قراءة جيوسياسية في المشهد الامني لأفريقيا لعام 2025: التهديدات ألامنية من الساحل إلى الصومال (1)

اعداد الباحث : محمود سامح همام – باحث سياسي مصري متخصص في الشؤون الأفريقية
- المركز الديمقراطي العربي
يشهد المشهد الأمني في القارة الأفريقية تحوّلًا مركّبًا يعكس تداخل عوامل داخلية وإقليمية ودولية أعادت صياغة طبيعة التهديدات ومسارات الصراع، في ظل تزايد ترابط النزاعات على المستوى الإقليمي، وتصاعد هجمات الجماعات الإسلامية المتشددة، وعودة الانقلابات العسكرية كآلية لتغيير السلطة وتثبيتها، بالتوازي مع احتدام تنافس القوى الخارجية على النفوذ داخل القارة. ويُبرز استعراض الوضع الأمني في أفريقيا خلال عام 2025، بوصفه العام الماضي، تطورًا نوعيًا في البيئة الأمنية، مدفوعًا بتنامي التدخلات الخارجية، وتزايد جرأة الجيوش الوطنية على الاستيلاء على السلطة وتوطيدها، والانتشار المتسارع للطائرات المسيّرة التي وسّعت نطاق الفاعلين المسلحين وقدرتهم على إحداث مستويات أعلى من الفتك، فضلًا عن الضغوط الناتجة عن التوسع الحضري والتغيرات الديموغرافية وتزايد الطابع الإقليمي للصراعات، وما تفرضه من أعباء إضافية على بيئة أمنية هشة أصلًا. وفي مقابل هذه التحديات، حققت بعض الدول الأفريقية تقدمًا ملحوظًا خلال العام الماضي في تطوير البنية التحتية للاتصالات والطرق والسكك الحديدية والفضاء، في مسعى لربط الأمن بالتنمية وتعزيز الإنتاجية الاقتصادية وتوفير فرص أفضل لسكان القارة البالغ عددهم 1.5 مليار نسمة، غالبيتهم من فئة الشباب، بما يعكس إدراكًا متناميًا لارتباط الاستقرار الأمني بمسارات التنمية الشاملة.
أولًا: تفكك الدولة السودانية وتداعياته الإقليمية المتصاعدة
أفضى الصراع الممتد في السودان بين القوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو إلى تفكيك فعلي لبنية الدولة في واحدة من أكثر الدول الأفريقية أهمية جيوسياسية، بما حوّل السودان إلى بؤرة عدم استقرار إقليمي ذات ارتدادات عابرة للحدود. فقد أسهمت حدة القتال واتساع نطاقه منذ اندلاعه في أبريل 2023 في تمزيق ثالث أكبر دولة في أفريقيا من حيث المساحة، وإنتاج أكبر أزمة إنسانية يشهدها العالم المعاصر، مع تقديرات تشير إلى سقوط نحو 400 ألف قتيل، وتحول البلاد إلى كيان منقسم فعليًا بين مناطق نفوذ شرقية وغربية تخضع كل منها لسيطرة أحد طرفي الصراع. ويعكس الرقم غير المسبوق للنازحين قسرًا، والذي بلغ 12.8 مليون شخص، مستوى غير مسبوق من العنف المنهجي والانهيار المؤسسي، بما يجعل الصراع السوداني نموذجًا صارخًا لحروب التفكك الداخلي ذات الأبعاد الإقليمية.
وقد شكّل سقوط مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، في أكتوبر 2025 بيد قوات الدعم السريع نقطة تحوّل مفصلية في مسار الصراع، حيث ترافق ذلك مع ارتكاب مجازر واسعة النطاق بحق المدنيين، وعمليات تهجير قسري طالت عشرات الآلاف، في حين لا يزال مصير أكثر من 150 ألفًا من سكان المدينة مجهولًا. ومع انهيار آخر معاقل القوات المسلحة السودانية في الإقليم، أعادت قوات الدعم السريع توجيه ثقلها العسكري جنوبًا نحو إقليم كردفان، في مؤشر على انتقال الصراع إلى مرحلة إعادة رسم خرائط السيطرة والنفوذ داخل الدولة السودانية، بما يهدد بمزيد من التفتت الجغرافي والسياسي.
وعلى الصعيد الإنساني، يواجه أكثر من 600 ألف شخص في السودان ظروفًا توصف بأنها قريبة من المجاعة، يتركز وجودهم بصورة أساسية في إقليم دارفور، مع ترجيحات بأن تكون الأرقام الفعلية أعلى بكثير نتيجة صعوبة الوصول الإنساني وغياب البيانات الدقيقة. وقد اتخذ الصراع طابعًا عقابيًا ضد مقومات الحياة، إذ استهدفت قوات الدعم السريع البنية التحتية المرتبطة بإنتاج الغذاء، بينما عمد طرفا النزاع إلى استهداف الأسواق المدنية وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية، في انتهاك واضح لقواعد القانون الدولي الإنساني، وبما يعمّق من هشاشة الأمن الغذائي ويحوّل الجوع إلى أداة من أدوات الحرب.
ولا يمكن فصل مسار هذا الصراع عن أبعاده الإقليمية والدولية، إذ ساهمت تدخلات قوى خارجية فاعلة في إطالة أمده وتعزيز قدرته التدميرية، عبر تقديم أشكال مختلفة من الدعم المادي والسياسي والعسكري. وفي هذا السياق، تُعد الإمارات العربية المتحدة وروسيا من أبرز الداعمين لقوات الدعم السريع، في حين تحظى القوات المسلحة السودانية بدعم من أطراف إقليمية ودولية تشمل السعودية وتركيا ومصر وروسيا وقطر وإيران، ما حوّل الساحة السودانية إلى مسرح لتقاطع المصالح والصراعات بالوكالة. ونتيجة لذلك، لم يعد الصراع في السودان أزمة داخلية فحسب، بل بات عاملًا مهددًا للاستقرار الإقليمي في القرن الأفريقي وحوض النيل والساحل، مع ما يحمله من مخاطر تفشي العنف، وتدفقات اللاجئين، وتنامي الجماعات المسلحة في بيئة إقليمية شديدة الهشاشة.
ثانيًا: ترسّخ التهديد الجهادي واستدامة العنف المسلح في القارة الأفريقية
تُظهر ديناميات العنف المرتبط بالجماعات الإسلامية المتشددة في أفريقيا قدرة لافتة على الحفاظ على زخمها التصاعدي، بما يعكس فشلًا بنيويًا في احتواء هذا التهديد رغم الجهود العسكرية والأمنية المبذولة خلال السنوات الأخيرة. فقد بلغ عدد القتلى المرتبطين مباشرة بنشاط هذه الجماعات خلال العام الماضي 22,307 قتلى، وهو مستوى قياسي من الفتك استقر منذ عام 2023، ويمثل زيادة تُقدَّر بنحو 60 في المائة مقارنة بالفترة الممتدة بين 2020 و2022، بما يؤكد أن التهديد الجهادي لم يعد ظاهرة عابرة أو ظرفية، بل بات عنصرًا بنيويًا في المشهد الأمني الأفريقي.
ولا يمكن مقاربة هذا التهديد بوصفه كيانًا موحدًا أو كتلة متجانسة، إذ يتكوّن من ما يقرب من اثنتي عشرة جماعة متمايزة تعمل عبر أقاليم مختلفة من القارة، ولكل منها قيادتها الخاصة، وهياكلها التنظيمية، وأهدافها السياسية والعقائدية، وشبكاتها المستقلة في التمويل والتجنيد والدعاية. وقد مكّن هذا التعدد البنيوي الجماعات المتشددة من التكيّف مع البيئات المحلية المتنوعة، واستغلال هشاشة الدول، وضعف الحوكمة، والصراعات الأهلية، لتكريس حضورها بوصفها فاعلًا أمنيًا غير دولتي يمتلك قدرة عالية على المناورة والاستمرار.
ويُضاف إلى ذلك أن اعتماد هذه الجماعات على استراتيجيات مرنة، تجمع بين السيطرة المكانية المحدودة، واستهداف المدنيين، واستنزاف القوات النظامية، وتعظيم الموارد المحلية عبر الاقتصاديات غير المشروعة، أسهم في إطالة أمد التهديد وتعقيده. ونتيجة لذلك، لم تعد الجماعات الإسلامية المتشددة تمثل تحديًا أمنيًا تقليديًا يمكن احتواؤه بالقوة الصلبة وحدها، بل أضحت ظاهرة مركّبة تتغذى على التداخل بين الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتفرض على الدول الأفريقية وشركائها الإقليميين والدوليين إعادة التفكير في مقاربات المواجهة، بما يتجاوز الحلول العسكرية إلى استراتيجيات شاملة تعالج جذور العنف وأسبابه البنيوية.
ثالثًا: إقليم الساحل بوصفه بؤرة العنف الجهادي الأكثر فتكًا في أفريقيا
يواصل إقليم الساحل ترسيخ موقعه باعتباره الساحة الأكثر دموية للعنف المرتبط بالجماعات الإسلامية المتشددة في القارة الأفريقية للعام الرابع على التوالي، إذ يستأثر بنحو 55% من إجمالي الوفيات المرتبطة بهذه الجماعات، فيما تتركز داخله قرابة 67% من حالات القتل التي طالت المدنيين على يد الفاعلين الجهاديين في أفريقيا. وتعكس هذه المؤشرات حجم التحول الذي شهده الإقليم من فضاء هش أمنيًا إلى مركز ثقل للعنف المسلح العابر للحدود، في ظل تراجع قدرة الدول على بسط سيادتها وتآكل أدوات الحكم والأمن.
وقد تزامن هذا التدهور الحاد مع صعود المجالس العسكرية إلى السلطة في كل من مالي وبوركينا فاسو والنيجر، حيث أسهمت الانقلابات المتتالية في إضعاف مؤسسات الدولة، وتعميق أزمات الشرعية، وإرباك منظومات الأمن والدفاع. ففي مالي، كشفت عمليات قطع وإغلاق الطرق الرئيسية في الغرب والجنوب، وما نتج عنها من نقص حاد في الوقود والسلع الأساسية داخل العاصمة باماكو، عن محدودية قدرة المجلس العسكري الحاكم على تأمين خطوط الإمداد، فضلًا عن عجزه البنيوي عن توفير الحد الأدنى من الأمن والاستقرار، وهو ما انعكس مباشرة على اتساع هامش تحرك الجماعات المتشددة.
أما في بوركينا فاسو، فقد شهدت البلاد تصعيدًا غير مسبوق في وتيرة العنف، إذ تضاعفت حصيلة القتلى المرتبطة بنشاط الجماعات الإسلامية المتشددة ما يقرب من ثلاث مرات خلال السنوات الثلاث الماضية، لتصل إلى 17,775 قتيلًا، مقارنة بـ 6,630 قتيلًا في الفترة السابقة لانقلاب سبتمبر 2022. وتشير التقديرات إلى أن القوات الحكومية لا تمارس سيطرة فعلية سوى على نحو 30% من مساحة البلاد، في حين لجأت الجماعات المتشددة إلى استراتيجيات الحصار طويل الأمد، محاصِرةً ما يقرب من 130 مدينة وبلدة، بما حوّل مساحات واسعة إلى مناطق معزولة وخارجة عن سلطة الدولة.
وفي النيجر، أدّى الانقلاب العسكري في أكتوبر/تشرين الأول 2023 على حكومة الرئيس المنتخب محمد بازوم إلى تسارع واضح في تدهور الوضع الأمني، حيث تضاعفت حصيلة القتلى المرتبطة بالعنف الجهادي أربع مرات لتصل إلى 1,655 قتيلًا، مترافقة مع زيادة بنسبة 49% في أعداد الضحايا المدنيين خلال العام الماضي. وقد أسهم هذا الانفلات الأمني المتزامن في الدول الثلاث في توسيع رقعة التهديد نحو دول غرب أفريقيا الساحلية، مع تصاعد الهجمات على طول الامتداد الحدودي من موريتانيا وصولًا إلى نيجيريا، بما ينذر بتحول العنف الجهادي من أزمة إقليم الساحل إلى تهديد بنيوي للأمن الإقليمي في غرب أفريقيا بأسره.
رابعًا: الصومال كجبهة مركزية لتصاعد العنف الجهادي وتدويله
تُعدّ الصومال ثاني أكثر الساحات الأفريقية تضررًا من العنف المرتبط بالجماعات الإسلامية المتشددة، إذ تستحوذ على نحو 28% من إجمالي القتلى على مستوى القارة، بما يعكس استمرار مركزية هذا المسرح في خريطة التهديدات الجهادية الإقليمية. وقد سجّل العام الماضي مقتل 6,224 شخصًا في هجمات منسوبة إلى حركة الشباب، وهو ما يمثّل تضاعفًا لعدد الضحايا مقارنة بعام 2022، في مؤشر واضح على استعادة الحركة لقدرتها الهجومية وتكيّفها مع الضغوط العسكرية والأمنية التي واجهتها خلال السنوات السابقة.
وقد تجلّى هذا التصاعد في الهجوم الواسع النطاق الذي شنّته حركة الشباب في منتصف عام 2025 عبر معظم مناطق وسط الصومال، والذي مكّن عناصرها من الاقتراب إلى مسافة لا تتجاوز 50 كيلومترًا من العاصمة مقديشو، بما أعاد طرح تساؤلات جوهرية حول هشاشة الطوق الأمني للعاصمة، وحدود فعالية الاستراتيجية الأمنية المعتمدة. كما أعاد هذا التطور تسليط الضوء على الحاجة الملحّة إلى تعزيز التنسيق بين الحكومة الفيدرالية والولايات الأعضاء، وتوفير دعم أكثر فاعلية لبعثة دعم السلام التابعة للاتحاد الأفريقي، إلى جانب ضرورة الحد من انعكاسات التنافس الجيوسياسي الإقليمي الذي أسهم في تشتيت الجهود الدولية الداعمة للاستقرار الصومالي.
وتشير التقديرات إلى أن القدرات العملياتية لحركة الشباب شهدت توسعًا ملحوظًا خلال العام الماضي نتيجة تنامي علاقات التعاون مع جماعة الحوثيين في اليمن، وهو ما انعكس في تحسين نوعية التسليح والتجهيزات، بما في ذلك الطائرات المسيّرة وبعض القدرات الصاروخية، فضلًا عن تطوير برامج التدريب، وهي عوامل يُعتقد أنها لعبت دورًا مباشرًا في رفع كفاءة العمليات الهجومية للحركة في وسط وجنوب البلاد. ويُظهر هذا البعد العابر للبحر الأحمر اتساع نطاق تدويل التهديد الأمني في الصومال، وربطه بشبكات إقليمية أوسع للصراع.
وفي موازاة ذلك، تبرز الصومال بوصفها ساحة نشطة لتنظيم الدولة الإسلامية في الصومال (داعش)، المتمركز أساسًا في ولاية بونتلاند شمال شرق البلاد. وعلى الرغم من أن وجود التنظيم يعود إلى عام 2015، فإن أهميته الاستراتيجية تعاظمت خلال العام الماضي في ضوء تقارير أممية أفادت بتحوّله إلى مركز إداري ومالي رئيسي للتنظيم على المستوى العالمي. وتكشف هذه التقارير عن تصعيد ملحوظ في جهود التنظيم لتجنيد المقاتلين الأجانب، حيث ارتفع عدد عناصره من نحو 200 مقاتل في عام 2018 إلى ما يُقدّر بحوالي 1000 مقاتل بحلول عام 2025، بما يعزز من خطورة المشهد الأمني الصومالي، ويجعل منه إحدى أكثر بؤر التطرف العنيف تعقيدًا وتشابكًا في القارة الأفريقية.
خامسًا: حوض بحيرة تشاد وإعادة تشكّل التهديد الجهادي متعدد الفاعلين
شهد إقليم حوض بحيرة تشاد خلال العام الماضي تصاعدًا ملحوظًا في مستوى العنف المرتبط بالجماعات الإسلامية المتشددة، مع تسجيل زيادة بنسبة 7% في عدد القتلى ليصل إلى 3,982 قتيلًا، وهو ما يعكس استمرار قدرة جماعتي بوكو حرام وتنظيم الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا (داعش) على الصمود والتكيّف رغم الحملات العسكرية المستمرة. وتمثل هذه المنطقة نحو 18% من إجمالي القتلى المرتبطين بالعنف الجهادي في القارة الأفريقية، بما يؤكد مكانتها كإحدى الجبهات الرئيسية للصراع مع التنظيمات المتطرفة، وكمسرح نشط لتفاعل التهديدات الأمنية العابرة للحدود بين نيجيريا وتشاد والنيجر والكاميرون.
وتشير التطورات الميدانية إلى أن كلا التنظيمين شهدا تحسنًا نوعيًا في مستويات التنظيم والتجهيز والجاهزية العملياتية، وهو ما انعكس بوضوح في طبيعة الهجمات المنفذة خلال العام الماضي. فقد تمكن تنظيم الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا من السيطرة على نحو 15 قاعدة عسكرية نيجيرية، في سابقة تعكس تراجع قدرة القوات النظامية على حماية مواقعها الحيوية، فضلًا عن استخدامه، وللمرة الأولى، تقنيات الرؤية الليلية في تنفيذ هجماته، بما منحه تفوقًا تكتيكيًا في ساحات القتال. كما أظهر التنظيم تطورًا ملحوظًا في خبراته العملياتية، من خلال نشر طائرات مسيّرة مسلحة وطائرات استطلاع، وهو ما أسهم في تغيير موازين الاشتباك في الإقليم. وقد ارتبط كل من بوكو حرام وداعش بأعداد متقاربة من الضحايا، في دلالة على استمرار التنافس العنيف بينهما، وفي الوقت ذاته تشابه قدراتهما التدميرية.
وفي موازاة ذلك، شهد شمال غرب نيجيريا خلال السنوات الأخيرة انتشارًا متزايدًا لخلايا إسلامية متشددة داخل منطقة كانت تُعد تقليديًا معقلًا للعصابات الإجرامية المنظمة المعروفة محليًا بـ«قطاع الطرق»، بما يعكس اتجاهًا خطيرًا نحو تداخل الإرهاب العقائدي مع الجريمة المنظمة. وتبرز في هذا السياق جماعة «لاكوروا» التي تنشط أساسًا في ولايتي سوكوتو وكبي، حيث تمزج بين الخطاب الإسلامي المتشدد وأنماط عمل العصابات، بما في ذلك الخطف والابتزاز والاستيلاء على الممتلكات. ويُقدَّر قوام هذه الجماعة بنحو 200 مقاتل يتمتعون بتجهيزات متقدمة نسبيًا، تشمل طائرات مسيّرة لأغراض المراقبة ومعدات اتصالات عبر الأقمار الصناعية، وهو ما يعكس تحوّل حوض بحيرة تشاد إلى بيئة أمنية معقّدة تتقاطع فيها التهديدات الجهادية مع شبكات الجريمة العابرة للحدود، بما يزيد من صعوبة احتوائها بالوسائل التقليدية.
سادسًا: تزايد الإفلات من العقاب واستعادة النفوذ العسكري على المشهد السياسي الأفريقي
يشهد المشهد السياسي في أفريقيا تصاعدًا لافتًا في مظاهر الإفلات من العقاب واستغلال السلطة، بما يعكس تحوّلًا خطيرًا في طبيعة الحوكمة وصناعة القرار على مستوى القارة. فمن بين عشر انتخابات مقررة خلال العام الماضي، اعتُبرت ثلاث فقط حرة ونزيهة، بينما سجلت الانتخابات في دول مستقرة نسبيًا مثل تنزانيا مستويات غير مسبوقة من العنف الموجه ضد أنصار المعارضة والمواطنين والصحفيين، مؤكدًا استمرار نمط إفلات القادة الحاليين من المساءلة، واستمرار سياسات الاستئثار بالسلطة بعيدًا عن إرادة الشعب.
واستمر التدخل العسكري في المشهد السياسي عبر المجالس العسكرية التي سعت إلى ترسيخ سيطرتها على السلطة من خلال عمليات انتخابية مضبوطة في الغابون وغينيا، في حين حال انقلاب عسكري في غينيا بيساو في نوفمبر/تشرين الثاني دون إجراء الانتخابات المرتقبة، وأدى انقلاب آخر في مدغشقر في أكتوبر/تشرين الأول إلى تقويض النظام الدستوري في الدولة الجزيرة. وبالمقابل، نجحت بنين في إفشال محاولة انقلاب في ديسمبر/كانون الأول بمساعدة قوات إقليمية من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس)، في مؤشّر على تداخل مصالح المجالس العسكرية الإقليمية في دعم تطبيع السيطرة العسكرية على الحكومات الديمقراطية.
ويُظهر هذا الاتجاه استمرار نمط الانقلابات الذي شهدته أفريقيا منذ عام 2020، إذ سيطرت الجيوش على السلطة في تسع دول، وهو ما يعكس تراجعًا حادًا في الحوكمة المدنية، وعودة إلى نموذج الحكم العسكري الذي ظنّ كثير من الأفارقة أنهم تخلّوا عنه. وبدلًا من الإصلاح، رافق هذه الانقلابات قمع متزايد، حيث تم تعليق أو حل الأحزاب السياسية، وفرض قيود صارمة على وسائل الإعلام المستقلة ومنظمات المجتمع المدني، ومنعها من التواصل مع الجمهور، ما عزز من احتكار السلطة وتفشي الاستبداد.
ويبلغ اليوم عدد القادة الذين وصلوا إلى السلطة عبر الانقلابات أو العمليات العسكرية 20 زعيمًا من أصل 54 دولة أفريقية، في مؤشّر صريح على تراجع الديمقراطية وتعاظم الاتجاه نحو الحكم الاستبدادي. وقد انعكس هذا التحوّل بشكل مباشر على مستويات الشفافية ومكافحة الفساد، إذ بلغ متوسط ترتيب الحكومات الاستبدادية على مؤشر مدركات الفساد 140 من أصل 180 دولة، مقارنةً بمتوسط 58 للحكومات الديمقراطية، مما أثر على سيادة القانون، وحماية الملكية الخاصة، وفرص الاستثمار، وإمكانات خلق الوظائف. وتشكل هذه الديناميات مؤشرًا على أن التزايد الملحوظ للحكومات العسكرية والاستبدادية في أفريقيا يُغيّر ملامح المشهد السياسي التقليدي، ويهدد بإعادة إنتاج دورة طويلة من السيطرة العسكرية على السياسة والمجتمع المدني، مع تأثيرات عميقة على الاستقرار والتنمية الاقتصادية.
سابعًا: السيناريوهات المستقبلية للأمن والسياسة في أفريقيا: الفرص والتحديات
مع بدء عام 2026، يواجه المشهد الأفريقي تحولات متشابكة على صعيد الأمن والسياسة، ما يفرض استشراف مستقبل القارة عبر مجموعة من السيناريوهات المحتملة، التي تتفاوت في درجة الاستقرار والمخاطر، وتستند إلى المعطيات الحالية للصراعات المسلحة، ونشاط الجماعات الإسلامية المتشددة، وعودة النفوذ العسكري، وتراجع الديمقراطية.
السيناريو الأول: تصاعد الصراع المستدام وانتشار الفوضى الإقليمية
في هذا السيناريو، تستمر الجماعات المسلحة والجهادية في توسيع مناطق نفوذها في السودان، والساحل، والصومال، وحوض بحيرة تشاد، مع فشل الأنظمة العسكرية والدولية في فرض سيطرة فعّالة. ويؤدي استمرار الانقلابات العسكرية وتراجع الديمقراطية إلى تقليص مساحة الحريات السياسية، وزيادة الإفلات من العقاب، وتعميق الفساد المؤسسي.
الفرص: قد تدفع الحاجة الملحّة إلى الأمن والاستقرار الدول الأفريقية إلى تعزيز التعاون الإقليمي عبر المنظمات الأفريقية مثل الاتحاد الأفريقي وإيكواس، بما يشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية والمبادرات المشتركة لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.
التحديات: يهدد هذا المسار بمزيد من الهجرة القسرية، وانهيار البنية التحتية الأساسية، وتصاعد الأزمات الإنسانية، مع احتمال توسع العنف إلى دول لم تكن جزءًا من النزاعات السابقة، ما يزيد من هشاشة الاستقرار الإقليمي.
السيناريو الثاني: استقرار محدود بقيادة الدولة العسكرية
في هذا السيناريو، تستمر المجالس العسكرية في تثبيت سيطرتها على السلطة في عدد من الدول، ما يؤدي إلى استقرار نسبي على المستوى الأمني، مع استمرار القيود على الحريات الديمقراطية. وقد تتمكن هذه الأنظمة من فرض الأمن جزئيًا، وتفعيل قدرات الأجهزة الأمنية لمواجهة الجماعات المسلحة، مع استمرار دعم القوى الخارجية لأجنداتها العسكرية والسياسية.
الفرص: يمكن لهذه الاستراتيجية أن تمنح القارة فرصة لإعادة بناء مؤسسات الدولة الأمنية وتعزيز البنية التحتية الحيوية، كما تسمح بفرض حد أدنى من السيطرة على مناطق الصراع، مما يقلل من نطاق التفكك الاجتماعي والاقتصادي.
التحديات: يستمر تراجع الديمقراطية وحرية الإعلام والمجتمع المدني، ما يزيد من استدامة الإفلات من العقاب، ويعزز الفساد، ويعيق استقطاب الاستثمارات الأجنبية، ويجعل النمو الاقتصادي هشًا وغير مستدام.
السيناريو الثالث: تعزيز الديمقراطية وإعادة التوازن السياسي
يشمل هذا السيناريو نجاح جهود الإصلاح الديمقراطي، واستعادة المؤسسات المدنية دورها في الحكم، وتحقيق توافق سياسي بين الحكومات المركزية والولايات الإقليمية، كما قد يشمل تقليص النفوذ العسكري على السياسة واحتواء الصراعات المسلحة من خلال سياسات شاملة للتنمية والأمن.
الفرص: يتيح هذا السيناريو تقوية مؤسسات الدولة، وتعزيز سيادة القانون، وتوفير بيئة مستقرة للاستثمار والتنمية، وإعادة دمج الشباب والنازحين في الاقتصاد والمجتمع، مع دعم جهود الاتحاد الأفريقي والجهات الدولية للسلام والأمن.
التحديات: تواجه هذه الاستراتيجية مقاومة من القوى العسكرية والجماعات المسلحة، إضافة إلى التعقيدات الإقليمية الناتجة عن تدخلات خارجية متضاربة المصالح، مما يستدعي إدارة دقيقة للتوازنات الأمنية والسياسية لتحقيق استقرار طويل الأمد.
وتُظهر هذه السيناريوهات أن مستقبل أفريقيا سيعتمد بشكل كبير على قدرة القارة على إدارة الصراعات الداخلية والخارجية، وموازنة الحوكمة المدنية مع دور الجيش، واحتواء التهديدات الجهادية، بينما تعمل على تعزيز الديمقراطية، والشفافية، والاستثمار في التنمية المستدامة. وتظل الفرص الكبرى مرتبطة بالتعاون الإقليمي والدولي المتناغم، فيما تتجلى التحديات في مخاطر تراجع الديمقراطية، وتوسع العنف، وانتشار الفساد، والانقسامات الاجتماعية التي قد تعيد إنتاج دورة طويلة من عدم الاستقرار والأزمات المتعاقبة.
في الختام، إن المشهد الأمني والسياسي في أفريقيا مع مطلع عام 2026 يعكس تحولات معقدة ومتشابكة تتطلب فهماً عميقاً لديناميات القوة والصراع داخل القارة وخارجها. فقد كشفت السنوات الأخيرة عن هشاشة بعض الدول الأفريقية أمام الانقلابات العسكرية، وصعود الجماعات الإسلامية المتشددة، وتزايد الإفلات من العقاب، مما أعاد إنتاج نموذج الحكم العسكري وتقليص مساحة الديمقراطية، في وقت تتصاعد فيه التحديات الإنسانية والاقتصادية بشكل غير مسبوق. وفي المقابل، تقدّم هذه التحولات فرصة لتفعيل التعاون الإقليمي والدولي، وتعزيز قدرات الدولة والمؤسسات المدنية، وربط الأمن بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية، بما يفتح الباب أمام استقرار مستدام. إن مستقبل أفريقيا سيكون حاسمًا في مدى قدرتها على مواجهة هذه المخاطر المتشابكة، وتحويل التحديات الأمنية والسياسية إلى فرص لإعادة بناء الدولة والمجتمع المدني، وتعزيز السلام والاستقرار الإقليمي، بحيث تتحول القارة من ساحة للصراعات والهشاشة إلى نموذج لإدارة الأزمات والحوكمة المستدامة.



