأنجولي , ففي التقرير المُشار إليه نقرأ العبارة التالية ” لتأمين إجراء الحوار بين الحكومة الأنجولية والمجتمع المدني في كابيندا يجب قطع الدعم الخارجي والتفاوض مع منظمات شرعية ” وقطع الدعم هنا معني ينصرف علي القوي المحلية بكابيندا التي تعارض الوحدة مع أنجولا وتدعو للإنفصال عنها وهي تحديداً كنيسة كابيندا ومنظمة Mpalabanda و جبهة FLEC , وفي هذا الإطار ذاته شهدت علاقات الفاتيكان بأنجولا تطوراً نوعياً عندما أصدر الرئيس الأنجولي الحالي Joao Lourenco قراراً أُعلن عنه في مؤتمر صحفي بالعاصمةLuanda قضي بمنح ترخيص البث لإذاعة Radio Ecclesia بما يغطي عموم الأراضي الأنجولية بعد أن محصوراً فقط في العاصمة Luanda وهو ما جعل المسافة بين الدولة الأنجولية والكنيسة الكاثوليكية أقرب ما كانت عليه في السابق , إذ أن الرئيس برر قراره بأنه ” للحد من انتشار الطوائف التي ظهرت في بلادنا في السنوات الأخيرة ” , وعلق الناطق بأسم المؤتمر الأسقفي لأنجولا وساوتومي بقوله ” إنه نهاية لظلم كبير , ونحن نهنئ الرئيس Joao Lourenco علي شجاعته السياسية ” , وفي الواقع فإنه من الملحوظ أن الإقتراب بين الكنيسة الأنجولية ونظام حزبMPLA  الحاكم بأنجولا منذ 1975 وحتي الآن تحقق أخيراً بعد طول تباعد وهو إقتراب شهد أهم دلائله في أبريل من عام 2014 عندما قررت حكومة أنجولا التضييق علي بل وحظر كنائس أخري منافسة للكنيسة الكاثوليكية بها مثل الكنائس الإنجلية خاصة  كنيسة l’Eglise Universelle du Royaume de Dieu والتي مقرها الرئيسي بالبرازيل وتلاقي رواجاً بين أوساط الشباب الأنجولي ويتبعها نحو 400,000 نسمة أمهلتها السلطات الأنجولية في أبريل 2016 60 يوماً لتعليق أنشطتها بأنجولا التي تتجه السلطات العدلية بها إلي مزيد من السيطرة علي الكنائس الإنجلية التي بلغ عددها بالبلاد ألأف كنيسة .

لم يكن هناك ثمة ضغط ديني خارجي يضيف للصراع في كابيندا (فيما عدا الضغط الآتي من فرنسا وهو مُحتمل ويتناقص بسبب مصالح فرنسا البترولية بأنجولا) بعداً خارجياً , فالفاتيكان لم يدخل يوماً مع حكومة أنجولا في مواجهة بسبب المعارضين للوجود العسكري الأنجولي من رجال الدين في كنيسة كابيندا وكذلك كان موقف الـ Lobby أو جماعة الضغط الدينية في الولايات المتحدة وجماعة الضغط البترولية في Houston كل هؤلاء داعمون  أوعلي الأقل لا يناؤون موقف حكومة أنجولا من الصراع في كابيندا , كما أن الصين بالرغم من عظم علاقاتها الإقتصادية مع لواندا لم تكن ذات تأثير يُذكر علي الصراع هناك وإن كانت قافلة لعمال صينيين هوجمت في كابيندا في نوفمبر 2010 وقتل في الهجوم جنديان حراسة أنجوليان  مما دعا شركة China Sonangol لمغادرة الإقليم مع تكرار التهديدات وفقاً لما أوردته في 6 سبتمبر2016نشرةAfrica Energy Inelligence   .

الموقف الأمريكي من الصراع الكابيندي :   

كما سبقت الإشارة فإن موقف الفاتيكان يميل لصالح وجهة نظر الحكومة الأنجولية الثابت منذ إستقلال أنجولا في نوفمبر 1975 وحتي الآن , ومن ثم فقد فقدت كنيسة كابيندا دعماً يُعول عليه في ثبات موقفها أمام القوة والبأس السياسي والإقتصادي الأنجولي الذي لا شك أدي إلي إختراق المعارضة الكاثوليكية بكنيسة كابيندا كما سبقت الإشارة , وكان من الممكن تعويل المعارضة السياسية والعسكرية والكنسية بكابيندا علي دعم أمريكي ولو علي المستوي السياسي ولتعويض إفتقاد كنيسة كابيندا للدعم الفاتيكاني الذي يبدو واضحاً وقوياً بل ووهاجاً في حالة الكونجو الديموقراطية كما كان واضحاً في دعم الفاتيكان والقوي الأوروبية والكنيسة الأمريكية لمتمردي جنوب السودان وإظهارهم والترويج لهذا التمرد ليس بإعتباره تمرداً بل مقاومة مُسلحة شريفة ضد حكومة إسلامية مُتطرفة هي حكومة السودان , كان من الممكن تعويل الكابينديين علي دعم سياسي أمريكي نراه ممكناً في حالات حركات تمرد بدول مختلفة لكن المصالح البترولية للولايات المتحدة في بترول إقليم كابيندا ظلت مضمونة مُصانة من قبل حكومة حزب MPLA الأنجولي منذ 1975 وحتي يومنا هذا , فلماذا إذن تدعم الولايات المتحدة حق شعب كابيندا في تقرير المصير وله منطق يدعمه لم يكن واضحاً بهذا الشكل مثلاً في حالة تمرد جنوب السودان الذي حظي بدعم سياسي وإقتصادي وعسكري وكنسي أمريكي علني , كما أن هناك وبالإضفة إلي حقيقة أن مصالح الولايات المتحدة خاصة البترولية ومعظمها في كابيندا مُصانة ومُنتظمة بيد حكومة حزب MPLA الحاكم في أنجولا منذ ما قبل إستقلال أنجولا في نوفمبر 1975 وحتي يومنا هذا , ربما يمكن أن أضيف عامل آخر مؤثر في عدم ميل الولايات المتحدة دعم متمردي كابيندا أو جبهة FLEC كما كانت تدعم مُتمردي الجيش الشعبي لتحرير السودان SPLA , وهو عامل ديني فكنيسة كابيندا كاثوليكية , بينما الولايات المتحدة دولة للمذهب البروتستانتي الغلبة فيها , يُضاف إلي ذلك أن هناك خلافات بين الكنيستين الكاثوليكيتين الرومانية والأمريكية حالياً منها مسألة العزوبة وإمكانية زواج القسس قبل رسامتهم ومستوي التسلسل الهرمي داخل كلا الكنيستين فخلافاً للرومانية التي هجرها قسس وأساقفة وأخوات ليس هناك ثمة بابا ولا أسقف ولا كاردينال .

لا يمكن إنكار حقيقة أن المصالح العليا للولايات المتحدة التي يتكرر التأكيد علي أنها المُحرك الرئيسي لإستراتيجية الأمن القومي الأمريكي وتظهر في مختلف وثائقة الرسمية منذ أرعينات القرن الماضي للآن تتضافر من العامل أو الباعث الديني , ولست إلا واحد من بين كثيرين يؤكدون علي ان الدين يمثل الباعث الرئيسي الثاني في وضع وتنفيذ إستراتيجية الأمن القومي الأأمريكي , ولذلك مثلاً نجد ولهذا وتأكيداً للحيز الذي تشغله أشواق العودة لإستزراع الأفكار الصليبية في القرار الأمريكي أشير مرة أخري إلي ما ذكره السيد Robert H. Johnson عضو مجلس الأمن القومي السابق في إدارات الرؤساء Eisenhower و Kennedy و Johnson في بيانه الذي تلاه السيد Stuart Tucker أمام جلسة إستماع أمام اللجنة الفرعية لأفريقيا من لجنة الشئون الخارجية لمجلس النواب الأمريكي في الدور الأول لإنعقاده الـتاسع والتسعون في الفترة من 31 أكتوبر حتي 12 نوفمبر 1985 * ( كانت جلسة الإستماع تلك بعنوان ” أنجولا : تدخل أم إعتراف ” ) , وقد تضمنت أمراً له علاقة وثيقة بالهدف من هذه الدراسة حيث ذكر في جلسة الإستماع تلك ما نصه حرفيا ” إن هناك نزعة مسيحية في السياسة الخارجية الأمريكية , والنص بالإنجليزية هو :

There is a Messianic strain in American foreign policy . we have often sought to remark other societies in our own imagine , to convert them into open societies with a capital economy . It seems to me that that is the general thrust of the President,s speech . However , it fails to recognize the limits of American power

 مازال الموقف الأمريكي من القضية الكابيندية كما هو فمن وجهة المصالح الإقتصادية العليا للولايات المتحدة والمُتمثلة في البترول في حالة كابيندا لا يوجد مبرر لدعم التمرد الكابيندي طالما حافظت أنجولا علي التواجد البترولي الأمريكي بالإقليم منذ 1975 وحتي الآن , أما من الوجهة الكنسية فالكنيسة الكاثوليكية مُمثلة في الفاتيكان توجه الصراع بالإتفاق مع حكومة أنجولا , ولذلك فازالت الإدارة الأمريكية مُلتزمة بتوصية السفارة الأمريكية بلواندا ببرقيتها المؤرخة في 30 يونيو 2006 والتي سُربت عن طريقWikiLeaks بالمحافظة علي ثبات السياسة الأمريكية حيال هذه القضية وهي دعم الحل السياسي الذي يحفظ التكامل الإقليمي لأنجولا ويشجع العمليات الديموقراطية ويحترم حقوق الإنسان وضرورة  التوصل لحل تفاوضي لا عن طريق العنف.

من الواضح طبقاً لما تقدم أن موقف حكومة الولايات المتحدة من الصراع في كابيندا يتجه إلي تبني وجهة نظر الحكومة الأنجولية ومن ثم فالصراع في كابيندا لا يحتاج والحالة هذه لتدخل أمريكي أو دولي مباشر أو غير مباشر , بل إن الولايات المتحدة التي أصدرت خارجيتها تقريراً عن مركز حقوق الإنسان في أنجولا دافعت سفيرتها هناك عنه في تصريح لها نشرته الصحافة المحلية بلواندا في 21 مارس 2006 أشارت فيه إلي أنها تحدثت مع حاكم كابيندا (حيث معظم إنتهاكات حقوق الإنسان) عن قضايا حقوق الإنسان وأنه أفادها بأنهم في حاجة لتكوين كوادر في مجال التحقيق الجنائي (؟) وأنه وفي هذا الإطار سيتوجه شرطيون أنجوليون لبتسوانا للتأهيل في هذا الشأن (؟) , وأضافت في موضع آخر أن هناك تحسناً في مركز حقوق الإنسان في أنجولا وأشارت إلي إجازة الحكومة الأنجولية لمعاهدتين ضد الفساد كدليل علي ذلك التحسن , ولهذا فالموقف الامريكي في حالة أنجولا / كابيندا يختلف عن الموقف الأمريكي من بعض القضايا الدولية الأخري , أما فيما يتعلق بمذكرة التفاهم التي وقعتها حكومة أنجولا بشأن السلام في كابيندا فإن التحفظ الأمريكي الوحيد في شأنها يتعلق بمدي شمول مضمون هذه المذكرة لأطراف عملية السلام الأنجولية في كابيندا , فالولايات المتحدة تري أنه ولتحقيق سلام مستقر في الإقليم فإن هناك ضرورة لأن تشمل عملية السلام به القوة الفاعلة بالإقليم وهي تحديداً جبهة تحرير جيب كابيندا FLEC وكنيسة كابيندا ومنظمة Mpalabanda , وإتساقاً مع هذه الرؤية الأمريكية للصراع فلم تدرج الخارجية الأمريكية جبهة تحرير جيب أنجولا – القوات المسلحة لكابيندا FLEC/FAC حتي 30 سبتمبر 2015علي قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية , ولهذه النقطة دلالة مهمة علي الموقف الأمريكي في عمقه الحقيقي ,  فالموقف الأمريكي من الصراع في كابيندا لا يقتصر علي عملية السلام التي تضطلع بها الحكومة الأنجولية إذ أن المصالح الأمريكية في الإقليم لكثافتها تتطلب من الولايات المتحدة تناول عملية السلام من منظور المصالح العليا للولايات المتحدة بغض النظر عن الإتفاق أو عدم الإتفاق مع المدخل الأنجولي .  

ترجمت جلسة الإستماع المُشار إليها للجنة الفرعية لأفريقيا المنبثقة عن لجنة الشئون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي للكونجرس التاسع والتسعون في دورته الأولي والتي إستغرق إنعقادها الفترة من 31 أكتوبر حتي 12 نوفمبر 1985, الموقف الأمريكي من الحرب الأهلية الأنجولية ومن القضية الكابيندية أيضاً بدقة , فقد كان عنوان محضر جلسة الإستماع تلك ” أنجولا : تدخل أم تفاوض ؟ ” * (نص محضر مُستندي لهذه الجلسة طرفي) , وربما كان في إيراد بعض العبارات المنسوبة لقائليها في هذه الجلسة مؤشراً دالاً بوضوح علي الموقف الأمريكي ويتضح من نصوص جلسات إستماع الكونجرس المُشار إليها ثلاث حقائق رئيسية هي :

(1) أن كابيندا كانت – ومازالت – منصة ثابتة في العلاقات الأمريكية مع حكومة MPLA ولذلك لم تشأ الإدارة ولا الخارجية الأمريكية تصنيف حكومة لوانداعلي أنها حكومة شيوعية بالرغم من إرتباطاتها بالإتحاد السوفيتي وأقوي حلفاءه خارج حلف وارسو أي كوبا , وذلك بالرغم من أن حكومة لواندا كانت تعلن عن نهجها الموافق للنهج السوفييتي رسمياً ويعبر عنه بوضوح برنامج حزب MPLA الأنجولي الحاكم وعندما بدأت عملي سفيراً بأنجولا في عام 2003 كانت الشعارات الشيوعية مازالت واضحة علي جدران وحوائط بعض المباني في العاصمة لواندا .

(2) أن الإدارة الأمريكية إعتبرت الوجود الكوبي – إبان الحرب الأهلية الأنجولية – عبارة عن فرقة حراسة لمنشآت شركة بترول Cabinda Gulf Oil والتي هي فرع لشركة Chevron الأمريكية وأن الإتحاد السوفيتي وكوبا معاً إلي حد ما معنيتان بالحفاظ علي المصالح الأمريكية هناك لأنه من خلال عوائد هذا البترول تمول حكومة MPLA بقاء القوات الكوبية والكل مُستفيد في الحسابات الختامية .

(3) لم تتضمن مداخلات أي من المشاركين في جلسات الإستماع تلك لأي تناول لكابيندا بإعتبارها قضية أو نزاع أو مشكلة , وهو ما يسوقنا إلي القول إلي أن علاقة حزب MPLA بالولايات المتحدة كانت قائمة علي مصالح مُشتركة حرص الجانبين علي إستمرارها وتثبيتها وتقويتها وكان الموقف الأمريكي الذي رصدته من عام 2003 أي عقب إنتهاء الحرب الأهلية بأنجولا عام 2002 حتي عام 2007 بشأن هذه القضية بصفة عامة إيجابياً بالنسبة لحكومة حزب MPLA الحاكم التي يقودها الرئيس José Eduardo dos Santos  للآن منذ وفاة Agostinho Neto أول رئيس لأنجولا في موسكو في 10 سبتمبر 1979 .   

من المنطقي ونحن نعقد مقارنة سريعة بين الموقفين الأمريكيين من الصراع في كابيندا والصراع في جنوب السودان والذي أنتهي في 9 يوليو 2011 بإستقلال جنوب السودان أن أشير إلي دور الكنيسة الأمريكية البروتساتانتية علي وجه الخصوص في التأثير بل والضغط علي متخذ القرار الأمريكي لدعم مُتمردي جنوب السودان للإنفصال عن السودان , أما في كابيندا فالصراع تدير حيز مهم فيه الكنيسة الكاثوليكية من مركزها بالفاتيكان ومن كنيسة كابيندا ولم يكن بينهما إتفاق لكن الفاتيكان ظل يضغط حتي إستمال رجال الكنيسة الكابيندية المعارضين أخيراً ومالوا إلي المهادنة مع حكومة كابيندا , فإذا أضفنا إلي هذه المقارنة حالة قطاع غزة وموقف الولايات المتحدة وموقف المؤسسات الإسلامية منه وهو موقف سلبي خانع تماماً في الغالب الأعم , عكس موقف الفاتيكان مثلاً من إنفصاليي تيمور الشرقية , كما أن موقف الولايات المتحدة من غزة وحماس القوة الإسلامية المُسيطرة فيها موقف ضاغط تطغي عليه مفردات المواجهة بل والحصار بالتعاون مع الأنظمة العربية المُصابة بالسرطان السياسي وإنعدام الهوية , فموقف واشنطن من غزة علي نقيض موقفها مثلاً من صراع جنوب السودان ومن كابيندا ألخ , فقضية غزة كما هي قضية الصراع العربي الإسرائيلي يلعب في وضع السياسات الأمريكية تجاهها اليمين المسيحي أو المحافظ بالولايات المتحدة ومعه أولئك الذين رهن كثير منهم ضمائرهم وعقولهم وخاصة ممن ينتمون للمجيئية أو الـ  Adventists , وإتساقاً مع شغل المسيحية لحيز ملحوظ في مكونات صنع وإتخاذ بل وإستقبال القرار الأمريكي من قبل الرأي العام الأمريكي فقد صُنفت حماس من قبل الخارجية الأمريكية وجهات أخري بالولايات المتحدة علي أنها منظمة إرهابية , فيما لم تصنف الخارجية الأمريكية أيا من حركات أو جبهات التحرير الكابيندية وعلي رأسهم جبهة تحرير كابيندا علي أنها منظمة إرهابية – كما تقدمت الإشارة – وهو عنصر مهم في ترسيخ مبدأ الإنتقائية الواعية في السياسة الأمريكية , ولم تصف الإدارة الأمريكية الدور المحوري لرجال الدين الكاثوليك بكنيسة كابيندا المناوئين للتدخل الأنجولي في كابيندا علي أنهم يتدخلون في السياسة أو أنهم متطرفون كما تفعل في حالة التيار الإسلامي , بل إن الفاتيكان نفسه الذي عين البابا أسقفاً من قبله لهذه الكنيسة رفضه معظم إن لم يكن كل رجال الدين الكابينديين ثم فرضه علي الكابينديين , لم يهاجمهم بل ترك الأمر برمته لحكومة لواندا تتعامل مع المعارضة بكنيسة كابيندا , كما لم تُصنف الولايات المتحدة الجيش الشعبي لتحرير السودان علي أنه منظمة إرهابية بل إعتبرته منظمة تحرير .  

نحن غالباً ما نسعي إلي رؤية المجتمعات الأخري علي غرار صورتنا نحن لتحويلهم إلي مجتمعات مفتوحة بنظام رأسمالي , وإنه ليبدو لي أن هذا بصفة عامة هو الإقحام في خطبة الرئيس , وعلي أية حال فشلنا في الإعتراف بحدود القوة الأمريكية ” , وهذه العبارة تؤكد لكل من ألقي السمع وهو شهيد بأن هناك بالفعل نزعة مسيحية في سياسة أمريكا الخارجية , وبجانبنا دولة الكيان الصهيوني لا تمل من ترديد أنها دولة يهودية , أما نحن فبين ظهرانينا أناس عرايا من القيم والهوية يستعذبون الحياة خلف الآخرين ولا يسترهم غير ورقة توت يسمونها الليبرالية وهي الوسيلة الوحيدة لديهم ليتجردوا من الهوية والقيم معاً , وكما بينت في هذه الدراسة فلم يصف الإعلام الغربي دور الكنيسة الكاثوليكية بأي صفة سلبية بل وصفها بأنها علي الخط الأمامي في مواجهة Joseph Kabilaفي الكونجو الديموقراطية , كما أن يدها بيد المجتمع المدني وجبهة تحرير جيب كابيندا لتحقيق أمل الإستقلال عن أنجولا , وكانت كنيسة تيمور الشرقية مدعومة من الفاتيكان للإستقلال عن إندونيسيا وكان لها ما سعت إليه , إن قوة الدين في حياة الشعوب قوة جامعة في ثناياها للوطنية والكرامة الإنسانية والعدل , فالدين جذع شجرة الإنسانية مهما إجتهد المستبدين في قطع فروعها فلن يكون بمكنتهم قطع الجذع لأنه بطبيعته أقوي منهم مجتمعين .

إن مقارنة واعية بين الصراع في كابيندا والصراع الذي دار بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان ربما تُفضي إلي العثور علي دليل لا حيز للشك فيه يبرهن برهاناً ساطعاً علي الإنتقائية التي تنتهجها الإدارات الأمريكية في حل الصراعات وهو وضع بالرغم من الإنكار الأمريكي النظري له إلا أنه الوضع الطبيعي لدولة عظمي تكرر مواثيق أمنها القومي علي قدسية المصالح العليا للولايات المتحدة فدونها أي شيئ ,  كما أن كلا الصراعين للبترول علاقة أمريكية مباشرة به , فالبترول في الحالة الأنجولية عامل مُحفز للولايات المتحدة , وبينما كان العامل الديني ظاهراً غالباً في صراع جنوب السودان , كان خافتاً مُتضائلاً  بل ويكاد أن يكون مُختفياً في الصراع الكابيندي , وفوق كل ما تقدم فالعلاقات الأمريكية مع حزب MPLA الحاكم في أنجولا كانت ومازالت للآن مستقرة لأن المصالح البترولية الأمريكية ظلت آمنة ومصونة ومضطردة حتي منذ أن كان هذا الحزب متبنياً للنهج الماركسي اللينيني بل وتوطدت أكثر بعد تحوله للإتجاه الإيدولوجي المُضاد أي الرأسمالي فبعد سقوط الإتحاد السوفيتي فقد هذا الحزب وكل الأحزاب الإشتراكية أو الماركسية في أفريقيا الحائط السوفيتي الذي إستندوا عليه طيلة زمن الحرب الباردة .

كلمتا السر في الصراعات الحالية بأفريقيا :

عموماً فإنه ومن منظور السياسة الدولية فمما لابد من قوله أن كلمتي السر في صراع كابيندا وجنوب السودان وربما معظم الصراعات العالمية هما : البترول والدين , ففي أنجولا البترول هو الذي يتكلم ليفسر , أما في الكونجو مخزن من أكبر مخازن المعادن بالعالم فالكوبالت الكونجولي يشهد حالياً صراعاً عليه حرباً بين القوي الدولية ومنها الصين وتعمل علي إستخراجه لإستغلاله بالكونجو 15 شركة دولية ووفقاً لبيانات US Geological Survey Mineral Commodity Summaries فقد كان الإنتاج الكونجولي منه عام 2009 حوالي 35,000 طن قفز إلي 66,000 طن عام 2016, كذلك الأمر في حالة الصراع علي النحاس الكونجولي في كاتنجا فهو أيضاً يتكلم ويفسر أيضاً عدم التوازن الملحوظ بين دور الكنيسة الكونجولية وإتجاهها للإطاحة بالديكتاتورJoseph Kabilaوفريقه وبين تذبذب موقف القوي الدولية ومن وراءها الشركات متعددة الجنسيات الكبري من قضية إنتهاك للدستور الكونجولي وتدني وتيرة تدخلها للإنتصار للديموقراطية والحفاظ علي الدستورية وهو التدخل الذي أصبح مؤكداً عند مقارنة حالات إنتهاك الدستور من قبل رؤساء أفارقة أنه إنتقائي بشكل جلي جداً فالولايات المتحدة وفرنسا أطاحوا برئيس النيجر Mamadou Tandja عندما فعل ما يفعله Joseph Kabila في دستور الكونجو الديموقراطية , فالقوة المُحرضة والمُحركة لسياسات القوي الكبري في الصراع من أجل الديموقراطية بأفريقيا علي نحو خاص هي الشركات متعددة الجنسيات , والتي أحياناً تتفق مع القوي الدينية ممثلة في الكنيسة الكاثوليكية أو البروتستانتية أو غيرهما من القوي الكنسية بالدول الكبري , فهناك نوعان من الديموقراطية أمام الكنيسة الكاثوليكية في حالتي أنجولا والكونجو الديموقراطية أولهما ديموقراطية الأرباح والخسائر التي تعتنقها الشركات متعددة الجنسيات ويعمل علي تنفيذها الساسة بالقوي الدولية الكبري , أما النوع الثاني من الديموقراطية فهي ديموقراطية القيم الإنسانية وتلك قد تتبناها الكنيسة أو لا , فالأمر والحالة هذه يتحدد وفقاً لضغط الكنيسة المحلية إن كانت لها قدرة علي الضغط و علي خطوط التماس والتداخل بين مصالح وتطلعات الكنيسة الكاثوليكية والعلاقات التبادلية مع السلطة الحاكمة بهذا البلد الأفريقي أو ذاك ., ولهذا تجد أنه ليس من المُستغرب أن يمتد دور الكنيسة الكاثوليكية في الكونجو الديموقراطية إلي قضية إستغلال الثروة المعدنية بهذا البلد ففي أعقاب صدور قانون جديد للتعدين صرح Henri Muhiya السكرتير التنفيذي للجنة الأسقفية المخصصة للموارد الطبيعية بالكونجو Cern ونشر موقع  LA CROISXفي 14 مارس 2018 بقوله ” إننا نحيي الإصلاح ونشر القانون الجديد للتعدين والذي أتي تتويجاً لخمس سنوات من العمل “, وأشار موقع LA CROISX أن هذا القانون أصدره الرئيسJoseph Kabila في 9 مارس 2018 وأن اللجنة الأسقفية المُخصصة للموارد الطبيعية شاركت في وضعه وفقاً لما أفاد به Henri Muhiya , كما أن الكنيسة الكاثولية الكونجولية – وفقاً لموقع LA CROISX – هي من كان وراء رفع الضرائب من مسبة 2% إلي 3,5% علي رقم أعمال وإنتاج القائمين علي الإستغلال التعديني للكوبالت ومن نسبة 2% إلي 10% علي النعادن الإستراتيجية الأخري .

إذن دور الكنيسة الكاثوليكية الكونجولية من القوة بحيث أنه يتجاوز مجرد الدخول للتأثير في وتوجيه العمل السياسي المُضاد لنظام بل إنه أيضاً وصل للتأثير والضغط وصياغة العمل الأإقتصادي بالمشاركة في وضع قانون التعدين الجديد بهذا البلد الثري بموارده المعدنية والتي تضع الشركات الكبري متعددة الجنسيات الدولية أعينها عليه , وهذا يعني منطقياً أن هناك صلة مؤكدة بين هذه الشركات الدولية من جانب والفاتيكان والكنيسة الكونجولية (اللجنة الأسقفية المُخصصة للموارد الطبيعية Cernمن جانب آخر , وبالتالي فالحقيقة التي لا يماري فيها أحد أن الكنيسة محرك رئيسي للسياسة وللأقتصاد معاً في الكونجو الديموقراطية وهي كذلك في الدول الأفريقية الأخري ومنها أنجولا التي بدأ دور كنيستها الكاثوليكية في التنامي والإزدهار بعد الزيارة الرسمية للرئيس الأنجولي السابق Jose Eduardo dos Santos للفاتيكان في 2 مايو 2014وهو وضع مُستمر في عهد الرئيس الحالي Joao Lourenco .

نـــــتـــــيجــــــة :

هناك حراك سياسي تقوده الكنائس الكاثوليكية بأفريقيا وبطبيعة العلاقة التنظيمية بين هذه الكنائس والفاتيكان لنا أن تقول وبوضوح أن الفاتيكان يدير من خلال هذه الكنائس السياسات الداخلية بدول أفريقية عديدة بل وجزءاً لا يُستهان به من السياسة الخارجية لهذه الدول عبر الممر القصير بين ما هو داخلي وخارجي في السياسة , كذلك فليست السياسات الإقتصادية بهذه الدول بمُنفكة الصلة بالسياسات الداخلية وبناء علي ذلك فدور الكنائس الكاثوليكية بأفريقيا دور يتسع خاصة مع دعم الفاتيكان , وتقوم الكنائس بهذا الدور وهي تدرك أن هناك ثمن يمكن أن تدفعه في معركتها مع السلطة والنخبة السياسية ذات المصالح المُتبادلة مع السلطة السياسية الحاكمة بهذه الدول , ولعلنا عندما نري حالتي الكونجو الديموقراطية وأنجولا (كابيندا) ورواندا التي في إطار معركتها مع الكنيسة الكاثوليكية قررت في الأول من مارس 2018 إغلاق700 كنيسة , وفي بوروندي أعلن الحزب بها في 10 مارس 2018أن الرئيس Pierre Nkurunziza  من الآن أصبح مرشداً أبدياً أعلي بالبلاد وذلك لتبرير وتسويغ قبضته علي السلطة ببلاده بعد أن سقط 3,000 قتيل وأعتقل أكثر من 6,000 شخص في أحداث أبريل 2015 التي إندلعت فيها مظاهرات تندد بالولاية الرئاسية الثالثة للرئيس Nkurunziza ونزوح ولجوء 428,500 بوروندي لدول الجوار فراراً من تردي الأوضاع هناك , كذلك أغلقت السلطات الكاميرونية عام 2013 نحو 100 كنيسة لأسباب جنائية يقترفها رجال العقيدة المسيحية هناك , وكما أن هناك رؤساء أفارقة بسبب شهوة السلطة المُتأججة فيهم يدخلون في مواجهة مع الكنيسة , هناك آخرين يتسترون بل يستوعبون الكنيسة في صفقة ذات منافع مُتبادلة للقبض علي السلطة والأمر في الحالتين له علاقة بحذق هذا الرئيس أو ذاق في التعامل مع قادة الكنيسة وفي نوعية وثقافة وإرتباطات الزعماء الكنسيين , فالأمر في النهاية أمر مصالح أكثر مما هو أمر قيم مُجردة , فالمسافة بين ما هو سياسي وديني أصبحت مرنة وغير قابلة للقياس المُنضبط , لكن يمكننا القول في النهاية أن للكنيسة الكاثوليكية دور سياسي شديد الوضوح مؤثر وموجه بل ومُنشأ احياناً للسياسات وهو دور بسبب كل ذلك يتعدي مساحات السياسة التي أصبحت مفتوحة أمام تلك الكنيسة المدعومة بلا مراء من الفاتيكان لتنتقل قوة نفوذ الكنيسة إلي الفضاء الإقتصادي بهذه الدولة الأفريقية وتلك لتصيغ السياسات والخيارات الإقتصادية .

 بناء علي بيان الدور السياسي المؤثر للكنيسة الكاثوليكية بل وللكنيسة البروتستانتية في بلاد أخري وكذلك الدور الذي تلعبه الكنائس المحلية الأفريقية مثل كنيسة kimbanguiste وكنيسة Tocoismوالتي يستخدمها قادة أفارقة لإحداث توازن مع نفوذ الكنائس الكاثوليكية والبروتستانتية المدعومة بوسائل شتي من الفاتيكان والكنائس الكبري بالدول الكبري , فإن السؤال الرئيسي هو لما كان للكنيسة الكاثوليكية في أفريقيا هذا الدور السياسي المُتحرر من أي زواجر قانونية و/ أو إعلامية غربية  , فلماذا تُحرم مؤسساتنا الإسلامية رسمية كانت أم شعبية من ممارسة هذا الدور المُحرم عليها وهو التحريم الذي يلقي تشجيعاً غربياً بل وفي مقابله تسدد فواتير بقاء حكامنا الجهلة غير المؤهلين علي سدة حكم لمدد تكاد أن تكون أبدية ؟ وبطبيعة الحال يتفرع عن هذا السؤال بإجاباته علي إختلافها أو حتي تباينها أسئلة أخري لا تقل أهمية تحتاج لحديث آخر ومُفصل لأن منع المؤسسات الإسلامية عن العمل السياسي تصرف إستبدادي عمدي , فكما رأينا الكنيسة الكاثوليكية وبغض النظر عن إحتمالات تداخل ممارستها لدورها السياسي الفعال مع رغبات أو تطلعات مصلحية للقوي الكبري من عدمه , فهو دور ضروري لا شك في أن يمثل حائط صد متين لقوي الإستبداد ويوفر إمكانية للإنسان للحصول علي أو إسترداد بعض من حقوقه التي يهدرها المستبدون , لكن وكما يعلم البعض والآخرين فخشية بل رعب المستبدين الصغار والكبار من ممارسة المؤسسات الرسمية والشعبية الإسلامية للعمل السياسي مصدره علمهم بأن هذه المؤسسات ذات قدرات تنظيمية عالية وكفئة ولديها قابلية وجاهزية التمويل الذاتي بدون أي ضغط  مما يوفر لها أقصي قدر من حرية الحركة والمناورة السياسية , وكدليل علي ذلك أن هؤلاء المستبدون يمولوا أحزاب كرتونية صُنعت علي أعينهم لتساعدهم في تضليل المجتمع وإيهامه بعملية ديموقراطية لا وجود لها وكذلك لتضييق بل وإلتهام أي حيز قد يُتاح لممارسة المؤسسات الإسلامية رسمية أو شعبية للعمل السياسي , بل يصل الضلال إلي حد وصم بعض أو كل هذه المؤسسات بالإرهاب تلك التهمة متعددة الإستخدامات فهي بالإضافة إلي أنها مانعة لهذه المؤسسات فهي كذلك مبرر لفشل المستبدين في تحقيق ليس فقط التنمية السياسية علي النحو الذي أوضحناه بل أيضاً التنمية الأقتصادية والتعليمية والثقافية ألخ , وللأسف يدعم المستبدين في مسلكهم ذاك من يُسمون بالليبراليين فهؤلاء الذين إختاروا طواعية ألا يختاروا لوناً أو مذاقاً أو حتي نطاقاً مُحدداً تتحرك فيه رؤيتهم السياسية لا يمكنهم الثبات في معارك الهوية و الديموقراطية التمثيلية .

إن الأمر الوحيد المسموح به للمؤسسات الإسلامية بالعالمين العربي والإسلامي كالأزهر الشريف أن تفعله هو فتح ما يُسمي بالحوار ما بين الأديان مع الفاتيكان , وبالرغم من أن هذا الحوار غير مُنتج ولا يصب في خانة العمل السياسي , إلا أن السلطة السياسية تميل إلي إستمراره خدمة لولاءها للقوي الخارجية , علماً بأن الطرفين يتحاوران في أمر محسوم سلفاً وبصفة سرمدية , فلا نحن كمسلمين علي إستعداد للشرك بالله سبحانه وتعالي ولا نحن كذلك لدينا القدرة علي تجنيب من نحاورهم أو نبدو وكأننا نحاورهم حكم الله تعالي فيهم والذي نصت عليه الآية الكريمة بسورة الحج وفيها قال سبحانه وتعالي بقرآنه الكريم  “وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ” .  

خلافاً للتعامل السلطوي مع التيار الإسلامي في عالمنا الإسلامي وفي القلب منه العالم العربي تتعرض المؤسسات الإسلامية للهدم المُتعمد من قبل السلطات الشرهة للسلطة المُؤبدة , والتي إن لم تستطع إتمام الهدم فإنها تميل لتهميش هذا التيار تحت دعاوي الحفاظ علي الوحدة الوطنية غير ذات الصلة بنهوض المؤسسات والتنظيمات الإسلامية بدورها المجتمعي قبل السياسي للمشاركة مع التيارات الأخري في حل الأزمات أو المشاكل السياسية حفاظاً علي حيوية المجتمع .

القاهرة : تحريراً في 29 أبريل 2018 خاص -المركز الديمقراطي العربي

أضف تعليقك أو رأيك
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق