fbpx
مقالات

موسم ترنح الانظمه

كتب دكتور / احمد عثمان
مثلت الانتخابات التركيه االتي جرت مؤخرا الحلقه الاخيره في سلسله الانهيارات التي شهدتها الانظمه السياسيه في منطقه الشرق الاوسط خلال العقد الاخير فخلال ما يزيد عن عقد ونيف وبالتحديد منذ سقوط نظام صدام حسين في مارس عام 2003 ثم ما حدث من سقوط انظمه عربيه متعدده في اعقاب ثورات الربيع العربي وما حدث في مصر في 30 يونيو ثم سقوط المشروع الاردوغاني في انتخابات برلمانيه عصفت بسيطره حديديه لحزب العداله والتنميه علي الحكم في تركيا استمرت 13 عاما وبحلم تحويل النظام التركي لنظام رئاسي يقبض علي زمامه اردوغان ليبرز السؤال الاكبر وهو لماذا فشلت جميع الانظمه السياسيه بالمنطقه ووصلت جميعها لنهايات تراجيديه وطرق مسدوده برغم انها كانت نظما متعدده منها ما هو ديكتاتورى عسكرى علي غرار النظام الستاليني مثل نظام صدام حسين او النموذج الجماهيرى المتثورج المعتمد علي رشوه شعبه ماليا مثل نظام القذافي او الانظمه الديكتاتوريه المغلفه بغلاف ديموقراطي مدني ظاهرى مثل نظام مبارك في مصر وزين العابدين في تونس او نظام ديموقراطي به حزب يمتلك اله انتخابيه نظاميه قويه قادره علي فرض افكار وتوجهات ايديوجيه خاصه بحزبه وجماعته عبر قدره هائله علي الحشد خلال الانتخابات كما في حاله حزب العداله والتنميه التركي او جماعه الاخوان في مصر لا ريب ان معظم هذه المشروعات السياسيه الفاشله كان لديها قواسم مشتركه واخطاء مشتركه فمعظم هذه الانظمه كان يهدف الي التوسع الامبراطورى والهيمنه علي الاقليم وتصدير افكاره الي شعوب المنطقه سعيا لانشاء دوله كبرى او خلافه اسلاميه او فضاءات سياسيه كبرى خاضعه لسيطرته داخليا هذه الانظمه اشتركت جميعها في انها لم تستطع ان تفي بوعودها لشعوبها بتقديم مشروعات اقتصاديه وتنمويه مستقره قادره ليس فقط علي تحقيق الرفاهيه بل والتقدم التكنولوجي والحضارى اللازم لتجاوز عتبات تصنيف دول العالم الثالث الي ما هو ارقي واعظم ولم تستطع هذه الانظمه في الدول متعدده القوميات مثل تركيا وسوريا والعراق ان تصل لمعادله لاحتواء الجميع تحت مظله الوطن كذلك برزت الورقه الطائفيه كعنصر هام في تكوين الانظمه السياسيه بالمنطقه وفي كيفيه اتخاذها للقرار الداخلي للدرجه التي جعلت من الطائفه العلويه في سوريا مثلا المحتكر الرئيس لجميع المناصب القياديه في الجيش والمخابرات والاماكن الحساسه في الدوله ولم تتمكن ايضا هذه الانظمه من الايمان بفكره الديموقراطيه لا بمظهرها ولكن بجوهرها الذي يتقبل فكره تداول السلطه سلميا وعدم تخوين المخالفين واعتبارهم جزء من العمليه السياسيه الشرعيه وانه لا يجوز فرض الديكاتوريه ولو بالصناديق وهذا بالتالي ادى لتعامل هذه الانظمه مع اى كيان سياسي مناوىء اما بالقمع الامني او بالرشوه الماليه والتقزيم السياسي كما كان يفعل مبارك مع نحو عشرين حزبا ديكوريا تضفي واجهه ديموقراطيه علي النظام وهو ما حرم الانظمه السياسيه من الحيويه والجاذبيه وادى بالتالي لفراغ سياسي قاتل كذلك اشتركت هذه الانظمه جميعا في الانغماس في فساد السلطه وزواجها برؤوس الاموال ولعل ما شهدته تركيا من وقائع فساد كبرى تستر عليها حزب العداله والتنميه في تركيا مؤشر واضح لذلك والتي كان احد المتهمين الرئيسيين فيها بلال اردوغان نجل رجب طيب اردوغان والتي وصل حجم الفساد بها الي نحو مائه مليار دولار وفق تصريحات المدعي العام التركي وقتها معمر عكاش الذى تمت الاطاحه به من منصبه للتعتيم علي القضيه يلاحظ ايضا ان جميع هذه الدول لديها حقيقه ديموغرافيه كان من المفروض ان تمثل محركا للانجاز وهو ان نسب الشباب لديها تمثل ما بين 40% الي 60% من اجمالي السكان وهو ما فشلت هذه الانظمه في التعاطي معه كعامل قوه واتجهت بدلا من ذلك اما لتجاهله او لاعطاءه مسكنات بوعود معسوله لا تتحقق ابدا او بالتعامل الامني والقمعي وحتي بعد موجه الربيع العربي عادت ريما لعادتها القديمه وهو ما جعل فشل احتواء الشباب وتوجيه طاقاتهم درسا غائبا عن مخيله صانعي السياسات في هذه الدول رغم انه يتحقق علي الضفه المقابله في القاره العجوز التي يمسك بزمام قياده احد اهم دولها مثل بريطانيا لفتره ثانيه رئيس وزراء كديفيد كاميرون في مقتبل الاربعينيات وحين نضع مقوله المؤرخ البريطاني توينبي امامنا حين قال أن الدولة عندما تصل لمرحلة تعجز فيها عن الاستجابة للتحديات التي تجابهها فانها تسقط من الداخل انتحارا وليس قتلا لانه حدث لديها شرخ في الروح يقود إلى موت القدرة الروحية والأخلاقية على الإبداع والتجديد التي من شأنها مجابهة تلك التحديات فتدخل عندئذٍ الدولة في مرحلة الانهيار فاننا نجد ان هذا هو ما حدث لهذه الانظمه المتهاويه تماما فقد افتقدت القدره علي الابتكار السياسي والمناوره السياسيه وتجديد نفسها بنفسها والخروج بحلول لتواجه ازماتها فمثلا حسني مبارك لم يكن لديه الذكاء الكافي للقيام بمناوره لاعاده تخطيط النظام السياسي في اواخر حكمه بالسماح مثلا للاخوان بتشكيل حزب والاندراج في العمل السياسي بهدف حرقهم امام الشعب وادخال بدائل سياسيه اخرى مواليه له بما كان سيقوم بمنح النظام بعض الحيويه وتفريغ طاقه الغضب والفراغ السياسي ولجأ بدلا من ذلك للطريق التقليدى وهو التزوير الفاضح في انتخابات برلمان 2010 اما في حاله تركيا الارودغانيه فالحزب الحاكم فلم يكن لديه اى ذكاء سياسي لينفتح علي خصومه السياسيين ويلقي لهم ببعض الفتات من الكعكعه السياسيه وحكم منفردا لمده 13 عاما اعتمادا علي قوته في الحشد مما جعله الان منبوذا من القوى السياسيه الاخرى بل انه لم يحاول تجديد الوجوه القياديه في حزبه وحاول تغيير النظام الي رئاسي ليشرعن للهمينه السياسيه عبر تركيز قدرته الانتخابيه علي مقعد واحد هو مقعد الرئيس بما يركز من جهود الاله الانتخابيه للحزب عليه بدلا من خوض معركه 550 مقعد في البرلمان في المستقبل في حين انه كان يستطيع تفادى هذه المعركه التي كشفت الرغبات السلطويه لادروغان وكلفته غاليا ايضا كان بوسع كل بشار الاسد وزين العابدين التنازل عن السلطه لاشخاص اخرين من الدوائر المقربه في مناوره لتفادى ما حدث تاليا من مصائب حلت علي كلا النظامين او القيام بالتفاوض للوصول لصيغه مرضيه للمشاركه في السلطه وهو ما قام به بنجاح الملك الحسن في المغرب والملك حسين في الاردن واللذان تمكنا بفضل هذه المرونه السياسيه في الافلات من عواصف الربيع العربي حين كانت في اوجها اما خارجيا فلم تتخلص ايضا هذه الانظمه من مراعاه توزانات دوليه خاصه بمصالح الطبقات الحاكمه دون ان يكون الهدف الاسمي المصالح العليا للشعوب بل ان بعض هذه الانظمه كنظام القذافي المقبور ونظام بشار الوحشي خرج معترفا كالمجرمين بحيازه اسلحه دمار شامل طالما انفق كلاهما علي اقتنائها مليارات الدولارات من قوت شعوبهم وطالما تباهي منافقوه بقدره هذه الاسلحه علي ردع الاعداء في محاولات يائسه لاطاله امد البقاء في مقاعد السلطه كذلك نجد نظاما كنظام بشار فرط في كل اعتبارات الامن القومي السورى وسلم مقدرات الدوله السوريه لايران تسليما كاملا من اجل انقاذه وانقاذ طائفته ونظامه وهو ما فعله مبارك تماما حين باع الغاز الطبيعي المصرى برخص التراب لاسرائيل وحين تنازل عن حقوق مصريه اكيده في حقول غاز غنيه علي اطراف الحدود البحريه والاقتصاديه المصريه دون مقابل الا الحفاظ علي مصالحه ومصالح نظامه او حين تراجعت تركيا عن سياسه صفر مشاكل التي انتهجتها قبل ثورات الربيع العربي ودخولها صراع حاد ضد مصر التي تعد لاعبا رئيسيا في الاقليم من اجل الانتماء الايدلوجي المشترك مع جماعه الاخوان المسلمين ايضا انغمست هذه الانظمه في صراعات اقليميه ودوليه ساخنه مع جيرانها تحت وهم فرض السياده علي الاقليم سواء كانت صراعات عسكريه او سياسيه مما خلق عداءات واسعه مع دول الجوار وادخلها في حروب استنزاف لقدراتها خاصه في ظل عدم وجود اليات واضحه ومرنه لكيفيه اداره هذه الصراعات وتحقيق مكاسب محدده منها وفي ظل مراهقه سياسيه في التفاعل مع القوى الكبرى سقطت بعض الانظمه في فخاخ نصبتها امريكا كما حدث حين بدا لصدام ان السفيره الامريكيه ايريل جلاسبي اعطته ضوء اخضر لاجتياح الكويت ايضا لم تنجح هذه الانظمه في اجاده اللعب بمعطيات العصر من وسائل تواصل اجتماعي وتكنولوجي وفني وحضارى من اجل كسب عقول وقلوب سائر شعوب الاقليم ولا احد ينسي ان القوه الناعمه للسينما المصريه في الاربعينيات والخمسينيات والستينيات كانت سلاحا قاطعا للدرجه التي تم احراق عشرات من القنصليات والسفارات الفرنسيه في عموم قاره افريقيا بعد عرض فيلم جميله بوحريد في سينمات افريقيا ولا يمكننا ان ننكر ان تركيا كانت قد اكتسبت ارضيه عاطفيه كبيره لدى الشعوب العربيه عبر الدراما التركيه ولكن معظم هذه الانظمه خسرت معركه القوه الناعمه لتكون الفكره السائده عنها هي انها انظمه مستبده كريهه تئن منها شعوبها ودلاله ذلك انك ان ذكرت عهد صدام حسين في اى نقاش لمثقفين فان كتاب جمهوريه الخوف الشهير سيبرز لواجهه النقاش بشكل اكيد وسيتبارى الجالسون لو كانوا من الاقل ثقافه في نقل قصص صدام حسين وهو يتجول بمسدسه في ربوع العراق مطلقا النار علي رؤوس المعارضين دون رحمه ولن تجد مثلا في التراث الاخواني الممتد لزهاء ثمانين عاما اثرا لروائيين وقصاصين وفنانين ولكنك ستجد نقاشا حادا حول كتابات تشرعن العنف ككتابات سيد قطب ايضا كان الفن في عمومه في عهد مبارك خاضعا للتجاره في قسمه الاكبر وحتي اغانيه الوطنيه كانت تمجيدا في الحاكم ولا تصلح كدعايه للنظام ولا لاجتذاب مريدين له لا في الداخل ولا في الخارج كما انه كان غافلا تماما عن فائده وسائل التواصل الاجتماعي كالفسبوك وتويتر ولم تتعد معرفته بهما سوى انه يجب ان تكون هناك مباحث اتصالات لتراقبهما ما بالك باستخدامهما للترويج له ولنظامه وبذلك فان وجود قوه ناعمه حضاريه تجمل وتحفز وتمنح بريقا لمشروعات هذه الانظمه السياسيه الساقطه كان كفيلا باعطاءها قوه اكبر ومناعه ولعل هذه النقطه الوحيده التي تفوق بها نظام كالنظام الايراني رغم مساوئه علي الانظمه الاخرى وهي اتخاذه من نقطه التشييع كغطاء لسياساتهم التوسعيه والقوميه بما يجعل لمشروعهم جاذبيه عاطفيه دينيه تجد قبولا في العديد من مناطق الاقليم.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق