fbpx
الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

إيران … إذا أردت السلم فاستعد للحرب

اعداد : محمد الأمين بن عائشة – باحث في العلوم السياسية و العلاقات الدولية

المركز الديمقراطي العربي
نجاح إيران في برنامجها النووي خلط أوراق الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة بالرغم من كل العقوبات المفروضة على إيران، وأدى إلى إلغاء المخططات الأميركية لضرب إيران على غرار ما حصل مع العراق ، إلا أن الوضع في إيران هو أصعب و أكير تعقيدا و في نظرنا الولايات المتحدة الأميركية غير قادرة على مهاجمة إيران حاليا و ذلك على الأقل للأسباب التالية- من وجهة نظرنا المتواضعة-، أولا غياب أدلة واضحة على وجود تهديد إيراني واضح و صريح، ثانيا أن الهجوم الأميركي على إيران سيتم اعتباره إعلان حرب من طرف واحد و هذا لا يساعد أميركا من الناحية القانونية داخليا و الشرعية الدولية عالميا مما سيساهم في زيادة العزلة الأميركية على الساحة الدولية، وأي ضربة أميركية على إيران ستزيد من وحدة الجمهورية الإيرانية و دعمها لسياسة أحمدي نجاد، كما أن ردة فعل إيران و حزب الله لن تكون بسيطة و الحرب مع إيران لن تنتهي في أيام بل قد تأخذ سنوات طويلة، كما أن مهاجمة إيران لا تقتصر عليها فقط بل قد تتورط فيها روسيا و الصين نظرا لمحاولتها منع المزيد من الزحف الأميركي في المنطقة ، مما يعني أن الحرب على إيران هي تهديد مباشر و صريح من أميركا إلى روسيا و الصين، كما أن الحرب على إيران ستكلف الولايات المتحدة الأميركية أموال طائلة و أميركا ليست مستعدة لدفع تكاليف أخرى بعدما أنفقته في العراق و أفغانستان وما تنفقه في الشرق الأوسط.
وبناءا على ماسبق فان أي محاولة أميركية لضرب إيران هي بمثابة بداية لحرب عالمية ثالثة انطلاقا من نظرية توازن القوى، فإذا تحالفت الولايات المتحدة الأميركية مع إسرائيل وبريطانيا وربما اليابان فهذا غير كافي لآن أعداء أميركا هم كثر ، و في الجهة المقابلة ستتحالف إيران مع روسيا و الصين وبعض الدول الأوربية التي تسعى للقضاء على الامبراطوية الأميركية ، مما يعني نهاية أميركا و بداية عهد جديد في العلاقات الدولية ، إن هذا السيناريو قابل للتجسيد في ارض الواقع عاجلا أم أجلا وهو ما يدخل في إطار دورة القوة وكل الدراسات الاستراتيجة و الاستشرافية تؤكد انتقال الثروة و القوة من الغرب إلى الشرق،مثلما أكده Robert kagan وأكدته مختلف الدراسات الأكاديمية وخصوصا الأميركية.
إيران على طريقة ميكيافللي.
في التقرير الأخير لمجلس الاستخبارات الأميركي و في وثيقة الاستراجية الأمنية الأميركية لعام 2012 تؤكد في أحد نقاطها على وجود تحالف جيواستراتيجي دبلوماسي عسكري بين الولايات المتحدة الأميركية والهند،هذه الوثيقة التي اعتبرت الهند الشريك الاستراتيجي رقم للولايات المتحدة الأميركية في قارة أسيا وهذا له العديد من الدلالات الاستراتيجة أهمها محاولة حصار المد الصيني بالإضافة إلى حماية إسرائيل خصوصا بعد توقيع الاتفاقية الأميركية – العراقية التي تضمن مصالح الولايات المتحدة الأميركية خصوصا من الجانب الاقتصادي و الطاقوي لكن ما يتناسه الجميع هو أن هذه الاتفاقية هي لصالح إسرائيل خصوصا إذا ما اطّلعنا على محتوى هذه الاتفاقية التي تدوم لتسعة و تسعون 99 سنة ، بالإضافة إلى وجود أكبر سفارة في العالم في العراق التي تصم أكثر من 21 ألف موظف من إداريين و رجال أمن، بالإضافة إلى الدرع الصاروخي، لكن إيران و بالإرث الفرسي تتبع نصائح ميكيافللي بحذافره فيما يخص سياسة البقاء في نظام الأقوياء والحل يمكن كما قال نيكولو ميكافللي nicollo michiavelliالاعتماد على القوة الذاتية للبقاء ، هذا من جهة ومن جهة أخرى نجد أن إيران تحاول تطبيق ما تحدث عنه hans morgannthauهانس مورغنثو في كتابه السياسة بين الأممpolitics among nations سنة 1948 الذي يعتبر الأب المؤسس للواقعية التقليدية في العلاقات الدولية فإيران تحاول تطبيق سياسة استعراض القوة لإنجاح نظام الهيبة و المكانة الذي تحدث عنه هانس مورغنثو وهو ما تؤكده المناورات العسكرية التي تقوم بها إيران في مضيق هرمز.

عرب و فرس…صراع الماضي بثوب معاصر.
إيران تحاول تطبيق ما تحدث عنه “هانس مورغنثو” في كتابه “السياسة بين الأمم ” سنة 1948 الذي يعتبر الأب المؤسس للواقعية التقليدية في العلاقات الدولية فإيران تحاول تطبيق سياسة استعراض القوة لإنجاح نظام الهيبة و المكانة الذي تحدث عنه هانس مورغنثو وهو ما تؤكده المناورات العسكرية التي تقوم بها إيران في مضيق هرمز، هذه المناورات التي تعد الأخطر والأقوى من نوعها فهي رسالة تهديد مباشر من طرف إيران إلى كل أعدائها خصوصا إسرائيل فتدخل الولايات المتحدة الأميركية في هذه القضية هو بهدف حماية ابنتها المدللة إسرائيل فهذه المناورات العسكرية الإيرانية موجهة بالدرجة الأولى إلى تل أبيب مما أثار خوف هذه الابنة المدللة بالرغم من امتلاكها أكثر من 200 رأس نووي وترسانة عسكرية جد متطورة لكن ماذا يفعل الأسد إذا هاجمه النسر؟!!!.
العرب وإيران… توتر دائم.
ما هي طبيعة العلاقات العربية –الإيرانية؟ ما الذي يحول دون خلق أجواء إيجابية في العلاقات العربية الإيرانية؟.
من وجهة نظرنا المتواضعة يمكن القول أنه ثمة خمسة احتمالات في تصور الإشكالية المفترضة:
1-أن تكون المسألة عرقية كامنة في طبيعة العلاقة بين العرب والفرس(لكن الإسلام حلّ المشكلة لما قال العرب و العجم نهضوا بالدولة الإسلامية).
2-أن تكون المسألة ثقافية محورها صراع “الإسلام و العروبة”.
3-أن تكون الإشكالية مذهبية نابعة من الخلاف السني و الشيعي.
4-أن تكون المصالح السياسية المصدر الأساسي.
5- أن تكون هناك أطراف خارجية تعمل على إبقاء الصراع.
لقد أفرزت تجربة صراع السنوات الثماني بين إيران و العراق ثقافة عملت في مجراها العريض على تعميق الفجوة ليس فقط بين الطرفين و إنما بين إيران والعرب بوجه عام حتى ذهب الكثير من الباحثين العرب لاعتباره صراعا تاريخيا و حتميا كان منذ الأزل و مستمر بالضرورة للأبد واستندوا في ذلك إلى العنصر القومي “عرب و فرس” الذي يؤدي فيه العرق دور الحائل الذي يقف دون إمكانية التلاقي، و كان الخطاب السياسي العراقي أول من فتح الباب لإثارة البعد القومي أو العرقي بتسمية المعركة ضد إيران باسم “القادسية”(المعركة الأولى للمسلمين ضد الفرس ) ومرة ثانية باستخدام كلمة “الماجوس” في وصف الإيرانيين (المجوسية هي عقيدة الفرس قبل الإسلام).
لهذه الأسباب لا نهاجم إيران.
إذن نلاحظ أن ثمة أدوار سلبية قامت بها أطراف أدت لإحداث الفجوة و تشويه الرأي العام تجاه المشكلة، فالخطاب السياسي العربي الذي وقف موقف الخصومة من إيران والعراق في المقدمة أثار القضايا المذهبية والعرقية لكن لا نستطيع إلغاء دور العنصر الأجنبي المتآمر في الموضوع و هي حقيقة نفهمها و إن لم تتوفر لنا وقائع إثباتها إذ ثمة أطراف معنية “إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية” سعت لإقامة حاجز كثيف من العداوة والبغضاء بين العرب وإيران فهؤلاء يعلمون أن لقاءا عربيا إيرانيا من أي نوع هو نذير بتغيير خريطة المنطقة و مقدمة لتغيير و تهديد استراتجيات الدول الكبرى فلا يمكن استبعاد الدور الأجنبي في حث العراق على الهجوم على إيران بعد نجاح الثورة الإسلامية لأن:
1-إيران دولة إسلامية شقيقة تجمعنا بها أخوة الدين منذ 14 قرن فهي تمثل عمق إستراتيجي و مخزنا ثريا كبيرا ينبغي أن يحسب وزنه.
2- إيران هي تجربة إسلامية بالغة الثراء فالثورة التي شهدتها إيران في نهاية السبعينات تظل حدثا ضخما فهي أول محاولة لإقامة دولة إسلامية عصرية بعد إلغاء الدولة الإسلامية، وهنا نركز على عامل الدين فمهما اختلف العرب مع إيران إلا أن عامل الدين له دور مهم جدا في استمرار إيران وتوتر علاقاتها مع الغرب، فلماذا نهاجم إيران إذا كانت هي الدولة الإسلامية الوحيدة في العالم ولماذا نهاجم إيران إذا كانت تحمي الإسلام- بغض النظر عن قضية الشيعة- ولماذا الكل يكره إيران هل بسبب الدين هل بسبب الإسلام هل بسبب قوتها وتعنتها في مواجهة الغرب، هل نكره إيران لأن أمريكا وإسرائيل يكرهان إيران؟ ، أنا لست أدافع عن إيران وإنما أريد أن يفيق الحكام العرب من سباتهم ويعرفوا من هو عدوهم الحقيقي.
3-إيران هي أحد أضلاع المثلث الذي تعتبره الدراسات السياسية والإستراتيجية الأميركية ركيزة ما يسمى الشرق الأوسط و مركز الثقل فيه الضلعان الآخران هما مصر و تركيا.
4-إيران هي قفل استراتيجي لآسيا فقد كانت الجسر البري الذي كانت التجارة تنقل عبره بين الشرق و الغرب من خلال ما عرف طريق حرير الأمم.
الدولة الصفوية صديق-عدو لا نثق بها.
الدولة الإيرانية تعتبر نفسها تاريخياً وارثة مجد مملكة الفرس المجوسية، ومن ثم فإن العداء الإيراني لكل ما هو عربي معروف للجميع، خاصة عرب الجزيرة والحجاز الذين عبروا النهرين ـ دجلة والفرات ـ أيام الراشدين واجتاحوا المدن الفارسية وأسقطوا إيوان كسرى وعروشه ، وورثوا ملكه ، وصلوا صلاة الفتح في قصره الأبيض بالمدائن ، وأطفئوا نار المجوس المقدسة للأبد ، وذلك في سنوات قليلة مما جعل صدور الإيرانيين تشتعل غلاً وحقداً علي العرب عامة وعرب الفتح خاصة بصورة لم تفلح القرون والسنون في إطفائها ، لذلك وجدنا عبر التاريخ الإسلامي العديد من المحاولات الإيرانية المجوسية من أجل هدم الأمة الإسلامية منها محاولة أستاذ سيس سنة 136هجرية ، وبابك الخرمي سنة 202 هجرية ، والأفشين سنة224 هجرية ، ومردوايج323 هجرية ، وأسفار بن شيرويه سنة 316 هجرية ، بل قامت العديد من الدول والممالك ذات الأصول الفارسية التي كانت لا تخفى عدائها للعرب والخلافة مثل الدولة البويهية ، والدولة السامانية ، والدولة الزيدية ، وكلها دول ظهرت وقويت شوكتها في الهضبة الإيرانية .
بعد ذلك ظهرت الدولة الصفوية والتي تعتبر الأساس التاريخي المعاصر للدولة الإيرانية المعاصرة ، وكانت الدولة الصفوية من ألد أعداء الدولة العثمانية بسبب زعامتها للعالم الإسلامي السني ، ودخل الصفويون في معارك طاحنة وكثيرة ضد العثمانيين ، ووضعوا أيديهم في أيدي ألد كل أعداء المسلمين من روس وبرتغاليين وانجليز وغيرهم ، وكانوا في عداوتهم للدولة العثمانية ألد وأشد من عدائهم للصليبيين، ولم يكن من مبرر للصفويين في عداوتهم للعثمانيين سوي المذهب و الدين ، ووقف الدولة العثمانية سداً منيعاً أمام المخططات الصفوية لنشر التشيع في العالم الإسلامي ، و ما بدأ العثمانيون حربهم علي الصفويين أيام السلطان “سليم الأول” إلا بسبب الاضطهاد الوحشي لأهل السنة بالهضبة الإيرانية والمذابح المروعة التي قام بها الشاه “إسماعيل الصفوي” بحق أهل السنة والتي راح ضحيتها قرابة المليون مسلم سني ، وأجبر معظم سكان إيران علي التشيع الذي جعله الدين الرسمي لدولته ، حتى غدا أهل السنة أقلية بأرضهم ، وظلت الدولة الصفوية علي أجندتها الخاصة بعداوة الدولة العثمانية حتى سقطت وحلت محلها الدولة القاجارية والتي سارت علي نفس خط الصفوية في عداوتها للدولة العثمانية وأهل السنة حتى سقطت الدولة العثمانية.
صراع تقليدي على الحدود.
إذا رجعنا إلى فكرة حسابات المصالح و دور الاستعمار نجد أن مشكلة الحدود بين إيران و جيرانها العرب كانت على الدوام مصدر الخلاف و ذلك يرجع على الأقل إلى الأسباب التالية:
• هو أن القوى الاستعمارية و الانجليزية في المقدمة منها دورها الذي لا يجب إغفاله في إذكاء الصراع و تعميمه.
• هو أن استبعاد العنصر العرقي أو القومي كسبب للخلاف و تركيزه في محيط المصالح فتح الباب لتأرجح تلك المصالح بين احتمالات الشقاق و الوفاق فحيثما تعارضت المصالح ثارت المشاكل و تفجر الخلاف و حيث تلاقت طويت صفحة الخلاف.
يجب معرفة أن العراق بصورته الحالية لم يكن موجود كوحدة سياسية مستقلة فقد كانت الموصل و بغداد و البصرة ولايات تابعة للدولة العثمانية ولكن الحرب العالمية الثانية وضعت بعض الدول من بينها العراق تحت الحماية البريطانية و بعد ثورة العشرين انصاع الحكم البريطاني و أصبحت العراق مملكة.
لم تكن الحدود بين ولايات الدولة العثمانية و أراضي الدولة الفارسية متفقا عليها فكانت إيران تطمع في السيطرة على بغداد و المدن المقدسة في العراق و كذلك ممارسة نوع من الحماية على شيعة العراق، و في أوائل القرن التاسع عشر تصاعدت المناوشات بين إيران و الدولة العثمانية فاحتلت بغداد مما أدى إلى عقد اتفاقية في 1823التي نتج عنها:
 عدم تدخل إيران في الشؤون الداخلية لولاية بغداد و مناطق كردستان.
 حق الإيرانيين في أداء فريضة الحج في الحجاز.

إلا أنه وبالرغم من كل هذه المشاكل السطحية و الشكلية هناك صراع حقيقي وقوي بين إيران و الدول العربية وهو صراع طائفي ديني تتخله تدخلات أجنبية كثيرة……يتبع.

المراجع:
1- محمد صادق صبور،الصراع في الشرق الأوسط و العالم العربي(القاهرة:دار الأمين ،ط.1،2002).
2- فهمي الهويدي،العرب و إيران.(القاهرة :دار الشروق،ط.1،1991).
3- مأمون كيوان،اليهود في إيران.(لبنان:بيسان للنشر و التوزيع والإعلام ،ط.1، 2002).
4- Yves Bonnet ,la trahison des Ayatollahs. (France :Jean picollec ,1995) .

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق