fbpx
مقالات

ضبط الشعوب .. الفرصة العربية السانحة

 بقلم : د. مهند الجنابي

فرضت الاوضاع السياسية والأمنية التي شهدتها المنطقة العربية منذ اوائل العام 2011 وانطلاق ما يسمى بالربيع العربي؛ ظروفاً استثنائية اسهمت في انفجار المشرق العربي وتصدع نظمه السياسية والاقتصادية والأمنية … وواقعاً جديداً على الصُعد الاستراتيجية لم يعد من الممكن تخطيه من دون المرور بالمرحلة الأصعب في تاريخ المنطقة وهي مخرجات سيطرة تنظيم (الدولة الاسلامية) على اجزاء واسعة من سوريا والعراق واعلانه (دولة الخلافة) والتي راح غالبية المتابعين والمنظرين الاستراتيجيين في المنطقة والعالم الى توقّع السيناريوا الأبرز وهو تفكك المنطقة الى دول جديدة وتغيّر الخارطة الجغرافية والديمغرافية فيها وفق واقع (سايكس بيكو جديد).

وامام هذا الواقع الذي سيفضي بالضرورة الى نتائج غير مرغوب بها على صعيد المصلحة الوطنية، نتساءل ما العمل؟ لتجنّب هذه النتائج اولاً وصيانة الاوضاع الداخلية في الدول المتضررة ثانياً وتحقيق الحد الأدنى من الأمن القومي لهذه الدول في ضمان وحدتها الجغرافية على اقل تقدير لحين كسب الوقت اللازم لإستئصال مسببات التقسيم من الداخل وتجاوز السيناريوا المقبل، واخص بالذكر هنا دولاً لم تكتوِ بعد بأوضاع العراق وسوريا واليمن وليبيا.

ان تجنّب النتائج آنفاً يستدعي من صناع القرار العربي التركيز على الحقائق الآتية:

  1. استيعاب المتغيرات الشعبية الجديدة.

مارست الكثير من الانظمة العربية طوال النصف الثاني من القرن الماضي سياسة (الستار الحديدي) تجاه شعوبها عبر اقامة حواجز المشاركة السياسية والثقافة المجتمعية والرفاهية الاقتصادية من اجل ضمان سيطرتها على الدولة القطرية وقمع معارضيها السياسيين، وان كانت هذه السياسة قد اجدت نفعاً في اطالة امد الحاكم لأكثر مدة إلا انها افضت الى تصدع منظومة الانتماء الوطني للشعوب من جهة، فضلاً عن عدم انسجام هذه السياسة مع المتغيرات التي تشهدها المنطقة والعالم من حيث حجم المخاطر التي ستنهار جميع هذه الانظمة امامها ان لم يقف لجانبها الشعب بمختلف مكوناته.

وعلى هذا الاساس، ينبغي على صناع القرار والدوائر المحيطة بهم ان يَعو بجدية ظروف المرحلة وطبيعة التهديدات وتحليل مسبباتها من اجل استيعاب الصدمات المتكررة التي تتطلب اكثر ما يمكن من المرونة السياسية لإمتصاصها وطردها خارج الدولة.

  1. تنفيس الشعوب.

اسهمت سياسات الابقاء على النظام الحاكم من قبل احزاب السلطة في بعض الدول العربية الى ممارسات قاسية تجاه شعوبها تتراوح بين تقييد حرية التعبير عن الرأي وصولاً لإرتكاب جرائم الابادة الجماعية، مما جعل تلك الشعوب تتحين الفرصة للإنتقام واستعادة حقوقها حتى وان كان ذلك على حساب الانتماء الوطني الذي تجَرّدت منه بفعل سياسات الانظمة الحاكمة، فكانت مخرجات (الربيع العربي) التي افضت في سوريا لتفكك الدولة وتصدعها واستنزافها داخلياً، وفي العراق الى اقتطاع اجزاء واسعة منه بيد اخطر تنظيم ارهابي .. خير مثالٍ على ذلك.

وامام هذه الحقائق، فمن اجل نزع فتيل الأزمة من الداخل وضبط الشعوب وتعزيز انتماءها الوطني فلا بد من استيعابها وطنياً والنظر بجدية لمطالبها واستعادة حقوقها المشروعة حتى وان كانت على حساب مصلحة النظام السياسي، فالأساس هي الدولة وليس النظام السياسي، وامام الحفاظ على سيادة الدولة ووحدتها ليس هنالك تنازل مقدّس.

  1. تصحيح السياسة الخارجية للدولة.

تسعى السياسة الخارجية لأية دولة الى تحقيق مصلحتها الوطنية في أمنها الداخلي وتعزيز قدراتها العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، إلا ان وسائل تحقيق المصلحة الوطنية تتغير بمرور الوقت ومن مرحلة الى مرحلة أخرى، وامام ذلك نجد ان دول المنطقة تعاني من سوء الادراك في تقدير مصلحتها الوطنية ووسائل تحقيقها، فلا تزال كثير من الانظمة الحاكمة تجامل مبادئها الحزبية على حساب مصالحها الوطنية، وتوظّف القضايا العربية المركزية في زيادة تخلّف رأيها العام بهذه المصلحة بدلاً من تصحيح هذه الرؤية.

ان تحقيق المصلحة الوطنية يستدعي بشكل ضروري واساسي الاتفاق مع الفواعل الدوليين المؤثرين في ظروف المنطقة واحداث حالة توأمة بين المصلحتين من خلال عدم التقاطع مع سياسات الدول الكبرى، ولنتذكر هنا مثالين من العراق احدهما سلبي والآخر ايجابي، فبينما تقاطع نظام صدام حسين مع المصالح الأمريكية وتعاطى معها بسلوك عدائي افضى الى اختيار الولايات المتحدة الأمريكية خيار الحرب ضده، نجد ان حكومة اقليم كوردستان العراق قد استوعبت الفواعل الدوليين واتجهت الى تحقيق اهدافها القومية عبر الانسجام مع مصالحهم وليس من دليل على ذلك اكثر من ردة الفعل الأمريكية حال اقتراب تنظيم (الدولة الاسلامية) من حدود اربيل عاصمة الاقليم في اواخر عام 2014، إذ تدخلت بشكل مباشر عبر قصف مواقع التنظيم واسناد قوات البيشمركة.

ان الحقائق آنفة الذكر تعد مخرجاً واقعياً ومنطقياً لإحتواء الأزمة واستغلال الفرصة العربية السانحة، من اجل الحفاظ على ما تبقى واستعادة ما يمكن استعادته.

* مدرس السياسة الخارجية والدبلوماسية / جامعة جيهان الخاصة / اربيل / اقليم كوردستان العراق.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق