الشرق الأوسطتقدير الموقفعاجل

مستقبل العلاقات الخليجية الجزائرية في ضوء التحديات الراهنة والمخاطر المستقبلية

بقلم: ماجد هديب – كاتب وصحفي فلسطيني

  • المركز الديمقراطي العربي

 

ان استشراف المخاطر التي تهدد دول مجلس التعاون الخليجي في ظل الأزمة فيما بينها ،وفي ظل الأطماع الإيرانية والأمريكية وامتداد النفوذ التركي، وكذلك استشراف ملامح المرحلة السياسية المقبلة في الجزائر والسيناريوهات العصيبة المرتقبة في ظل غموض المشهد السياسي  لمرحلة ما بعد الرئيس بوتفليقة ،وفي ظل أزمة النفط أيضا وتراجع مداخيل البلاد، فان الاتجاه نحو احداث نقلة نوعية في العلاقات والاصطفافات فيما بين دول الخليج العربي والجمهورية الجزائرية  على ضوء التحديات الإقليمية والدولية هي أولوية يجب العمل على تعاظمها من اجل حماية الامن القومي العربي من المخاطر الحالية والمستقبلية ، وذلك من خلال إعادة ترتيب الأوضاع العربية على قاعدة إعادة التوافق العربي وفقا للأولويات حول قضايا الخلاف، لاسيما فيما يتعلق بتبعات ثورات الربيع العربي في ظل العلاقات البينية لدول الخليج والجزائر ومواقفهما المختلفة تجاه الملفات والقضايا التي تمس مصالحهما الاستراتيجية ، وبشأن قضايا جوهرية أخرى ذات علاقة بمستقبل كل منهما في التكامل والتنسيق والتعاون على كافة المستويات السياسية منها، والاقتصادية، والأمنية، والعسكرية ايضا.

أن التحديات والتهديدات الأمنية في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام ،ومنطقة الخليج بشكل خاص، بالإضافة الى التحديات والتهديدات الأمنية للمغرب العربي تتطلب من الجزائر القيام بدور دبلوماسي فيما بين الدول الخليجية من اجل طي صفحة الخلاف ما بين الجميع لما تمتلكه الجزائر من رصيد دبلوماسي ناجح في حل الازمات، وبما تمتاز به ايضا من علاقات متوازنة مع كافة الأطراف وذلك من اجل الوفاق والاتفاق على كافة ملفات المنطقة للوقوف معا جنبا الى جنب في مواجهة تلك التحديات والتهديدات ، فما هو مستقبل العلاقات الخليجية الجزائرية في ضوء التحديات الراهنة والمخاطر المستقبلية المحدقة بهما ؟،وهل يمكن للجزائر ان تعمل على تحقيق المصالحة فيما بين الدول الخليجية كخطوة في اتجاه التكامل العربي وتحقيق الامن القومي العربي  في ظل واقع العلاقات الخليجية الجزائرية والمواقف المتباينة من ثورات الربيع العربي  ؟ .

كثيرة هي تلك  التساؤلات التي يجب الوقوف عليها من اجل الوصول الى الإجابة على التساؤل الرئيس ،وذلك في ظل الزيارات المتبادلة فيما بين دول الخليج والجزائر ،وما يرشح عنها من معلومات متوافقة حينا مع تصريحات بعض مسؤولي الطرفين ،ومتعارضة حينا اخر، فهل يمكن القول بان تلك الزيارات جاءت لتغيير المواقف المتباينة فيما بين الطرفين ،ام لترتيب الأولويات لكل منهما ؟، ام ان تلك الزيارات قد جاءت من اجل تنشيط الدبلوماسية الجزائرية التي انحصر أدائها في الفترة الأخيرة على الحياد دون تقديم الحلول واقتراح الوساطات؟ ، ام ان تلك الزيارات هي فعلا من اجل الوساطة في كافة الملفات العربية ومن بينها ازمة الخليج، وان دول الخليج على استعداد للتفاعل مع تلك الوساطة من اجل انجاحها؟، وما هي المصلحة الجزائرية في تحقيق المصالحة الخليجية الخليجية؟ ، وهل من الممكن أن يتكرر نموذج الازمة الخليجية في المغرب العربي، ولذلك فان الجزائر تعمل على الدفع نحو المصالحة الخليجية الخليجية والمساعدة في حل الملفات العربية وحماية الجبهات ؟.

الزيارات المتبادلة . . تغيير في المواقف ام ترتيب في الأولويات؟

ان الزيارات المتبادلة ما بين الجزائر والدول الخليجية لا تعني ان هناك تغييرا في مواقف الجزائر ،حيث وكما هو معلوم ،فان الجزائر ذات مواقف مبدئية في أزمات المنطقة، وهي تتبني سياسة عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ولعل موقف الجزائر من كافة الملفات العربية في ظل ما يسمى ثورات الربيع العربي ما يؤكد تلك الحيادية، وهذا ما خلق نوعاً من البرود في العلاقات فيما بين الجزائر والخليج حينا، والتباعد حينا اخر، فالجزائر التي ترفع شعار “حل الأزمات يكون من الداخل” تختلف في حلولها مع حلول دول مجلس التعاون الخليجي ،الا ان الزيارات المتبادلة فيما بين الجزائر ودول مجلس التعاون الخليجي جاءت ووفقا لما جاء على السنة المسئولين الخليجيين من اجل التعاون في قضايا الاقتصاد ، والتباحث أيضا بموضوع ايران ،مع مناقشة أهمية الوساطة ما بين الدول الخليجية من اجل تعزيز أوراق القوة والتحالف ما بين تلك الدول  في اتجاه حل كافة الملفات العربية ،ذلك لان الجزائر ووفقا لتلك التصريحات من  اهم مكونات النظام الإقليمي العربي ، فهل تنجح الجزائر في تحريك المياه الراكدة في ملف الوساطة في ظل المواقف المتباينة والعلاقات الباردة؟.

الجزائر ودول مجلس التعاون الخليجي . . مواقف متباينة وعلاقات هادئة

منذ الأزمة الخليجية الخليجية، فان الجزائر كانت وكعادتها قد اتخذت موقف الحياد، حيث اكتفت بدعوة الأطراف إلى اعتماد الحوار كسبيل لتسوية وتجاوز الخلافات واحترام سياسة حسن الجوار، وهو الموقف نفسه التي كانت  الجزائر قد اتخذته في قضايا المنطقة العربية في ظل ما يسمى الربيع العربي، حيث كانت وما زالت تدعو الى ضرورة التحلي بمبادئ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام السيادة الوطنية للدول.

 ان الحياد الجزائري كان عاملا مساندا في الحفاظ على العلاقات الهادئة فيما بين دول مجلس التعاون الخليجي والجزائر رغم تلك المواقف المتباينة، وهذا ما جعل للجزائر مصداقية لدى دول مجلس التعاون الخليجي وجميع الدول التي أصبحت تسمى بدول ثورات الربيع العربي، حيث بات الجميع يتطلع اليها من اجل المساهمة في تقريب وجهات النظر بين أطراف الازمة الخليجية وباقي أطراف الملفات الخلافية في الدول العربية، وان كانت العلاقة فيما بينهما علاقة صداقة اتسمت بالبرود منذ الحرب العراقية الإيرانية، حيث انه  وفي بداية الحرب الإيرانية _العراقية كانت الجزائر قد وقفت بجانب الموقف الايراني، كما رفضت طلبات الدول الخليجية بمقاطعة إيران أثناء سنوات الحرب بين العراق وإيران بذريعة ان العراق هي البادئة في الحرب، وفي حرب الخليج الثانية كانت الجزائر ايضا  قد رفضت الجزائر الاستعانة بالدول الغربية لتحرير الكويت من الاحتلال العراقي.

وفي ظل ما يسمى الربيع العربي ازداد التباين فيما بين الجزائر والدول الخليجية، حيث ان موقف الجزائر من إدارة الأزمة اليمنية وعدم انضمامها مثلا لعاصفة الحزم رغم اعترافها بشرعية الرئيس هادي كان قد خلق نوعاً من البرود في العلاقة مع دول الخليج، خاصة بعد رفض الجزائر ايضا لمشروع قرار جامعة الدول العربية القاضي بتدخل عسكري عربي لحل الأزمة الليبية، إذ تبنت الجزائر قراراً مغايراً لما ذهبت إليه دول الخليج بترجيحها للحل السلمي القائم على الحوار بين جميع الأطراف المتنازعة في ليبيا.

وهذا هو الموقف نفسه فيما يختص بالملف السوري، حيث تحافظ الجزائر على علاقات رسمية مع النظام السوري، ويتبادل الجانبان الزيارات الرسمية، بينما تدعم أغلب دول الخليج المعارضة السورية المسلحة، وتدعو إلى رحيل بشار الأسد.

وفي الوقت الذي رفضت فيه الجزائر أيضا مقترح المملكة السعودية والإمارات العربية المتحدة باعتبار جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية، فان الجزائر ما زالت على علاقاتها الدبلوماسية المتينة مع إيران، وهذا ما يقلق الدول الخليجية ووقف عائقا امام تطوير العلاقات، خصوصاً بعد انضمام المغرب لعاصفة الحزم وانعكاس هذا الانضمام على الموقف الخليجي من أزمة الصحراء الغربية نظراً لدعم الجزائر لسكان الصحراء الغربية من أجل الانفصال عن الحكم في الرباط في حين تدعم دول الخليج موقف المغرب بمنح الإقليم حكما ذاتيا.

وعلى الرغم من كل ما يبدو من فتور العلاقة ما بين الجزائر ودول مجلس التعاون الخليجي، إلا أنه لوحظ في الآونة الأخيرة  زيارات متبادلة فيما بين المسئولين الجزائريين ومسئولين في دول الخليج ،حيث ادركت الدول الخليجية على ما يبدو قيمة الدور الذي يمكن أن تلعبه الجزائر كفاعل أساسي في القرار السياسي العربي والإسلامي والإفريقي وكقوة اقتصادية تتحكم بأسواق النفط في العالم ،لذا فان تقارب دول الخليج العربي مع الجزائر يصب في مصلحة الطرفين من حيث عودة الجزائر إلى الصف العربي كقوة مؤثرة وفاعلة مع ابعادها عن تأثير السياسة الإيرانية، وفي ذلك ايضا تحقيق توازن اقتصادي على الصعيد العربي ، وهذا ما تتطلع اليه الجزائر إثر انخفاض سعر النفط وانخفاض مداخيل البلاد ،ولذلك فان على الجزائر المساعدة في انهاء الازمة الخليجية والمساندة في إعادة احياء قرارات مجلس التعاون وتفعيلها من اجل إعادة الامن والاستقرار، ليس للخليج فقط ،وانما للدول العربية قاطبة ، فهل يمكن للجزائر ان تنجح بذلك رغم حياديتها ،ورغم ما تتسم العلاقة فيما بينها ودول الخليج من برود؟.

الجزائر .. دبلوماسية ناجحة وحياد تاريخي فهل من نجاح في الوساطة؟

من المعلوم انه ومنذ الاستقلال الجزائري فان الدبلوماسية الجزائرية كانت وما زالت تلعب دورا مهما في حل النزاعات، ليس فقط  في تسوية النزاعات في الشرق الأوسط ، كما هو الحال في الأزمة بين إيران والعراق عام 1975،وكذلك المسالة الكردية في العراق  ،ولا حتى بأفريقية  كالوساطة تحت إشراف الأمم المتحدة في مالي ، وانما حتى في الوساطة على الصعيد الدولي، حيث استطاعت الجزائر أن تبرهن للعالم موقفها الداعم للحوار السلمي البعيد كل البعد عن الحل العسكري والتدخل الأجنبي، وإقناع المجتمع الدولي بالحل السياسي في ظلّ التحديات  الراهنة والاخطار المستقبلية التي بات العالم يشهدها في ظل تنامي ظاهرتي التطرف والإرهاب.

ان التقارب الجزائري الخليجي وتوطيد العلاقة فيما بينهما لا يجب ان تنحصر فقط في دفع الجزائر نحو الوساطة فيما بين دول الخليج فقط ،وانما في اتجاه حل كافة الملفات العربية لما تمتلكه الجزائر من علاقات متوازنة مع كافة الأطراف ،ومن بينها العلاقة مع ايران التي يجب الاستناد عليها فيما يتعلق بتنسيق المواقف  العربية وإيجاد حلول لازمتي اليمن وسوريا لما تمتلكه ايران من تأثير في اطراف الصراع  هناك، حيث انه ومنذ أشهر، تتردد معلومات عن وساطة جزائرية بين دول الخليج وإيران في أزمتي اليمن وسوريا ،وهذا ما كان قد أشار اليه ضمنيا وزير الخارجية الجزائري ردا على سؤال عن تلك الوساطة حينما قال “الدبلوماسية تتطلب وقتا لتنضج الجهود المبذولة، ولا يمكن أن تبقى الجزائر مكتوفة الأيدي، وهي تتابع بقلق تطور الأمور في سوريا وليبيا” .

وهنا  يجب القول ،انه لا يمكن الوساطة في هذين الملفين دون تحقيق نجاح في تفكيك الازمة الخليجية أولا، وهذا ما اشارت اليه التصريحات ضمنيا وان جاءت تلك التصريحات بهذا الشأن على استحياء ، حيث ان عدم استقراء الدول الخليجية لتجاربها السابقة ،وغياب استخلاص العبر والدروس من تلك التجارب أيضا من خلال مراجعة سياساتها وتوجهاتها أو علاقاتها وتحالفاتها ،ليس فيما بينها فقط، وانما مع القوى الدولية والإقليمية قد أدت الى اتخاذ قرارات وخطوات عدائية تجاه بعضها البعض؛ وهو ما أدى الى ان تكون منطقة الخليج العربي منطقة للوجود العسكري الأجنبي مجددا في مشهد يعيد إلى الأذهان عودة التحالف الغربي لاحتلال دول من اجل إسقاط عروش وتعزيز عروش أخرى ، وبما يتوافق هذا الاسقاط والتعزيز مع مصالح الاستعمار الغربي، كما حدث من تحالف لإسقاط نظام صدام حسين واحتلال العراق ،حيث ما زالت دول الخليج  تعاني من انعكاسات هذا الاحتلال، وهذا ما يتطلب منها الاتجاه نحو الجزائر، ليس للوساطة في الملفات العربية فقط ،وانما من اجل التحالف في اطار المصالح المتبادلة فيما بينهما على قاعدة حماية الامن القومي العربي بعد استخلاص العبر والدروس من تلك التجارب التي خاضتها .

الوساطة الجزائرية .. مصالح متبادلة وضرورة قومية

أن الجزائر قوة عربية إسلامية ،وهي أحد اهم مكونات النظام الإقليمي العربي، كما ان دبلوماسيتها الناجحة وحياديتها في الملفات العربية قد تسهم في إعادة احياء التعاون والتكامل الاقتصادي والأمني الخليجي ،خاصة إذا ما اتجهت دول مجلس التعاون نحو توسعة العضوية في مجلس التعاون الخليجي من اجل إعادة تحسين مكانتها الجيوسياسية وتجنيبها مخاطر التحديات والتهديدات المحتملة نتيجة ما تتعرض له من ابتزاز واملاءات، لذلك فان الجزائر مطالبة اليوم بان تعمل على كسر الفجوة ما بين اطراف الخلاف في الازمة الخليجية، كما هي مطالبة بتفكيك فتيل تفجر العلاقات العربية العربية، مع العمل على حماية المشروع العربي من خلال إيجاد فرص لتقريب وجهات النظر بين مختلف الفاعلين السياسيين لإيجاد توافق سياسي فيما بينهما يحفظ السيادة الوطنية لكافة دول ما يسمى الربيع العربي ولدول الخليج كافة .

آن الأوان للدول العربية كافة ان تستخلص العبر من فترة حكم الرئيس السابق بارك أوباما، عندما أدارت الإدارة الأمريكية السابقة وجهها عن حلفائها العرب في عدة قضايا ،ويأتي في مقدمتها ما جاء في الاتفاق النووي الأمريكي-الإيراني، وكذلك صرف الأنظار عن  التغلغل الشيعي داخل اليمن ،وما يشكله هذا التغلغل ذلك من اخطار على قلب الخليج العربي ،حيث تركت أمريكا بذلك حلفاءها الخليجيين في مواجهة شبه مباشرة مع الإيرانيين، تماما كما يجري في سوريا الان في ظل التدخل الروسي الايراني ،حيث إن التدخل الروسي أسهم في تغيير موازين القوى ميدانيا وبما يتعارض مع الموقف الخليجي الذي كان يتبنى وبقوة  اسقاط النظام في سوريا  .

ان استغلال الإدارة الامريكية للازمة الخليجية، وابتزاز أطرافها ايضا هو امر يجب ان تتفهمه الدول الخليجية حتى لا يتم تكرار سيناريوهات التلاعب والابتزاز الأمريكي لتحقيق مصالح اميركا في ظل التناقض العربي والصدام ما بين الأطراف، وهذا ما يجب ن تتفهمه الجزائر أيضا من حيث إمكانية تكرار سيناريو الازمة الخليجية في المغرب العربي من اجل الابتزاز الامريكي لدول المغرب،خاصة فيما يتعلق بالملف الليبي والصحراء الغربية ،ولذلك مطلوب من الجزائر العمل على إنجاح المصالحة الخليجية وحل الملفات العربية، كما هو مطلوب من الدول الخليجية التقارب من الجزائر لتحقيق المصالح المتبادلة فيما بينهما ،فما هي تلك المصالح ؟،وهل يمكن أن يتكرر نموذج الازمة الخليجية في المغرب العربي؟، وماذا يمكن للدول الخليجية ان تقدم للنظام الجزائري من اجل  الانفتاح السياسي ومواجهة الأزمة المالية في ظل السناريوهات المرتقبة لما بعد الرئيس بوتفليقة؟.

رغم فشل تجارب الجماعات الإسلامية العربية في تحقيق امال وتطلعات من ساندهم ابان ما يسمى ثورات الربيع العربي ،وتحول تلك الثورات بفعل قيادة تلك الجماعات إلى فوضى سياسية لا تزال توابعها مستمرة حتى وقتنا الحالي، فان معظم الدراسات والأبحاث العربية تشير الى احتمال عودة الاحتجاجات الإسلامية في الجزائر في ظل عجز متوقع من النظام عن احتوائها وذلك لأسباب كثيرة وفي مقدمتها الازمة الاقتصادية.

 يمكن القول هنا بانه إذا ما كانت الجزائر قد أفلتت من موجة “الربيع العربي” التي بدأت في تونس مع نهاية عام 2010 بفعل ما قام به الرئيس بوتفليقة من إصلاحات، فإن بعض السيناريوهات المتشائمة تؤكد أن الجزائر على موعد مع تصاعد العنف وبروز التطرف الاسلامي مجددا ، وذلك بعد تصاعد الازمة الاقتصادية الان وما ستعانيه الجزائر مستقبلا في ظل ضبابية المشهد السياسي القادم، ولذلك فان على الجزائر الاتجاه نحو الخليج من اجل تحقيق مصالحها وحماية امنها القومي من اية اخطار مستقبلية ومن بينها عودة العنف الإسلامي والاتجاه نحو الصدام  مع السلطة مجددا ،او إعادة تكرار الازمة الخليجية في المغرب العربي من اجل ابتزازها كما هو الحال تماما من ابتزاز امريكي لدول لخليج.

رغم انتهاء الحرب الاهلية في الجزائر،الا ان الجزائر ما زالت تعيش اثارها حتى اليوم ،حيث انه ورغم انهزام التيارات الإسلامية عسكريا وانهزامها أيضا في الانتخابات التشريعية التي جرت في بداية مايو 2017 ،الا ان العناصر الإرهابية  قد تعيد بسط هيمنتها على المجتمع مما يشكل ذلك التهديد والتحدي الأبرز للنظام في الجزائر بوجه خاص ،وجغرافيا دول المغرب العربي وشعوبها بوجه عام في الوقت القائم والقادم؟،فماذا يمكن لدول الخليج القيام به للناي بالجزائر عن تلك الاخطار المحدقة به في مرحلة ما بعد فترة الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة؟.

بعدما أوشكت مرحلة حكم بوتفليقة على الانتهاء، فان غموضا بات يسود مستقبل الجزائر، ففي الوقت الذي ترى فيه المعارضة أن هناك شغورا في السلطة بسبب ما يعانيه الرئيس من امراض وهذا ما يستدعي تنظيم انتخابات مسبقة تحت إشراف لجنة مستقلة لمراقبة الانتخابات، فان أحزاب الموالاة تطالب باستمرارية حكم بوتفليقة والانتظار إلى غاية نهاية عهدته الرئاسية في 2019.

 ان ذلك الغموض في مستقبل الدولة الجزائرية لا يتوقف فقط على  التعارض ما بين أحزاب المعارضة والولاء فقط ،وانما نتيجة الإشكالية الرئيسية التي يواجهها النظام السياسي التي ترتبط بمن سيخلف الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة من اجل تفادي احتمالية عودة العنف في البلاد في ظل التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها الدولة ،حيث لم تعد شرعية النظام السياسي في الجزائر مستمدة  من شرعية ماضي الشرعية الثورية، وانما من مدى ثقة المواطن بهذا النظام ،ومدى ما يمكن القيام به من اجل تعزيز الامن والاقتصاد ،وهذا ما قد يهدد الجزائر في ظل التحديات الاقتصادية التي يجد فيها التطرف الفكري والايديولوجي ارضا خصبة لإعادة نموه وتصاعد أعماله ،حيث  ما زال هدا التطرف يتململ ولم تستطع مبادرة الرئيس من انهائه تماما ولا حتى قوانين الرحمة ، وهنا يتبادر الى الذهن اسئلة ملحة ومطروحة ومن بينها ما يتعلق بإيران فيما اذا كانت تستطيع ان تعمل على ضرب الاستقرار بالجزائر لتحقيق اهداف متنوعة  ؟،وماذا يمكن للدول الخليجية  ان تفعله للجزائر من اجل حمايتها من احتمالات هذا التدخل الايراني ومساعدتها ايضا في عدم عودتها الى مربع العنف والاقتتال؟ .

الجزائر .. عيون إيرانية طامعة بها وعيون عربية تتطلع اليها

ان في إنجاح الجزائر للمصالحة الخليجية ،وابداعها ايضا في الوساطة من اجل حل القضايا العالقة ما بين دول الخليج ودول ما يسمى ثورات الربيع العربي مصلحة للأمن القومي العربي، فاذا ما كانت المصالحة الخليجية فيها مصلحة للجزائر اقتصاديا وامنيا ،فان في المصالحة وانجاح الوساطة أيضا مصلحة ،ليس لدول مجلس التعاون الخليجي فقط، وانما لكافة الدول العربية ،حيث ان التحديات والتهديدات المحدقة بدول الخليج العربي في ظل الازمة فيما بينهما ،وفي ظل تمدد ما يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية على الحدود السعودية وتحديدًا شمالها في كلّ من سوريا والعراق، وفي ظل الأخطار الواقعة على حدودها الجنوبية نتيجة امتداد النفوذ الإيراني من خلال جماعة الحوثي التي سيطرت على كامل الدولة اليمنية باتت تهدد قلب الخليج العربي ،وهذا ما يتطلب من دول الخليج الاتجاه نحو الجزائر والتقارب معها تحقيقا لمصالح  كل منهما .

إذا ما نظرنا إلى الجزائر بعين إيرانية، سنجد أن إيران ترى فيها ما تراه في العراق وسوريا، وذلك بأن تكون الجزائر في المغرب العربي كما هي سوريا في الشرق الأوسط ، في الوقت الذي تتطلع فيه الدول الخليجية الى إقامة العلاقات مع الجزائر على قاعدة نظام تبادل المنافع والموارد  معها كدولة عربية محورية وفاعلة ، خاصة في ظل ارتفاع منسوب التوتر مع إيران واشتعال الحرب اليمنية على الحدود السعودية ،واختلاط الأوراق ايضا في سوريا بدخول سلاح الجو الروسي، وهذا ما يدعونا الى ان نتساءل بانه اذا ما كانت الدول الخليجية متخوفة من مستقبل العلاقات الجزائرية الإيرانية ،كما تتخوف من تحول الجزائر إلى موطئ قدم  لإيران في المغرب العربي لتكون على مرمى حجر من شريكها الاستراتيجي المملكة المغربية ،وانه اذا ما كانت الدول الخليجية بحاجة ايضا الى الجزائر دبلوماسيا وعسكريا إضافة الى ما يمكنهما التعاون به ، فلماذا لا تتجه دول مجلس التعاون الخليجي نحو ادخال الجزائر بعضوية مجلس هذا المجلس ،وذلك من اجل ان يؤدي التحالف الخليجي المغاربي عامل ضغط ومواجهة للأطماع الإيرانية الإسرائيلية الامريكية ،ومن اجل اقامة تكتل عربي قادر على جمع المواقف العربية حول طاولة واحدة من اجل وقف ما تتعرض له تلك الدول من ابتزاز واملاءات ،مع الابتعاد عن تأثيرات قوى دولية وإقليمية ؟.

ان تحرك الجزائر نحو دول الخليج العربي، وتصريح رئيس حكومتها بأن الجزائر “تقف بجانب المملكة العربية السعودية في مكافحة الإرهاب”، مشددا على أن “الشعب الجزائري سيهب للدفاع عن البقاع المقدسة في المملكة في حال تعرضها لأي تهديد إرهابي” يعتبر موقفا جزائريا صريحا ضد تهديد أمن المملكة، لا سيما من قبل صواريخ جماعة الحوثي، المحسوبة على إيران ،وعلى دول مجلس التعاون الخليجي عدم تفويت فرصة الاستفادة من الوجود الجزائري وما تشكله الجزائر من ثقل في المنطقة ،وحضور وازن ايضا على المستوى الدولي.

خلاصة القول إن الربط بين ما يقع في دول مجلس التعاون الخليجي ومنطقة المغرب العربي تفرضه مجموعة من الاعتبارات ،ومن بينها ما يتعلق بالازدواجية التي تعاملت بها أمريكا مع الدول الخليجية خلال الأزمة الراهنة ،ليس فقط فيما يتعلق منها بحصار قطر، وانما عدم الاهتمام الامريكي ايضا بما يجري من تمدد ايراني على الحدود السعودية من خلال الميليشيات الحوثية ،حيث يؤشر ذلك على السياسات الجديدة للإدارة الأمريكية تجاه مختلف الدول ،ومن بينها اعتماد الأسلوب نفسه والطريقة مع المغرب والجزائر، وذلك بتوظيف الموقف الأمريكي حول نزاع الصحراء، لا سيما أن الاحتقان الموجود منذ عقود ما بين الجزائر والمغرب يعتبر أرضية خصبة للسياسات الأمريكية الجديدة، وذلك من خلال تأجيج الصراع والخلافات فيما بينهما بخصوص مستقبل الصحراء الغربية ،بالإضافة الى تأجيج الارهاب على الحدود الليبية الجزائرية ؛ وهذا ما يؤدي الى بيع المزيد من الأسلحة وجر المنطقة المغاربية بأسرها إلى المجهول في ظل ما تعيشه  من التحديات الأمنية والاقتصادية والسياسية،ومن أبرزها الإرهاب بكافة أشكاله الذي يشكل أخطارا تهدد الأمن المغاربي بشكل عام والجزائري بشكل خاص،ولذلك فان على الجزائر تنسيق المواقف مع دول الخليج .

ان تنسيق المواقف ما بين الجزائر ودول مجلس التعاون الخليجي بشأن الملفات العربية ،ومن بينها ليبيا ،يعتبر اولوية يجب العمل على تحقيقها من اجل تمتين العمل العربي وتصليب كافة الجبهات ،فاذا ما كان تنسيق المواقف فيما يخص الملف اليمني اصبح امرا في غاية الاهمية من اجل احتواء الموقف هناك وعدم تصاعد الاحداث مما قد يساهم ذلك في تشكيل خطر حقيقي لكافة الدول الخليجية ،فان تنسيق المواقف ايضا في ليبيا بات اكثر الحاحا ، حيث انه في ظل استمرار العداء بين الفرقاء الليبيين المتحاربين قد يساهم في افغنة ليبيا او صوملتها مما يؤدي ذلك الى استحالة استعادة وحدة أراضيها ،وهذا بمثابة تهديد حقيقي لأمن واستقرار شمال إفريقيا ككل.

اذا مطلوب من الجزائر بحكم  توازن العلاقات الجزائرية مع اطراف الازمة الخليجية وكافة اطراف الصراع في دول ما يسمى الربيع العربي أن تقود مبادرة للإصلاح والحوار بين كافة الاطراف العربية  ،في الوقت الذي يجب ان تعمل فيه دول الخليج أيضا على انجاح الوساطة الجزائرية ،ليس من اجل تحقيق المصالحة العربية فقط ،وانما من اجل العمل على تجاوز المحنة والحفاظ على كافة الدول العربية  متماسكة بعيدا عن المتاهات والحروب والخضوع للابتزاز والاملاءات ،والخروج  ايضا مما تعانيه تلك الدول من تحديات راهنة ومن اخطار مستقبلية.

أضف تعليقك أو رأيك
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق