مقالات
الانكماش الاستراتيجي: نموذج بقاء إيران الجديد

اعداد : د. محمد خليل مصلح – دراسات اقليمية – شؤون اسرائيلية
- المركز الديمقراطي العربي
الانكماش الاستراتيجي الذي تمارسه إيران ليس علامة ضعف بل تكتيك بقاء مؤسسي. النظام يتخلى عن امتداداته الإقليمية في سوريا ولبنان والعراق واليمن لكنه يحافظ بشكل حازم على قلبه النابض: الحرس الثوري والجهاز الأمني. هذا التكتيك يذكرنا بالنموذج الصيني الذي نجح في البقاء عقوداً عبر فتح الاقتصاد محلياً مع الإبقاء على قبضة حديدية على السلطة السياسية. درس فنزويلا يكشف حدود الشرعية الدولية وبلطجية النظام الأمريكي وضعف المنظومة الدولية. سقوط زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو السريع في نظر ترامب يعلمنا أن الدعم الأمريكي ليس له علاقة بالديمقراطية أو الشرعية الشعبية بل بالطاعة الصريحة. ماتشادو كانت تمتلك كل شيء: انتخابات فازت بها بنسبة ساحقة، جائزة نوبل، دعم دولي واسع. لكنها سقطت لأنها لم تطيع الخط الأمريكي. هذا يعني أن أي معارض إيراني، ومن ضمنهم شاه بهلوي، لن يكون لاعباً حقيقياً إذا لم يمتلك أدوات القوة الداخلية. موقف القوى الدولية من الانكماش الإيراني. روسيا والصين تقبلان بالمخاطرة لأن إيران “كنز استراتيجي” لا غنى عنه. موسكو تحتاجها حتى لا تقترب امريكا من حدودها بنظام على غرار نظام الشاه والبقاء في المنطقة بعد أن خسرت سوريا. بكين تحتاجها لضمان نفط رخيص وممر آمن لمشروع الحزام والطريق. كلاهما يدرك أن إيران لن تنتقل إلى الحليف الأمريكي و حضن الشيطان الأكبر لأن الثقة مفقودة تماماً بين طهران وواشنطن بعد عقود من العداء. لكن روسيا والصين حذرتان: إيران تفاوض دائماً وقد تقدم تنازلات من دون استشارة الحليف استقلالية الدبلوماسية الإيرانية نقطة قوة في صالحها. ترامب قد يقبل بالصفقة الإيرانية. إذا عرضت طهران على واشنطن تجميد المشروع النووي ووقف التدخل الإقليمي وفتح سوقها النفطية، فإن ترامب – الذي يهمه الانتصار السياسي والمكاسب الاقتصادية – قد يوافق. سيرى في هذا إنجازاً تاريخياً: إنهاء التهديد النووي، خفض أسعار النفط، وتحقيق استقرار نسبي يسمح له بالتركيز على الصين كعدو رئيسي. لكن الشرط هو أن تكون إيران مطيعة ومنفتحة على المصالح الأمريكية، وألا تشكل أي تهديد لإسرائيل. التحديات الداخلية للانكماش. النظام يواجه مشكلتين أساسيتين: الأولى هي إعادة تأويل الأيديولوجيا أو التفاهم مع الايديولوجيا، كيف يتحول من “تصدير الثورة” إلى “حماية المسلمين من العدوان” دون أن يفقد شرعيته الدينية. الثانية هي إقناع الحرس الثوري الذي لا يريد تقليص دوره الإقليمي لأن لديه مصالح اقتصادية ونفوذاً سياسياً. أي انكماش يجب أن يشمل تعويضات للحرس: أكبر دور اقتصادي داخلي مقابل تقليل دور عسكري خارجي. مستقبل العلاقات الإقليمية في ظل الانكماش. الخليج سيشهد تحسناً نسبياً لأن التهديد المباشر يتراجع، لكن التسلح سيستمر لأن البرنامج النووي لم يُفكك بالكامل. إسرائيل قد تشهد تهدئة قصيرة المدى لكن الصراع سينتقل إلى مسائل أخرى مثل البرنامج النووي والقدرات الصاروخية. روسيا والصين ستدعمان النظام لكن بحذر شديد. أمريكا قد توافق على صفقة لكنها لن تثق تماماً. الخلاصة: إيران كدولة حيادية ثقيلة. لن تصبح إيران حليفة لأمريكا، لكنها لن تبقى عدوة. ستصبح دولة محايدة ثقيلة الوزن: نووية، نفطية، ذات موقع جغرافي استراتيجي، لكنها منكمشة داخل حدودها كنموذج الهند وباكستان. ستتفاوض مع الجميع دون التزامات كبيرة. وهذا هو السيناريو الأفضل لبقاء النظام: الحفاظ على القوة الداخلية مع تقليل الاحتكاك الخارجي. رضا بهلوي ليس جزءاً من هذا السيناريو. التغيير إذا حدث فسيكون من داخل النظام نفسه: قائد عسكري منشق يقبل بالتفاوض مع أمريكا ويحافظ على الهيكل الأمني. روسيا والصين ستدعمان لأن لا بديل، وترامب قد يقبل لأن المصالح الاقتصادية تغلب الأيديولوجيا. بهلوي وغيره من المنفيين سيبقون مشاهدين لا لاعبين. الفصل الجديد من تاريخ إيران لن يُكتب في لوس أنجلوس أو لندن، بل في طهران، وباللغة التي يفهمها الحرس الثوري: المصالح، لا الشعارات. اعداد الباحث محمد خليل مصلح
إيران في نقطة التحول والدور التركي المنافس دراسة استشرافية في مستقبل التحالفات الإقليمية وتأثيرها على القضية الفلسطينية الورقة الأولى: مقدمة – إيران في لحظة مفصلية 1.1. إطار الدراسة والسؤال المركزي تمرّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية في “مرحلة انتقالية حرجة”[1] لا تقتصر على أبعادها الاقتصادية أو الاجتماعية، بل تمتدّ إلى عمق البنى السياسية والأيديولوجية التي أسّست للنظام منذ عام 1979. فما يجري اليوم ليس مجرد “أزمة دورية يمكن احتواؤها”[2] بل هو تراكم لعقود من التناقضات الداخلية بين الوعود الثورية والواقع المعيشي. يطرح هذا التحليل سؤالاً مركزياً: كيف تؤثر التحولات الداخلية في إيران على التحالفات الإقليمية، وعلى مسار التطبيع مع إسرائيل، وعلى مستقبل الصراع العربي–الإسرائيلي؟ 1.2. منهجية التحليل تتبنى الدراسة منهجية تحليلية تراكمية تنتقل: 1. المستوى الداخلي: فهم عمق الأزمة الإيرانية من خلال المؤشرات الاقتصادية–الاجتماعية والانقسامات السياسية 2. المستوى الإقليمي: تقييم تأثيراتها على بيئة الإقليم الخليجي وشبكات الوكلاء 3. المستوى الاستراتيجي: استشراف السيناريوهات الممكنة وانعكاساتها على إسرائيل والصراع العربي–الإسرائيلي 1.3. أهمية التوقيت (2025–2026) تكمن أهمية الفترة الراهنة في كونها تشكل “نقطة تحول حاسمة حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية المزمنة مع تآكل الشرعية السياسية”[3] ويتزامن معها تراجع النفوذ الإقليمي الذي طالما اعتمد عليه النظام لتعويض ضعفه الداخلي. وفقاً لتقديرات معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، فإن “القدرة التسليحية لإيران على التسليح تراجعت بنسبة تتراوح بين 40-60% منذ 2023″[8] نتيجة العقوبات والضربات الاستباقية. الورقة الثانية: الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في إيران 2.1. المؤشرات الكلية للانهيار الاقتصادي يعاني الاقتصاد الإيراني من تضخم جامح يتجاوز 45% سنوياً[4] مما أدى إلى انهيار الريال الإيراني بأكثر من 80% منذ 2018[5] حيث بلغ سعر الصرف 600,000 ريال للدولار في السوق الموازية بحلول سبتمبر 2024[6]. تدهور القدرة الشرائية وارتفاع أسعار السلع الأساسية: – الخبز: زيادة بنسبة 300%[6] منذ 2021 – اللحوم: زيادة بنسبة 250%[6] في الفترة نفسها – لتر الحليب: يعادل ربع الحد الأدنى للأجور اليومي[7] مما يعكس انهيار القدرة الشرائية للأسر الفقيرة 2.2. هيكلية الاقتصاد المختلة تهيمن المؤسسات العسكرية والدينية على أكثر من 60% من الاقتصاد الرسمي[5] حيث يتحكم الحرس الثوري في: – الموانئ والشركات النفطية: عبر مؤسسة “خاتم الأنبياء” التي تدير 90% من مشاريع البنية التحتية الحيوية[5] – المصانع العسكرية–الصناعية: من خلال شركات “سايبان” و”مابنا” التي تهيمن على قطاع الطاقة[5] – شبكات التهريب والاقتصاد الموازي: وفقاً لدراسة كارنيغي للسلام الدولي، يدر الاقتصاد الموازي للحرس نحو 10-15 مليار دولار سنوياً[5] تُصرف أرباح هذه المؤسسات في “تمويل الميليشيات الخارجية والمشاريع الأمنية، وليس في تطوير البنية التحتية”[6] مما يُفاقم البطالة بين الشباب التي بلغت 25% بين الخريجين الجامعيين عام 2024[7]. 2.3. العقوبات والفساد تُعتبر العقوبات الدولية “عذراً” للنظام لتبرير إخفاقاته[7] في حين أن “الفساد يكلف الاقتصاد الإيراني أكثر من 30 مليار دولار سنوياً”[7] وفقاً لتقرير منظمة الشفافية الدولية لعام 2024[7]. تؤدي الأزمة الاقتصادية إلى: – تزايد معدلات الجريمة: ارتفاع بنسبة 40% في الجرائم الاقتصادية والعنف الاجتماعي[7] – انتشار التسول: في المدن الكبرى مثل طهران وأصفهان، حيث بلغ عدد المتسولين 3 ملايين شخص[7] – تفشي الأمراض المعدية: نقص اللقاحات والأدوية الأساسية أدى لوفيات 5,000 طفل سنوياً بأمراض يمكن الوقاية منها[7] — الورقة الثالثة: الاحتجاجات الشعبية وأزمة الشرعية 3.1. تطور موجات الاحتجاجات انفجرت الاحتجاجات منذ “أحداث مهسا أميني في سبتمبر 2022″[8] واتسمت بـ: – التوسع الجغرافي: من طهران إلى 100 مدينة صغيرة وأرياف للمرة الأولى منذ 1979[8] – التحول في الشعارات: من “الحجاب اختياري” إلى “الموت للديكتاتور” و”إيرانيون بدون حدود إيرانية”[8] – العصيان المدني المتزايد: في قطاعات التعليم والنفط والنقل، حيث شارك 500,000 عامل في إضرابات عام 2024[8] 3.2. الانقسام الطائفي والعرقي تتخذ الاحتجاجات طابعاً طائفياً جديداً يهدد وحدة النظام: – الأحواز: رفع علم إقليمي وهوية عربية معارضة[9] – كردستان: تعزيز مطالب الانفصال باستغلال الفوضى، مع تمدد نفوذ PJAK[9] – بلوشستان: هجمات مسلحة على قواعد الحرس من قبل “جيش العدل”[9] تُشكل هذه المناطق نحو 40% من السكان و50% من المساحة[9] مما يجعل أي ضعف في سيطرة النظام “تهديداً وجودياً مباشراً”[9] وفقاً لتقييم معهد دراسات الحرب. 3.3. أزمة المؤسسة الدينية والانتخابات انخفاض المشاركة الانتخابية: من 62% (2017) إلى 25% (2024) في انتخابات البرلمان[10] الانقسام المرجعي: بين مراجع قُم والنجف حول “استغلال الدين لأغراض سياسية”[11] حيث أصدر السيد الصدر بياناً في يونيو 2024 ينتقد “تسييس المرجعية”[11]. مسألة الخلافة: غياب إجماع على خليفة خامنئي (85 عاماً) يُسبب “جموداً استراتيجياً” في صناعة القرار[3] مع وجود 3 مرشحين رئيسيين: رئيسي (المحافظ)، رئيسي السلطة القضائية، وابن خامنئي مجتبى[3]. — الورقة الرابعة: التحديات الأمنية والانقسامات داخل النظام 4.1. تفكك التماسك الداخلي للنظام الحرس الثوري vs المؤسسات المدنية: “دولة داخل الدولة” تتحكم بـ70% من الميزانية الأمنية و40% من الاقتصاد[12] المحافظون vs الإصلاحيون: فقدان الإصلاحيين لمصداقيتهم بعد فشل روحاني (2013-2021) في تحقيق الانفتاح الاقتصادي[12] الجمود القراري: تأخر القرارات حول دعم الوكلاء بسبب غياب مركزية قوية[12]. 4.2. تفاقم التوترات العرقية تُظهر الأزمة أن “النموذج الإيراني المركزي فشل في امتصاص الهويات الفرعية”[13]: – كردستان: عمليات PJAK المسلحة تزايدت بنسبة 150% عام


