من التبعية إلى الانشقاق: فنزويلا كنذير لنظام دولي بلا مركز
بقلم : د.حمدي محمود – مدير المركز الديمقراطي العربي – القاهرة – مصر
تتجاوز الحالة الفنزويلية كونها أزمة سياسية أو اقتصادية داخل دولة نامية لتتحول إلى ظاهرة كاشفة عن التحولات العميقة التي تصيب بنية النظام الدولي في لحظة تاريخية تتآكل فيها مسلّمات الهيمنة الغربية. ففنزويلا تمثل نموذجًا مركبًا لما يمكن تسميته «التمرّد الحضاري من الداخل»، حيث لا يتم الانفصال عبر القطيعة الثقافية أو الدينية، بل عبر إعادة توجيه المعاني والوظائف داخل نفس الإطار الحضاري الذي نشأت فيه الدولة. هنا لا يكون الصراع بين “غرب” و“آخر”، بل بين مركز حضاري يسعى إلى تثبيت احتكاره للمعنى والشرعية، ودولة تنتمي إليه تاريخيًا لكنها ترفض موقع التابع داخله.
إن مفهوم «الدولة المنشقة» لا يكتسب في الحالة الفنزويلية بعدًا نظريًا فحسب، بل يتحول إلى توصيف ديناميكي لعملية إعادة تشكّل الدولة ذاتها. فالانشقاق هنا ليس حدثًا سياسيًا، بل مسارًا طويلًا من تفكيك التبعية الذهنية، يبدأ من مراجعة التاريخ الاستعماري لأمريكا اللاتينية، ويمر عبر إعادة تعريف السيادة والهوية، ولا ينتهي عند إعادة بناء التحالفات الدولية. هذا ما يجعل فنزويلا ليست مجرد حالة اعتراض، بل حالة إعادة كتابة للذات داخل الحضارة الغربية.
ينتمي المجتمع الفنزويلي ثقافيًا ولغويًا ودينيًا إلى الفضاء الغربي اللاتيني، لكن هذا الانتماء لم يمنع تراكم شعور تاريخي بالاغتراب داخل النموذج الغربي نفسه. فالدولة، رغم غربيتها الشكلية، ظلت لقرون في موقع “الهامش الوظيفي” داخل المنظومة الرأسمالية العالمية، مزوِّدة للمواد الخام وخاضعة لتقلبات السوق العالمية دون امتلاك أدوات القرار السيادي الحقيقي. ومن هنا، يمكن قراءة المشروع البوليفاري بوصفه لحظة وعي تاريخي جماعي، سعت فيها النخبة الحاكمة إلى تحويل الدولة من موضوع في النظام الدولي إلى ذات فاعلة تعيد تعريف موقعها ووظيفتها.
مع صعود تشافيز، لم تُستبدل سياسات بأخرى فقط، بل جرى استبدال منطق كامل في فهم الدولة والمجتمع. فقد أعيد تأطير الديمقراطية باعتبارها أداة تحرر اجتماعي لا مجرد آلية إجرائية، وأُعيد تعريف الاقتصاد بوصفه مجالًا للسيادة لا ساحة خاضعة لقواعد السوق العالمية وحدها. هذا التحول مسّ جوهر “العقل الليبرالي” الذي يقوم عليه النظام الغربي، لأن فنزويلا لم ترفض الديمقراطية، بل رفضت اختزالها في النموذج الليبرالي النيوليبرالي، وطرحت بديلًا يربط الشرعية السياسية بالعدالة والكرامة الوطنية.
هنا يبدأ الصدام الحقيقي مع المركز الحضاري الغربي، صدام يتجاوز المصالح ليطال المعنى. فالغرب لا يدافع فقط عن نفوذه المادي، بل عن احتكاره لتعريف ما هو “طبيعي” و“حديث” و“شرعي”. وعندما تجرؤ دولة من داخله على القول إن الحداثة ليست مسارًا واحدًا، وإن الديمقراطية يمكن أن تُفهم خارج السوق الحرة، فإنها تهدد الأساس الرمزي الذي يقوم عليه النظام الدولي الليبرالي. ولهذا، لم تُواجَه فنزويلا كحالة انحراف مؤقت، بل كتهديد بنيوي لوحدة النموذج.
تتضاعف حساسية هذا التهديد لأن فنزويلا استخدمت أدوات الغرب ذاته لمقاومته: خطاب السيادة، حقوق الشعوب، الجمهورية، ومناهضة الاستعمار. هذا “التمرّد الخطابي” يفرغ الهيمنة من مضمونها، لأنه يحرم المركز من امتياز تعريف القيم التي يدّعي تمثيلها. وبهذا المعنى، تصبح فنزويلا حالة اختبار لقدرة الغرب على فرض الإجماع داخل مجاله الحضاري، لا على أطراف بعيدة عنه.
ومع تحولات النظام الدولي، انتقل الانشقاق الفنزويلي من حالة عزلة إلى حالة تموضع استراتيجي جديد. فصعود الصين وروسيا لم يقدّم لفنزويلا دعمًا ماديًا فقط، بل فتح أفقًا فلسفيًا جديدًا يتمثل في كسر الربط الحتمي بين التنمية والاندماج القيمي في الليبرالية الغربية. هذا التحول يعيد تعريف مفهوم «البديل»، إذ لم يعد البديل مجرد احتجاج أخلاقي، بل خيارًا واقعيًا تدعمه قوى قادرة على موازنة النفوذ الغربي.
في هذا الإطار، تتحول فنزويلا إلى مختبر للتعددية القطبية القيمية، حيث تتعايش نماذج مختلفة للحداثة والسيادة داخل نظام دولي واحد. وهو ما يجعلها أكثر من حليف للصين أو روسيا؛ إنها نقطة التقاء بين تمرّد داخلي على الهيمنة الغربية وطموح دولي أوسع لإعادة توزيع السلطة والمعنى. وهنا تتقاطع أطروحات هنتنجتون مع غرامشي ووالرشتاين: الصراع ليس على من يملك القوة فقط، بل على من يملك تعريف الواقع.
ويزداد المشهد تعقيدًا مع دخول بعد «الجيوبوليتيك النفسي والعاطفي»، حيث لم يعد الصراع يدور فقط في ساحات الاقتصاد والسياسة، بل في الوعي الجمعي. فالحصار والعقوبات، بدل أن تُنتج الانهيار المنشود، ساهمت في بناء سردية مقاومة قائمة على الكرامة الوطنية والذاكرة الاستعمارية، ما حوّل الضغط الخارجي إلى عنصر تعبئة داخلية. في هذا السياق، تصبح العقوبات أداة لإعادة إنتاج الهوية المنشقة بدل تفكيكها.
كما تكتسب فنزويلا أهمية إضافية بوصفها ساحة مبكرة لمعركة «السيادة الرقمية» والالتفاف على البنى المالية الغربية، عبر التعاون مع قوى صاعدة في مجالات التكنولوجيا والتمويل البديل. هذا البعد يفتح أفقًا جديدًا للانشقاق، حيث لا تقتصر المواجهة على السياسة والاقتصاد، بل تمتد إلى الفضاء السيبراني والتحكم في تدفقات البيانات والمعرفة.
في نهاية المطاف، تمثل فنزويلا لحظة مفصلية في تاريخ ما بعد الهيمنة الغربية؛ فهي تكشف أن الخطر الأكبر على النظام المهيمن لا يأتي من خارجه المختلف جذريًا، بل من داخله القادر على إعادة توظيف لغته وقيمه ضده. إنها ليست دولة فاشلة كما يُراد تصويرها، ولا مجرد نظام معزول، بل تجربة تاريخية تشير إلى أن احتكار الغرب للمعنى والشرعية لم يعد مسلّمة، وأن المستقبل قد يكون فضاءً مفتوحًا لتعدّد الطرق نحو الحداثة، خارج “الوصفة الوحيدة” التي حكمت العالم لعقود.


