قراءة جيوسياسية في المشهد الأمني لأفريقيا لعام 2025: النفوذ الخارجي والصراعات الإقليمية (2)

اعداد الباحث : محمود سامح همام – باحث سياسي مصري متخصص في الشؤون الأفريقية
- المركز الديمقراطي العربي
شهد المشهد الامني في أفريقيا خلال العام الماضي تصاعدًا متشابكًا بين التهديدات الداخلية والصراعات الإقليمية، إلى جانب تنامي النفوذ الخارجي لدول كبرى تسعى لترسيخ حضورها الاستراتيجي في القارة. فقد امتزجت الانقلابات العسكرية في بعض الدول مع توسع الجماعات المسلحة والإرهابية، ما جعل مناطق مثل الكونغو ونيجيريا وشرق أفريقيا نقاط توتر عالية، بينما ساهمت القوى الإقليمية والدولية، بما في ذلك الصين وروسيا ودول الخليج وتركيا، في إعادة تشكيل التوازنات السياسية والأمنية، سواء من خلال الاستثمار في البنى التحتية الحيوية أو الدعم العسكري المباشر وغير المباشر للأطراف المحلية. ويكشف هذا الواقع عن تزاوج مصالح اقتصادية وأمنية وجيوسياسية، يجعل أي تحرك أفريقي محلي مرتبطًا بشكل وثيق بالاستراتيجيات الإقليمية والدولية، ويطرح تحديات معقدة أمام استقرار القارة وحماية سيادة الدول الأفريقية.
أولًا: توسيع النفوذ الصيني والروسي في أفريقيا: البنية التحتية والأمن والتحالفات الإقليمية
تشهد أفريقيا منذ السنوات الأخيرة تصاعدًا غير مسبوق في الدور الصيني والروسي، ليس فقط على الصعيد الاقتصادي، بل أيضًا في مجالات الأمن والبنية التحتية الحيوية، ما يعكس تحولات استراتيجية في ميزان القوى على القارة. فقد وسعت الصين نطاق مشاركتها الأمنية في أفريقيا ضمن مبادرتها الأمنية العالمية، من خلال مناورات وعمليات مشتركة مع القوات الأفريقية، كانت أبرزها المناورات الجوية المشتركة بين القوات الجوية الصينية والمصرية في مايو 2025، والتي مثلت أكبر عملية نشر للقوة الجوية الصينية في أفريقيا على الإطلاق. ويستمر هذا التوسع من خلال خطة عمل منتدى التعاون الصيني الأفريقي (2025-2027)، التي تضمنت التزامات أمنية أكثر من أي خطة سابقة، بما يشمل تدريب نحو 2000 ضابط أفريقي سنويًا، وتوريد الأسلحة والمركبات المدرعة لأكثر من 70% من الدول الأفريقية.
ولا تقتصر المبادرات الصينية على الجانب الأمني فحسب، بل تمتد لتشمل البنية التحتية الاقتصادية الاستراتيجية، حيث تسهم الشركات الصينية المملوكة للدولة في نحو 78 ميناءً موزعة على 32 دولة أفريقية، وتمتلك الحضور الأكبر في مراكز التجارة البحرية، كما سيطرت الصين على قطاع المعادن الحيوية، عبر 66 مشروعًا تعدينيًا في أفريقيا من أصل 166 مشروعًا عالميًا، وهو ما يعزز النفوذ الاقتصادي والسياسي ويحد من قدرة الدول الأفريقية على تطوير صناعاتها المحلية والارتقاء بسلاسل القيمة.
في المقابل، أعادت روسيا تموضع قواتها العسكرية في أفريقيا بعد سقوط نظام الأسد في سوريا، بدءًا من ليبيا، حيث نقلت قوات وأسلحة ثقيلة إلى قواعد استراتيجية في شرق ليبيا وقاعدة متان السرة بالقرب من الحدود مع تشاد والسودان، ما مكنها من تقديم دعم عسكري لقوات الدعم السريع في السودان والمجالس العسكرية الأخرى. وتحافظ موسكو على حضور قوي في جمهورية أفريقيا الوسطى، من خلال دعم الرئيس فوستين-أرشينج تواديرا، واستبدلت قوات فاغنر شبه العسكرية بفيلق أفريقيا التابع رسميًا لوزارة الدفاع الروسية، مع استمرار الأساليب نفسها في التدخل، بما في ذلك اتهامات بارتكاب فظائع ضد المدنيين في مالي وبوركينا فاسو وجمهورية أفريقيا الوسطى.
كما استخدمت روسيا حربًا معلوماتية واسعة النطاق في منطقة الساحل، لدعم المجالس العسكرية، وإثارة خيبة الأمل، وتحفيز المزيد من الانقلابات، بما يعكس استراتيجية موسكو الأوسع لتوسيع نفوذها السياسي والعسكري عبر استغلال الأزمات الداخلية والضعف المؤسساتي للدول الأفريقية، ويشير هذا الواقع إلى أن النفوذ الصيني والروسي في أفريقيا لا يقتصر على الاستثمار الاقتصادي، بل يمتد إلى فرض نمط من التبعية الأمنية والسياسية، يدمج بين السيطرة على البنية التحتية الحيوية، والقدرة العسكرية، والتأثير على السياسات الداخلية للدول. ويطرح هذا التوسع تحديات كبيرة أمام سيادة الدول الأفريقية، ويعيد تشكيل موازين القوى في القارة، بينما يوفر فرصًا لتعزيز التعاون الأمني والبنى التحتية إذا تم إدارة هذا النفوذ بعقلانية وفق مصالح القارة.
ثانيًا: تصاعد المنافسة الخليجية والتركية في شرق أفريقيا وأثرها على الأمن الإقليمي
أصبح الشرق الأفريقي في السنوات الأخيرة محورًا متصاعد الأهمية للمنافسة بين دول الخليج وتركيا، حيث تتشابك المصالح الاقتصادية والاستراتيجية والسياسية مع أنشطة الموانئ وقوات الأمن، ما له آثار مباشرة على حياة نحو 415 مليون نسمة في المنطقة. وتُعد الإمارات العربية المتحدة الفاعل الإقليمي الأكثر نشاطًا، مع مشاريع تُقدّر قيمتها بنحو 47 مليار دولار، أي ما يمثل نحو 60% من إجمالي تدفقات رأس المال الخليجي إلى شرق أفريقيا، مما يجعلها رابع أكبر مصدر لرأس المال في القارة بعد الاتحاد الأوروبي والصين والولايات المتحدة.
مدفوعة بالمصالح الاقتصادية وطموحات الهيمنة الإقليمية، دخلت الإمارات والسعودية وتركيا وقطر والكويت في شبكة معقدة من الاستثمارات، ودعم القطاع الخاص، وتدفقات الأسلحة إلى المنطقة، حيث بلغ حجم هذه الاستثمارات نحو 75 مليار دولار خلال السنوات الأخيرة. وتستمر هذه المنافسة في تحويل شرق أفريقيا إلى ساحة لصراعات النفوذ الإقليمي، على نحو يشبه ما يجري في السودان والصومال، حيث تواجه الدول الفاعلة بعضها البعض ضمن تحالفات متقاطعة تشمل مصر وإريتريا والسودان وقطر وتركيا مقابل إثيوبيا وكينيا والإمارات.
وفي هذا السياق، استفادت حركة الشباب في الصومال من التدفقات المالية وتنامي القدرات المحلية لتعزيز نفوذها داخل النظام الفيدرالي الصومالي، بما يهدد السيطرة على العاصمة مقديشو ويزيد احتمالات تحوّل البلاد إلى مركز للجماعات الإرهابية الدولية. كما تكشف الأدلة عن تزايد التعاون بين حركة الشباب والحوثيين في اليمن، والذي انعكس في استخدام الحوثيين للطائرات بدون طيار والصواريخ والقوارب الصغيرة لاستهداف أكثر من 100 سفينة تجارية في مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تربط أفريقيا بشبه الجزيرة العربية، والذي يبلغ عرضه في أضيق نقاطه 20 ميلاً وطوله 70 ميلاً.
وقد انعكس هذا التصعيد على الاقتصاد العالمي، حيث تراجعت حركة الشحن عبر قناة السويس بنسبة 50-60% في النصف الأول من العام، ما يوضح الترابط المباشر بين الأمن الإقليمي والتجارة العالمية. ويبرز هذا الواقع كيف يمكن للصراعات المحلية والإقليمية أن تتحول إلى أزمات استراتيجية عالمية، تعكس هشاشة الأمن في شرق أفريقيا وتفاعل القوى الخارجية في تشكيله.
استكمالًا، يعكس النفوذ المتزايد لدول الخليج وتركيا في شرق أفريقيا صراعًا إقليميًا متعدد الأبعاد، يجمع بين المصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية، ويعزز من قدرة الفاعلين غير الدوليين والجماعات المسلحة على استغلال الفراغات الأمنية. وتطرح هذه الديناميات تحديات كبيرة أمام سيادة الدول، واستقرار النظام الإقليمي، وتأمين الممرات البحرية الحيوية، فيما توفر فرصًا لإعادة صياغة التعاون الإقليمي والدولي بهدف ضبط المنافسة، وتطوير البنى التحتية، واحتواء النفوذ الخارجي بما يخدم مصالح شعوب شرق أفريقيا والقارة ككل
ثالثًا: تصاعد القتال في جمهورية الكونغو الديمقراطية وانعكاساته الإقليمية
شهدت جمهورية الكونغو الديمقراطية خلال العام الماضي تصاعدًا خطيرًا في الصراع المسلح بعد سقوط مدينة غوما شرق البلاد في يد متمردي حركة 23 مارس (M23) مطلع 2025، مما أثار مخاوف من اندلاع صراع إقليمي أوسع يشبه حروب الكونغو السابقة (1996-2003) التي شهدت تدخل ثمانية جيوش أفريقية وأسفرت عن مقتل نحو 5.4 مليون شخص.
ويعتبر الدعم الرواندي لحركة إم 23 أمرًا مؤكدًا، فيما تشير تحقيقات الأمم المتحدة إلى مشاركة أوغندا، ما يعكس الأبعاد الإقليمية للصراع ويحوّل الكونغو إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي في شرق أفريقيا. وتمكنت الحركة من السيطرة على مدن رئيسية مثل غوما (عدد سكانها مليونا نسمة)، وبوكافو (1.3 مليون نسمة)، والتوغل جنوبًا نحو أوفيرا (650 ألف نسمة)، ما أدى إلى نزوح أكثر من 2.5 مليون شخص، بينهم 200 ألف مدني.
وتشكّل مدينة أوفيرا على الحدود مع بوروندي نقطة حرجة قد تتحول فيها الاشتباكات إلى مواجهة بين بوروندي ورواندا. وخلال معركة غوما، أدى تبادل إطلاق النار بين حركة 23 مارس وقوات بعثة الجماعة الإنمائية للجنوب الأفريقي (ساميدرك) إلى مقتل 20 جنديًا من جنوب أفريقيا وملاوي وتنزانيا، ما دفع البعثة للانسحاب، مؤكدًا هشاشة قدرة الآليات الإقليمية على احتواء النزاعات المسلحة المتصاعدة.
وفي ظل تعدد الأبعاد، تشمل القضايا المعقدة المتعلقة بالصراع: النزاع على الجنسية والمواطنة للكونغوليين من أصول رواندية وبوروندية في شرق البلاد، السيطرة على الموارد الطبيعية والثروات المعدنية الضخمة، ضعف شرعية حكومة الكونغو، ضعف انضباط القوات المسلحة (FARDC) وسلوكياتها الاستغلالية، واستخدام المرتزقة.
وقد أسفرت جهود الوساطة التي قامت بها الولايات المتحدة وقطر عن اتفاقيات لوقف إطلاق النار على مدار العام، إلا أن تعقيد الأزمة يجعل الوصول إلى حل مستدام بالغ الصعوبة، خاصة مع استمرار التدخلات الإقليمية والارتباطات الخارجية. وتشير التجارب السابقة مثل اتفاقيات صن سيتي والحوار الشامل بين الكونغوليين إلى أن الدروس التاريخية يمكن أن توفر إطارًا لإدارة الصراع الحالي، إذا ما تم التعامل مع جذوره السياسية والأمنية والاقتصادية بشكل متكامل.
رابعًا: تصاعد التوترات في نيجيريا بين الجريمة المنظمة والتطرف الإسلامي
شهدت نيجيريا خلال العام الماضي تصاعدًا ملموسًا في أعمال الجريمة المنظمة، لا سيما في منطقة الشمال الغربي، حيث ازدادت جرأة عصابات “قطاع الطرق” من خلال عمليات الخطف الجماعي لأطفال المدارس وغيرهم للحصول على فدية، إضافة إلى استهداف طرق النقل الرئيسية، والابتزاز، والاستيلاء على مشاريع اقتصادية مربحة مثل المزارع والمناجم. وقد استفادت هذه الجماعات من هشاشة المناطق الحدودية مع جنوب غرب النيجر، التي شهدت تصاعدًا حادًا في انعدام الأمن عقب الانقلاب العسكري عام 2023، ما أتاح لها التوسع والتمدد بشكل أكبر.
إلى جانب ذلك، تعرضت نيجيريا لهجمات عابرة للحدود من جماعات إسلامية متشددة يُعتقد أنها تابعة لكتيبة حنيفة من تحالف نصرة الإسلام والمسلمين القادمة من بنين، ما يعكس التداعيات المباشرة لتوسع العنف الإسلامي المتشدد في منطقة الساحل الغربي، والذي امتد جنوبًا من مالي إلى بوركينا فاسو، ليشكل تهديدًا لدول غرب أفريقيا الساحلية، بما فيها بنين ونيجيريا. ويشير ظهور الجماعات المتطرفة العنيفة في شمال غرب نيجيريا إلى التقارب بين الجماعات الإسلامية المتشددة وشبكات الجريمة المنظمة، حيث يدمج الحوافز المالية مع الحماس الأيديولوجي والعنف الإرهابي، ما يعقد استقرار الدولة ويضاعف تهديد الأمن الداخلي.
وفي الوقت نفسه، تواجه نيجيريا تحديات أمنية مستمرة في الشمال الشرقي، حيث نشطت جماعة بوكو حرام وتنظيم الدولة الإسلامية في غرب إفريقيا على مدى السنوات الـ 15 الماضية، بينما يشهد الحزام الأوسط تصاعدًا للعنف بين المزارعين والرعاة، مما يعمّق الانقسامات الدينية والاجتماعية. كما تعاني البلاد من حركة انفصالية في الجنوب، وتهديدات القرصنة النهرية والساحلية، بالإضافة إلى جرائم إلكترونية منظمة على نطاق عالمي.
وفي سياق الاستجابة الإقليمية، تحركت نيجيريا بسرعة لدعم استقرار حكومة بنين بعد محاولة انقلاب من قبل وحدة من الجنود البنينيين الساخطين في ديسمبر، ما يظهر الدور القيادي النيجيري في ضبط الأمن الإقليمي. ورغم هذه التحديات الأمنية المتعددة، تظل نيجيريا وجهة رئيسية للهجرة من غرب إفريقيا، مع الحفاظ على تدفق هجرة إيجابي صافٍ، مما يعكس دورها الاقتصادي والاجتماعي الحيوي في المنطقة.
في الختام، يعكس الجزء الثاني من السلسلة كيف أن النفوذ الخارجي والصراعات الإقليمية باتت عوامل محورية في إعادة تشكيل المشهد الأمني الأفريقي، حيث تتفاعل الانقلابات العسكرية، والجماعات المسلحة، والصراعات على الموارد مع استراتيجيات القوى الخارجية لتعميق تأثيرها. وتُظهر هذه الديناميات أن استقرار أفريقيا لم يعد مرتبطًا بالقوة الداخلية للدول وحدها، بل يعتمد أيضًا على قدرتها على إدارة النفوذ الإقليمي والدولي، وتعزيز التنسيق الأمني بين الدول، ووضع آليات فعالة لحماية المدنيين، وتأمين الممرات الاقتصادية الحيوية، بما يضمن احتواء الصراعات، وخلق بيئة سياسية وأمنية تسمح بالاستثمار والتنمية المستدامة..



