تأثير التفاعلات الرقمية في تنمية الوعي السياسي بالمغرب
The impact of digital interactions on the development of political awareness in Morocco

اعداد : أنوار التازي – دكتور في القانون العام والعلوم السياسية -جامعة الحسن الثاني الدار البيضاء-
المركز الديمقراطي العربي : –
- مجلة الدراسات الاستراتيجية للكوارث وإدارة الفرص : العدد الثامن والعشرون كانون الأول – ديسمبر 2025 – المجلد 7 – وهي مجلة دولية محكمة تصدر عن المركز الديمقراطي العربي المانيا- برلين.
- تعنى المجلة مجال الدراسات التخصصية في مجال إدارة المخاطر والطوارئ والكوارث ،قضايا التخطيط الاستراتيجي للتنمية، الجيوبولتيك، الجيواستراتيجية، الأمن الإقليمي والدولي، السياسات الدفاعية، الأمن الطاقوي والغذائي، وتحولات النظام الدولي، التنافس بين القوى الكبرى، إضافة إلى قضايا التنمية، العولمة، الحوكمة، التكامل الأقتصادي ، إعداد وتهيئة المجال والحكامة الترابية , إضافة إلى البحوث في العلوم الإنسانية والاجتماعية.
للأطلاع على البحث من خلال الرابط المرفق : –
الملخص:
يسعى المقال إلى إبراز تأثير التفاعلات الرقمية في تنمية الوعي السياسي، بحيث تعد هذه التفاعلات أحد أبرز التحولات التي يشهدها مجال الاتصال السياسي في العصر الحديث.
يحاول المقال رصد تحول الفضاء الرقمي إلى منصة مفتوحة لتبادل المعلومات وتشكيل المواقف والوعي السياسي. ومساهمة الشبكات الاجتماعية، عبر سرعة تداول المحتوى وتنوع مصادره، في تعزيز إدراك الأفراد للقضايا العامة، وتوسيع دائرة المشاركة في النقاشات السياسية.
يهدف البحث إلى الكشف عن التفاعل عبر المنصات الرقمية باعتباره عاملا حاسما في تنمية الوعي السياسي، وفي إعادة تشكيل العلاقة بين المواطن والفضاء العمومي.
Abstract
This article seeks to highlight the impact of digital interactions on the development of political awareness, as these interactions are considered one of the most prominent transformations witnessed in the field of political communication in the modern era.
This article seeks to examine the transformation of the digital space into an open platform for exchanging information and shaping political opinions and awareness. It also explores the contribution of social networks, through the rapid dissemination of content and the diversity of its sources, in enhancing individuals’ understanding of public issues and broadening participation in political debates.
The research aims to reveal interaction across digital platforms as a crucial factor in developing political awareness and in reshaping the relationship between the citizen and the public sphere.
مقدمة
تلعب وسائل الإعلام والاتصال دورا هاما في تنمية الوعي السياسي والمشاركة السياسية على عدة مستويات، منها أن هذه الوسائل تعتبر من المصادر الأساسية التي يستقي منها الفرد معلوماته السياسية والأخبار، كما أنها تلعب دورا هاما في عملية التنشئة السياسية من خلال العمل على تغير الاتجاه وتشارك في القيم السياسية عبر العمل كقنوات توصيل بين النخبة والجماهير، وبالعكس مما يؤدي إلى تأكيد قيم الثقافة السياسية السائدة ودفع الجماهير للاهتمام بالسياسة، وإشراكها في عملية اتخاذ القرار وطرح القرارات والبدائل للنقاش والحوار.
لعبت فضاءات التواصل الاجتماعي المختلفة، أدوارا مهمة في تحقيق تغييرات في مجال الاتصال بين الافراد والجماعات، وصارت لها نتائج مؤثرة في المجال الإنساني، لقد أحدثت هذه الفضاءات طفرات نوعية في مجال تداول المعلومات والأفكار بسرعة أكبر وأحدثت طفرة ليس فقط في مجال الاتصال بين الأفراد والجماعات، بل في الفعل والوعي السياسيين ومنسوب الديمقراطية في المجتمعات. إن هذه التحولات التي أحدثها هذه الفضاءات أدت إلى تغييرات مهمة جدا على المستوى الاجتماعي على الصعيد العالمي والمحلي، وذلك لما تتيحه هذه الوسائل من إمكانات للتواصل والسرعة في إيصال المعلومات، بحيث لم تعد لوسائل الإعلام التقليدية القدرة على إحداث هذا التغيير، بل تقف عاجزة أمام التأثير المباشر والفعال لشبكات التواصل الاجتماعي.
لقد بزغت شبكات التواصل الاجتماعي كقنوات بالغة التأثير، متيحة بذلك للشعوب فرصا أكثر تأثيرا وقربا من خلال قدرتها في التعبير عن آرائهم ومواقفهم السياسية وحشد وتنظيم صفوفهم للتغيير والإصلاح، إذ ليست موجهة فقط ضد الأنظمة المستبدة، ولكن صارت قريبة من تفاصيل أمور أخرى تمس حياتهم، مثل غلاء الأسعار وحقوق الإنسان والديمقراطية والانتخابات وغيرها. إنها إذن أدوار جديدة في التأطير السياسي، والتوعية بأهمية الاهتمام بالشأن العام والتدبير السياسي، وصارت الشبكات الاجتماعية تؤدي دورا في تشكيل الوعي السياسي للشباب عن طريق تزويدهم بالمعلومات والاخبار السياسية، كما تسهم في تكوين وتدعيم أو تغيير ثقافتهم السياسية واستعدادهم للعمل العام. هذا التأطير السياسي يلعب فيه الشباب بالخصوص دورا حاسما وذلك من خلال ترويج وتعزيز هذه التحولات، ولهذا فإنهم يفرضون أنفسهم كفاعل مهم لابد من إشراكه بفاعلية في هذه العملية، فالشباب يتميزون بالحماس والرغبة والقدرة على التغيير، مما يفرض على المؤسسات العمومية ومؤسسات الدولة بصفة عامة، نهج مقاربة تشاركية في بعدها الديمقراطي، لذا فإن هذه المتغيرات التي فرضتها هذه الفضاءات تفرض الانخراط في عملية صنع القرار، فمشاركة الشباب في هذه العملية هو من صميم النقاش الاجتماعي والسياسي[1].
تظهر الأهمية البالغة التي تلعبها هذه الفضاءات الجديدة، بحيث يرى أحد المختصين في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصال “محمد محسن اليهري” أن الأحداث الاخيرة في العالم العربي أكدت الدور القوي لتلك الشبكات على الصعيد السياسي[2].
خلصت العديد من الدراسات التي جرت على دور وسائل الاتصال الحديثة في التأثير على المشهد السياسي والمشاركة السياسية، إلى أن هذه الوسائل أضحت هي المتحكمة في الرأي العام سواء المحلي أو الدولي، كما أنها أكثر وسيلة فعالة في تعبئة الجماهير، حتى أنها فاقت الخطاب السياسي المباشر، وتعتبر آلية تحفيز قوية نحو المشاركة السياسية المحلية من خلال خلق فضاء واسع للتعبير عن الرأي ومناقشة الآراء السياسية المختلفة، التي تجد صدى للأخذ والرد فيها قبل انتشار هذه التقنيات الاتصالية الجديدة خاصة في الدول ذات الأنظمة الشمولية، بالإضافة إلى استغلالها بالدعوة إلى تشكيل الأحزاب وجمع أكبر عدد ممكن من المنخرطين من خلال نشر الأفكار والإيديولوجيات وإيجاد نقط مشتركة تجمع بين الأفراد. أما الانتخابات باعتبارها شكلا من أشكال المشاركة السياسية فهي أيضا تستغل وسائل الإعلام والاتصال الجديدة لصالحها من خلال ما وفرته من كسب في الوقت وسرعة في الاتصال، حيث إن دور وسائل الإعلام والاتصال الجديدة في العملية الانتخابية يكمن في جمع أكبر عدد من الأصوات، بالإضافة إلى الاقتراع الالكتروني الذي يسهل العملية بحالها[3]. أما النتيجة الأخرى فهي أن وسائل الإعلام والاتصال الجديدة فتحت المجال للعديد من الأنشطة بالظهور والانتشار، وهناك عدم القدرة على التحكم فيها أو الحد منها.
يدل التغيير على معنى الحراك وعدم الثبات، أي عكس الجمود. لكن مفهومه لم يلقى الإجماع فظهرت المدارس المختلفة التي تعنى بالتغيير انطلاقا من هدفه، أسسه، وطرقه، ويعتبر التغيير حراك المجتمع الرافض لواقعه أو بعض جزئياته، ويسعى إلى الانتقال به نحو مرحلة جديدة تمثل هدف عملية التغيير. كما سعت الشعوب سابقا إلى استخدام كل الوسائل المتاحة في سبيل حصولها على الحرية والديمقراطية والتغيير نحو الأفضل، وعلى رأس تلك الوسائل “الإعلام البديل” الذي رافق عمليات التغيير وكان له دور بارز فيها، بغض النظر عن طبيعة البيئة التي ولد فيها من النظام السياسي، ومدى الحرية السياسية المتاحة، إضافة إلى نوع الوسيلة الإعلامية المستخدمة، كما كان يعاني الإعلام التقليدي. واستخدمت الشعوب عبر التاريخ وسائل الإعلام والاتصال على اختلاف أشكالها، لكن بقي تأثير تلك الوسائل القديمة بسيطا وتقليديا إلى حين اختراع الطباعة التي أذنت بثورة جديدة في عالم الإعلام والاتصال.
فالأنترنيت أعظم تطور حصل في تاريخ تطور وسائل الإعلام والاتصال في العقود الأخيرة، حيث وفرت جوا افتراضيا مفتوحا لتواصل الجميع، فوضعت العالم على شاشة صغيرة وخرج من رحم الشبكة العنكبوتية التي مازالت تتطور باستمرار، شبكات التواصل الاجتماعي، حيث كان الهدف من إنشائها في البداية لغرض ترفيهي، لكن في الفترة الأخيرة وضعت تطورات واضحة في طبيعة استخدام تلك الشبكات وأصبحت من أدوات المشاركة السياسية الفاعلة التي تستعين بها الشعوب في تنظيم التظاهرات والاحتجاجات وتشكيل الأحزاب والاقتراع عبرها، ونشر الأفكار والثقافات والإيديولوجيات والترويج لها والاهم من ذلك المطالبة بالحرية والديمقراطية والتعبير عن الرأي للوصول بالضرورة إلى حتمية التغيير.
برزت هذه التقنيات كوسيلة لجذب المواطنين خاصة الشباب للاقتراب بصورة أوثق من العملية السياسية كما ظهرت توقعات مرتفعة تتعلق بإمكانية استخدام الانترنيت في إحداث التعبئة السياسية وإشراك الجماعات في الممارسة السياسية، وأصبحت الشبكة مصدرا مهما للمشاركة السياسية حتى من قبل صغار السن الذين لا تجذبهم القضايا السياسية، كما استطاعت جذب أناس جدد كانوا أقل تمثيلا في أشكال المشاركة التقليدية[4].
أصبح الإعلام التفاعلي مستخدما وملموسا لدرجة لا يمكن تجاهله بل الاعتماد عليه وإدراجه ضمن الأدوات العلمية في التعامل مع القضايا الاجتماعية والسياسية والمشكلات المستحدثة، نظرا لدوره المهم في تشكيل المدركات السياسية للأفراد من خلال تزويدهم بالمعلومات عن الشؤون والقضايا السياسية، إذ أصبحت وسائل هذا الإعلام الجديد بمثابة قنوات للتبصير السياسي ونشر الوعي السياسي. كما تزايدت أهمية الإعلام السياسي اليوم في العصر الحالي بشكل كبير باعتباره سلطة قادرة على التأثير والتغيير، لذا فهو يمارس دورا مميزا في وفعالا في التوعية السياسية من خلال تعزيزه للوعي الاجتماعي وتنميته للوعي السياسي. ويعتبر الوعي السياسي أساس نجاح المجتمعات واستقرارها، إذ أن انعدام الوعي الثقافي والسياسي للمواطنين من شأنه أن يهدد بناء المجتمع الديمقراطي، كما أن الاستخدام الأمثل لوسائل الإعلام يدعم التوعية السياسية، وذلك من خلال تهيئة المناخ الملائم للتوعية السياسية وتأهيل الجمهور بالشكل الملائم للمشاركة السياسية وفي عملية اتخاذ القرارات وكذا التغيير السياسي[5].
أهمية الدراسة
تكمن أهمية هذه الدراسة في التحولات العميقة التي أحدثتها الشبكات الاجتماعية في أنماط التواصل السياسي، وفي بناء الوعي والمشاركة السياسية لدى الأفراد، خاصة في ظل التحول من الإعلام التقليدي إلى الإعلام التفاعلي. كما تتجلى أهمية الموضوع في تحليل دور التفاعلات الرقمية في تشكيل اتجاهات الرأي العام وتنمية الوعي السياسي، خصوصا بين فئة الشباب، ورصد العلاقة بين التواصل الافتراضي والسلوك السياسي الواقعي، سواء من حيث المشاركة، أو الاهتمام بالشأن العام، أو إنتاج الخطاب السياسي.
أهداف الدراسة
تهدف هذه الدراسة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف البحثية والعلمية، من أبرزها: تحليل أثر التفاعلات الرقمية عبر الشبكات الاجتماعية في تنمية الوعي السياسي لدى المستخدمين، وتحديد طبيعة العلاقة بين استخدام الشبكات الاجتماعية ومستوى الإدراك السياسي للأحداث والقضايا العامة، ورصد أشكال وأنماط المشاركة السياسية الرقمية وتأثيرها في الممارسة السياسية الواقعية، ودراسة دور المنصات الرقمية كفضاءات جديدة للتنشئة والتثقيف السياسي.
إشكالية الدراسة
يطرح الموضوع إشكالية أساسية يمكن التعبير عنها بسؤال مركزي يتمثل في: إلى أي حد تسهم التفاعلات الرقمية عبر الشبكات الاجتماعية في تنمية الوعي السياسي لدى الأفراد، وما طبيعة هذا الوعي من حيث عمقه ومضمونه؟
ويتفرع عن هذا السؤال المركزي العديد من التساؤلات الفرعية:
- ما طبيعة التفاعلات الرقمية التي تؤثر في تكوين الوعي السياسي؟
- كيف ينعكس مستوى الانخراط في النقاشات السياسية الرقمية على إدراك الأفراد للقضايا العامة؟
- ما العوامل التي تحدد فعالية الشبكات الاجتماعية كأداة للتنشئة والتثقيف السياسي؟
- هل يؤدي الانفتاح الرقمي إلى تعزيز المشاركة السياسية، أم إلى إنتاج وعي سياسي سطحي أو انفعالي؟
فرضيات الدراسة
ينطلق الموضوع من فرضيات أساسية تتجلى في:
- كلما ارتفع مستوى التفاعل السياسي عبر الشبكات الاجتماعية، ارتفع مستوى الوعي السياسي لدى المستخدمين.
- يختلف تأثير التفاعلات الرقمية في الوعي السياسي باختلاف نوع المحتوى المتداول ومستوى الثقة في مصادره.
- يساهم الاستخدام الواعي والمنظم للشبكات الاجتماعية في تنمية ثقافة سياسية ديمقراطية، بينما يؤدي الاستخدام العشوائي إلى وعي سياسي مجزأ وضعيف.
- تشكل المنصات الرقمية وسيلة فعالة لتعويض ضعف مؤسسات التنشئة السياسية التقليدية.
منهجية الدراسة
اعتمدت الدراسة على المنهج الوصفي مدعوما بأدوات تحليلية لتفسير الظاهرة الاتصالية والسياسية في البيئة الرقمية، وتحليل أنماط التفاعل والمشاركة السياسية عبر الشبكات الاجتماعية، مع توظيف مقاربة سوسيو سياسية لربط المفاهيم النظرية بالواقع.
ولمعالجة كل هذه العناصر يقترح الموضوع التصميم التالي:
المحور الأول: الوعي السياسي -المفهوم والأهمية-
المحور الثاني: مواقع التواصل الاجتماعي كوسيلة لتنمية الوعي السياسي
المحور الثالث: الشبكات الاجتماعية كفضاء جديد للمشاركة السياسية
المحور الرابع: تحولات الوعي السياسي الرقمي في السياق المغربي
المحور الأول: الوعي السياسي -المفهوم والأهمية-
يعتبر الوعي السياسي طريق الفرد لمعرفة حقوقه وواجباته، في كل الأنظمة الديمقراطية أو الشمولية إذ يتعين على الفرد التعرف على الظروف والمشاكل التي تحيط به محليا وعالميا، وتحديد موقفه منها، والمساهمة في تغييرها. لذلك يحتاج الفرد إلى رؤية سياسية واعية وشاملة بالظروف والأزمات التي تعتري المجتمع ليكون مدركا لمسؤولياته وناقدا للسلوكيات الخاطئة التي يعيشها.
فالمقصود بالوعي السياسي في البداية اكتساب الفرد والجماعة لخلفية معرفية تمكنهم من تحليل القضايا المطروحة على الساحة الدولية والوطنية وإدراك أوضاع المجتمع ومشكلاته، أي إدراك الفرد لواقع مجتمعه ومحيطه ومعرفة طبيعة الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية المحيطة به، والقوى الفاعلة في المجتمع، ولوسائل الإعلام الدور الكبير في تشكيل الوعي من خلال متابعتها اليومية وتحليلاتها وتفسيراتها للأحداث والمعطيات[6]. والوعي السياسي هو الإدراك الصحيح للأحداث والتطورات في الواقع السياسي بمعنى إدراك الفرد للأسس التي تقوم عليها الدولة وأجهزتها في إدارة شؤون البلاد ونمط الحكم، والإلمام بالقوانين اللازمة لتحقيق العدالة والمساواة في ظل الأمن والاستقرار داخل المجتمع والواجبات التي على الفرد تجاه الدولة، والوعي بحقوقه القانونية ومدى تمتعه بها، ودور المجتمع المدني في تحقيق التواصل بين الدولة والشعب، وبالتالي يقوم الوعي السياسي على عدة ركائز منها، تحديد مهام السلطة والعشب وإدراك أهمية المشاركة السياسية، والاستناد إلى المرجعية القانونية والاندماج القوي بين الشعب والسلطة وتحقيق المصالح المشتركة للسلطة والشعب.
يختلف الوعي السياسي باختلاف النظام السياسي من مجتمع لآخر، فمثلا تشكيل الوعي السياسي في المجتمع الاشتراكي يرتكز على الجانب الاقتصادي، بينما يرتكز في النظام الرأسمالي على حرية التعبير والرأي والاهتمام بالعمل وما يخدم البشرية، في حين ارتبط الوعي السياسي في المجتمع الإسلامي بما يحث عليه الدين من تطبيق المفاهيم الأساسية كالشورى والمساواة والعدل والحرية. ولا يزال هناك اختلاف حول تمام حالة الوعي السياسي، حيث يوجد جدل وصراع حول تفعيل الكثير من المفاهيم مثل الديمقراطية والحرية والعدالة والمساواة بشكل يرضي الشعوب بعيدا عن الأنظمة السياسية أو النخبة المستبدة، ورغم هذا الاختلاف يوجد شبه اتفاق على أهمية الوعي السياسي في بناء المجتمع واستقراره حيث الحد من الاستبداد ومواجهة الفراغ السياسي وما ينجم عنه، وتؤكد العديد من الدراسات في هذا السياق على أن درجة الوعي السياسي لأفراد المجتمع تؤثر في مدى شعورهم بالانتماء الوطني، فإذا كان وعيهم السياسي بسيطا كان انتمائهم منغلقا يتجه عادة للأسرة والجماعات، وفي مقابل زيادة الوعي السياسي يقوي الانتماء الوطني[7].
تشير الأدبيات الاجتماعية والسياسية، إلى أن الوعي السياسي يدل على ما يحيط بأفراد المجتمع السياسي من أفكار وممارسات واختلافات سياسية، يستطيع من خلالها الفرد إدراك محيطه السياسي واتخاذ الموقف المناسب ومن تم التفاعل والتأثير البناء في العملية السياسية، ولابد من الإشارة إلى أن المجتمع السياسي هنا هو الذي تشمله سلطة الدولة ونظامها السياسي، وهو يختلف بطبيعته القانونية، عن سائر السلطات الأخرى كالعشيرة والقبيلة والسلطة الدينية والسلطة العائلية، والتي يشار إليها بالمجتمعات غير السياسية.
لقد ركز الفكر السياسي الإنساني، على أهمية الوعي السياسي في بناء الأنظمة الديمقراطية، وهذا ما أشار إليه جميع الفلاسفة والمفكرين ابتداء من العصر الاغريقي، الذي وصفوه بمصطلح المدينة الفضيلة وربطوها مع القيم الديمقراطية، وأشاروا إلى أن أولى حالات الوعي السياسي جاءت نتيجة الحاجات الإنسانية للاجتماع وتكوين السلطة، عندما اضطر الانسان في محاولة منه لتأمين الغذاء والحماية إلى الانتظام في مجتمعات سياسية لها إطار سلطوي عبر عنه بالقبيلة والقرية والمدينة والدولة. وهذا ما ذهب إليه مفكرو العقد الاجتماعي مثل هوبز وروسو وجون لوك وغيرهم، عندما أشاروا إلى حالة المجتمع المضطربة التي أدت إلى تنازل الافراد عن حقوقهم السياسية لصالح السلطة مقابل ضمان الغذاء والامن. واعتبروا ذلك بدايات لما عرف بالوعي السياسي لدى الافراد والمعبر عنه بالحاجة إلى التنظيم السياسي لإدارة المجتمع والدفاع عنه. إلا أن مرحلة وضع الأسس الأولى للمجتمع السياسي وقيام الدولة وإفراز الحاجة إلى قيم أخرى غير الغذاء والامن، ألا وهي العدالة وتأمين الحريات الفردية، الامر الذي دعا عدد من المفكرين إلى طرح مبادئ وقيم سياسية أطلق عليها المبادئ الديمقراطية، والتي كانت أساسا لثورات وحروب وانتفاضات هزت المجتمعات الإنسانية عبر قرون سابقة، وأدت إلى ظهور أنظمة مختلفة من بينها الأنظمة الديمقراطية والتي من أبرز أسسها الوعي السياسي في المجتمع[8].
كما يشير مفهوم الوعي السياسي، إلى رؤية أعضاء الفئات الاجتماعية في المجتمع للنظام السياسي القائم والعمليات السياسية والممثلين السياسيين وأهداف وبرامج التنظيمات السياسية ومواقفهم منها، ومدى مشاركتهم في نشاطها وصنع وتوجيه القرارات السياسية في المجتمع. وضمن أهم محددات الوعي السياسي نجد: الوعي بالمعارف السياسية والوعي بقضايا المجتمع ومشكلاته، والمشاركة السياسية أي إدراك العملية السياسية وكيفية المشاركة فيها كي يصبح الفرد ذو تأثير في البنية الاجتماعية[9].
يعرف فتحي شهاب الدين الوعي السياسي، بأنه الرؤية الشاملة بما تتضمنه من معارف سياسية وقيم واتجاهات سياسية، والتي تتيح للإنسان أن يدرك أوضاع مجتمعه ومشكلاته ويحللها ويحكم عليها ويحدد موقفه منها، مما يدفعه للتحرك من أجل تغييرها وتطويرها[10]. كما يعرفه جاسم سلطان بأنه حالة الاستيقاظ والانتباه والمعرفة السياسية وإدراك لواقع الصراعات وإدراك بالإعلام، وقدر من المنطق والقدرة على التحليل السياسي[11]. ويعرفه صبري الحسيني بأنه، مدى إدراك الأفراد للقضايا والاحداث السياسية المهمة التي ترتبط بمجتمعاتهم المحلية والعالمية، تم مدى معرفتهم وفهمهم للأمور التي تتصل بالمجال السياسي ودورهم في المشاركة في الحياة السياسية والممارسات الحزبية والنيابية القائمة. في حين يرى أشرف صالح، أن الوعي السياسي يرتبط ارتباطا وثيقا بالمعرفة كمعرفة الفرد لذاته، ومعرفته للبيئة المحيطة به ومعرفته للنظم السياسية ومدى اعتماده على هذه المعرفة في تقييم واقعه وتحديد اتجاهاته وسلوكياته بوجه عام.
لم يقتصر مفهوم الوعي السياسي على مجرد معرفة الفرد بقضايا مجتمعه ومشاركته في الأنشطة السياسية، وإنما يشمل الوعي بما يحوي حول من أحداث ووقائع على المستوى العالمي، حيث يفرض النظام العالمي الجديد تأثيره المباشر وغير المباشر على جميع قضايا دول العالم، ولعل ذلك ما جعل الكثير من الباحثين يشيرون في تعريفاتهم للوعي السياسي إلى القضايا السياسية المحلية والعالمية ومن بينهم، سعود النباهي، الذي عرفه بأنه سلوك سياسي داخلي يتكون لدى الفرد نتيجة لوجود أفكار ومعارف سياسية، يدفع الفرد إلى الفهم العميق والادراك الدقيق للظاهرة السياسية، ويعبر عن درجة إدراك الفرد للواقع السياسي لمجتمعه المحلي والدولي، ويظهر على هيئة سلوك خارجي يتمثل في الالمام بالمعارف والمعلومات السياسية وفي المشاركة السياسية بمختلف أشكالها في المجتمع الذي يعيش فيه ويتعاطى يوميا مع قضاياه. وكذلك شرين الضأني حيث عرفت الوعي السياسي، بأنه مجموعة من المعارف والأفكار والمفاهيم التي تتكون لدى الافراد في المجتمع على المستويين المحلي والدولي والتي تشكل الثقافة السياسية للمجتمع أو قد تكون نتيجة لها، وهو يعكس مستوى إدراك الفرد لواقع مجتمعه السياسي ويمكنه من تفسير وتحليل الاحداث السياسية والتاريخية، والتأثير في صنع القرار السياسي من خلال المشاركة في العملية السياسية بالوسائل المشروعة[12].
ما يمكن استخلاصه من التعريفات السابقة، أن الوعي السياسي ينبني على المعرفة السياسية والتاريخية لدى الفرد، تلك المعرفة التي قد تكون خلاصة تجارب شخصية سابقة خلال حياته أو خبرات تعليمية مكتسبة عبر مراحل التعليم المختلفة، وأن الوعي السياسي يدخل ضمن نطاق الجانب الوجداني حيث كونه يقوم على إدراك الفرد للأحداث والقضايا السياسية وانعكاس ذلك في سلوكه الوجداني من اعتراض أو تأييد لما يحدث في المجال السياسي، إلا أنه يتضمن جانبا مهاريا، حيث يفرض الوعي السياسي على الفرد دورا في العملية السياسية ويتطلب قدرا من المشاركة السياسية سواء في الأنشطة السياسية بهدف التغيير والتطوير أو في العملية الانتخابية بالتصويت والترشح.
يرتكز الوعي السياسي على ثلاث مكونات رئيسية وهي، الثقافة السياسية والتنشئة السياسية والمشاركة السياسية، حيث إنه يقوم في الأساس على الثقافة السياسية أي ما يدركه الفرد من معرفة بالمفاهيم والأحداث والقضايا السياسية ومدى تأثير وتأثر مجتمعه المحلي وبالمجتمع الدولي، وتتحكم التنشئة السياسية في طبيعة الاستجابة لتلك المعرفة، حيث يؤثر نمط التنشئة السياسية الذي يخضع له الفرد في استجابته لمختلف المثيرات السياسية سواء بالاهتمام أو العزوف عن القضايا والأنشطة السياسية، بينما تعتبر المشاركة السياسية أهم مظاهره لكونها توضح مدى حرص الفرد على أن يكون له دور إيجابي في الحياة السياسية[13].
يمكن إيجاز أهمية الوعي السياسي بالنسبة للفرد والمجتمع فيما يلي:
1-يسهم الوعي السياسي في تعزيز الديمقراطية لدى الفرد وفي التحول الديمقراطي والاستقرار السياسي والاجتماعي للمجتمع، حيث ساعد الوعي السياسي على تحليل الأحداث وفهمها وفهم الواقع بشكل موضوعي بعيدا عن العواطف والانفعالات، ويحدد دور الدولة ومؤسساتها وأجهزتها في كيفية التعامل مع القضايا الحيوية للمواطنين خاصة تلك المتعلقة بالحقوق والحريات.
2-يعتبر أداة لتحصين الفرد والمجتمع من الشائعات والتيارات السلبية، حيث يمنح الوعي السياسي القدرة على فهم الواقع السياسي وإدراك ما تستهدفه التحركات السياسية على المستوى المحلي والدولي.
3-يسهم الوعي السياسي في تعزيز الانتماء الاجتماعي والمواطنة المسؤولة، حيث يقوم الافراد الذين يمتلكون وعيا سياسيا بالمشاركة الفعلية في الحياة العامة للنهوض بمجتمعهم والتغلب على عثراته، وتلك المشاركة نابعة من إحساسهم بالمسؤولية الاجتماعية والسياسية نحو وطنهم.
4-يساعد الوعي السياسي في تكوين الفرد المفكر الذي يمكن الاعتماد عليه في مواجهة التحديات السياسية التي تواجه أفراد المجتمع مثل: مواجهة الفراغ السياسي الذي يمكن أن يعاني منه الشباب نظرا لصعوبة تلبية متطلباتهم المادية، البعد عن التطرف وإيجاد لغة الحوار وتقبل الاختلاف، القضاء على الاستبداد السياسي، وبناء الثقة في العمل التطوعي المنظم كأداة مهمة للتنمية[14].
تتعدد المؤسسات التي تعمل على تحقيق الوعي السياسي من خلال تزويد الفرد بالمعرفة السياسية وما تقدمه من أنماط التنشئة السياسية، وذلك بدء من الاسرة التي تعد النواة الأولى في تلقي المعارف والمعلومات والقيم السياسية، التي تؤثر في وعيه وتساهم في تشكيل سلوكه السياسي، مرورا بالمدرسة ودورها في صياغة الأفكار والاتجاهات الموجودة في المجتمع من خلال وسائلها التربوية المختلفة، وكذلك جماعة الأصدقاء وما تمارسه من ضغط اجتماعي، ومسايرة السلوك السياسي، بالإضافة إلى المؤسسات الدينية لما تمتلكه من قداسة وتأثير نفسي قوي، وإلى أن نصل إلى وسائل الاعلام والاتصال وخاصة مع الثورة التكنولوجية الجديدة التي تطورت معها هذه الوسائل وباتت تساهم بشكل واضح في تشكيل وتكوين الوعي السياسي، وبالأساس مع ظهور مواقع التواصل الاجتماعي[15].
المحور الثاني: مواقع التواصل الاجتماعي كوسيلة لتنمية الوعي السياسي
تعتبر وسائل الاتصال والاعلام، من أهم الأدوات في تشكيل وتوجيه الوعي السياسي في المجتمع وهذا ما أثبته الواقع السياسي في الكثير من المجتمعات، وخير دليل على ذلك ثورات الربيع العربي سنة 2011 في العديد من البلدان العربية، وقد يرجع ذلك إلى لعدة أسباب منها، تنوع وسائل الاعلام والاتصال وخاصة الشبكات الاجتماعية التي أًصبحت في متناول الجميع، ومتاحة أما فئات المجتمع، والتطور التكنولوجي وسرعة الحصول على المعلومات، بحيث أًصبح من السهل متابعة الاحداث والقضايا السياسية المحلية والعالمية أولا بأول ومن مصادرها، ولذلك تأثيره المباشر وغير المباشر على تشكيل وتنمية الوعي السياسي لما تبثه من كم المعرفة السياسية. كما تقدم وسائل الاعلام والاتصال الجديدة عبر خاصياتها، مضامين ومحتويات سياسية تعتمد على اندماج النص والصورة والبث المباشر والفيديو، مما يجعل لها تأثيرا قويا على الجماهير، ولذلك تجد جميع الحكومات تتجه إلى استغلال هذه الوسائل في السنوات الأخيرة لنشر أنشطتها وبرامجها موجهة إلى الرأي العام للتفاعل معها. بالإضافة إلى سهولة الحشد والتعبئة للمشاركة دون الحاجة إلى التنظيمات السياسية، حيث أصبح الانترنيت وسيلة للحشد الفكري على المستوى المحلي والعالمي من خلال رسائل التأييد أو الاحتجاج، عوضا عن الاحتشاد البشري المادي وسلبياته[16].
تتعدد الأدوار التي يقوم بها الاعلام في مجال دعم وتشكيل الوعي السياسي لدى المواطنين، ويقسم أساتذة الاتصال السياسي، أنواع تأثير وسائل الاعلام والاتصال إلى ثلاث أنواع:
1-التأثير المعرفي: وانطلاقا من الحقيقة التي تقول أن تنمية الوعي السياسي هو نتيجة لعملية تعليمية يمر بها الفرد، فقد تم التركيز من قبل الباحثين في دراستهم على مدى تأثير وسائل الاعلام والاتصال في تنمية هذا الوعي المعرفي السياسي لدى الافراد، وخلصت النتائج إلى أن لوسائل الاتصال تأثير كبير وأكدت على أن هذه الوسائل تقدم المعلومات الضرورية للأفراد، والمتعلقة بالمتغيرات الأساسية للبنية السياسية، مثل النظام السياسي والأعراف والقيم السياسية السائدة في المجتمع، والكيفية التي تمارس بها السياسية في هذا النظام أو ذاك، وعن المؤسسات السياسية الهامة في المجتمع. ومن أهم التأثيرات المعرفية لوسائل الاعلام والاتصال، تعريف المواطنين بحقوقهم السياسية وبالنظام الانتخابي السائد في البلد وبمفردات البيئة السياسية المحيطة وكافة مواقع صنع القرار والبرلمان، وأشكال المساهمة في اتخاذ القرارات، وتكوين الرأي العام.
2-التأثير الوجداني: تتحدد التأثيرات الوجدانية في تشكيل اتجاهات وآراء الافراد نحو المؤسسات السياسية الفاعلة في المجتمع كالحكومة والبرلمان والأحزاب السياسية والمجتمع المدني، بالإضافة إلى تشكيل اتجاهات الافراد وآرائهم حول العملية الانتخابية وأسلوب إدارتها والمشاركة السياسية على كافة المستويات وفي كل المجالات، ثم الاثار السلبية للعزوف السياسي.
3-التأثير السلوكي: يعد أهم مراحل تأثير وسائل الاعلام والاتصال في الوعي السياسي، إذ هو الترجمة الحقيقية لكل ما اكتسبه الفرد من معارف ومعلومات تتعلق ببيئته السياسية، وما أفرزته هذه المعارف وتلك المعلومات من مواقف واتجاهات على المشاركة الفاعلة في العلمية السياسية، من خلال تشجيع المواطنين على المساهمة في الانخراط في الأحزاب السياسية والمشاركة في الانتخابات والمساهمة في منظمات المجتمع المدني وعملية صنع القرار[17].
برز دور مواقع التواصل الاجتماعي في تشكيل الوعي السياسي في الآونة الأخيرة باعتبارها فضاءات مفتوحة وأدوات توفر المعلومات وترسم الصورة، وتشكلها من خلال ما ثبته من أحداث إخبارية ومضامين مختلفة، وتبدو العلاقة وثيقة بين مواقع التواصل الاجتماعي والوعي السياسي، إذ تعتبر هذه المواقع منابر للناس للمشاركة في إدارة شؤون البلاد ومناقشة قرارات السلطة ودفعهم للتفكير في الحلول السلمية لمشاكلهم العامة. كما تعمل مواقع التواصل الاجتماعي على تدعيم الممارسة الديمقراطية عبر إنهاء احتكار النظم الحاكمة للمعلومات ونشر الوعي السياسي وزيادته لدى الافراد وتدعيم دور المعارضة السياسية إضافة إلى استخدامها كوسيلة لنشر الثقافة السياسية وتوعية الجمهور وزيادة اهتمامه بالشؤون والاحداث السياسية، بما يزيد من المشاركة النشطة للأفراد وتعد أولى خطوات التنمية السياسية.
وفي هذا السياق، أجمع العديد من المختصين والباحثين في مجال الإعلامي والسياسي، بأن مواقع التواصل الاجتماعي أضحت العنصر الأصعب في العملية السياسية وذلك لدورها الفاعل في تزويد الافراد بالمعلومات والثقافة السياسية، وأصبحت هذه المواقع أداة اتصال مباشرة بين الحاكم والمحكومين، حيث تحول إلى مستوى الفاعل والمؤثر الأقوى في مختلف المجالات خاصة السياسي منها، وذلك من خلال قدرته على نشر الاخبار بسرعة هائلة بالصوت والصورة وزيادة مستوى الوعي والمعرفة حول ما يدور في العالم من قضايا وأحداث تهم الرأي العام.
لعبت مواقع التواصل الاجتماعي، دورا هاما في الربيع العربي، والتي دار حولها جدل كبير من قبل المختصين، فمنذ مطلع 2011 نشرت العديد من الدراسات والمقالات والكتابات التي ناقشت أهمية مواقع التواصل الاجتماعي وقدرتها على التأثير في تحفيز المشاركة الشعبية وتأثيرها على نماذج الحكومة التشاركية والاليات المجتمعية الجديدة، وقد كان للنمو السريع والكبير لمواقع التواصل الاجتماعي والتحول في أنماط واتجاهات استخدامها دورا هاما في حشد وتشكيل الآراء والتأثير المباشر على التعبير بين الشباب في المنطقة العربية، حيث شهدت هذه الفترة تحولا واضحا في استخدام هذه المواقع من الأغراض الاجتماعية إلى السياسية. واتسم الحراك العربي بالدور الكبير لمواقع التواصل الاجتماعي المختلفة التي أتاحت التدفق الكبير للمعلومات وتعزيز التواصل بين الافراد، ما سهل دورها في الحشد والتعبئة ضد السلطة في المنطقة العربية، كما استطاعت الشبكات الاجتماعية أن تحل محل العديد من المؤسسات كالإعلام التقليدي والأحزاب والنقابات، حيث لعبت دورا أساسيا في الحراك[18].
يمكن توضيح تأثير مواقع التواصل الاجتماعي في توجيه الوعي السياسي بالمنطقة العربية في خضم المطالبة بتغيير سياسي منظم في إطار الحراك العربي، إذ يمكن رصد ذلك من خلال الدلالات التالية:
1-بدائل متطورة للإعلام التقليدي: برزت مواقع التواصل الاجتماعي والمدونات الالكترونية ومواقع الفيديو التشاركية كبدائل لوسائل الإعلام التقليدية، وكعامل فاعل ومحفز للحركات الاحتجاجية، وسمحت للكثيرين بنقل كم هائل من المعلومات والصور إلى العالم مما ساعد في اقناع المجتمعات العربية بالتحرك والخروج من الواقع الافتراضي والنزول إلى الشارع.
2-مهندسة للرأي العام وكاسبة للتعاطف العالمي: لها دور في التعبئة وحشد الجماهير والدفع للإصلاح السياسي وتغيير مفاهيم الناس من خلال حملات التوعية والتعريف بحقوق الإنسان والحقوق السياسية والتواصل بين المواطنين داخليا وخارجيا.
3-تهديد الأنظمة السياسية والدفع للتغيير: منحت الحركات الاجتماعية القدرة على إيصال صوتها وأرغمت الأنظمة السياسية على الاستجابة للمطالب المفروضة عليها.
4-بروز المواطن والمتظاهر الإعلامي: مثل بروز بعض المواقع في المدونات الشخصية التي تعبر عن المشاركة الاتصالية كناقل للمعلومات بشكل فوري ومباشر[19].
تؤكد العديد من الدراسات على ضرورة توافر مجموعة من المتطلبات حتى يكون لدى أفراد أي مجتمع وعي سياسي حقيقي يؤدي دوره بنجاح في تنمية وتقدم المجتمع وهي عبارة عن الشعور بالاقتدار السياسي، والاستعداد للمشاركة السياسية، بالإضافة إلى التسامح الفكري المتبادل، كما يتطلب تشكيل الوعي السياسي توافر روح المبادرة، ثم احترام المبادئ من قبل الأشخاص، فالسلطة السياسية المتمثلة في مؤسسات الدولة تقوم على مجموعة من المبادئ، وهؤلاء الأشخاص الذي يقومون بتلك السلطة يحظون بالاحترام بقدر وفائهم بتلك المبادئ المكلفون بالمحافظة عليها[20].
تعتبر مواقع التواصل الاجتماعي (وسائل الإعلام الجديد) من أهم العوامل في تشكيل الوعي السياسي وتكريس ثقافة المشاركة السياسية، التي تؤدي لتكوين اتجاهات إيجابية تجاه الموضوعات السياسية، كما يراهن الخبراء والباحثين في مجال الاتصال السياسي على أن تقوم هذه الوسائل بدور بارز في تحقيق النوع الأول من الثقافة السياسية وهو ثقافة المشاركة، باعتبارها أحد سمات هذه التفاعلية المحدودة والتي تتيح مشاركة أعداد كبيرة حول القضايا السياسية المعاصرة. وعلى الصعيد المحلي يمكن الاستفادة من الإعلام الجديد ووسائله في تشكيل اتجاهات الرأي العام تجاه مختلف القضايا، وتحديدا التوعية، التثقيف السياسي وتنمية الوعي السياسي من خلال نشر المفاهيم السياسية بأساليب مبتكرة، إذ أضحت مواقع التواصل الاجتماعي كأبرز وسائل الإعلام الجديد مثل فايسبوك تعرف بالإعلام الاجتماعي الذي يشهد حركية ودينامية من التطور والانتشار، إذ كان في بدايته مجتمعا افتراضيا على نطاق ضيق ومحدود، تم ما لبث أن ازداد مع الوقت ليتحول من أداة إعلامية نصية مكتوبة إلى أداة إعلامية سمعية وبصرية تؤثر في تشكيل وتنمية الوعي السياسي على مستوى الوطن العربي[21].
المحور الثالث: الشبكات الاجتماعية كفضاء جديد للمشاركة السياسية
تعد مواقع التواصل الاجتماعي الظاهرة الإعلامية الأبرز في العالم اليوم، وذلك لكونها تستقطب شريحة كبيرة من فئات المجتمع، وقد اتجه مستخدمي الشبكات الاجتماعية لها، مبتعدين عن ممارسة المشاركة السياسية في الواقع، فهم لا يشتركون في الندوات السياسية ولا يهتمون بالانتخابات سواء برلمانية أو انتخابات، ومع التطور المتاح في تكنولوجيا المعلومات والاتصال دفع المستخدمين للتعبير عن آرائهم من خلال الشبكات الاجتماعية. وبهذا يمكن القول إن الشبكات الاجتماعية باتت ثورة تكنولوجية في عالم المشاركة السياسية التي غزت العالم بأسره، ومن ثم المنطقة العربية، ونالت اهتماما واضحا وتدفق الشباب لدخولها والانتماء لمجتمعها، ونظرا لما تمثله هذه الشبكات من مجتمع افتراضي جديد تلاشت فيه الحدود، وأزيلت منه القيود، وشكلت في نفس الوقت ظاهرة إعلامية فريدة، فقد استوعبت كل أشكال الإعلام التقليدي وبثه في صورة تقنية حديثة، وعند الحديث عن علاقة الشبكات الاجتماعية بالمشاركة السياسية يجب أن نسلط الضوء على مواقع التواصل الاجتماعي والاهتمام السياسي للشباب، وبالتالي خلقت هذه الشبكات نوعا خاصا من الاهتمام بالأمور السياسية، وهذا راجع إلى خصائص هذه المواقع التي جعلت منها منابر للنقاش السياسي، وتبادل الآراء السياسية، وبذلك تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى فضاء لإشهار الأفكار السياسية والمشاعر الوطنية وتداول الأخبار كالفيديوهات، وابتكر المستخدمين أشكالا ظريفة وفريدة من التعبير الرمزي، بذلك مواقع التواصل الاجتماعي فضاء رئيسيا استخدمها الشباب، للتعبير والجدل والنقاش[22]. فتكاثر عدد المستخدمين وتحولت هذه الشبكات إلى منصة لنشر الفيديوهات وكتابة المقالات والانضمام إلى جماعات تشكلت حول مواضيع لا حصر لها، فتعددت الآراء والمواقف، ومن هذا المنظور يعتبر البعض أن الشبكات الاجتماعية تحولت إلى فضاء عمومي، يتفاعل مع فضاءات أخرى تقليدية لتشكل مجال عموميا جديدا ديمقراطيا منفتحا وجماهيريا، وأصبحت مجالا للنقاش والجدل والحوار باعتباره عمادا للديمقراطية.
يقتضي هذا المجال العمومي الديمقراطي والعقلاني شروطا أخلاقية وثقافية وسياسية كالاعتراف المتبادل بالشرعيات واستبعاد الحقائق المطلقة والمتعالية تنسف إمكانية النقاش، فالنقاش العام يفترض الاختلاف والقبول بالتنوع الفكري السياسي بأنهما حالة طبيعية للمجتمع، كما يقتضي النقاش الاتفاق على معايير مشتركة. كما يمكن أن يمارس الشباب في هذا المجال العمومي الافتراضي أنشطة جديدة ومتعاظمة ذات علاقة وطيدة بالشأن العام، تمثل قوة ثقافية تتجسد في تملك الوسائط والحضور في الفضاءات العمومية وابتكار أنماط جديدة من التعبير عن الهوية الذاتية والجماعية.
إن هذه القوة الجديدة التي أضحى يمتلكها مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي، هي شكل من أشكال المقاومة للهيمنة الاجتماعية، وهي ترتبط بما يسميه جون فيسك القوة السيميائية، أي قوة بناء المعنى والمتعة والهويات الاجتماعية المختلفة عن تلك التي تريد أن تفرضها الهيمنة الاجتماعية. وبذلك تعمل هذه المصادر الاعلامية المفتوحة على إعادة تشكيل المجال العام المفتوح الذي يدشن بفعل الاختيار المعرفي وما تتيحه المصادر الإعلامية الجديدة المفتوحة، كمركز القوة الفاعلة من الآلة والتكنولوجيا إلى الإنسان، ومن النخب إلى الناس[23].
تساهم هذه المصادر الإعلامية في إعادة تشكيل العميق للثقافة السياسية، وهي الملاذ الآمن الذي تولد فيه النقاشات العامة، يبرز ذلك بوضوح في الدول التي لم يتحرر فيها الإعلام بما يوفر إعلاما بديلا، حيث توفر شبكة الأنترنيت بنية تحتية لمعلومات مستقلة عن الدولة، ما يمكن الحركات الاجتماعية من النمو والازدهار عبر عمل تراكمي لا يخلو من الصراع. أما المرحلة الثانية من مراحل المشاركة السياسية وهي المعرفة السياسية، حيث ومن خلال اهتمام المواطنين بالأمور السياسية، يمكنهم من الحصول على العديد من المعلومات السياسية، والتي قد تشكل معرفة سياسية تتسع وتضيق حسب درجة الاهتمام السياسي ودرجة التعرض للمواضيع السياسية. ونظرا لخصائص مواقع التواصل الاجتماعي، فإن هذا يدفع إلى القول بأن مواقع التواصل الاجتماعي توفر قدرا هائلا من المعلومات السياسية، التي تؤدي إلى المعرفة وقد ساعدت في التأثير على المعرفة من خلال تسهيل الحصول على المعلومات من مصادر مباشرة وتسهيل توصيل المعلومات إلى الجمهور دون تحكم خارجي، فقد وضعت شبكة الأنترنيت أمام مستخدميها عددا ضخما يتنامى يوميا من مصادر الإخبار والمعلومات المتحررة من قيود المكان والزمان.
يؤكد “جون هيرمان” أن شبكة الأنترنيت وبما فيها مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت أكثر وسيلة إعلامية لإثارة الجدل والنقاش الديمقراطي، حيث تضيف أبعاد أخرى للاتصال مقارنة بالوسائل الإعلامية الأخرى، الطبيعة التفاعلية، وصعوبة السيطرة على المواقع الالكترونية والرقابة عليها، واتساع نطاق القاعدة الاجتماعية المستخدمة لها، وعدم تقييدها بالحدود الجغرافية والسياسية[24].
كما يرى كولمان، أن مواقع التواصل الاجتماعي أداة فعالة في تجديد العلاقة بين المواطنين والسياسيين وتعزيز الاتصال السياسي، ويحقق فوائد تدعم قيم المحاسبة والشفافية وهي، تقليل المسافة بين إنتاج وتلقي الرسالة، بما يولد نمطا اتصاليا غير وسائطي، وتعزيز الحوار والتفاعل بتمكين المتلقي من إبداء استجابة مباشرة على مضمونها، وإتاحة الفرصة لمنتج الرسالة فيعرض تعليقات المتلقي وطرح أشكال جديدة من مفاهيم القاعدة الشعبية والصحافة التشاركية، وبحيث منحت أفقا جديدا لحركات المعارضة الافتراضية والتي اتخذت طابعا عالميا، في ظل قدرة الشبكة على تحقيق التواصل بين النشطاء، وأصبحت مواقع التواصل الاجتماعي منبرا لنقد السياسات الحكومية والكشف عن الانحرافات وفضحها أمام الرأي العام، حيث تستخدم هذه المواقع كأداة للاحتجاج على السياسات الحكومية، أو كعامل مساعد في تنظيم تلك الفعاليات والتأثير على تشكيل وتعبئة الرأي العام، بعيدا عن دور النخبة التقليدية، واحتكار بعض الفاعلين التقليديين للمعلومات[25].
عموما فان الانترنيت ومواقع التواصل الاجتماعي على وجه الخصوص، أضافت أبعادا أخرى للاتصال تختلف عن النماذج التقليدية الغير متكافئة، والتي كانت تتيح الفرص لطرف على حساب الآخر في العملية الاتصالية، النخب الحاكمة في حالة علاقتها بالمشاركة السياسية والتي كانت تتحكم في إنتاج الخطابات العامة، بينما النموذج الجديد الذي ساهمت التكنولوجيا الحديثة للإعلام والاتصال، وخاصة الأنترنيت وميزته الأساسية التفاعلية، وبالتالي منح الفرصة للأفراد في إمكانية إنتاج الخطابات والمشاركة في الاتصال العمومي ويسهم في تشكيل فضاء عمومي أكثر انفتاحا، إذ لم يعد الفضاء العمومي مقتصرا على النخب السياسية والثقافية من أحزاب وجمعيات وغيرها نظرا لما تمتاز به استعمالات الأنترنيت.
أسهم الاعلام الجديد بأشكاله وتطبيقاته المختلفة، في إدماج الأفراد بشكل غير مسبوق في العملية السياسية والعملية الاتصالية، فأصبح لهم صوت مسموع في الساحة السياسية، وأتيحت لهم إمكانية التعبير الحر عن آرائهم وانشغالاتهم، فتطبيقات الانترنيت الحديثة مكنت الجمهور من الحوار والتفاعل مع رجال السياسة، ومع صانع القرار، وإيصال انشغالهم وهمومهم إلى السلطات، وهو ما يشكل فرصة للمشاركة الديمقراطية لم يسبق وأن أتيحت من قبل من طرف وسائل الإعلام التقليدية[26].
ففي التطور الهيكلي للإعلام الجديد، أصبح الفضاء العام عالميا وموطنا للفرد، يطرح من خلاله قضايا دولية مستفيدا من قنوات اتصال عديدة ومتنوعة ومستهدفا جماهير عالمية، كما تتضمن وسائل الإعلام الجديد فتح مجال حرية التعبير وحرية التجمع وحرية الصحافة والحق في المشاركة، دون ضغوط وحواجز في النقاشات السياسية، وفي عملية صناعة القرار من خلال المشاركة في دعم الآراء البناءة التي تعمل على رفع المستوى الحضاري للمرسل والمستقبل ضمن برنامج افتراضي حر تحكمه السرعة والتفاعلية والمجانية.
كما يوفر الإعلام الجديد حزمة من الفرص للأفراد والمنظمات والجمعيات والمؤسسات التعليمية والسياسية والرياضية والثقافية والدينية والمؤسسات الإعلامية، لتبادل المعلومات والتفاعل والتواصل مباشرة مع الآخر، دون تكلفة وفي فترة وجيزة لا تتعدى ثواني معدودات مما يعمل على دعم التفاعل ما بين الأطراف السياسية التي تعمل على رفع المستويات في كل الميادين. والمجتمع متمثلا في الطبقة المثقفة والعارفة لمبدئيات التعامل مع الوسيلة الإعلامية وتطبيقاتها، عبر الفضاء الحر بإمكانية واسعة في المشاركة في صناعة قرارات الرأي العام، وكذلك المشاركة في الأحزاب السياسية والبرامج الانتخابية والحملات الدعائية المساهمة والداعمة لجهة من الجهات السياسية.
المحور الرابع: تحولات الوعي السياسي الرقمي في السياق المغربي
ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي، في بلورة وعي جماعي حول العدالة الاجتماعية والمساءلة السياسية ومكنت من تداول واسع للمفاهيم الحقوقية والسياسية خارج الأطر التقليدية، لكنها كشفت أيضا عن تحديات مثل التضليل المعلوماتي والاستقطاب السياسي الرقمي.
وفيما يلي بعض الحالات الواقعية تم رصدها بالتحليل والوصف والتفسير وفق الجدول التالي:
(جدول رقم 1)
| الحالات الواقعية | المنصات الرقمية | الفاعلون الرئيسيون | مضمون التفاعل الرقمي | النتائج | الدلالات |
|
حملة المقاطعة الاقتصادية 2018 |
فيسبوك
تويتر منصة إكس
واتساب |
مستهلكون
نشطاء رقميون
مواطنون عاديون |
دعوات لمقاطعة منتوجات معينة احتجاجا على ارتفاع الأسعار |
انتشار وطني واسع للحملة
استجابة بعض الشركات
نقاش سياسي حول الاحتكار والغلاء |
تجسيد لوعي اقتصادي وسياسي
المواطنون ربطوا بين الأسعار والسياسات الاقتصادية والحكامة
تشكلت نقاشات سياسية حول العدالة الاجتماعية ودور النخبة الاقتصادية
تحول التفاعل الرقمي إلى أداة للضغط الاجتماعي |
|
حراك الريف (2016–2017) |
فيسبوك
يوتيوب
إنستغرام |
نشطاء محليون
إعلاميون
حقوقيون |
توثيق
الاحتجاجات
نشر المطالب تعبئة الرأي العام |
تفاعل رسمي وشعبي
تدويل القضية إعلاميا |
بروز وعي سياسي حول التنمية، العدالة المجالية، والمواطنة
توسع الاهتمام بالقضايا الجهوية والسياسات العمومية |
|
نقاشات الاستحقاقات الانتخابية
لسنة 2021 |
فيسبوك
يوتيوب
إنستغرام |
أحزاب سياسية
مرشحون
مؤثرون |
حملات تفاعلية للأحزاب وللمرشحين
نقاشات بين المواطنين حول البرامج الانتخابية وبين المشاركة أو المقاطعة |
ارتفاع نسبي في الوعي بالممارسة الانتخابية وأهمية التصويت رغم وجود عزوف لدى بعض الفئات
نقاش حول مصداقية الخطاب السياسي |
الوعي السياسي الرقمي قائم
لكن لم يتحول هذا الوعي كليا إلى سلوك انتخابي فعال |
|
نقاش القوانين
والسياسات العمومية 2020-2024 |
فيسبوك
يوتيوب
إنستغرام |
مثقفون
صحفيون
فاعلون مدنيون |
تداول واسع لمطالب الإصلاح السياسي
تفاعل الشباب مع محتوى سياسي مباشر
نقاش حول مشاريع قوانين مثل مدونة الأسرة وتقنين استعمال وسائل التواصل… |
التراجع عن بعض السياسات والقرارات
أو تعديل بعض مشاريع القوانين بعد ضغط الرأي العام |
الشبكات الاجتماعية كفضاء للنقاش العمومي الموازي للمؤسسات
مما يعزز الوعي القانوني والسياسي |
- معطيات من تجميع الباحث
تعد حملة المقاطعة مثالا بارزا على تحول التفاعل الرقمي إلى قوة ضغط سياسية واقتصادية واجتماعية حقيقية، وأظهرت قدرة المجتمع على التنظيم الذاتي عبر الإنترنت دون قيادة حزبية. كما أظهر الشباب المغربي أن الفضاء الرقمي يمكن أن يكون مدرسة للوعي السياسي والمشاركة حتى في حالة غياب أحزاب قوية تقليدية كانت تمسك بزمام المشهد الحزبي والسياسي. وبالتالي فإن المنصات الرقمية أصبحت أداة للتنافس السياسي وللتثقيف الانتخابي.
من خلال التحليل المقارن، فإن القاسم المشترك لجميع الحالات، يظهر أن التفاعلات الرقمية أصبحت وسيلة لإنتاج وعي سياسي جماعي خارج القنوات التقليدية. إلا أن هناك اختلاف في درجة تأثير هذا الوعي حيث تختلف بين القضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وبالتالي فإن النتيجة العامة تتمثل في أن الوعي السياسي في المغرب لم يعد حكرا على النخب، بل أصبح وعيا رقميا متدرجا يتشكل عبر التفاعل والممارسة اليومية على المنصات.
أصبحت المنصات الرقمية فضاء بديلا للنقاش العمومي والسياسي في المغرب، خصوصا لفئة الشباب، حيث إن التفاعلات الرقمية (تعليقات، وسوم، حملات) تمكن من تحويل القضايا المعيشية إلى قضايا سياسية، وظهور ما يمكن تسميته بالمواطنة الافتراضية، وعي بالحقوق، المساءلة والمصلحة العامة.
كما تعمل الوسائط التواصل الحديثة من خلال مزاياها في ارتباط وثيق مع التنمية السياسية على دفع الأفراد نحو المشاركة السياسية وتوسيع نطاقها وتعميقها، ومساعدة الجمهور على فهم المؤسسات السياسية الجديدة وخلق اتفاق عام حول القيم الأساسية في المجتمع. كما تعد وسائل الاتصال خاصة في الدول النامية من الأدوات الرئيسية التي تساعد الأفراد على إدراك الموضوعات السياسية، ولها دور في رفع درجة الوعي السياسي والاجتماعي وزيادة حجم ونوع المعلومات المتوفرة للأفراد، وهي قادرة على توسيع الآفاق وزيادة الطموح الشخصي، وبعبارة أخرى تعمل وسائل الاتصال على خلق المناخ الملائم لزيادة المشاركة السياسية، وتكوين رأي عام من خلال تزويد الجمهور بالأخبار والمعلومات والحقائق، ومن خلال استخدامها كقنوات للتعبير السياسي ونشر أفكار وآراء النخبة والتأثير على الجمهور[27].
خاتمة
أظهرت الدراسة من خلال تحليل مجموعة من الحالات الواقعية مثل حملة المقاطعة الاقتصادية لسنة 2018، وحراك الريف، والحملات الانتخابية الرقمية لسنة 2021، أن التفاعلات الرقمية أسهمت بشكل ملحوظ في تنمية الوعي السياسي لدى فئات واسعة من المواطنين المغاربة، ولا سيما الشباب. فقد تحولت المنصات الاجتماعية إلى فضاء عمومي بديل يتيح النقاش الحر حول القضايا السياسية والاجتماعية، ويسهم في نشر ثقافة المساءلة والمواطنة الرقمية.
وأبرزت النتائج أن التفاعلات الرقمية أفرزت أشكالاً جديدة من المشاركة السياسية غير التقليدية، تقوم على المبادرة الذاتية والحملات العفوية بدل الوساطة الحزبية أو النقابية، مما يعكس تحولا في بنية الوعي والممارسة السياسية داخل المجتمع المغربي. كما ساهمت هذه التفاعلات في ربط القضايا المعيشية اليومية بالخطاب السياسي العام، وأعادت تعريف مفهوم الفعل السياسي من كونه نشاطا نخبويا إلى ممارسة جماهيرية رقمية.
ورغم هذا التطور الإيجابي، تظهر النتائج أن الوعي السياسي الرقمي لم يتحول بعد إلى مشاركة سياسية مؤسساتية قوية، إذ ما تزال معدلات الانخراط الحزبي والمشاركة الانتخابية محدودة. ويعزى ذلك إلى عوامل متداخلة، منها ضعف الثقة في المؤسسات، وطبيعة المحتوى الرقمي السطحي أحيانا، إضافة إلى الطابع اللحظي وغير المستدام للحملات الإلكترونية.
لائحة المراجع المعتمدة:
الكتب
مكي، ثروت. (2005). الإعلام والسياسية: وسائل الاتصال والمشاركة السياسية. ط1. عالم الكتب للنشر والتوزيع. القاهرة.
سلطان، جاسم. (2008). قواعد في الممارسة السياسية. أم القرى للترجمة والتوزيع، المنصورة.
فتحي، شهاب. (2011). أوراق في التربية السياسية. مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع، القاهرة.
الحسيني، بديع، صبري. (2016). الوعي السياسي في الريف المصري. ط1. المركز الديمقراطي العربي، ألمانيا.
منصور، رضا. (2019). تنمية الوعي السياسي والانتماء الوطني في ظل التحديات الراهنة. منشورات جامعة العريش، مصر.
المقالات والدراسات
آل طويرش، موسى. (2009). الوعي السياسي كعنصر أساس في بناء النظام السياسي الديمقراطي. (العدد.28). مجلة المستنصرية، بغداد.
بعزيز، إبراهيم. (2011). دور وسائل الإعلام الجديد في تحول المتلقي إلى مرسل وظهور صحافة المواطن. (العدد.3). مجلة الإذاعات العربية، تونس.
حمراني، آمنة. (2013). دور الإعلام الجديد في تنمية الوعي السياسي في الوطن العربي. دراسة وصفية. جامعة باتنة. الجزائر.
كعسيس، خليدة. (2014). الربيع العربي بين الثورة والفوضى. (العدد.421). المستقبل العربي. مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.
بن عون، منى. (2016-06-30). مواقع التواصل الاجتماعي والمشاركة السياسية. العدد1. مجلة العلوم الاجتماعية والإنسانية. الجزائر.
لقوي، بوخميس. (2018). وسائل الاعلام والوعي السياسي في المجتمع الجزائري. دراسة ميدانية على عينة من أفراد المجتمع بولاية سكيكدة. (العدد.35). مجلة الباحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية، الجزائر.
الأطاريح والرسائل الجامعية
بلونيس، شيماء. (2015). دور وسائل الإعلام والاتصال الجديدة في التغيير السياسي. رسالة لنيل شهادة الماستر في العلوم السياسية، جامعة العربي بن مهيدي. الجزائر.
محمد، أيت احساين. (2018). دور شبكات التواصل الاجتماعي “الفايسبوك” في تسييس القضايا الاجتماعية بالمغرب: نموذج حراك الريف، رسالة لنيل شهادة ماستر التواصل السياسي، المعهد العالي للإعلام والاتصال، الرباط
بشرى، عيشاوي. (2019). تأثير مواقع التواصل الاجتماعي: فايسبوك-تويتر-يوتوب على الوعي السياسي. بحث لنيل شهادة الماستر في الاعلام والاتصال. جامعة أحمد دراية. كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية والعلوم الإسلامية، الجزائر.
[1]أيتاحساين، محمد. (2018). ). دور شبكات التواصل الاجتماعي “الفايسبوك” في تسييس القضايا الاجتماعية بالمغرب: نموذج حراك الريف، رسالة لنيل شهادة ماستر التواصل السياسي، المعهد العالي للإعلام والاتصال، الرباط. ص. 45.
[2] ايت احساين، محمد. (2018). مرجع سابق. ص. 46.
[3]بلونيس، شيماء. (2015). دور وسائل الاعلام والاتصال الجديدة في التغيير السياسي. رسالة لنيل شهادة الماستر في العلوم السياسية، جامعة العربي بن مهيدي. الجزائر: ص. 5.
[4]بلونيس، شيماء. (2015). مرجع سابق. ص. 6.
[5]حمراني، آمنة. (2013). دور الإعلام الجديد في تنمية الوعي السياسي في الوطن العربي. دراسة وصفية، جامعة باتنة، الجزائر: ص. 9.
[6]لقوي، بوخميس. (2018). وسائل الاعلام والوعي السياسي في المجتمع الجزائري. دراسة ميدانية على عينة من أفراد المجتمع بولاية سكيكدة. (العدد.35). مجلة الباحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية، الجزائر: ص. 1169.
[7]منصور، رضا. (2019). تنمية الوعي السياسي والانتماء الوطني في ظل التحديات الراهنة. منشورات جامعة العريش، مصر: ص. 62.
[8]آل طويرش، موسى. (2009). الوعي السياسي كعنصر أساس في بناء النظام السياسي الديمقراطي. (العدد.28). مجلة المستنصرية، بغداد: ص. ص. 60-67.
[9]لقوي، بوخميس. (2018). مرجع سابق. ص. 1172.
[10]فتحي، شهاب. (2011). أوراق في التربية السياسية. مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع، القاهرة: ص. 22.
[11]سلطان، جاسم. (2008). قواعد في الممارسة السياسية. أم القرى للترجمة والتوزيع، المنصورة: ص. 25.
[12]منصور، رضا. (2019). مرجع سابق. ص. 69.
[13]منصور، رضا. (2019). مرجع سابق. ص. 90.
[14]الحسيني، بديع، صبري. (2016). الوعي السياسي في الريف المصري. ط1. المركز الديمقراطي العربي، ألمانيا: ص. 29.
[15]منصور، رضا. (2019). مرجع سابق. ص. 92.
[16]منصور، رضا. (2019). مرجع سابق. ص. 94.
[17]لقوي، بوخميس. (2018). مرجع سابق. ص. 1174.
[18] بشرى، عيشاوي. (2019). تأثير مواقع التواصل الاجتماعي: فايسبوك-تويتر-يوتوب على الوعي السياسي. بحث لنيل شهادة الماستر في الاعلام والاتصال. جامعة أحمد دراية. كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية والعلوم الإسلامية، الجزائر: ص. 45.
[19]كعسيس، خليدة. (2014). الربيع العربي بين الثورة والفوضى. (العدد.421). المستقبل العربي. مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت: ص. 226.
[20]منصور، رضا. (2019). مرجع سابق. ص. 96.
[21]حمراني، آمنة. (2013). دور الإعلام الجديد في تنمية الوعي السياسي في الوطن العربي. دراسة وصفية. جامعة باتنة. الجزائر: ص. 142.
[22] بن عون، منى. (2016-06-30). مواقع التواصل الاجتماعي والمشاركة السياسية. العدد1. مجلة العلوم الاجتماعية والإنسانية. الجزائر: ص. 469.
[23] بن عون، منى. (2016-06-30). مرجع سابق. ص. 470.
[24] بن عون، منى. (2016-06-30). مرجع سابق. ص. 471.
[25] بن عون، منى. (2016-06-30). مرجع سابق. ص. 473.
[26]بعزيز، إبراهيم. (2011). دور وسائل الاعلام الجديد في تحول المتلقي إلى مرسل وظهور صحافة المواطن. (العدد.3). مجلة الإذاعات العربية، تونس: ص. ص. 45-56.
[27] مكي، ثروت. (2005). الإعلام والسياسية: وسائل الاتصال والمشاركة السياسية. ط1. عالم الكتب للنشر والتوزيع. القاهرة. ص 75.



