fbpx
تحليلات

سوريا ثورة تحولت لصراع مصالح

إعداد :
– عبد الله عيسى الشريف … باحث متخصص فى الشئون العربية.( باحث بمركز دعم واتخاذ القرار برئاسة مجلس الوزراء )
– محمود خليفة جودة …. باحث متخصص فى العلاقات الدولية.( مدير المشروعات البحثية والتدريب بالمركز الديمقراطى العربى)
فى ظل استمرار الثورة السورية والاوضاع التى ألت إليها التى تدمى قلوبنا ألماً وحزناً على بلد كان درة الشرق الأوسط وصمام وخط دفاع رئيسى عن أمنها القومى, وفى ظل وجود أكثر من 140 ألف شخص قتلوا,  وأصيب ما لا يقل عن 500 ألف آخرين بالأضافة حوالى 2 مليون لاجئ و أكثر من 6 مليون ونصف مشرد داخل سوريا, فأننا نجد ما يحدث فى سوريا يتخطى حدود الثورة ومفهومها ليصل إلى مرحلة وحالة من هدم الدولة السورية بأكملها لا نظام بشار فحسب, الأمر الذى قد يلقى بظلاله على الأوضاع فى منطقة الشرق الأوسط ويخل بموازين وتوازنات القوى لصالح إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية, فسقوط الدولة السورية هو سقوط لأحد أضلاع ” الممانعة العربية” ويمهد الطريق لإسرائيل لفرض هيمنتها وسيطرتها على الجولان بل مع ضعف الدولة السورية وهشاشتها ستبدو الفرصة مواتيه لإسرائيل للتوغل فى الأراضى السورية والتدخل فيها تحت زرائع عدة, بل أن ما يحدث الآن فى سوريا ما هو إلا تحقيق للاستراتيجية والتوجه الأمريكى تجاة المنطقة العربية لتقسيمها إلى دويلات صغيرة وعدم وجود قوة كبرى تهدد نفوذها فى منطقة الشرق الأوسط وتهدد حليفها الإسرائيلى.
كما أوجدت الحالة السورية تربة خصبة للجماعات الأرهابية والمتطرفة كداعش وجبهة النصرة, مما أذكى الأمور فى سوريا وزاد من وحشيتها وتعقيداتها وذاد من معاناة وقسوة ما يتعرض له شعبنا الشقيق فى سوريا, ولن يتوقف هذا الأمر عند الحدود السورية بل سيتعداها إلى بلدان المنطقة العربية, وهو ما حدث بالفعل فالأرهاب بات يهدد العديد من الدول العربية كمصر التى تشهد كل حين وأخر تفجيرات أرهابية تستهدف المدنيين مما يلقى بظلاله على الأمن القومى المصرى واستقرارها السياسى وأوضاعها الاقتصادية, وكذلك فى اليمن والعراق والبحرين .. إلخ من الدول العربية التى تشهد حالات مرتفعة من أعمال العنف والأرهاب.
الحالة السورية لها خصوصيتها التى تميزها عن باقى ثورات الربيع العربى، فالوضع الداخلى المعقد بتركيبته السياسية والطائفية إضافة إلى التحالفات الدولية للنظام السياسى فى دمشق، فما يحدث فى سوريا ما هو إلا صراع دولى إقليمى على المصالح وتوازنات القوى بين القوى الدولية والقوى الإقليمية فى النظام العربى.
وعلى ذلك فنحن أمام إشكالية رئيسية هامة وهي:كيف حدث أن الرئيس بشار الأسد ما زال في الحكم بعد مرور أكثر من ثلاثة سنوات تقريبا من الإضطرابات المضادة له والمناهضة لنظامه والمطالبه برحيلة؟ في حين تم الإطاحه بنظيراه في تونس ومصر في غضون أسابيع معدودة، بفعل قوى الثورة الداخلية، أو نظيرة في ليبيا بفعل تدخل دولي من قبل حلف شمال الأطلنطي بشرعية القرار رقم 1973الصادر من مجلس الأمن الدولى.
 الوضع الداخلى السورى:
إن الوضع الداخلي السوري بنظامه السياسي يتميز بتركيبة معقدة، نظراً لتشابك المصالح الطائفية والحزبية والبيروقراطية ورجال الأعمال ،والأقليات المتخوفة من فكرة التغير لأنها تخشى تغييراً يدفع البلاد نحو المجهول، ولا يقتصر خوف الأقليات من هذا التغيير على العلويين الذين يمثلون القاعدة الاجتماعية والسياسية الأكثر أهمية للنظام السوري منذ أكثر من أربعة عقود. فالعلويون هم الأكثر قلقاً بطبيعة الحال لأنهم محسوبون بشكل مباشر على نظام الرئيس بشار الأسد. إضافة إلى المسيحيين القلقون أيضاً من تغيير لا يعرفون نتائجه، ويزيد من قلقهم نجاح أحزاب إسلامية في حصد نتائج مثل هذا التغيير في تونس ومصر، وتوقع تكرار ذلك في ليبيا واليمن. لذلك فهم أكثر الأقليات خوفاً من التغيير بعد العلويين. وهناك من يملك مقاليد الحكم في البلاد متمثلاً في العنصر الأمني والذي يمثل العمود الفقري في استمرار النظام وكأداه فعالة للتخلص من معارضيه وخصومة. فالمستويات العليا من الجيش السوري يوجد بها علويون كثيرون من نفس طائفة الرئيس الأسد وهي الطائفة العلوية، والتي يحارب الجيش ليس فقط من أجل بشار الأسد، بل من أجل مستقبل هذه الطائفة في سوريا.
فعندما أستبدل الحكم العثماني في سوريا بالانتداب الفرنسي، سنحت للعلويين الفرصة لتحسين مكانتهم، فأيدوا الإنتداب وجندوا نتيجة لذلك في صفوف الجيش السوري مع أقليات أخرى مثل الدروز، وبعد أن حظيت سوريا بالإستقلال، جند الضباط العلويون إخوانهم بأعداد كبيرة. وبناء على ذلك أصبحت الإنتفاضة في سوريا عبارة عن حرب البقاء للأقلية العلوية.
ومن هنا يأتى تصميم الجيش السوري-العنصر الرئيس فى الأزمة السورية- وضباطه العلويين على الإستمرار في القتال بأي ثمن حتى لو كان ثمن ذلك إرتكاب مذابح فظيعة. لعلمهم بحالة العداء الشديدة بينهم وبين أهل السنة،النسبة الكبرى من السكان، فالأقلية الشيعية، تلك الطائفة الصغيرة والتي تمثل نحو 12% من السكان، قياساً بالمسلمين من المذهب السنى والذين يشكلون حوالي 75% من السكان، وعلى الرغم من أن الإمام الشيعي في لبنان، موسى الصدر، قد أعلن في السبعينات بأنهم مسلمون، إلا أن فقهاء السنة يرون أن هؤلاء العلويين كفاراً منذ مئات السنين، ويظهر ذلك جلياً في إطلاق مفتى المملكة العربية السعودية على حزب البعث-الحزب الحاكم فى سوريا- بأنه حزب الشيطان. ومؤخرا أطلق الشيخ القرضاوي، الزعيم الروحي لحركة الإخوان المسلمين، على نظام الأسد بأنه نظام الكفار.
 العامل الخارجى فى الأزمة السورية:
إذا كان العامل الداخلى قد ساهم فى تعقد الوضع السورى نتيجه لتلك التركيبة الطائفية المعقدة، كما أشرنا بإختصار، فالبنظر في العامل الدولي في الأزمة السورية، فسنجد أنها- إضافة إلى باقي الثورات العربية – قد أعادت العرب إلى بؤرة الاهتمام العالمي بسبب تحول الشعوب العربية نحو المطالبه بحقوقها السياسية والاجتماعية، وليس بسبب تطورات الصراع العربي – الإسرائيلي أو أحداث تتصل بالإرهاب. وعلى ذلك، فقد انتقلت الدول العربية من موقع متأخر عبر عنه بعض الخبراء بخروج العرب من التاريخ إلى موقع متقدم في السياسة العالمية على الساحة الدولية.
ولذلك فقد لعب العامل الدولي، من خلال تزايد إهتمامه بالمنطقة العربية، دورا محورياً في مجريات الأمور في الحالة السورية. إضافة إلى أن الدور السوري على الساحة السياسية الدولية له تأثيره في التحكم في عملية التغير في سوريا، حيث أن النظام السوري خرج من عزلته أواخر عام 2006، وذلك بفعل عوامل عدة تمثلت في: فشل المشروع الأمريكي في العراق، وملء الفراغ السياسي هناك من قبل القوى الشيعية المؤيدة لإيران، حليفة النظام السوري، إضافة إلى فشل الحروب الإسرائيلية في المنطقة العربية متمثلة في حربي لبنان وغزة، أعوام 2006، 2009 على التوالي،وكذلك نجاح حزب الله -الحليف السوري- في توظيف سلاحه لفرض إرادته على خصومة، وفتح الباب للنفوذ السوري للعودة مجدداً إلى لبنان، كل ذلك أدى إلى ثقة النظام السوري في نفس) ولعبه دور محوري في السياسة الدولية من خلال محور الممانعة في منطقة الشرق الأوسط.
وإن كان ذلك، على الرغم من قدرته على التحكم في مجريات عملية التغير في سوريا، لم يمنع إنطلاق شرارة الغضب الشعبي في الثامن عشر من مارس 2011، منطلقاً من مدينة درعا جنوب البلاد، بخروج مظاهرات تندد بالفساد وبنظام الرئيس بشار الأسد. فبدأت الأزمة السورية ولم تنتهي بعد، وبفعل عوامل كثيرة تمثل بعضها في هيمنة الأجهزة الأمنية في سوريا، والتركيبة السياسية والاجتماعية المعقدة للنظام السوري،كما أشرنا سابقا، والسيطرة العلوية على كل مفاصل النظام، وغياب المعارضة القوية والفاعلة، إضافة إلى البعد الدولي متمثلاً في علاقات سوريا الخارجية وتحالفاتها القائمة، التي تسعى الدراسة إلى الإحاطة بها والوقوف على حقيقتها والتعرف على فواعلها، إيمانا منا بأن العامل الخارجي ما زال محل ضغط وقد يكون عنصر حسم في الأزمة السورية وفى التأثير على دور جامعة الدول العربية.
فهناك بعض القوى المؤثرة فى مجريات الأمور على الساحة الدولية، سواء كانت قوى إقليمية أو عالمية، يتضح لنا جلياً من موقفها تجاه ما يدور على الساحة السورية أنها مؤيدة إما لنظام الرئيس بشار الأسد أو مؤيدة للقوى الثورية. ولذلك كان علينا، ضرورة التعرض لمواقف بعض القوى الإقليمية والعالمية – سواء المؤيدة أو المعارضة للنظام السوري – لمعرفة تأثيرها ودورها في الحالة السورية، بما ينعكس على موقف الجامعة العربية تجاه ما يدور على الساحة السورية.
 القوى المعارضة للنظام السورى
• المحور الأمريكى-الأوروبى:
إن بعض الدول الفاعلة في النظام العالمي، متمثلة في المحور الأمريكي – الأوروبي، تهدف إلى إستقرار مصالحها الخاصة بالنفط وأمن إسرائيل، مع استمرار العلاقات الجيدة مع الأصدقاء القدامى، وإكتساب أصدقاء جدد مثل ليبيا، وربما سوريا مستقبلاً( ).
وهذا ما تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية في تعاطيها مع الحالة السورية، والحالة الليبية من قبل، فقد شددت على توافر غطاء وتأييد عربي وأوروبي يسبق التدخل في الثورتين، فعلت ذلك قبل التدخل العسكري في ليبيا بقوات حلف شمال الأطلنطي، وتفعل ذلك مع التصعيد السياسي والاقتصادي على سوريا بمعنى أن التعددية أو العمل مع الآخرين هو شعار الولايات المتحدة الأمريكية اليوم، وليس العمل الانفرادي. كما ينظر الإتحاد الأوروبي إلى المنطقة العربية باعتبارها منطقة جوار مباشر جنوب وشرق المتوسط.
وعلى ذلك فقد أيد هذا المحور الأمريكي – الأوروبي الثورات بعد نجاحها، كما عاون بحلف الناتو في إسقاط نظام العقيد القذافي في ليبيا، ويبدى الحلف إستعداده للمساعدة في إرساء الأمن في ليبيا، وينتظر أن تكون ليبيا هي الدولة الجديدة الصديقة لهذا المحور، حيث جاء دور الولايات المتحدة الأمريكية في الثورة الليبية مؤثراً وإن بدى للوهلة الأولى على أنه موقف يتميز بالتلكؤ عبر عنه بعض المراقبون والمهتمون بالعلاقات الدولية، على أساس أن الموقف الأمريكى تعرض لإنتقادات حادة مع بداية الأزمة الليبية. ووجهت إتهامات للإدارة الأمريكية بالتلكؤ فى إدانة الفظائع التى يرتكبها العقيد معمرالقذافى ونظامة ضد الشعب الليبى.
إلا أن الإدارة الأمريكية كانت تسعى جاهدة لإستصدار قرار دولى- وهو قرار مجلس الأمن الذى- يخول للمجتمع الدول التدخل عسكرياً فى ليبيا.وهذا ما حدث بالفعل بمجرد إصدار القرار رقم1973فى 27مارس2011،كما رأينا سابقا، وبالتالى يمكن القول بأن الإدارة الأمريكية لم تكن بعيدة عن الأحداث والأزمة الليبية.
فحينما يقوم هذا المحور بالضغط على سوريا، وأن يصل الأمر إلى التلويح بالتدخل العسكري. فيصبح هذا التلويح له وجاهه، على الرغم من صعوبة تحقيق ذلك في ظل الأوضاع في سوريا بتعقيداتها المختلفة وتشعب علاقات النظام السوري الدولية، فقد ذهبت دولة عربية خليجية مؤخرا وهي قطر إلى حد المطالبة بتدخل عسكري خارجي لإنهاء الأزمة في سوريا، وتقود جامعة الدول العربية لإتخاذ إجراء ينهي الأزمة في سوريا، وإن كانت هذه المطالبة من جانب قطر تعتبر خطوة، جريئة ومحفوفة بالمخاطر، خاصة بالنسبة لدولة كانت حتى العام الماضي على علاقة طيبة بنظام الأسد في دمشق، فقطر هي أولى الدول الخليجية التي أعادت النظر في علاقاتها مع دمشق، حيث أعلن أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني،”أن الحل الأمني في سوريا فشل وأنها لأبد أن يستنتج أصحاب القرار في دمشق ضرورة التغير بما يتلاءم مع تطلعات الشعب السوري”.
• موقف تركيا من الأزمة السورية:
بالنسبة لموقف تركيا تجاه ما يدور من أحداث فى جارتها سوريا، فقد أثار فرار آلاف اللاجئين السوريين إلى لبنان وتركيا قلق الأخيرة، فالنظام الإسلامي الحاكم في تركيا لا يستطيع أن يتبني سياسية اللامبالاة تجاه العلويين الذين حكم عليهم بعض المسلمين السنة بالكفر، كما سبق الإشارة، وهم يذبحون المسلمين، كما تخشى تركيا أن تتسبب الفوضى وتفتيت أركان جارتها سوريا وعندئذ ستضطر للتصدي لدولة كردية جديدة تقوم على أنقاض الدول السورية، بعد أن كانت تحارب فقط التيار الكردي المتنامي في العراق.
ذلك فإن الأزمة السورية قد شكلت تحدياً إستراتيجياً خطيراً بالنسبة لتركيا، التي جاء موقفها من الثورات العربية سريعا ولم تنتظر طويلاً حتى بادرت بمد الجسور مع دول الربيع العربي، وذلك لما تشهده السياسة الخارجية التركية من تحولات هيكلية عميقة تتمثل في محاولة جادة للتوجه شرقا، بإتجاه الدول والشعوب التي تدين بالإسلام في المنطقة العربية وآسيا الوسطى والقوقاز والبلقان، فهي تسعى حثيثا لتلعب دور الجسر في مضمار العلاقات الدولية. فكان رئيس وزرائها، رجب طيب أوردغان، أول من زار دول الربيع العربي حتى قبل أن تكتمل الثورة في بعضها.
وبناءاً عليه فقد جاء موقف تركيا – التي تحاول أن تستعيد هويتها وشعورها بذاتها وأمجادها التاريخية، مع السعي الدءوب لإكتساب العمق الثقافي والتاريخي للدولة العثمانية – جاء موقفها من الثورة الليبية مثلا، بإلتزامها بعدم التدخل في أية عمليات عسكرية تحت مظلة الناتو، على الرغم من أنها تعتبر ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلنطي الذي انضمت إليه في 18 فبراير عام 1952، فتركيا لن توجه إطلاق أي سلاح ضد الشعب الليبي كما أعلن رئيس وزرائها في 22مارس 2011، مع الإكتفاء بالمساهمة في أعمال الإغاثة والمساعدات الإنسانية، وذلك الموقف تجاه ليبيا من قبل تركيا، بسبب ترددها إزاء النظام الليبي الذي كانت تتمتع معه بعلاقات طيبة، ولكن مع تدهور الأوضاع في ليبيا فقد بدأت تدعوا الرئيس الليبي إلى التنحى عن الحكم، وأغلقت سفارتها في طرابلس، وقامت بالإعتراف بالمجلس الانتقالي في ليبيا في شهر مايو 2011.
وبالمثل فمع التردد التركي إزاء الوضع في ليبيا، قد جاء التحرك التركي تجاه سوريا بحساب وحذر، فالعلاقات التركية مع سوريا هي بالغة الإستراتيجية بالنسبة لأنقرة، حيث تعتبر سوريا هي ركيزة الدبلوماسية التركية الجديدة في منطقة المشرق العربي. إضافة إلى أن الموقف التركي من الأحداث في سوريا، والقدرة على التأثير في الموقف السياسي لصانعي القرار في دمشق، يتأثر سلباً بسبب اتفاقية الدفاع المشترك بين دمشق وطهران، التي على أساسها تدعم الجمهورية الإيرانية الإسلامية النظام السوري بقوات القدس، وهي شعبة من الحرس الثوري الإيراني تلقت تدريباً متخصصاً لقمع المظاهرات وأعمال الشغب والتمرد على نطاق واسع.
كل ذلك، فرض على تركيا ضرورة التحرك بحساب وحذر، فبدأت بدعوة” الصديق بشار الأسد” إلى الأخذ بإصلاحات ديمقراطية، والزيارة التي قام بها وزير الخارجية التركي إلى دمشق، التي لم تستجب بدورها إلى الجانب التركي، وبناءاً عليه بدأت تركيا تأخذ بمنطق التصريحات المتشددة. وتمت استضافة وزير الخارجية التركي لبعض أعضاء من المجلس الوطني السوري وتوجيه الدعوة إليهم إلى العمل بطريقة سلمية من أجل التحول الديمقراطي في سوريا.
وبالرغم من ذلك فقد ظل الموقف التركي من الأزمة السورية، حذراً ومتأنياً ومدروسا ومحكوم بالحرص على الأمن القومي التركي، وكذلك الحرص على علاقات سياسية طيبة واقتصادية متنامية مع كل من طهران وموسكو، الشريكين الإستراتيجية لدمشق، رغم التصريحات وبعض العقوبات التركية محدودة الأثر.
فهذا الحرص التركي إزاء ما يدور في سوريا، إضافة لما سبق، يأتى بسبب العلاقات الاقتصادية والسياسية القوية مع سوريا، متكئاً على قناعة تفيد بأن مدخل أنقرة نحو نفوذ إقليمي في المنطقة يمر عبر البوابة السورية، وعبر رؤية وزير الخارجية التركي أحمد داود أغلو تصفير المشاكل والعمق الإستراتيجي. فيعبر أوغلو عن قناعاته الراسخة بأن مكانة بلاده الإستراتيجية تؤهلها للعب دور أكثر فاعلية في السياسة الدولية أكثر من كونها جسراً يربط بين الشرق والغرب. وبلغ الأمر بسياسة تركيا الطموحة في الإقليم، أن جعلت بعض المراقبين يصفونها بـالعثمانية الجديدة إضافة إلى تزعم تركيا دعوة لعقد مؤتمر أصدقاء سوريا الذي عقد في تونس، وتبني مطالب الاعتراف بالمجلس الوطني كممثل للمعارضة، وتسليح المعارضة السورية، وإرسال قوى عربية ودولية إلى سوريا.
 القوى المؤيدة للنظام السورى
• موقف إيران من الأزمة السورية:
إن الموقف التركي من الأحداث في سوريا، كما رأينا، مثل تناقض مع الموقف الإيراني، مما أدى إلى تراجع التعاون الاقتصادي بين طهران وأنقرة، وزاد من تعقد الأمر بينها، موافقة أنقرة على نشر الرادار الأطلسي الخاص بالدرع الصاروخي على أراضيها. بما يمثل تهديداً لإيران والتي جاء موقفها من الثورة السورية على النحو الأتي:
فعندما وصلت رياح التغير إلى سوريا، تلك الدولة الصديقة والحليفة لإيران، دفع ذلك السلطة الإيرانية إلى اتخاذ مواقف مؤيدة للنظام السوري، وذلك بإعلان إيران، على لسان مرشدها الأعلى السيد على خامنئي بقوله أن “موقفنا واضح: حين تكون الحركة إسلامية وشعبية وضد الولايات المتحدة، ندعمها. وفي أي مكان يكون فيه التحرك بتحريك من الولايات المتحدة والصهاينة، لن نسانده. فحين تدخل الولايات المتحدة والصهاينة الساحة لإطاحة نظام واحتلال دولة نقف على الجانب المقابل. وعلى الرغم من أن هذا التصريح، يحمل بين طياته الدعم الإيراني لأي ثورة في العالم طالما أنها ضد الولايات المتحدة والصهاينة إلا أن إيران قد دعمت الثورة في سوريا بناء على مصالحها الإستراتيجية، حيث تعتقد إيران أن سوريا مجرد بدايه وبعد ذلك سيحل الدور على إيران من القوى الغربية، وساعد فى ذلك الإعتقاد نشر الرادار الأطلسي الخاص بالدرع الصاروخي داخل الأراضى التركية، فبغض النظر عما إذا كان التحرك السوري ممثلا في القوى الثورية السورية، مع أو ضد الولايات المتحدة، فإن الموقف الإيرانى من الأزمة السورية مبنى على مصالح طهران الإستراتيجية.
فقد دعمت إيران النظام السوري-وما زالت – بكل أنواع الدعم سواء كان دعم معنوي أو مادي، وسواء كان إيرانيا مباشراً أو غير مباشر عبر العراق. للدرجة التي أدت إلى وجود اتهامات أمريكية-حيث صرحت الخارجية الأمريكية فى 14إبريل 2011، بأن لديها أدلة على مساعدة إيران لسوريا فى قمع الإحتجاجات – وغربية واتهامات من المعارضة السورية بتقديم إيران دعما عسكرياً للنظام السوري، بل والتورط في القتال ضد الثوار في سوريا. وهذا يؤكد إنحياز إيران إلى جانب النظام في سوريا وتبنيها الموقف السوري من الأحداث، على إعتبار أن المظاهرات المناهضة للنظام تجئ في إطار مؤامرة غربية لزعزعة حكومة تؤيد المقاومة، وأن الإحداث في سوريا، لا تعدو إلا أن تكون عمل شرير ينفذه الأمريكيون والصهاينة، كما رأي المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية.
ولقد ظهر جلياً الدعم الإيراني لسوريا بنظامها الحاكم، بمخاطبة على أكبر ولاياتي، وزير الخارجية الإيراني الأسبق ومستشار المرشد الأعلى السيد على خامئني، إلى من سماهم بالداعين إلى إسقاط النظام في سوريا على النحو التالي:
– إن تدخل ومناداه بعض الأطراف الداخلية والخارجية بإسقاط النظام السوري، والحديث عن حرب طائفية بسوريا، قد يدفع الأمور إلى حرب أهلية فعلية هناك، بإستخدام آلة الحرب الإعلامية والدعائية ضد سوريا.
– إن الرأي العام العربي والإسلامي منزعجا بشدة من جراء ذلك، ويتساءل عمن كلفكم بالوصاية على سوريا، فبها شعب راشد، وحكومة رشيدة كما نعرف وتعرفون.
– أن هناك إعتقاد في إيران بوجود مؤامرة دولية على سوريا تتقاسم الشراكة فيها أطراف داخلية، فيها من تعهد بدفع المال والتعهد بالتدريب العسكري لتخريب سوريا. مع تلقي مساعدة دولية من أطراف تعهدت هي الأخرى بتجميع رأي عام دولي يتيح اتخاذ قرار بالحسم من مجلس الأمن، ولكنهم عجزوا عن الحسم بسبب موقف روسيا والصين، وكلتاهما أتخذت موقف حاسما.
• موقف روسيا والصين من الأزمة السورية:
للوقوف على حقيقة الدور الروسي والصيني فى الأزمة السورية، واللذان يعتبران بجانب إيران من القوى الدولية الإقليمية والعالمية المؤيدة للنظام السوري، فروسيا والصين يحاولان لعب دور أكبر في مرحلة تشكيل النظام العالمي الجديد متعدد الأقطاب، وتراجع النظام الأحادي القطبية، وظهر ذلك في استخدام حق الفيتو لعدم إصدار مجلس الأمن لقرارات ضد سوريا، فقد تعلمت كلاً من روسيا والصين جيداً من جراء إمتناعهم عن التصويت على قرار مجلس الأمن (1973)الخاص بفرض حظر جوى على ليبيا، فأستخدموا حق الفيتو لعدم إصدار قرارات ضد سوريا، لمصالحهم الإستراتيجية، فأستخدمته روسيا كإحدى أوراق المقايضة مع الولايات المتحدة، خاصة مشروع نشر الدرع الصاروخية الأمريكية لحلف الأطلنطي في الأراضي التركية، الواقعة بين كل من سوريا وروسيا من جهة، والاستفادة الاقتصادية والمبيعات العسكرية لسوريا من جهة أخرى.
ولا يمكن القول بأن الصين تتخفى خلف المواقف الروسية، كما يزعم البعض، فكما أن روسيا لها مصالح مع النظام السوري كما ذكرنا سابقا، فإن الصين تبحث عن مصالحها الاقتصادية والسياسية والجيواستراتيجية،التى تتعلق بأمنها القومي بما في ذلك إستمرار نظامها الحاكم، وربما إستمرار الدولة الصينية ذاتها بشكلها وحدودها الراهنة. وذلك بالحيلولة دون تقنين دولي لما يسمى بـحق التدخل، حتى ولو كان إنسانيا، وما يرتبط به من مسئولية الحماية، وغيرها من عناوين فضفاضة تصلح للقياس عليها مستقبلاً لتبرير تدخلات في النطاق الحيوي للصين، أو من منطق إتباع السوابق خاصة مع نجاح التدخل الدولي متمثلاً في حلف الناتو في ليبيا وحسمه للأمور هناك كما رأينا سابقا.
والواضح لدينا أن روسيا لا تحبذ فرض عقوبات على دمشق لحل الأزمة السورية، وتعطي الأولوية للوسائل الدبلوماسية والسياسية. متمثلاً في دعوة موسكو لدمشق لوقف العنف ومواصلة إجراء إصلاحات سياسية واجتماعية عميقة ،ويأتي ذلك مع “إعلان الرئيس الروسي في عدة مناسبات أن روسيا لن تؤيد قرارا يصدره مجلس الأمن الدولي بشأن سوريا على غرار القرار بشأن ليبيا التي ترى أنه قد تم انتهاكه والتلاعب به”. وأكد أنه “لا توجد رغبة البتة بأن تسير الأحداث في سوريا وفق النموذج الليبي، وأن يستخدم قرار لمجلس الأمن لتبرير عملية عسكرية ضد سوريا”.
وقد ظهرذلك التأييد الروسى-الصينى جلياً، فى إستخدام روسيا والصين لحق “الفيتو” لإحباط مشروع القرار، وذلك فى4فبراير2012، الذى يدين مواصلة انتهاكات السلطات السورية واسعة النطاق والفظيعة لحقوق الإنسان والحريات الأساسية، ويطالب النظام السياسى فى دمشق بإنهاء كافة هذه الانتهاكات، وإدانة العنف أياً كان مصدره، ومطالبة كافة الأطراف السورية بوقفه، ومحاسبة المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان، ومطالبة الحكومة السورية بأن تنفذ خطة الجامعة العربية، ودعم عملية انتقالية سياسية نحو نظام سياسي ديمقراطي تعددي بما يتطلبه ذلك من حوار جاد بين الحكومة السورية وكافة أطياف المعارضة السورية، وتشجيع جامعة الدول العربية على مواصلة جهودها ودعم هذه الجهود، وتوفير الحكومة السورية الضمانات المطلوبة كافة لنجاح بعثة المراقبة العربية حال استئنافها نشاطها، ومطالبة السلطات السورية بالتعاون الكامل مع مكتب المفوضية العليا لحقوق الإنسان ولجنة تقصي الحقائق المشكلة من مجلس حقوق الإنسان، والترحيب بجهود الأمين العام للأمم المتحدة لتأمين الدعم للجامعة العربية، ومطالبته بتقديم تقرير حول تطبيق القرار بالتشاور معها خلال واحد وعشرين يوماً من تبنيه، ثم كل 30 يوماً بعد ذلك، على أن يراجع المجلس تطبيق القرار بعد التقرير الأول، وأن ينظر في حالة عدم تقيد الحكومة السورية به في اتخاذ إجراءات إضافية.
وبذلك نجد أن الحالة السورية بتعقيداتها الداخلية وبتحالفات نظامها الدولية تؤكد لنا بما لا يدع مجال للشك بأننا ليست أمام حالة ثورية بل أزمة ومؤامرة تحاك بهدف اسقاط الدولة السورية لمصالح قوى إقليمية ودولية.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق