العدالة البيئية كمدخل لتعزيز الأمن المائي في اليمن في ظل النزاع والتغير المناخي
Environmental Justice as an Approach to Strengthening Water Security in Yemen amid Conflict and Climate Change

إعداد: القاضي محمد حمود الهتار – باحث دكتوراه بجامعة محمد الخامس بالرباط – متخصص في العدالة الانتقالية وحقوق الإنسان
المركز الديمقراطي العربي : –
- مجلة الدراسات الاستراتيجية للكوارث وإدارة الفرص : العدد الثامن والعشرون كانون الأول – ديسمبر 2025 – المجلد 7 – وهي مجلة دولية محكمة تصدر عن المركز الديمقراطي العربي المانيا- برلين.
- تعنى المجلة مجال الدراسات التخصصية في مجال إدارة المخاطر والطوارئ والكوارث ،قضايا التخطيط الاستراتيجي للتنمية، الجيوبولتيك، الجيواستراتيجية، الأمن الإقليمي والدولي، السياسات الدفاعية، الأمن الطاقوي والغذائي، وتحولات النظام الدولي، التنافس بين القوى الكبرى، إضافة إلى قضايا التنمية، العولمة، الحوكمة، التكامل الأقتصادي ، إعداد وتهيئة المجال والحكامة الترابية , إضافة إلى البحوث في العلوم الإنسانية والاجتماعية.
للأطلاع على البحث من خلال الرابط المرفق : –
الملخص:
يواجه اليمن تحديات بيئية ومناخية متفاقمة، ازدادت حدّتها بفعل النزاع المسلح المستمر، وأدّت إلى أزمة مياه خانقة تهدّد الاستقرار وسبل العيش وتفاقم الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية. يتناول هذا البحث أزمة المياه والتدهور البيئي في اليمن من منظور العدالة البيئية، من خلال تحليل تأثيرات الحرب والتغير المناخي وسوء الإدارة على الموارد المائية والبيئية، وبيان كيف أسهم غياب العدالة في توزيع الموارد وإدارة المخاطر في تعميق اللامساواة وخلق بؤر للصراع المحلي.
يعتمد البحث منهجاً وصفياً–تحليلياً مقارناً، ويستعرض الإطار المفاهيمي للعدالة البيئية والأمن المائي والتغير المناخي، كما يحلّل مظاهر التدهور البيئي خلال فترة النزاع، بما في ذلك التلوث البحري الناتج عن غرق السفن ومخلّفات العمليات العسكرية، والتلوث الجوفي المرتبط بالممارسات النفطية غير الآمنة. كما يقيّم الإطار التشريعي والمؤسسي اليمني، ويكشف محدودية قدرته على حماية البيئة وإدارة الموارد في ظل الانقسام المؤسسي وضعف الحوكمة.
ولتعزيز البعد العملي، يستند البحث إلى تجارب مقارنة لدول ذات سياقات مشابهة، بهدف استخلاص نماذج قابلة للتكييف في بناء إطار وطني للعدالة البيئية في اليمن. ويقترح رؤية متكاملة تقوم على إصلاح الحوكمة البيئية والمائية، وجبر الضرر البيئي، وتمكين المجتمعات المحلية، واعتماد حلول تقنية مستدامة قادرة على مواجهة آثار النزاع والتغير المناخي. ويخلص البحث إلى أن إدماج العدالة البيئية في سياسات المياه وبرامج إعادة الإعمار يُعد شرطًا جوهريًا لتحقيق أمن مائي مستدام وسلام بيئي طويل الأمد في اليمن.
Abstract
Yemen faces escalating environmental and climatic challenges that have been significantly exacerbated by the protracted armed conflict, leading to a severe water crisis that threatens stability, livelihoods, and deepens socio-economic vulnerability. This study examines Yemen’s water crisis and environmental degradation through the lens of environmental justice, analyzing the combined impacts of war, climate change, and poor governance on water and environmental resources. It demonstrates how the absence of equity in resource distribution and risk management has contributed to widening inequalities and the emergence of localized conflicts.
The study adopts a descriptive–analytical and comparative methodology. It outlines the conceptual framework of environmental justice, water security, and climate change, and analyzes key manifestations of environmental degradation during the conflict, including marine pollution resulting from sunken vessels and military debris, as well as groundwater contamination linked to unsafe oil-related practices. The research also evaluates Yemen’s legislative and institutional framework, highlighting its limited capacity to protect the environment and manage resources amid institutional fragmentation and weak governance.
To strengthen the practical dimension, the study draws on comparative experiences from countries with similar contexts to identify adaptable models for building a national environmental justice framework in Yemen. Based on this analysis, it proposes an integrated vision centered on reforming environmental and water governance, providing environmental reparations, empowering local communities, and adopting sustainable technical solutions capable of addressing the impacts of conflict and climate change. The study concludes that integrating environmental justice into water policies and post-conflict reconstruction programs is a fundamental prerequisite for achieving sustainable water security and long-term environmental peace in Yemen.
- المقدمة
تمثّل الموارد البيئية والمائية في اليمن قضيةً محورية تتقاطع فيها آثار النزاع المسلّح مع التغيرات المناخية المتسارعة. فقد شهدت البلاد خلال العقود الخمسة الماضية ارتفاعاً في درجات الحرارة بنحو 1.8 درجة مئوية، رافقته زيادة في موجات الجفاف والأمطار الغزيرة والفيضانات (Sana’a Center, 2025)، وهو ما جعل البيئة الطبيعية أكثر هشاشة وأقل قدرةً على التكيّف. وجاءت الحرب المستمرة منذ عام 2015 لتزيد هذا الوضع سوءاً؛ إذ أدت إلى تدمير البنية التحتية للمياه، وتعطيل شبكات الإمداد، وفي بعض الحالات استخدام المياه أداةً للحصار العسكري والضغط على السكان ((Human Rights Watch, 2023. وأسهم هذا التداخل بين الصدمات المناخية والدمار الناتج عن النزاع في إضعاف قدرة اليمنيين على الحصول على المياه والغذاء، وفي تهديد حقّهم في العيش الكريم (Sana’a Center, 2023; Porter, 2023).
وتشير بيانات البنك الدولي لعام 2022 إلى أن نصيب الفرد من الموارد المائية العذبة لا يتجاوز 45 متراً مكعباً سنوياً (World Bank, n.d.)، وهو ما يضع اليمن بعيداً عن خط الفقر المائي البالغ 1,000 متر مكعب سنوياً (Reuters, 2009). كما تُظهر تقارير الأمم المتحدة واليونيسيف أنّ أكثر من 61 % من السكان لا يحصلون على مياه شرب آمنة (CIVIC, 2022)، فيما يُتوقع أن يواجه نحو 19 مليون شخص انعدام الأمن الغذائي الحاد بنهاية العام ذاته (IPC, 2022) وتعكس هذه المؤشرات كيف أدّى انهيار منظومات الدولة وتراجع قدراتها المؤسسية أثناء الحرب إلى تفاقم الأضرار المناخية وجعلها عبئاً مضاعفاً على الفئات الأشد هشاشة.
وبذلك يتبيّن أن الأزمة المائية في اليمن ليست مجرد نتيجة لندرة الموارد الطبيعية، بل نتاجٌ لتفاعل معقّد بين تغيّر المناخ وتصاعد النزاع المسلّح وضعف الإدارة البيئية. فكلّ عامل من هذه العوامل يغذّي الآخر، مشكّلاً دائرة مفرغة تعمّق هشاشة الأمن المائي، وتحدّ من قدرة المجتمع على التكيّف أو الصمود في وجه الكوارث المتكررة (Porter, 2023).
في هذا السياق، يبرز مفهوم العدالة البيئية كإطار نظري وعملي يهدف إلى ضمان التوزيع العادل للمنافع والأعباء البيئية وحماية الفئات الأكثر تضرراً، بما يشمل حق الجميع في بيئة نظيفة وصحية، والتمتع بحماية متساوية من التلوث، والمشاركة الفاعلة في رسم السياسات البيئية
ومن منظور الأمن المائي، تتقاطع العدالة البيئية مع الحق في الوصول المتكافئ إلى المياه وتوزيعها بين مختلف مناطق اليمن وسكانه بصورة عادلة، ولا سيما في ظل الندرة الحادة وتصاعد التنافس على الموارد. فالأمن المائي المعرَّف بأنه “توافر كميات ونوعية كافية من المياه لتلبية متطلبات الصحة والمعيشة مع الحدّ من المخاطر المرتبطة بالمياه (FAO, n.d.) أصبح اليوم مرتبطاً بقدرة الدولة والمجتمع على معالجة أنماط الظلم البيئي القائم، بما في ذلك التلوث غير المتساوي، أو ضعف الخدمات في مناطق دون غيرها، وما ينجم عن ذلك من فجوات تنموية وتوترات اجتماعية.
وتكتسب هذه القضية أهميتها من سياق يمني استثنائي يجمع بين أزمة إنسانية تُعدّ من الأسوأ عالمياً وتحديات بيئية ومناخية متفاقمة. فمن جهة، أدى انهيار مؤسسات الدولة وانقسامها أثناء الحرب إلى ضعف تطبيق القوانين البيئية والمائية، مما سمح باستشراء ممارسات ملوِّثة كتسرّب النفط وإلقاء النفايات بشكلٍ عشوائي (al-Waseai et al., 2023) (Lackner & Al-Eryani, 2020). ومن جهة أخرى، تتوقع نماذج المناخ ازدياد حدة الجفاف وارتفاع مستويات الندرة المائية في ظل استمرار الاحترار العالمي (Sana’a Center, 2023; Douglas, 2016).
بناءً على ذلك، تبرز الحاجة إلى إطار وطني شامل يدمج مبادئ العدالة البيئية ضمن جهود الإغاثة وإعادة الإعمار ومبادرات بناء السلام، في ضوء التوجهات الدولية التي بدأت تدعو إلى تبنّي ما يمكن تسميته بـ “العدالة الانتقالية الخضراء” التي تربط معالجة الأضرار البيئية بمسارات السلام المستدام في اليمن (Sana’a Center, 2024).
تتوزّع هذه الدراسة على مجموعة من المحاور، تبدأ بتحديد المشكلة البحثية وتساؤلاتها وأهدافها ومنهجيتها، يليها استعراض الإطار المفاهيمي للمصطلحات الرئيسة، ثم تنتقل إلى المحاور التحليلية التي تتناول الواقع البيئي والمائي في اليمن، ومصادر التلوث المرتبطة بالحرب—برية وبحرية—إلى جانب تحليل الإطار التشريعي والمؤسسي الناظم للبيئة والموارد المائية. وتُختتم الدراسة بعرض تجارب مقارنة، واستنباط الدروس المناسبة للسياق اليمني، وصولاً إلى تقديم رؤية مستقبلية تجعل من العدالة البيئية مدخلاً لتعزيز الأمن المائي وزيادة صمود المجتمعات اليمنية في مواجهة النزاعات وتغير المناخ..
- تحديد المشكلة وتساؤلات البحث
أ- مشكلة الدراسة
تواجه اليمن أزمة بيئية ومائية متفاقمة تتقاطع فيها آثار النزاع المسلّح مع تداعيات التغيّر المناخي، الأمر الذي أفضى إلى تراجع حاد في الموارد المائية، وتدهور في البنية البيئية والخدمية، واتساع الفجوة بين المناطق في فرص الحصول على المياه. وتزداد خطورة الأزمة حين تُستغَلّ الموارد البيئية—وخاصة المياه—كأداة للضغط والسيطرة ضمن سياق الصراع، في ظل ضعف تشريعي ومؤسسي وغياب آليات فعالة للرقابة والمساءلة البيئية، بما يهدد استدامة الموارد وحقوق الأجيال القادمة. وانطلاقاً من ذلك، تتمحورُ الإشكاليةُ الرئيسةُ حولَ السؤالِ الآتي: كيف يمكن توظيف مبادئ العدالة البيئية لتعزيز الأمن المائي في اليمن في ظل النزاع الدائر والتغير المناخي؟
ب- تساؤلات البحث
للإجابة عن هذه الإشكالية، يسعى البحث إلى معالجة الأسئلة التالية:
– ما واقع البيئة وموارد المياه في اليمن خلال فترة النزاع المسلّح؟ وما أبرز مظاهر اللاعدالة البيئية المرتبطة بالتوزيع غير المتكافئ للمياه أو بالتلوث الناتج عن الأنشطة العسكرية والاقتصادية؟
– كيف أسهم النزاع المسلّح والتغير المناخي معاً في تعميق أزمة المياه من خلال استهداف البنية التحتية واستخدام الموارد المائية كأداة ضغط أو سلاح؟
– ما أبرز الأضرار البيئية التي خلّفها النزاع والتغير المناخي، ولا سيّما في مجالات التربة، والمياه، والهواء، والتنوّع الحيوي؟
– إلى أي مدى تعبّر التشريعات والسياسات البيئية والمائية في اليمن عن مبادئ العدالة البيئية؟ والتكيف المناخي؟ وما أوجه القصور في آليات التطبيق والمساءلة؟
– ما الدروس المستفادة من تجارب دولية ككولومبيا والسودان وـتونس والمغرب ورواندا ونيجيريا في ربط العدالة البيئية والأمن المائي بسياسات التكيّف مع التغير المناخي؟
– ما الملامح الرئيسة لإطارٍ وطنيٍّ مقترَحٍ يهدف إلى تعزيز العدالة البيئية وتحسين الأمن المائي في اليمن، من خلال المشاركة المجتمعية، والتوزيع العادل، وجبر الضرر البيئي، وإعادة تأهيل النظم المتضررة؟
- فرضيات الدراسة
انطلاقاً من الإشكالية المطروحة وتساؤلات البحث، تفترض هذه الدراسة أن العدالة البيئية تمثّل مدخلاً فاعلاً لمعالجة أزمة المياه في اليمن في ظلّ النزاع المسلّح والتغيّر المناخي، عبر تعزيز الحوكمة البيئية وضمان الاستخدام العادل والمستدام للموارد. وتستند إلى الفرضيات الآتية:
إنَّ غياب العدالة البيئية أسهم في تفاقم أزمة الأمن المائي في اليمن من خلال التوزيع غير المتكافئ للموارد، وتمركز الأضرار البيئية في مناطق بعينها دون غيرها.
توجد علاقة تفاعلية بين النزاع والتغير المناخي في تأثيرهما على الموارد المائية، بحيث يغذي كل منهما الآخر؛ إذ دمرت الحرب البنية التحتية وأضعفت الحوكمة، فيما فاقمت الكوارث المناخية من شح المياه والضغوط على النظم البيئية الهشة.
إن اعتماد إطار وطني للعدالة البيئية يمكن أن يُسهم في تحسّين الأمن المائي عبر سياسات تعويض المجتمعات المتضررة، وضمان التوزيع العادل للموارد، ودمج البعد البيئي والمناخي في عمليات السلام وإعادة الإعمار.
وستُناقَش هذه الفرضيات وتُختبَر من خلال تحليلٍ نظريٍّ ومقارنٍ يستند إلى الواقع اليمني وتجاربٍ إقليميةٍ ودوليةٍ مماثلة، بما يُسهم في بناء إطارٍ معرفيٍّ وتطبيقيٍّ يُعزّز الأمن المائي من منظورٍ عادلٍ ومستدام.
- أهداف البحث
نهدف من خلال هذا البحث إلى تحليل العلاقة التفاعلية بين العدالة البيئية والأمن المائي في اليمن في ظل النزاع والتغير المناخي، وذلك بتشخيص تأثيرات النزاع المسلّح والتغيّر المناخي على الموارد المائية، وتوثيق الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية ومصادر المياه وجودتها، وتوضيح مفهوم العدالة البيئية وتحليل مدى حضوره في السياق اليمني، ولا سيّما فيما يتعلّق بالتوزيع العادل للموارد، والمشاركة المجتمعية، والمساءلة البيئية. وتقييم الإطارين التشريعي والمؤسّسي المنظّمين للبيئة والمياه في اليمن، وتحديد أوجه القصور والثغرات التي تعيق تحقيق العدالة البيئية والأمن المائي. وتحليل مظاهر التلوّث البيئي الناتجة عن الحرب وآثارها على صحة السكان واستدامة النظم البيئية. واقتراح رؤية وطنية شاملة لتعزيز العدالة البيئية وتحقيق الأمن المائي، من خلال دمج البعد البيئي في مبادرات السلام والتسويات السياسية، وربطها بخطط التعافي وإعادة الإعمار المستدام.
- أهمية الدراسة
تنبع أهمية هذا البحث من تلاقي أبعاد معرفية وإنسانية وتنموية تجعل من تناول موضوع العدالة البيئية في اليمن ضرورة علمية وعملية. فعلى الصعيد المعرفي، يسعى البحث إلى سد فجوة في الأدبيات البيئية العربية التي لم تولِ مفهوم العدالة البيئية الاهتمام الكافي، خاصة في سياقات النزاع والتغير المناخي، كما يشكل الربط بين العدالة البيئية والأمن المائي مقاربة جديدة تُبرز البعد البيئي كأحد ضحايا الحرب وأدوات فهمها.
أما على الصعيد العملي، فتستمد أهمية البحث من ارتباطه بأزمة المياه المتفاقمة في اليمن، التي جعلت ملايين السكان يواجهون تحديات معيشية وصحية حادة، ويبرز هنا دور العدالة البيئية في ضمان التوزيع العادل للموارد وتحسين المساءلة البيئية وتمكين الفئات الهشة من حقوقها المائية، بما يسهم في الحد من الفوارق وتعزيز صمود المجتمعات.
وعلى صعيد بناء السلام وإعادة الإعمار، يضيف البحث قيمة نوعية من خلال الدعوة إلى إدماج قضايا البيئة والمياه ضمن مسار العدالة الانتقالية، باعتبار جبر الضرر البيئي وإعادة تأهيل النظم المتضررة وتحقيق الإنصاف البيئي شروطً أساسية لتحقيق سلام عادل ومستدام.
أما على المستوى الدولي، فيقدم السياق اليمني نموذجاً فريداً لتفاعل النزاع المسلح مع التغير المناخي في بيئة هشة، الأمر الذي يثري النقاش العالمي حول دور العدالة البيئية في مسارات التنمية المستدامة واستراتيجيات التكيّف المناخي وحماية المجتمعات الهشة من مخاطر التدهور البيئي.
- المنهجية العلمية المعتمدة
من أجل تحقيق أهداف البحث والإجابة عن تساؤلاته، تم اعتماد منهجية علمية متعددة الأدوات تجمع بين المنهج الوصفي التحليلي والمنهج المقارن ومنهج دراسة الحالة، بما يتيح فهماً شاملاً للعلاقة بين العدالة البيئية والأمن المائي في اليمن خلال فترة النزاع (2015–2025).
فقد تم توظيف المنهج الوصفي التحليلي لتشخيص الواقع البيئي والمائي، من خلال تحليل بيانات كمية ونوعية مستمدة من تقارير الأمم المتحدة، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والبنك الدولي، فضلاً عن تقارير محلية حكومية وغير حكومية، كما شمل تحليل الوثائق والتشريعات البيئية والمائية اليمنية بغية تقييم مدى مواءمتها لمبادئ العدالة البيئية ورصد أوجه القصور في آليات المساءلة، وفهم طبيعة التحديات المؤثرة على الأمن المائي.
كما جرى اعتماد منهج دراسة الحالة لتحليل نماذج واقعية توضّح أبعاد العدالة البيئية والأمن المائي، منها مدينة تعز المحاصرة التي تمثل نموذجاُ صارخاً لاستخدام المياه كسلاح في الحرب، ومنطقة ـــــــــــــ التي تعكس آثار التلوث النفطي الناتج عن التشغيل السيئ لقطاع النفط وغياب الرقابة البيئية، وعزلة الفراعي بمديرية حبيش في محافظة إب التي تجسد معاناة المناطق الريفية من شح المياه، وجفاف الآبار، في ظل غياب تدخلات الدولة لتوفير بدائل مائية أو تنفيذ مشاريع تغذية جوفية، بما يعكس تباين أنماط الأزمة بين الحصار المائي، والتلوث النفطي، والإهمال التنموي وعدم التوزيع العادل.
ونظراً لصعوبة تنفيذ عمل ميداني واسع، اعتمد البحث أساساً على مصادر ثانوية موثوقة، مدعومة بمقابلات نوعية منشورة مع مسؤولين وخبراء يمنيين – مثل تصريحات مسؤولي وزارة النفط حول تلوث المياه الجوفية وشهادات شيوخ محليين عن أضرار التسربات النفطية – مما أضفى بعداً إنسانياً على التحليل، وتوضيح أثر الأزمة على المجتمعات المحلية.
وقد أتاحت هذه المنهجية متعددة الأدوات بناء قاعدة معرفية متينة لفهم شامل ومعمق للقضية، ومكّنت من الوصول إلى نتائج وتوصيات عملية قابلة للتنفيذ ضمن السياق اليمني، مع الأخذ بعين الاعتبار تعقيدات النزاع وتحديات التغير المناخي.
- الإطار المفاهيمي
يرتكز الإطار المفاهيمي لهذا البحث على ثلاثة مفاهيم مترابطة تشكّل الأساس النظري لتحليل الحالة اليمنية: العدالة البيئية، والأمن المائي، والتغير المناخي، ويساعد فهم التفاعل بين هذه المفاهيم في تطوير مقاربة شاملة لتقييم التحديات والفرص المرتبطة بإدارة الموارد الطبيعية خلال النزاع.
أ- العدالة البيئية:
العدالة البيئية هي مبدأ يطالب بالتوزيع العادل للمنافع والأعباء البيئية، وضمان مشاركة متساوية في صنع القرارات البيئية، وتطبيق القوانين البيئية دون تمييز. عرفتها وكالة حماية البيئة الأميركية بأنها «المعاملة العادلة والمشاركة الفعالة لجميع الناس، بغض النظر عن العِرق أو اللون أو الأصل القومي أو الدخل، في الأمور المتعلقة بتطوير وتنفيذ وتطبيق القوانين البيئية… بحيث يتمتع كل فرد بنفس الدرجة من الحماية من المخاطر البيئية والقدرة على الوصول المتساوي إلى عملية صنع القرار»ar.wikipedia.org. تضم مفاهيم العدالة البيئية عدة مبادئ أساسية يمكن تلخيصها بــ: المعاملة العادلة في الحماية من التلوث والأخطار البيئية دون تمييز بسبب العرق أو اللون أو الانتماء أو المستوى الاقتصادي، ثم التمكين والمشاركة المجتمعية في التخطيط البيئي (U.S. Environmental Protection Agency, 2019)، والمساءلة والإنصاف في التعويض عن الأضرار البيئية، والتوزيع العادل للخدمات والمنافع البيئية.
في السياق اليمني، تظهر فجوات العدالة البيئية بوضوح. فمثلاً، تتركّز أنشطة استخراج النفط والغاز وشركات الطاقة الكبرى في مناطق معينة، مما يؤدي إلى تلوث بيئي وصحي ملحوظ (انبعاث غازات، تصريف ملوثات) يتحمل تبعاتها السكان المحليون محدودو الموارد. كما يُعاني سكان الريف من حرمان من مشاريع البنية التحتية لتأمين مياه نظيفة، مقابل تمتع المناطق الحضرية النسبية بخدمات أفضل. إضافة لذلك، نادراً ما تشارك المجتمعات المحلية الضعيفة في صنع قرارات تخص مشاريع مياه أو بيئة يتم تنفيذها في مناطقهم. هذه التفاوتات تسلط الضوء على أن تحقيق العدالة البيئية في اليمن يتطلب معالجة هيكلية تشمل إشراك المواطنين المهمّشين ومراقبة توزيع المشاريع البيئية بشكل منصف.
ب- الأمن المائي:
يُعرَّف الأمن المائي بأنه القدرة على توفير كميات كافية من المياه الآمنة والنظيفة، بتكلفة معقولة، لاستخدامها في الشرب والإنتاج والمعيشة، مع الحدّ من مخاطر عدم اليقين المرتبطة بالمناخ أو النزاعات، وضمان استدامة البيئة (FAO, n.d). وفي هذا الإطار، تتجلى الأزمة المائية في اليمن ضمن ستة أبعاد رئيسة: البعد الكمي (توافر المياه): تقع اليمن تحت عتبة الإجهاد المائي العالمي (أقل من 1000 م³ للفرد سنوياً)، حيث لا يتجاوز متوسط نصيب الفرد من المياه بين 80 و150 م³ سنوياً، مقارنة بمتوسط 1250 م³ في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ما يجعلها ضمن أكثر الدول تعرضاً للفقر المائي عالمياً (Climate Diplomacy, 2024; Carnegie Endowment, 2025). وتعتمد البلاد على مصدرين رئيسيين: مياه الأمطار الشحيحة التي لا يتجاوز معدلها السنوي 108–114 ملم (United Nations Yemen, 2024; Ward, 2014)، والمياه الجوفية التي تتعرض لاستنزاف حاد نتيجة الحفر العشوائي، وغياب الرقابة المؤسسية، حيث يتم استخراج آلاف الآبار سنوياً دون تخطيط، ما يجعل هذه الموارد غير مستدامة (Carnegie Endowment, 2025).
ويُستهلك أكثر من 90% من الموارد المائية في القطاع الزراعي، خاصة في زراعة القات، وهي من المحاصيل ذات الاستهلاك العالي وغير المرتبطة بالأمن الغذائي، مما يثير تساؤلات حادة حول الكفاءة الاقتصادية والعدالة في تخصيص الموارد المائية (Rise for Yemen, 2023; Climate Diplomacy, 2024). وتشير تقديرات البنك الدولي (2014) إلى أن اليمن تسجل أحد أدنى معدلات نصيب الفرد من المياه في العالم، في ظل بنية تحتية هشة وعجز دائم في الموارد السطحية.
أما البعد النوعي فيتعلق بجودة المياه وسلامتها، التي شهدت تدهوراً ملحوظاً خلال الحرب، إذ أدى تدمير مرافق الصرف الصحي ومحطات المعالجة إلى تلوث واسع للمصادر المائية، مما أسفر عن انتشار أمراض خطيرة مثل الكوليرا، التي أصابت أكثر من مليون شخص بين عامي 2017 و2019 (Carnegie Endowment).
فيما يتمثل البعد البيئي (استدامة النظم المائية) في غياب أنهار دائمة في اليمن، وغياب السدود الكبرى ومشاريع الحصاد المائي، تُهدر كميات ضخمة من مياه الأمطار، كما تراجعت الطبقات الجوفية بسرعة خطيرة، مما يهدد الأنظمة البيئية الهشة التي تعتمد على تدفقات المياه الطبيعية.
ويبرز كذلك البعدين الإداري والمؤسسي حيث أضعف النزاع المؤسسات المعنية بالمياه مثل الهيئة العامة للموارد المائية، مما خلق فراغاً في الحوكمة، وتسبب في انتشار الحفر العشوائي، وتوقف جهود الصيانة والإدارة طويلة المدى، وسط غياب تشريعات فعالة لتنظيم الموارد (Carnegie Endowment, 2025)، كما يضاف إلى ذلك البعد الوقائي حيث تعاني البلاد من ضعف القدرة على التكيف مع الجفاف والفيضانات نتيجة غياب البنية التحتية الملائمة وأنظمة الإنذار المبكر (Wikipedia, 2023).
وأخيراً البعد الاقتصادي فيرتبط بارتفاع كلفة الحصول على المياه بشكل كبير، لا سيما مع الاعتماد على المياه المنقولة عبر الشاحنات في كثير من المناطق، في حين يُهدر معظم المورد في زراعات غير إنتاجية مثل القات، ما يعكس خللاً في أولويات توزيع الموارد ومحدودية العائد مقابل الاستهلاك (Rise for Yemen).
بسبب هذه العوامل المركبة، تُعدّ اليمن من أكثر دول العالم معاناة من أزمة مائية مزمنة. فالبلاد تواجه عجزاً حاداً في الموارد السطحية نتيجة انخفاض معدلات الأمطار السنوية، واضطراباً في توافر الموارد المائية بفعل النزاع المسلح (Carnegie Endowment; Yemen.UN.org). وقد أدى تدمير السدود، ومحطات الضخ، وشبكات التوزيع إلى انقطاع الإمدادات عن ملايين السكان، مما أجبرهم على الاعتماد على مصادر بديلة غالباً ما تكون ملوثة وغير مأمونة (Carnegie Endowment, 2025). وأسهم النزوح الداخلي واسع النطاق في مضاعفة الضغط على المناطق المستقبلة، حيث ازداد الطلب على المياه إلى مستويات تفوق قدرة البنية التحتية المحلية (Carnegie Endowment). وأمام تراجع دور الدولة في ضبط وتنظيم الموارد، تفاقمت الفوضى المائية من خلال تفشي الحفر العشوائي للآبار، وتسارع وتيرة استنزاف المخزون الجوفي (Carnegie Endowment, 2025).
وباختصار، لا تُختزل أزمة الأمن المائي في اليمن بمشكلة التوافر الكمي فقط، بل تتسع لتشمل أبعاداً نوعية ومؤسسية وعدالية، تتعلق بكفاءة التوزيع، ومدى إنصافه، وفعالية إدارة الموارد بين الفئات والمناطق. ولذلك، فإن معالجة الأزمة تتطلب رؤية شاملة تُدرج العدالة البيئية والاستدامة في صميم سياسات المياه في اليمن.
ت- التغير المناخي
يشير التغير المناخي إلى التحولات طويلة الأمد في أنماط الطقس ومتوسط درجات الحرارة الناجمة عن الأنشطة البشرية، ولا سيما احتراق الوقود الأحفوري وقطع الغابات. وتعرف اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، التغير المناخي بأنه “تغير في المناخ يُعزى بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى النشاط البشري الذي يبدّل تركيب الغلاف الجوي، ويضاف إلى التغير الطبيعي في المناخ على مدى فترات زمنية متماثلة” (UNFCCC,1992).
شهد العالم خلال العقود الأخيرة تسارعاً ملحوظاً في آثار التغير المناخي؛ إذ ارتفع متوسط درجة حرارة الأرض بنحو 1.1 درجة مئوية منذ نهاية القرن التاسع عشر، بينما بلغت الزيادة في اليمن حوالي 1.8 درجة مئوية خلال الخمسين عاماً الماضية (Sana’a Center, 2025). كما اختل نمط هطول الأمطار، فازدادت الغزارة في فترات قصيرة مسببةً فيضانات مدمرة، وتكررت فترات الجفاف الطويلة، ما انعكس على محافظات مثل حضرموت وصنعاء التي شهدت تراجعاً حاداً في منسوب المياه الجوفية وتدهوراً في الإنتاج الزراعي (Porter, 2023).
وتُعد الظواهر المناخية المتطرفة إحدى أبرز نتائج التغير المناخي في اليمن؛ إذ تزايدت موجات الحرّ والأعاصير والفيضانات خلال العقد الأخير، وخلّفت أضراراً واسعة على البنية السكنية والزراعية في محافظات المهرة وحضرموت والحديدة، كما أدى ارتفاع مستوى سطح البحر إلى تآكل السواحل وتسرب المياه المالحة إلى المياه الجوفية، خصوصاً في مدينتي عدن والحديدة، بينما تضرر التنوع الحيوي في أرخبيل سقطرى بفعل الأعاصير المتكررة Lackner & Al-Eryani, 2020))
ومن ثمّ، يتّضح أن التغير المناخي تهديدا شاملا للأمن الإنساني والاقتصادي والبيئي في اليمن، يزيد من هشاشة المجتمعات المحلية ويعمّق أزمات المياه والغذاء والصحة، ويضاعف آثار النزاع المسلح على حياة السكان وسبل عيشهم.
ث- الترابط بين العدالة البيئية والأمن المائي والتغير المناخي
يشكّل التغير المناخي عامل ضغطٍ إضافيّاً على الأمن المائي في اليمن، إذ يؤدّي إلى تفاقم موجات الجفاف وزيادة معدلات التبخّر، وتقليص تغذية المياه الجوفية، الأمر الذي يقرّب البلاد من عتبة الشحّ المطلق للمياه بحسب تقديرات البنك الدولي كما يعمّق التفاوت المناخي الجغرافي الأزمة، فبينما تتعرض مناطق كـ حضرموت والمهرة لسيول جارفة، تشهد المرتفعات الغربية تراجعاً مطرياً مستمرّاً، ما يهدد عدالة توزيع الموارد المائية (Porter, 2023).
إضافةً إلى ذلك، ينعكس التغير المناخي سلباً على القطاعات الاقتصادية وسبل العيش الزراعية والرعوية، مما يدفع السكان إلى النزوح من مناطق نضبت مواردها المائية نحو مناطق أكثر وفرة، مسبباً ضغوطاً إضافية على المجتمعات المستقبِلة (UNDP, 2025). وتبيّن هذه التحولات أن الأمن المائي لم يعد مجرد قضية إدارة موارد، بل أصبح مسألة عدالة بيئية ومناخية ترتبط بحقوق الإنسان والإنصاف الاجتماعي.
وفي هذا الإطار، تبرز العدالة المناخية كامتدادٍ طبيعيٍّ للعدالة البيئية إذ تتحمل الدول الفقيرة مثل اليمن عبئاً غير متناسب من آثار التغير المناخي رغم مساهمتها المحدودة في الانبعاثات (Lackner & Al-Eryani, 2020)، ومثلما يطالب مفهوم العدالة البيئية بمشاركة جميع الفئات المتضررة في صنع القرار، يطالب مفهوم العدالة المناخية بدعم مالي وتقني دولي متكافئ لتمكين الدول المتضررة (كاليمن) من التكيف مع آثار المناخ القاسية.
باختصار، يجدر دمج سياسات التكيف المناخي ضمن خطط إدارة المياه لضمان استدامة الموارد المائية؛ فمثلاً أدى غياب أنظمة فعّالة لجمع مياه الأمطار أو صيانة السدود إلى تفاقم مشكلة الفيضانات والجفاف. لذا فإن توسيع مفهوم العدالة البيئية ليشمل البعد المناخي يمثل شرطاً أساسياً لتحقيق رؤية تنموية مستدامة وأمن مائي شامل في اليمن(UNDP Yemen, 2025)
- الأمن المائي والعدالة البيئية في اليمن: تشخيص الواقع واتجاهات الإصلاح
سنناقش في هذا الجزء المحاور التحليلية الأساسية للبحث، والتي تشمل ستة مواضيع مترابطة تتناول الوضع البيئي والمائي في اليمن وتأثيرات النزاع، إضافة إلى استعراض التشريعات والتجارب الدولية ذات الصلة، وتساعد هذه المحاور في تفكيك مكونات الأزمة المائية والبيئية ضمن سياق النزاع اليمني، وتسليط الضوء على العدالة البيئية كمدخل إصلاحي.
8.1 الواقع البيئي والمائي في اليمن في ظل النزاع
شهد اليمن خلال سنوات النزاع المسلح (منذ 2015 حتى الآن) تدهوراً حاداً في الأوضاع البيئية وخدمات المياه، ما فاقم أزمة إنسانية مركّبة. ولتفسير ملامح هذه الأزمة من منظور العدالة البيئية، يمكن تناول أربعة أبعاد رئيسة: ندرة الموارد واستنزافها، ضعف الحوكمة البيئية، استهداف البنية التحتية واستخدام المياه كسلاح، ثم الآثار الصحية والديموغرافية المترتبة على ذلك.
8.1.1 الانهيار البيئي والعدالة المائية في ظل النزاع
ندرة الموارد المائية واستنزاف الأحواض الجوفية
تُعدّ اليمن من أكثر بلدان العالم شحّاً في المياه، إذ لا توجد فيها أنهار دائمة، وتعتمد نحو 90% من استخداماتها المائية على المياه الجوفية والأمطار وقد أدى الضخّ العشوائي للآبار إلى استنزاف خطير للمخزون الجوفي، وانخفاض مناسيب المياه، وازدادت بعد 2015 نتيجة غياب الرقابة (عمر، 2025)، ومع تراجع التغذية الطبيعية بفعل الجفاف، اقتربت البلاد من عتبة الندرة المطلقة للمياه، في ظل ضعف قدرة الدولة على ضبط الاستخراج وتنظيم الاستخدامات.
استهداف البنية التحتية المائية واستخدام المياه كسلاح
كان وضع خدمات المياه هشّاً حتى قبل الحرب، لكن النزاع دمّر ما تبقّى من منظومة الإمداد؛ فقد تعرضت منشآت المياه والسدود والخزانات وشبكات التوزيع للتدمير أو التوقف بسبب القصف وانقطاع الكهرباء وانعدام الوقود. في الحديدة، توقفت محطات المياه بفعل القتال، بينما انهارت شبكة المياه في عدن جزئياً بعد عام 2015، وخرج السكان في احتجاجات للمطالبة بتأمين حقهم في الماء (عمر، 2025). كما تعرّضت محطة مياه رئيسية في صعدة للقصف المتكرر، ودُمّر خزان قرب صنعاء كان يخدم أكثر من 30 ألف شخص في غارة عام 2016 ، إضافةً إلى ذلك أدى الحصار على المشتقات النفطية إلى تعطّل المضخات، مما جعل الوصول إلى المياه رهيناً بالقدرة المالية، وهو ما يجسد انهيار مبدأ العدالة المائية وغياب الخدمة العامة. (Yemen Science, 2020).
ومن جهة أخرى، تحولت المياه إلى أداة ضغط عسكرية وسياسية؛ إذ وثقت تقارير استخدام جماعة الحوثيين للمياه كوسيلة حصار على مدينة تعز عبر منع شاحنات النقل وقطع خطوط الإمداد (الشرق الأوسط، 2024)، في حين اتُهمت قوات موالية للحكومة بتحويل مجاري الأودية والمضخات لتغذية مناطق موالية على حساب أخرى، ما كرّس «لاعدالة قسرية» ترقى إلى عقاب جماعي بيئي (Barry et al., 2024).
تصاعد النزاعات المحلية حول المياه
ففي المناطق الريفية، تفجّرت خلافات بين القرى والقبائل حول الآبار وحقوق الري تشير التقديرات إلى أن 70–80% من النزاعات المحلية في اليمن تتصل بالمياه أو الأراضي الزراعية، ما يؤدي إلى سقوط آلاف الضحايا سنويا (الشرق الأوسط، 2024)، وهكذا تتغذى العلاقة الدائرية بين الحرب وأزمة المياه: فالحرب تدمر الموارد وتعمّق اللامساواة، فيما تولّد الأزمة نفسها صراعات جديدة، مما يجعل العدالة البيئية مدخلاً لكسر هذه الحلقة المفرغة وبناء سلام مستدام.
تأثيرات الحرب على الصحة والبيئة العامة
أدى تسرب النفايات الصلبة والسائلة إلى الموارد المائية، نتيجة غياب الصيانة وتعطيل شبكات الصرف، إلى ارتفاع حاد في معدلات التلوث، ما تسبب بتفشي أوبئة وأمراض خطيرة مثل الكوليرا (Al-Saad, 2020)، التي أثرت على أكثر من مليون شخص خلال الفترة بين 2017 و2019. وتشير بيانات ميدانية إلى أن ما نسبته 55% من مصادر المياه الجوفية والسطحية باتت غير صالحة للاستخدام البشري(Farhan, 2020).
النزوح والتغيرات الديموغرافية
أحدث النزاع تحولات ديموغرافية عميقة ذات أثر بيئي مباشر. فقد نزح ملايين اليمنيين من مناطق القتال أو الجفاف إلى مناطق أكثر أمناً في الجنوب أو الشمال، مما فرض ضغطاً هائلاً على الموارد. في عدن، ارتفع عدد السكان خلال سنوات قليلة، ما أرهق شبكات المياه والكهرباء، وخلق توترات بين السكان والنازحين (الشرق الأوسط، 2024). كما شهدت محافظات مارب وإب وذمار تدفقاً واسعاً للنازحين من المناطق القاحلة، ما أثار احتكاكات حول ملكية الأراضي واستخدام المياه.
هذا الواقع يطرح إشكالية العدالة التوزيعية: هل من المنصف أن تتحمل محافظة واحدة عبء إيواء عشرات الآلاف من النازحين العطشى؟ ومن يتحمل مسؤولية ضمان حقهم في الماء؟ هذه الظواهر تشير إلى أن أي معالجة لأزمة المياه يجب أن تراعي البعد الديمغرافي للنزاع، وتعمل على تخفيف الضغط عن المناطق المستضيفة عبر دعمها بموارد إضافية وخطط تنموية عاجلة، لتجنّب نشوء بؤر توتر جديدة تعمّق الانقسام البيئي والاجتماعي في البلاد.
يمكن القول إن الحرب في اليمن أوجدت حلقة مفرغة يتغذى فيها الدمار والحرمان بعضهما من بعض؛ فالنزاع دمّر البنية التحتية وأضعف المؤسسات، مما فاقم أزمات المياه والتلوث، وزاد من المعاناة والتوترات الاجتماعية، ليغذي الصراع مجدداً. ولن يُكسر هذا المسار إلا عبر استعادة الدولة وبناء السلام من جهة، ودمج مبادئ العدالة البيئية والاستدامة في إدارة الموارد الطبيعية من جهة أخرى، بما يضمن حوكمة رشيدة تحمي حق اليمنيين في بيئة سليمة ومستقبل مائي آمن.
8.1.2 الكوارث البحرية والتلوث الساحلي
شهدت السواحل اليمنية خلال العقدين الماضيين سلسلة من الكوارث البيئية البحرية، فاقمتها العمليات العسكرية في البحر الأحمر وخليج عدن والبحر العربي، والتي أسفرت عن غرق سفن وتسرب النفط والوقود وتراكم المخلفات الحربية في المياه الساحلية. ولا تقتصر آثار هذه الملوثات على الثروة السمكية والنظم البيئية فحسب، بل ستمتد مستقبلاً إلى إعاقة مشاريع تحلية مياه البحر ورفع كلفة تشغيلها، بما يهدد أحد أهم الخيارات الاستراتيجية لمواجهة ندرة المياه في اليمن.
شكل خزان النفط العائم “صافر قبالة سواحل الحديدة قنبلة بيئية موقوتة خلال الحرب، وهو ناقلة نفط قديمة تحتوي نحو 1.1 مليون برميل من النفط الخام، وظلّ دون صيانة منذ عام 2015 تحت سيطرة جماعة الحوثيين. ومع مرور السنوات، تصاعدت المخاوف من غرقه أو انفجاره، إذ كان تسرب كامل حمولته سيُخلّف كارثة تفوق بأربع مرات حادثة “إكسون فالديز” عام 1989، (Lackner & Al-Eryani, 2020)، ورغم نجاح عملية تفريغها في 2023، فإن المماطلة السابقة مثّلت ابتزازاً بيئياً، حيث استخدم الحوثيون الخزان كورقة تفاوض، وكاد الإهمال أن يلوث 500 كيلومتر من السواحل ويمسّ حياة ملايين اليمنيين (Mazzucco, 2025)
شنّت جماعة الحوثيين عشرات الهجمات على السفن التجارية وناقلات النفط في البحر الأحمر، خصوصاً عقب حرب غز منذ أواخر عام 2023 ، ما حوّل المنطقة إلى ساحة تهديد مزدوج بيئي وعسكري. ففي فبراير 2024، أصاب صاروخ حوثي السفينة MV Rubymar أغرقها قرب المخا، مما تسبب في بقعة نفطية امتدت لنحو 18 ميلاً وتسرب 200 طن من الوقود و80 طناً من الديزل، إضافة إلى 22,000 طن من الأسمدة، وهو ما أحدث خطراً مزدوجاً من التلوث النفطي والتكاثر الطحلبي الضار. وفي يونيو من العام نفسه، غرقت الناقلة MV Tutor بعد هجوم بطائرة مسيّرة، مخلفةً تسرب نفطي بطول 12 ميلا، كما تعرّضت الناقلة MT Sounion في أغسطس 2024 لهجوم بالصواريخ والطائرات المسيّرة أدى إلى حرائق استمرت أربعة أسابيع وانسكابات نفطية محدودة، بعد أن منعت الجماعة فرق الإنقاذ لفترة قبل أن تسمح بتدخل بعثة أوروبية لسحب الناقلة، التي لو تم اختراق هيكلها المزدوج لكانت سرّبت 150 ألف طن من النفط الخام، فيما كان سيُعدّ خامس أكبر حادث تسرب نفطي في التاريخ ، كذلك رُصدت بقع نفطية بطول 136 ميلاً بين اليمن وإريتريا بعد هجوم على ناقلة Chios Lion. وقد وُصفت هذه الحوادث بأنها جرائم بيئية متعمدة تهدد النظام البيئي الهش في البحر الأحمر المعروف بتنوعه الحيوي وشعابه المرجانية المقاومة للتغير المناخي. ومع ضعف القدرات اليمنية والإقليمية على الاستجابة لحوادث التلوث البحري، تبقى أي كارثة جديدة مرشحة للتفاقم في غياب تعاون إقليمي فعّال، الأمر الذي دفع منظمة برسقا (PERSGA) إلى الدعوة لدعم دولي عاجل لتعزيز الحماية البيئية للبحر الأحمر (Mazzucco, 2025) .
شهدت السواحل اليمنية خلال العقدين الأخيرين سلسلة من الكوارث البيئية البحرية التي تسببت بها التسربات النفطية، وفاقمتها الحرب. بدأت هذه الحوادث بانفجار ناقلة النفط الفرنسية ليمبورغ قرب ميناء الضبة في حضرموت عام 2002، الذي أدى إلى تسرب أكثر من 8,000 طن من النفط الخام وتلوث مساحات واسعة من البحر. تلاه في عام 2009 حادثا تلوث بحري في خليج عدن، ثم كارثة ناقلة الوقود شامبيون 1 عام 2013 قبالة المكلا، والتي تسببت بتسرب أكثر من 1,000 طن من المازوت امتد على طول 20 كم من الساحل، إلى جانب تلوث محمية الحسوة في عدن في العام نفسه. وفي عام 2015 جنحت ناقلتا وقود في أرخبيل سقطرى بفعل إعصار “ميغ”، مهددتين النظام البيئي النادر في الجزيرة، فيما شهدت سواحل عدن بين 2017 و2020 موجات متكررة من التلوث الناتج عن تسربات النفط والمخلفات الصناعية والطبية، وفي يوليو 2024، تكررت الكارثة بغرق سفينة وقود تابعة لشركة “عبر البحار” قبالة سواحل البريقة في عدن، مسببة تلوثاً واسعاً وصل إلى محمية الحسوة. تؤكد هذه الحوادث مجتمعة حجم الإهمال البيئي وضرورة اعتماد خطة وطنية عاجلة للاستجابة للتلوث البحري وتعويض المتضررين وحماية النظم الساحلية من الانهيار المستمر. (Yemen Future, 2021)
شهدت السواحل اليمنية انتشاراً واسعاً للألغام البحرية منذ 2017، ما أدى إلى تدمير قوارب صيد ومقتل صيادين، وتلوث مساحات واسعة من المياه بفعل المتفجرات وبقايا المعادن (ACLED, 2024; Mine Action Review, 2024). كما خلّفت الضربات الجوية الأميركية والإسرائيلية منذ أواخر عام 2023 أضراراً بيئية جسيمة جراء استهداف موانئ الحديدة ورأس عيسى ومنشآت خزن الوقود، حيث تسرّبت كميات من النفط والمواد الكيميائية إلى البحر الأحمر، مهددة النظام البيئي الهش والشعاب المرجانية النادرة الممتدة بين اليمن وإريتريا ((Swissinfo, 2024
وتشير تقارير حديثة إلى أن استمرار العمليات العسكرية في البحر الأحمر دون إجراءات وقائية أو تنسيق إقليمي يجعل خطر التلوث البحري في اليمن من أعلى المعدلات في المنطقة، مما يتطلب خطة استجابة وطنية شاملة تشمل: مسحاً دقيقاً للأضرار البيئية البحرية، وانتشال حطام السفن وتسرباتها وإزالة الألغام، وتعويض المجتمعات الساحلية والصيادين، ودمج البعد البحري ضمن العدالة البيئية في اليمن، لضمان المساءلة وعدم الإفلات من العقاب بحق من تسببوا بهذه الكوارث.
8.1.3 التلوث النفطي وآثاره على المياه الجوفية
يُعدّ القطاع النفطي في اليمن أحد أعمدة الاقتصاد، لكنه مثّل أيضاً أحد أخطر مصادر التلوث البيئي، ولا سيما تلوث المياه الجوفية والتربة. فقد أدّت ممارسات استخراج وإنتاج غير آمنة، وغياب الرقابة، إلى تدهور بيئي واسع أثّر على صحة المجتمعات المحلية ومواردها المائية.
ممارسات الحفر والإنتاج الملوِّثة المخالفة للقوانين والمعايير الفنية الصارمة على عمليات الحفر النفطي والتعامل مع المخلفات، إلا أن العديد من الشركات تجاهلتها لتقليل الكلفة مستفيدة من ضعف الرقابة، حيث كشف تقرير برلماني عام 2014 عن أكثر من 30 انتهاكاً بيئياً ارتكبتها 12 شركة نفط وغاز منذ مطلع الألفية، من بينها شركة Nexen الكندية العاملة في قطاع المسيلة (بلوك 14 و51)، متهماً الشركة بخلط سوائل الحفر الملوثة بالتربة وتركها في برك مكشوفة بدل معالجتها، مما تسبب في انتشار بقع نفطية سوداء غطت الرمال المجاورة للآبار. ووُصفت تلك الممارسات بأنها “إهمال وتعمد جنائي ضد البيئة” al-Waseai et al., 2023))
المياه المصاحبة وتسرباتها: عند استخراج النفط، تُنتج كميات كبيرة من المياه المصاحبة المحملة بمواد كيميائية وملوحة عالية. يُفترض إعادة حقنها في الطبقات العميقة أو معالجتها، لكن بعض الشركات لجأت إلى دفنها في حفر غير مبطنة. ففي مارس 2008، تسرّب نحو 4500 برميل من المياه المصاحبة في قطاع المسيلة (بلوك 14)، ملوِّثاً الأودية والمزارع المجاورة والأحواض المائية، أظهرت إفادات محلية انخفاض إنتاج القمح إلى الربع، بينما بقيت آثار التلوث لسنوات (al-Waseai et al., 2023)، وتحتوي هذه المياه غالباً على مواد سامة وربما مشعة مثل الراديوم، ما يجعلها خطراً دائماً على المياه الجوفية والتربة الزراعية.
الحفر غير العمودي: قامت بعض شركات التنقيب عن النفط بحفر الآبار بزاوية مائلة بدلًا من الحفر الرأسي، غير أن هذه الممارسة تترتب عليها آثار بيئية خطيرة، إذ قد تؤدي إلى اختراق الطبقات الحاملة للمياه الجوفية أو الاقتراب منها، بما يزيد من احتمالات تسرّب سوائل الحفر والمواد الكيميائية أو النفط إلى الخزانات المائية، مسببةً تلوثًا طويل الأمد يصعب احتواؤه أو معالجته، كما قد تُحدث هذه العمليات تشققات أو مسارات غير طبيعية بين الطبقات الجيولوجية، تؤدي إلى خلط المياه المالحة أو الملوثة بالمياه العذبة، وانخفاض منسوب المياه الجوفية أو تدهور جودتها، وتتفاقم هذه المخاطر في البيئات الهشّة، كاليمن، في ظل ضعف الرقابة المؤسسية وغياب التقييم البيئي الصارم، وهو ما أكدته تقارير أممية أشارت إلى تزايد مخاطر تلوث المياه الجوفية المرتبطة بالأنشطة الاستخراجية في سياق النزاع وضعف الحوكمة البيئية.
سرقة النفط: مع انسحاب الشركات الأجنبية خلال الحرب، تولّت شركات محلية وقوى نفوذ السيطرة على بعض الحقول، وظهرت ممارسات غير قانونية كالربط بين الآبار لسرقة النفط أو إعادة ضخه. مثل هذه العمليات، إلى جانب تفجير خطوط الأنابيب، أدت إلى تسربات نفطية خطيرة في مناطق مثل مأرب على خط الأنابيب المتجه إلى البحر الأحمر، مما سبّب تلوثاً للتربة والمياه السطحية (South24, 2021).
الأثر الصحي والبيئي للتلوث النفطي: تُعد المياه الجوفية المصدر الرئيسي لأكثر من 70% من استخدامات المياه العذبة في اليمن، لذا فإن تلوثها يمثل خطراً وجودياً على الأمن المائي والصحي. رُصدت في مناطق الإنتاج – خاصة شبوة، حضرموت، ومأرب — مستويات مرتفعة من الملوثات النفطية في مياه الشرب القروية. أظهرت دراسة ميدانية في حضرموت عام 2019 ارتفاع تركيز المعادن الثقيلة التميمي وآخران، 2019)، وأفاد السكان بزيادة أمراض السرطان والكلى (Lackner & Al-Eryani, 2020)، وأكد الدكتور عبد القادر الخراز أن التلوث النفطي “يترك أثراً طويل المدى في التربة والمياه الجوفية ويدمر الأراضي الزراعية (South24, 2021).
يمثل تلوث المياه الجوفية في اليمن وجهاً خفياً من الكارثة البيئية التي خلّفها النزاع. إنه تلوثٌ بطيء لكنه عميق الأثر، يهدد الأمن المائي والصحي والغذائي للأجيال القادمة. ولن تتحقق العدالة البيئية الحقيقية ما لم يُحاسب الملوثون، وتُعالج الأضرار بيئياً وصحياً، ويُعاد الاعتبار لحق الإنسان اليمني في مياه نقية وبيئة سليمة لا تُستغل كضحيةٍ للربح أو للحرب.
8.2 مبادئ العدالة البيئية
بعد تشخيص الاختلالات الحالية، ينتقل البحث في هذا المحور إلى شرح مبادئ العدالة البيئية وكيف يمكن تطبيقها كمعايير تقييم وكأساس لإصلاح سياسات المياه. سنستعرض أربعة مبادئ رئيسة ونربط كل منها بالوضع اليمني:
الإنصاف: يعني توزيع المنافع البيئية وأعبائها بعدلٍ أفقيّاً بين الفئات والمناطق، وعموديّاً بين الأجيال المتعاقبة. في اليمن، تَركّزت الخدمات المائية غالباً في المدن على حساب الأرياف، وتفاقم تفاوتها أثناء الحرب (Carnegie Endowment, 2025). ونتج عن ذلك فقرٌ مائيٌّ مدقع في مناطق ريفية تعتمد على شراء المياه بأسعار مرتفعة على سبيل المثال عزلة الفراعي بمديرية حبيش بمحافظة إب، وحرمان مدن محاصرة من مواردها كما هو الحال مع مدينة تعز) الشرق الأوسط، 2022) ويقتضي الإنصاف إقرار أولوية دائمة لمياه الشرب والاستخدام المنزلي على أي استعمال آخر، وحماية «حصة الأجيال القادمة» عبر ضبط الضخ وإعادة تغذية الأحواض، والاعتراف التشريعي بالحق في الماء، أسوةً بتونس والمغرب، مع التزامٍ عملي بتأمين حدٍّ أدنى متساوٍ (International Alert, 2023).
المشاركة: تعني إشراك جميع أصحاب المصلحة—وخاصة الفئات المتضررة—في صنع القرار وإدارة الموارد. وقد أدت المركزية المفرطة في اليمن إلى ضعف ملاءمة المشاريع واستدامتها، بينما أثبتت النهوج التشاركية (مثل برامج الصندوق الاجتماعي للتنمية) فعالية أعلى عند تصميمها محلياً 2020)، أبو طالب)، الأمر الذي ينبغي معه تمكين النساء—الأكثر تحمّلاً لأعباء جلب المياه—بنسبة تمثيلٍ لا تقل عن 30% في لجان إدارة المياه، وتفعيل جمعيات مستخدمي المياه وإسنادها قانونياً ومادياً، وإنشاء لجان أهلية لتنظيم أدوار الري وحلّ النزاعات ودياً، وإدماج المشاركة البيئية ضمن مسارات بناء السلام لبناء الثقة المدنية.
الشفافية: تقوم على إتاحة بيانات المياه والبيئة بصورةٍ علنية ومنتظمة، وهي ركيزة الحوكمة الرشيدة. تعاني اليمن من نقصٍ حاد في قواعد بيانات محدثة حول الاستخراج والمخزونات، ما يُبقي الاستنزاف غير منظور ويُضعف الرقابة المجتمعية (International Alert, 2023).، ويتطلب ذلك نشر تقارير فصلية عن مناسيب الأحواض وكميات الضخ، وإصدار «خرائط العدالة المائية» التي تُظهر توزيع المشاريع والتمويلات، وسنّ تشريع «الحق في الحصول على المعلومات البيئية»، ودعم تحقيقاتٍ صحفية مستقلة لكشف المخالفات والهيمنة غير العادلة على الموارد.
المساءلة والمحاسبة: تعني وجود آليات قانونية وإدارية لمحاسبة مُسيئي استخدام الموارد والملوِّثين وتعويض المتضرّرين. وقد ساد الإفلات من العقاب في المخالفات البيئية (حفرٌ عشوائي، تلويثٌ للمنابع) خلال سنوات النزاع، مما يستدعي معه تعزيز الإطار القانوني والمؤسسي للمساءلة من خلال إنشاء غرف/محاكم بيئية متخصّصة وتفعيل «شرطة المياه»، وتقنين مبدأ «الملوِّث يدفع» مع جداول تعويض ومعالجة إلزامية، وتمكين آليات عرفية منضبطة بحقوق الإنسان للمراقبة في المناطق النائية، وتضمين الانتهاكات البيئية الجسيمة ضمن آليات العدالة الانتقالية (كشف الحقيقة، التعويض، ضمانات عدم التكرار)، والتذكير بأن استهداف منشآت المياه أو حرمان المدنيين منها قد يُصنّف جريمة حرب وفق القانون الدولي الإنساني
تترابط هذه المبادئ مع بعضها فالمشاركة تُعزّز الشفافية، والإنصاف لا يتحقق دون مساءلة، والشفافية تمكّن المجتمع من الرقابة. وفي السياق اليمني، تُكيَّف الأدوات مع الواقع المحلي عبر تمكين المجتمعات والنساء والشباب، وإسناد القضاء، وتعميم البيانات المفتوحة، بما يحوّل إدارة المياه من مجال نزاعٍ وامتياز إلى عقدٍ اجتماعي بيئي عادل ومستدام.
8.3 تحليل التشريعات ومدى فعاليتها: الأمن المائي بين السياسات والحقوق
يمتلك اليمن ترسانة تشريعية بيئية ومائية متقدمة نسبياً من حيث النصوص، لكنها ظلت محدودة الفاعلية في الممارسة العملية، بل تدهورت بشكل حاد خلال سنوات النزاع.
الإطار القانوني والمؤسسي: مثّل قانون حماية البيئة رقم (26) لعام 1995 الإطار العام للسياسة البيئية في البلاد، حيث أنشأ مجلس حماية البيئة ومنحه صلاحيات واسعة لحماية الموارد الطبيعية ومنع التلوث، ونصّ على إلزامية إعداد دراسات تقييم الأثر البيئي قبل منح تراخيص المشاريع التنموية. ومع ذلك، ظلّ تطبيقه محدوداً بسبب ضعف التنسيق المؤسسي، ونقص الكوادر الفنية، وشح التمويل، مما جعله أقرب إلى إطار نظري رغم بعض الإنجازات البارزة مثل إنشاء محميات سقطرى وإصدار تقارير حالة البيئة.
أما قانون المياه رقم (33) لعام 2002 (وتعديلاته)، فقد مثّل إطار تشريعي شامل لتنظيم وتنمية وترشيد استغلال الموارد المائية، وحمايتها من الاستنزاف والتلوث، ورفع كفاءة استخدامها، وتحسين آليات نقلها وتوزيعها، إلى جانب صيانة وتشغيل منشآتها المائية. كما أكد القانون على أهمية إشراك المنتفعين في إدارة الموارد في مختلف مراحل تنميتها واستثمارها وحمايتها، كما نصّ على إنشاء الهيئة العامة للموارد المائية كجهة مركزية لتنظيم القطاع، وحدد ضوابط حفر الآبار، وآليات حماية الأحواض الجوفية.
غير أن فاعليته تعثّرت نتيجة ضعف الرقابة المؤسسية وتراجع حضور الدولة، مما أدى إلى انتشار الحفر العشوائي للآبار، لا سيما في المناطق القبلية التي ظلت تحكمها أعراف محلية أقوى من الإطار القانوني الرسمي، وهو ما أضعف من قدرة الدولة على ضبط استنزاف المياه الجوفية وتنفيذ السياسات المقررة.
وفي الإطار البحري، جاء قانون حماية البيئة البحرية من التلوث رقم (11) لعام 1993 ليحظر تلويث البحر من السفن والمنشآت النفطية والساحلية، ومنح الهيئة العامة للشؤون البحرية صلاحيات الضبط والمطالبة بالتعويض. إلا أن تطبيق هذا القانون تطلّب إمكانات تقنية ومؤسسية لم تكن متوفرة بصورة كافية، خصوصاً مع توسّع الأنشطة البحرية والنفطية. كما نظم قانون النظافة العامة رقم (39) لسنة 1999 إدارة النفايات ومنع الإلقاء العشوائي أو الحرق في الأراضي الزراعية ومجاري السيول، مع الحد من استخدام الأكياس البلاستيكية غير القابلة للتحلل، لكنه هو الآخر واجه تحديات في التنفيذ على المستوى المحلي.
وعلى الصعيد الدولي، انضم اليمن إلى عدد من الاتفاقيات البيئية متعددة الأطراف، منها اتفاقية التنوع البيولوجي، واتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ، واتفاقية مكافحة التصحر، واتفاقية ماربول لمنع التلوث البحري، غير أن تحويل هذه الالتزامات الدولية إلى سياسات وتشريعات وطنية ظل بطيئاً ومتقطعاً، ما عرقل بناء منظومة قانونية بيئية متكاملة.
كما مثّلت مخرجات مؤتمر الحوار الوطني (2013) محطة مهمة، إذ تضمنت مقترحات لإدراج الحق في الماء والبيئة السليمة ضمن مشروع الدستور الجديد، وهو ما يُعد نواة مبكرة للاعتراف بالحقوق البيئية والمائية كحقوق دستورية أصيلة.
أما على المستوى المؤسسي، فقد أُنشئت وزارة المياه والبيئة عام 2003 لتوحيد إدارة الموارد المائية والبيئية تحت مظلة واحدة بعد أن كانت مشتتة بين قطاعات مختلفة. كما أنشئت عدد من الهيئات التابعة لها مثل الهيئة العامة للموارد المائية، وهيئة مشاريع مياه الريف، وقد أطلقت الوزارة الاستراتيجية الوطنية الأولى للمياه للفترة (2004–2005) بدعم من المانحين، بهدف تحسين خدمات المياه والصرف الصحي وتوسيع استخدام تقنيات الري الحديث. غير أن تقييمها أظهر نجاحاً محدوداً، إذ توسعت الشبكات قليلاً حتى عام 2010 لكنها فشلت في الحد من الاستنزاف الجوفي. كما أُعدت استراتيجية تحديث (2011–2015) لم تُستكمل بسبب الحرب. لتبقى الإشكالية الرئيسة في غياب الاستدامة المؤسسية وضعف الربط بين السياسات البيئية والمائية ضمن رؤية وطنية موحدة.
قصور التطبيق المؤسسي للتشريعات المائية: ورغم متانة الإطار القانوني، ظلت فعالية التطبيق محدودة بفعل عدة عوامل متشابكة. فضعف التمويل مثّل عائقاً رئيسياً، إذ كان قطاع المياه يعتمد بنسبة تقارب 45% من موازنته على دعم المانحين قبل الحرب، ثم توقفت تلك المساعدات مع اندلاع النزاع. كما أدى تضارب الصلاحيات بين وزارتي المياه والزراعة إلى ازدواجية السياسات وغياب التكامل في إدارة الموارد المائية. أما على المستوى الاجتماعي، فقد كانت الأعراف القبلية في ملكية واستعمال المياه أقوى من القوانين الحديثة، مما أعاق تنفيذ الإجراءات القانونية في الأرياف. ونتيجة لذلك، تكوّنت بيئة غير مواتية للحكم الرشيد للمياه اتسمت بلامساواة في توزيع الخدمات، حيث استفادت النخب والمناطق المركزية من المشاريع المائية، بينما بقيت المناطق الريفية والنائية محرومة من المياه، على نحو يشبه التفاوت المناطقي الذي واجهته تجارب دولية مثل تونس والمغرب (Carnegie Endowment, 2023). ، تُظهر هذه العوامل أن المشكلة في اليمن لم تكن في غياب القوانين، بل في غياب القدرة المؤسسية والإرادة السياسية لتطبيقها، ما جعل العدالة البيئية والأمن المائي أقرب إلى الطموح النظري منها إلى الواقع العملي.
الحوكمة المائية أثناء النزاع (2015–2025): أدّت الحرب الممتدة منذ عام 2015 إلى انهيار منظومة الحوكمة البيئية والمائية في اليمن، وتفكك مؤسسات الدولة بين سلطتين متنازعتين في صنعاء وعدن، ما تسبب بازدواجية في الهياكل الإدارية وتضارب الصلاحيات وتسييس توزيع المشاريع المائية والخدمات العامة. وقد اعترف مسؤولو وزارة المياه في الحكومة الشرعية بتراجع قدرة المؤسسات على تقديم الخدمات الأساسية نتيجة تدمير البنية التحتية، ونقص التمويل، وارتفاع تكاليف التشغيل (Aawsat, 2023).
كما توقفت أغلب القوانين واللوائح البيئية والمائية عن التطبيق، وتراجعت الرقابة على حفر الآبار والاستخدامات الجوفية، حتى باتت تجارة المياه الخاصة تزدهر دون تنظيم أو مساءلة، خصوصاً في المدن الكبرى. كما انكمش دور الجهاز القضائي والرقابي، وغابت آليات المحاسبة عن المخالفات البيئية، فيما تحوّل التحكم في الموارد المائية إلى أداة نفوذ سياسي وعسكري تديرها سلطات الأمر الواقع وفق موازين القوة لا وفق مبادئ العدالة والاستدامة.
في المقابل، ظهرت مبادرات مجتمعية محلية في عدد من المحافظات، بدعم من منظمات دولية كبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (Yemen Science, 2020)، لتشكيل لجان مجتمعية لإدارة شبكات المياه المحلية وتنظيم التوزيع، وهي مبادرات محدودة لكنها جسّدت نواة لنهج الإدارة التشاركية القائم على الوعي المحلي والاعتماد على الذات. كما دعمت الأمم المتحدة إعداد استراتيجية وطنية جديدة للمياه للفترة (2025–2030) بالتعاون مع وزارة المياه في عدن، بهدف الربط بين العمل الإغاثي والتنموي وتعزيز كفاءة استخدام الموارد المائية في ظل المتغيرات المناخية (Aawsat, 2024) .
ورغم هذه الجهود الجزئية، ما تزال الفجوات الهيكلية واسعة؛ فالقوانين غير مفعّلة، وآليات التظلّم البيئي غائبة، والمركزية السابقة استبدلت بفوضى مؤسسية أثناء الحرب، وانعدام البيانات الحديثة زاد من صعوبة التخطيط. إذ لم تُجرِ اليمن أي قياسات مطرية أو هيدرولوجية دقيقة منذ عام 2014 (Yemen Science Net, 2023)، ما جعل التخطيط المائي يعتمد على تقديرات غير دقيقة. كما هيمن منطق الاستجابة الطارئة على حساب التخطيط الاستراتيجي، فبقيت الجهود محصورة في الحلول قصيرة المدى بدل معالجة الأسباب الجذرية للأزمة.
اتجاهات الإصلاح: يستشف مما سبق أن التشريعات البيئية والمائية، رغم طموحها النظري، لم تُترجم إلى نتائج عملية بسبب غياب الإرادة السياسية وانهيار مؤسسات الدولة، وتشتت إدارة الموارد. وحتى المبادرات الإيجابية، مثل انضمام اليمن إلى اتفاق باريس للمناخ (2018) أو إدراج البُعد البيئي ضمن خطط التعافي الاقتصادي، ظلت دون ترجمة واقعية على مستوى السياسات والبرامج.
ومن ثمّ، فإن استعادة الحوكمة المائية العادلة في اليمن تتطلب إصلاحاً مؤسسياً عميقاً يقوم على إعادة بناء مؤسسات قوية وشفافة، وربط العدالة البيئية بمسار شامل لإعادة الإعمار وبناء السلام. ويتجه الإصلاح المنشود نحو تحديث التشريعات لتكريس مبادئ العدالة البيئية والحق في الماء والمعلومة والمشاركة، وتوحيد الجهات المعنية في منظومة مؤسسية مستقلة وفعّالة. كما يتطلّب تعزيز القدرات الفنية والقضائية بإنشاء محاكم بيئية وآليات تظلّم شفافة، وتفعيل مبدأ “الملوِّث يدفع” لتغذية صندوق وطني لإعادة التأهيل البيئي. ويُعدّ تمكين المجتمعات المحلية من إدارة مواردها المائية والرقابة على استخدامها خطوة جوهرية لترسيخ اللامركزية والشفافية.
8.4 التجارب المقارنة:
تُظهر التجارب الدولية أن دمج العدالة البيئية بالأمن المائي ممكن وفعّال حتى في السياقات الخارجة من نزاعات، ضمن أطر العدالة الانتقالية. فقد عالجت دول عدة الأضرار البيئية بوصفها جزءاً من إرث الصراع، عبر إدماجها في اتفاقات السلام، وآليات الحقيقة، وبرامج جبر الضرر، والمسـاءلة القضائية، إلى جانب الإصلاحات التشريعية والمؤسسية. وتؤكد هذه التجارب أن تجاهل البعد البيئي يُعيد إنتاج اللامساواة ويُغذّي النزاعات، بينما يساهم إدماجه في تعزيز الإنصاف، ومنع التكرار، وبناء سلام مستدام.
أ) إدماج البعد البيئي في اتفاقات السلام
أدرجت بعض اتفاقات السلام الحديثة البيئة كرافعة لبناء السلام المستدام. فقد نصّ الاتفاق النهائي في كولومبيا (2016) في ديباجته ومضامينه على رؤية تُعلي حماية الطبيعة والتنوع الحيوي، وأقرّ بالآثار الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية للصراع، وربط برامج الإصلاح الريفي والمياه والإسكان واستعادة الأراضي بالاستدامة، مع تحميل “فارك” مسؤولية المساهمة في معالجة الأضرار عبر أعمال إعادة الإعمار، وإزالة الألغام، ومكافحة الزراعة غير المشروعة، وإصلاح الضرر البيئي (Colombian Peace Agreement, 2016)، وبالمثل، اعتبرت اتفاقية السلام في السودان (2020) الاستدامة البيئية ركيزة لبناء السلام، ودعت لمعالجة الأضرار البيئية التاريخية، وتعزيز الاستخدام العادل والمستدام للموارد، وإنشاء أطر قانونية ومؤسسية للحد من النزاعات القائمة على الموارد والاستجابة للتدهور البيئي وتغير المناخ(Juba Agreement for Peace in Sudan, 2020)
ب) توثيق الأضرار البيئية
تُعد الحقيقة شرطاً للإنصاف ومنع الإنكار، ويمكن أن تشمل توثيق الأضرار البيئية كجزء من سجل الصراع. في كولومبيا، ضُمِّنت “الحقوق البيئية” ضمن نطاق عمل لجنة الحقيقة (Comisión de la Verdad, n.d.)، وتناولت تقاريرها إزالة الغابات والتلوث وتدمير النظم البيئية والمواقع المقدسة، وربطت السلام باحترام حقوق الإنسان والطبيعة، وأوصت بتدابير إصلاحية لمعالجة أضرار الإنسان والأرض والبيئة
كما نصّ الإطار السوداني على إنشاء لجنة الحقيقة على التحقيق في الانتهاكات بما فيها الحقوق البيئية (Juba Agreement for Peace in Sudan, 2020) ، وفي تونس عبر تقرير هيئة الحقيقة والكرامة الذي اعترف بالأضرار البيئية واعتمد توصيات تعالج الانتهاكات التي طالتها(هيئة الحقيقة والكرامة، 2019، 383/385) وحدّد قانون العدالة الانتقالية “مناطق” كضحايا الى جانب الأفراد والمجموعات (الجمهورية التونسية، 2013، المادة 10).
ج) جبر الضرر عن الأذى البيئي
يمكن لبرامج جبر الضرر أن تمتد إلى الأفراد والمجتمعات والمناطق المتضررة بيئياً، عبر التعويض، وإعادة التأهيل، ومشاريع البنية التحتية والخدمات. من ذلك: الاعتراف في السودان بحق الأفراد والمجتمعات في المطالبة بتعويضات عن الأضرار البيئية وتدهور الأراضي وأضرار الممتلكات (Juba Agreement for Peace in Sudan, 2020). وفي كولومبيا، الزم قانون جبر الضرر الحكومة بإعادة النازحين بسبب الأضرار البيئية الى أراضيهم مع الاعتراف بحقهم في الملكية (Sana’a Center, 2025) وفي تونس، تبنّت الهيئة مفهوماً واسعاً للضحية وأوصت بتعويضات بيئية مناخية للمناطق المهمشة وربطها بتحسين النفاذ للمياه والصرف الصحي والبيئة الصحية (هيئة الحقيقة والكرامة، 2019، 383/385)
د) الملاحقات القضائية
تُظهر التجربة الكولومبية قابلية إدماج البيئة في المساءلة ضمن العدالة الانتقالية: فقد ركزت الولاية القضائية الخاصة للسلام (JEP) في حكمها بقضية كاوكا على تحليل “التدهور البيئي” الناتج عن أنشطة مثل التعدين غير القانوني وزراعة الكوكا، وحملت جماعات مسلحة مسؤولية الضرر الذي لحق بالنظم البيئية، معتبرة أن العدالة الانتقالية تشمل البعد البيئي كعنصر من حقائق النزاع (ICRC Casebook, n.d.). وفي قرارات لاحقة، طالبت JEP بأن “العدالة الانتقالية هي أيضاً عدالة بيئية”، معتبرة أن الضرر البيئي الناتج عن النزاع يمكن أن يرتقي إلى جرائم حرب، رغم وجود خلافات قانونية داخل المحكمة حول كيفية تأطيره (Bermúdez Liévano, 2023). كما تسهم التوجهات الحديثة في JEP في إبراز البيئة كمنطقة تضررت بسبب النزاع وتتطلب مساءلة وإصلاحاً شمولياً.
و) الإصلاح القانوني والمؤسسي
تتجه نماذج مقارنة إلى دسترة الحق في بيئة سليمة وإقرار واجبات الدولة في منع التلوث وإدارة الموارد، مع آليات مشاركة مجتمعية. كما يُشار إلى تجارب إنشاء مجالس أو لجان للاستدامة وحقوق الأجيال القادمة، وآليات لرصد المخاطر البيئية.
حيث نصّ الدستور التونسي لعام 2014 على الحق في الماء لكل مواطن (International Alert, 2023). ، إلا أن هذا الاعتراف لم يترجم بالكامل إلى سياسات فعالة، إذ ما تزال مناطق داخلية مثل القصرين تعاني نقص المياه الصالحة للشرب، ما أدى إلى احتجاجات “العطش (Vigers & Sager, 2023) ودفع الحكومة للاستجابة لها وتوسيع مشاريع البنية التحتية وإشراك المجتمع المدني في مبادرات توعوية وتنموية، مثل مشروع “الماء كرامة” الذي نظّمته منظمات محلية بالتعاون مع البلديات (International Alert, 2023). ويجري حالياً إعداد قانون جديد للمياه لترجمة الحق الدستوري إلى التزامات تنفيذية.
أما المغــرب فيُعد نموذجاً إقليمياً في إدارة الموارد المائية، إذ أطلق “الخطة الوطنية للماء 2020–2050” وبرنامجاً عاجلاً 2020–2027 بدعم من البنك الدولي (World Bank, 2023). ترتكز الاستراتيجية على إصلاح المؤسسات وتعزيز الشفافية وبناء السدود ومحطات التحلية وإعادة استخدام المياه المعالجة (MoroccoBeat, 2025; Ropur, 2024) وتهدف الخطة إلى تغطية 50% من حاجات مياه الشرب عبر التحلية بحلول عام 2030، وتقليل فاقد الشبكات بنحو 25 مليون متر مكعب سنويا (World Bank, 2023). كما تعتمد سياسة “التضامن المائي” بنقل المياه من الأحواض الغنية إلى مناطق العجز.
وفـي روانــدا شكّلت الحوكمة التشاركية حجر الزاوية في إعادة بناء قطاع المياه بعد الإبادة، إذ أُنشئ مجلس الموارد المائية عام 2020 لتنظيم الأحواض المائية ومنح تصاريح الاستخدام بشكل عادل ومستدام (Government of Rwanda, 2023) ونفذت مشاريع حصاد مياه وأقامت مئات السدود الصغيرة، إلى جانب مشروع “Water for Growth” بالتعاون مع هولندا (2015–2018) الذي وضع خططاً وطنية لإدارة الموارد حتى عام 2050 (Climate Change Rwanda, 2022). كما عززت الدولة مشاركة المرأة والمجتمع المحلي في التخطيط البيئي، وأطلقت يوم “أوموجاندا” الشهري للعمل التطوعي البيئي.
فيما تُعدّ دلتا النيجر من أكثر مناطق العالم تلوثاً بالنفط، حيث وثّق تقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة عام 2011 مستويات خطيرة من تلوث المياه والتربة وأوصى بخطة تنظيف عاجلة، من أجل ذلك أنشأت هيئة HYPREP عام 2016 بتمويل مليار دولار من الحكومة وشركات النفط، إلا أن التنفيذ بقي بطيئاً وغير شفاف؛ فحتى عام 2020 لم يُنجز سوى 11% من أعمال التنظيف ومع ذلك أدت الضغوط القضائية إلى أحكام دولية ضد شركة Shell في محاكم هولندية، ما شكّل سابقة مهمة في ربط العدالة البيئية بالمساءلة القانونية العابرة للحدود. (Amnesty International, 2020).
- رؤية مقترحة لإطار وطني للعدالة البيئية يعزز الأمن المائي
استناداً إلى تحليل الواقع البيئي والمائي في اليمن، والاختلالات التشريعية والمؤسسية، والدروس المستفادة من التجارب المقارنة، يمكن اقتراح إطار وطني للعدالة البيئية يهدف إلى تعزيز الأمن المائي في سياق النزاع وما بعده. وترتكز هذه الرؤية على مجموعة من المحاور المترابطة، هي:
- تكريس الحقوق البيئية والمائية في البناء الدستوري والقانوني بالاعتراف الصريح بالحق في الماء والبيئة السليمة كحقوق أساسية في الدستور وأي اتفاق سلام قادم، وربطهما بمبادئ المساواة وعدم التمييز والإنصاف بين الأجيال. ويستلزم ذلك إدماج مبادئ العدالة البيئية والتكيّف المناخي في التشريعات البيئية والمائية، وتحديث القوانين بما يعكس هذه المكانة الدستورية.
- بناء الحوكمة البيئية والمائية على أسس استقلالية وتشاركية من خلال توحيد البنية المؤسسية المنقسمة، وتطوير نموذج للحوكمة يعتمد على استقلالية المؤسسات البيئية والمائية، ووضوح الصلاحيات، والمساءلة أمام المجتمع والسلطة التشريعية. وتشمل الرؤية تعزيز اللامركزية في إدارة الموارد، وتمكين السلطات المحلية من التخطيط والتنفيذ ضمن إطار وطني منسّق وشفاف.
- دمج العدالة البيئية في مسارات السلام والعدالة الانتقالية وإعادة الإعمار باعتبار الأضرار البيئية جزءاً من إرث الانتهاكات المرتبطة بالنزاع، ومن ثمّ ضرورة إدراجها ضمن آليات العدالة الانتقالية من حيث كشف الحقيقة، وجبر الضرر، وضمانات عدم التكرار. كما يستلزم الأمر ربط برامج إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي بمعايير الاستدامة البيئية والإنصاف في توزيع المشاريع والموارد المائية بين المناطق والمجتمعات المتضررة.
- تمكين المجتمعات المحلية والفئات الهشة بوصفهم فاعلين في إدارة الموارد، ولا سيما النساء والشباب وسكان المناطق الريفية والمهمّشة، في التخطيط وإدارة الموارد المائية والبيئية، من خلال أطر تنظيمية تضمن مشاركتهم في اتخاذ القرار، وتعزز قدرتهم على مراقبة الأداء المؤسسي والمطالبة بالحقوق، وتدعم الآليات المحلية للتعاون والتسوية في النزاعات المتعلقة بالمياه.
- تبنّي مسار تحوّل بيئي–مناخي طويل بوصف الأمن المائي بوصفه تحدياً بنيوياً لا يمكن فصله عن التغير المناخي والاستنزاف المتسارع للموارد. ولذلك تدعو إلى سياسات بعيدة المدى تشمل تحسين كفاءة الاستخدام المائي، تطوير تقنيات حصاد المياه والري الحديث، الحد من الزراعات المستنزفة، وإدماج البعد المناخي في خطط التنمية المستدامة، مع تعزيز التعاون الدولي في إطار العدالة المناخية.
تهدف هذه الرؤية في مجملها إلى إعادة صياغة العلاقة بين اليمنيين وبيئتهم على أسس الإنصاف والاستدامة، بحيث لا يتحمل أي مجتمع عبء التلوث أو الحرمان المائي وحده. فالعدالة البيئية ليست مسألة خدمات أو بنى تحتية فحسب، بل هي ركيزة للسلام الاجتماعي والعقد الوطني الجديد؛ لأنها تُعيد توزيع الموارد بشكل عادل، وتدعم التكيف المناخي، وتقلل أسباب النزاع. ومن ثمّ، فإن دمج العدالة البيئية في عملية إعادة الإعمار هو الطريق نحو بناء يمن مستقر وآمن مائياً وجيلياً.
- الخـــــــاتمــــة
يمثّل هذا البحث محاولة لبلورة فهم معمّق للعلاقة بين العدالة البيئية والأمن المائي في اليمن، في ظل سياق معقّد تجمعه عوامل النزاع المسلح، وضعف الحوكمة، والتغيرات المناخية المتسارعة. وقد أظهر التحليل أن الأزمة المائية ليست مجرد أزمة موارد طبيعية ناضبة، بل هي انعكاس لبنية سياسية واقتصادية واجتماعية أنتجت مظاهر واسعة من عدم المساواة، وعمّقت هشاشة الفئات الأكثر تضرراً، وقيّدت قدرة الدولة والمجتمع على التكيّف مع المخاطر البيئية.
كما بيّن البحث أن العدالة البيئية ليست إطاراً تقنياً لإدارة الموارد فحسب، بل هي مقاربة شاملة تعيد الاعتبار لحقوق الإنسان، وتضمن التوزيع العادل للمنافع والأعباء البيئية، وتمنح المجتمعات المحلية موقعاً مركزياً في عملية صنع القرار. وبذلك، فإن إدماجها في مسارات السلام والعدالة الانتقالية يُعد خطوة أساسية نحو معالجة إرث التلوث والحرمان المائي، ومنع تجدد النزاعات، وتعزيز الثقة بين المواطن والدولة.
كما أوضح التحليل أيضاً أن الواقع البيئي اليمني يمنح هذا الموضوع أهمية خاصة؛ إذ تعيش البلاد إحدى أسوأ الأزمات المائية عالمياً، بينما تتجه آثار التغير المناخي والنزاع إلى مزيد من التعقيد. كما كشفت المقارنات الدولية أن العدالة البيئية يمكن أن تشكّل رافعة فعّالة لإعادة الإعمار وإرساء سلام مستدام، متى توفرت الإرادة السياسية والحوكمة الرشيدة.
وبناءً على ما سبق، يسعى هذا البحث إلى تقديم إطار منهجي لفهم الأزمة، ورؤية استراتيجية لمعالجتها، ومجموعة من التوصيات العملية القابلة للتنفيذ، بما يساعد صانعي القرار والباحثين والفاعلين المحليين والدوليين على تطوير سياسات أكثر عدالة وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.
وفيما يلي أبرز النتائج والتوصيات التي خلص إليها البحث:
- النتائج
خلص البحث، إلى مجموعة من النتائج الرئيسة التي تفسّر أبعاد الأزمة وتوجّه نحو مسارات الحل، وذلك على النحو الآتي:
أ) تبين أن أزمة المياه في اليمن أزمة مركّبة ناتجة عن تفاعل ثلاثة عوامل: النزاع المسلّح، وسوء إدارة الموارد وغياب التخطيط، وآثار التغير المناخي من ارتفاع درجات الحرارة وتكرار الجفاف والفيضانات. وقد أسهم هذا التفاعل في تراجع حاد في توافر المياه واتساع فجوات عدم المساواة بين المناطق الحضرية والريفية.
ب) تكشف الدراسة عن تمركز المظالم البيئية في مناطق محددة، خصوصاً مناطق الإنتاج النفطي والسواحل، حيث تتحمل المجتمعات المحلية عبئاً غير متكافئ من التلوث وتدهور التربة والمياه. وفي المقابل، تعاني مناطق واسعة من حرمان مائي مزمن في ظل استمرار فئات نافذة في الوصول الأفضل إلى الموارد. وهذا التفاوت يشكّل عنصراً مهدِّداً للاستقرار، ويجعل معالجة المظالم البيئية شرطاً لتحقيق سلام عادل.
ت) رغم وجود ترسانة تشريعية بيئية ومائية ذات طابع تقدمي، إلا أنّ الانقسام المؤسسي، وضعف أجهزة الرقابة، وضعف القضاء والنيابات المتخصصة خلال سنوات الحرب، جعل تلك التشريعات عاجزة عن التطبيق العملي، ما أدى إلى توسّع الأنشطة الملوِّثة والاستخدام العشوائي للموارد.
ث) أن التدهور البيئي وندرة المياه يفرضان كلفة اقتصادية مرتفعة على الأسر والدولة؛ إذ يرتفع إنفاق الأسر على شراء المياه المنقولة، وتتراجع إنتاجية الزراعة والصيد بفعل التلوث وشح الموارد، كما تتزايد الأعباء على قطاع الصحة نتيجة الأمراض المرتبطة بالمياه الملوثة. فضلاً عن استنزف الموارد المالية المخصّصة للتنمية والتعافي، ويجعل إدماج العدالة البيئية في السياسات الاقتصادية شرطاً لتقليل الخسائر وتعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
ج) تُظهر المقارنات الدولية أن العدالة البيئية إطار عمليا قابل للتطبيق، شريطة توافر حوكمة رشيدة وإرادة سياسية، وهو ما يشير إلى إمكانية تبنيه في اليمن ضمن عملية إعادة الإعمار.
ح) يتبيّن أن الأمن المائي يرتبط بشكل مباشر بـ السلام الاجتماعي؛ فإشراك المجتمعات المحلية في إدارة الموارد، وتحسين الخدمات المائية، وجبر الأضرار البيئية يساهم في تعزيز الثقة بين الدولة والمواطنين، ويحدّ من النزاعات المحلية المرتبطة بتوزيع المياه.
تؤكد نتائج البحث أن أي مسار للسلام يتجاهل الأضرار البيئية وإرث التلوث والحرمان المائي يبقى مهدداً بالفشل؛ فالبيئة المتضررة تعيد إنتاج أسباب النزاع عبر الحرمان والتفاوت وفقدان سبل العيش. ومن ثمّ، فإن العدالة البيئية تمثل شرطاً لبناء سلام مستدام، وليست مجرد بعد تقني أو ثانوي في عملية إعادة الإعمار.
- توصيات
يقترح البحث حزمة من التوصيات العملية القابلة للتنفيذ، التي تشكّل برنامجاً إصلاحياً متدرّجاً يهدف إلى تحقيق العدالة البيئية وتعزيز الأمن المائي:
أ) وقف جميع الانتهاكات التي تطال البيئة والموارد الطبيعية، والنصّ على ذلك صراحةً في أي اتفاق سلام قادم باعتباره التزاماً قانونياً وأخلاقياً ملزماً للأطراف، مع وضع آليات واضحة للرصد والتوثيق والمساءلة.
ب) دسترة الحق في الماء والبيئة السليمة باعتبارهما حقوقاً أساسية غير قابلة للمساس، ومراجعة القوانين البيئية والمائية وتحديثها بما ينسجم مع مبادئ العدالة البيئية ومتطلبات التكيّف المناخي.
ت) إصلاح منظومة الحوكمة البيئية والمائية من خلال إنشاء مجلس وطني للعدالة البيئية والتنمية المستدامة يضم أطرافاً حكومية ومجتمعية وأكاديمية، تكون مهمته إعداد استراتيجية وطنية طويلة المدى للمياه والبيئة، ومراجعة الأثر البيئي للمشروعات الكبرى، ومتابعة خطط الطوارئ الخاصة بالجفاف والفيضانات، مع الحدّ من التداخل المؤسسي. كما يشمل هذا المسار إعادة توحيد المؤسسات البيئية المنقسمة، وتمكين وزارة المياه والبيئة والهيئات التابعة لها، وإنشاء محاكم ونيابات بيئية متخصصة قادرة على تطبيق القانون وتعويض المتضررين.
ث) تنفيذ برامج وطنية لمعالجة التلوث الناجم عن النفط ومخلّفات الحرب والسواحل المتضررة، وإنشاء صندوق وطني للتعويضات البيئية بتمويل حكومي ودولي وغرامات تُوجّه لتعويض القرى الملوثة أو التي جفّت آبارها، سواء عبر حفر آبار جديدة أو توفير بدائل مناسبة، ورعاية صحية للمتضررين، وإدماج الجرائم البيئية ضمن آليات العدالة الانتقالية، ومساءلة الجهات المسؤولة عن التلوث أو قطع المياه عمداً، مع إشراك الشركات النفطية في إصلاح الأضرار ضمن جبر الضرر المؤسسي. وتحويل البيئة إلى جسر للمصالحة من خلال مشاريع مائية مشتركة.
ج) تمكين المجتمعات المحلية من إدارة مواردها وذلك عبر إنشاء لجان محلية لإدارة المياه في الأحواض والمحافظات تضم المزارعين والنساء والشباب والمجالس المحلية لتنظيم التوزيع وحلّ النزاعات، وتعزيز مشاركة النساء بنسبة لا تقل عن 30% في الهيئات المائية المحلة، ودعم برامج التكيف المحلي بما يشمل حماية الأحواض، إعادة تأهيل المدرجات الزراعية، وتشغيل الشباب في برامج “النقد مقابل العمل” البيئية.
ح) اعتماد حلول تقنية مستدامة تشمل محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، وتوسيع حصاد مياه الأمطار والسدود، ومعالجة المياه العادمة، وتطوير الري الحديث، واستبدال المحاصيل المستنزفة للمياه بمحاصيل أكثر استدامة، وتنفيذ مشروع “واحة لكل قرية”.
خ) تعزيز التعاون الإقليمي والدولي من خلال برنامج “السلام الأخضر في اليمن”، واستقطاب تمويل من البنك الدولي وصندوق المناخ الأخضر ومرفق البيئة العالمي، وتشجيع دول مجلس التعاون على دعم مشاريع المياه والتحلية، وتفعيل مبدأ “الملوّث يدفع”، وتحفيز القطاع الخاص على تبنّي مشاريع المسؤولية البيئية.
قائمة المراجع
أولاً: المراجع العربية
- أبوطالب، عبدالرحمن. (2020، 9 مارس). الأمن المائي في اليمن في ظل الحرب. Yemen Science.
- أيمان عمر. (2025، أبريل). الصراع على كل قطرة: أزمة الجفاف والانهيار السياسي في اليمن. مركز كارنيغي للشرق الأوسط – صدى.
https://carnegieendowment.org/sada/2025/04/struggling-over-every-drop-yemens-crisis-of-aridity-and-political-collapse?lang=ar
- البنك الدولي. (2014، 15 أبريل). استخدام المياه الجوفية وحفظ التربة على نحو مستدام: تجربة اليمن.
https://www.albankaldawli.org/ar/results/2014/04/15/sustainable-groundwater-use-and-soil-conservation
- الجمهورية التونسية. (2013). القانون الأساسي عدد (53) لسنة 2013 المتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها.
http://www.ivd.tn/wp-content/uploads/2017/12/قانون-العدالة-الانتقالية.pdf
- شبكة النبأ المعلوماتية. (2025، 27 نوفمبر). ندرة الموارد المائية في العراق والأزمات المركّبة الاقتصادية والاجتماعية. https://annabaa.org/arabic/reports/44449
- الشرق الأوسط. (2024، مارس). الأمن المائي أولوية يمنية وسط تحديات الصراع والتغيّر المناخي.
https://aawsat.com
- هيئة الحقيقة والكرامة. (2019). الملخص التنفيذي للتقرير النهائي. http://www.ivd.tn/rapport/doc/TDC_executive_summary_report.pdf
- الصراع والمناخ: الحاجة إلى العدالة الانتقالية الخضراء في اليمن. فبراير، 2025) https://sanaacenter.org/ar/publications-all/main- Sana’a Center for Strategic Studies publications-ar/24286
- اليمن: أبرز حوادث التسربات النفطية وكوارث التلوث يوليو. 2022 البحري.YemenFuture.net ، (22 https://yemenfuture.net/news/3277
ثانياً: المراجع الأجنبية
- AGSI – Arab Gulf States Institute in Washington. (2024). Environmental stress and conflict dynamics in Yemen.https://agsiw.org
- Al-Saad, N. A. A. (2020). The cholera crisis in Yemen: Case studies on vulnerability, resilience and policy response (Senior Honors Thesis). University of New Hampshire.
https://scholars.unh.edu/cgi/viewcontent.cgi?article=1554&context=honors
- al-Waseai, A., Sabbagh, R., Mhaoud, S., Alobaly, A., Bamzahem, M., & Binashikhbubkr, Z. (2023, December 6). How lax oversight and war thwarted efforts to hold Yemen’s oil polluters to account. OCCRP. https://www.occrp.org/en/investigation/how-lax-oversight-and-war-thwarted-efforts-to-hold-yemens-oil-polluters-to-account
- Amnesty International. (2020, June 18). No clean-up, no justice: Shell’s oil pollution in the Niger Delta.https://www.amnesty.org/en/latest/news/2020/06/no-clean-up-no-justice-shell-oil-pollution-in-the-niger-delta/
- Barry, S., Mosello, B., McMurray, S., & Destrijcker, L. (2024, December 6). Undercurrents: How conflict, climate change and the environment intersect in Yemen. Climate Diplomacy.https://climate-diplomacy.org
- Bermúdez Liévano, A. (2023, May 9). Colombia’s transitional justice cannot agree on how to prosecute environmental crimes. JusticeInfo. https://www.justiceinfo.net/en/116565-colombia-transitional-justice-cannot-agree-on-how-to-prosecute-environmental-crimes.html
- Carnegie Endowment for International Peace. (2025, April). Struggling over every drop: Yemen’s crisis of aridity and political collapse. https://carnegieendowment.org
- Carnegie Endowment for International Peace. (n.d.). Struggling over every drop: Yemen’s crisis of aridity and political collapse.https://carnegieendowment.org
- Center for Civilians in Conflict (CIVIC). (2022, October). Risking the future: Climate change, environmental destruction, and conflict in Yemen. https://civiliansinconflict.org
- Chafaf.ma. (n.d.). Morocco governance and legal transparency resources on water.
- Climate and Security. (2023). Water stress and climate impacts in Yemen.
https://climateandsecurity.org
- Comisión de la Verdad. (n.d.). Mandato y funciones.
https://web.comisiondelaverdad.co/la-comision/mandato-y-funciones
- Douglas, C. (2016, August 3). A storm without rain: Yemen, water, climate change, and conflict (Brief No. 40). Center for Climate & Security https://climateandsecurity.org/2016/08/a-storm-without-rain-yemen-water-climate-change-and-conflict/
- Farhan, G. A. K. (2020). Assessment of WASH program during the war in Yemen (2014–2018) from an IWRM perspective (Doctoral dissertation). Sana’a University.
- Final Agreement to End the Armed Conflict and Build a Stable and Lasting Peace. (2016, November 24). Peace Accords Matrix. University of Notre Dame. https://peaceaccords.nd.edu/wp-content/uploads/2020/02/Colombian-Peace-Agreement-English-Translation.pdf
- Food and Agriculture Organization of the United Nations. (n.d.). FAOTERM: Entry 99713 [Arabic terminology portal] https://www.fao.org/faoterm/viewentry/ar/?entryId=99713
- Helen Lackner, & Abulrahman Al-Eryani. (2020, December 14). Yemen’s environmental crisis is the biggest risk for its future. The Century Foundation.
https://tcf.org/content/report/yemens-environmental-crisis-biggest-risk-future/
- Human Rights Watch. (2019). Yemen: Houthi forces block vital water supplies.
https://www.hrw.org
- Human Rights Watch. (2019–2020). Yemen: Fisheries collapse amid conflict and pollution.https://www.hrw.org
- ICRC Casebook. (n.d.). Colombia, Special Jurisdiction for Peace: Crimes against the environment in Cauca.https://casebook.icrc.org
- International Alert. (2021, December). Tunisia: The right to water.
- International Alert. (2023). Environmental governance and water justice in fragile contexts.https://www.international-alert.org
- Juba Agreement for Peace in Sudan. (2020, October 3). Official English version. ConstitutionNet.https://constitutionnet.org
- Mazzucco, L. J. M. (2025, March 12). From navigational disruptors to ecocriminals: The environmental impact of the Houthi anti-shipping campaign in the Red Sea. AGSI.https://agsi.org
- MoroccoBeat. (2025, October 6). Water security in Morocco: How the Kingdom is turning scarcity into sustainability.https://moroccobeat.com
- PAX. (2022, August 1). Leaking ghost tankers: Pollution in the Port of Aden.
- Porter, H. (2023, November 21). Conflict and weak governance fuel Yemen’s environmental crisis. AGSI. https://agsi.org
- Reuters. (2009, August 30). Water crisis threatens Yemen’s swelling population.
https://www.reuters.com
- ROPUR. (2024). Water scarcity in Morocco: 2024–2028 challenges and solutions.
https://ropur.com
- Rwanda Climate Change Portal. (n.d.). Six ways Rwanda is being water wise.
https://climatechange.gov.rw
- South24 Center for News and Studies. (2021). Marine and oil pollution in Yemen’s coastal areas.https://south24.net
- South24 Center for News and Studies. (2021). Oil pollution and environmental degradation in Shabwah and Hadramout.https://south24.net
- Swissinfo. (2024, July 22). Oil spills and emissions from Israeli airstrikes exacerbate environmental risks in Yemen.https://www.swissinfo.ch
- Swissinfo. (2024, July 22). Oil spills and emissions from Israeli airstrikes exacerbate environmental risks in Yemen. https://www.swissinfo.ch/ara/تسرب-النفط-والانبعاثات-جراء-الغارات-الإسرائيلية-يفاقم-المخاطر-البيئية-في-اليمن/84846708
- The Century Foundation. (2024). Health and environmental impacts of oil pollution in Yemen. https://tcf.org
- U.S. Environmental Protection Agency. (2019, August 2). EJ 2020 glossary.
https://19january2021snapshot.epa.gov
- UNDP Yemen. (2025, October 15). When water is hard to reach and climate change intensifies.https://yemen.un.org
- UNDP. (2025, June 17). Shared crisis, different impact. https://www.undp.org
- UNFCCC. (1992). United Nations Framework Convention on Climate Change.
https://unfccc.int
- United Nations Development Programme (UNDP). (2025, June 17). Shared crisis, different impact [News story] https://www.undp.org/arab-states/stories/shared-crisis-different-impact
- United Nations Yemen. (2024, April 10). FAO in Yemen: World Food Day statement.
https://yemen.un.org
- Vigers, B., & Sager, E. (2023, April 5). Tunisia’s water crisis fuels frustration. Gallup.https://news.gallup.com
- Ward, C. (2014). The water crisis in Yemen: Managing extreme water scarcity in the Middle East. I.B. Tauris.
- World Bank. (2023). Yemen water sector assessment. https://worldbank.org
- World Bank. (2023, July 24). New World Bank program in Morocco supports water security. https://worldbank.org
- YE–CHM (Yemen Clearing House Mechanism). (2020). Environmental legislation and impact assessment in Yemen. https://ye.chm-cbd.net
- YE–CHM (Yemen Clearing House Mechanism). (2020). Environmental legislation and institutional framework.https://ye.chm-cbd.net
- Yemen Science Portal. (2020). Water governance and community management initiatives in Yemen. https://yemenscience.net



