fbpx
تحليلات

الفاعل الرقمي ودوره في تعزيز الهيمنة الدولية… من يملكه يسيطر على العالم

اعداد : د. سيف نصرت توفيق الهرمزي
مقرر قسم الدراسات الدولية \ العلوم السياسة \ جامعة تكريت
سكرتير تحرير مجلة تكريت للعلوم السياسية
سكرتير تحرير دورية شؤون سياسية
عضو فى المركز الديمقراطي العربي

يقول “توفلر ” (إن التغيير وسرعة التغيير في ظل الثورة المعلوماتية هي سمة العصر ومرضه في الوقت نفسه، فهو يمس الأفراد والمجتمعات والمؤسسات ويكون صدمة مستقبلية عندما لا يكون موزون السرعة أو عندما يمس عنصرا دون بقية عناصر البنية أو في حالة كونه تغيرا لا تغييرا حيث تغيب الإرادة والتخطيط المسبق عن ممارسة فعل التحول المرتكز على عنصر الزمن العامل الحاسم في عملية التغيير إلى جانب تأثير العلاقات المكانية)
ان التحول العالمي المثير نحو السيطرة المطلقة لسلطة المعلومات وتحولها لأهم الأسلحة اقتصاديا وسياسيا وعسكريا وثقافيا يدعونا لدراسة هذا المنحى الكبير في التاريخ البشري وتأثيره على النسق الدولي وفواعله قاطبة وتحوله لصياغة جديدة قد تحمل موجات خطيرة خصوصا مع فوضوية هذه الثورة والنيات التي يبطنها من يمتلك أسلحتها.
من المعروف ان لكل عصر فكرته المهيمنة على النظام الدولي، ففي العصر الوسيط كان الدين هو المهيمن، وفي عصر التنوير اصبح العقل هو الاساس في التفكير ، اما القرنيين التاسع عشر والعشرين فكانت النزعة القومية هي من يحدد مسار حركة الدول والتغيير الدولي. اما القرن الحادي والعشرين فهو عصر ما بعد العولمة عصر صدمة المستقبل والموجة الثالثة والرابعة وما بعدها كما وصفه “الفن توفلر” انه (عصر التكنولوجيا والمعلومات). فالأفكار متناثرة متصادمة ومتنافرة يصعب السيطرة عليها ولا يمكن لأي طرف ان يتخلى عنها ليتخلص من سلبياتها.
وعند العوة الى كتب العلاقات الدولية النظرية والمعجمية نجدها تتحدث عن الفواعل الدولية كركيزة في النظام الدولي وفي ظل تسارع الاحداث والمثرين والفاعلين برز لنا فاعل اخر من الفواعل وهي الفواعل من غير الدول المتمثلة بالجماعات والحركات الراديكالية ذات التوجهات العالمية فضلاً عن الشركات متعدد الجنسيات والمنظمات الدولية غير الحكومية وغير الربحية ، ومع وصول مرحلة الانتشار الالكتروني والثورة التكنولوجية الكبيرة وظهور اجيال متلاحقة اصبحنا امام فاعل افتراضي غير ملموس متمثل بالفاعل الرقمي الذي كان له تأثير في سياسات الدول على المستوى الداخل والدولي .
فالتكنولوجيا الرقمية والثورة المعلوماتية اتاحت الفرصة الى الغاء المسافات والحدود والاطلاع على جميع الثقافات والاديان والحركات ، فاصبح وامسى النظام الدولي امام الانكشاف الاستراتيجي الكبير ، فإبان الحرب الباردة حتى افول الاتحاد السوفيتي كان العالم في المعسكر الغربي -الرأسمالي ينفق الملايين من الدولارات لتجنيد العملاء والجواسيس لاختراق حصون الدول وحدودها وكشف مكنونات قوتها ونقاط ضعفها، اما اليوم فيمكن تجنيد الالاف عبر الشبكة العنكبوتية – الانترنيت بضغطة زر واحد ان تدخل على موقع وزارة الدفاع الاميركي البنتاغون ووكالة الاستخبارات الاميركي (CIA) والحصول على مكافئة معينة لتقديم معلومة مؤكدة عن ارهابي او ادلاء بمعلومات مهمة وسرية تتعلق بأمن الدولة وخصوصياتها وقد اصبح التجنيد امر سهل عبر الانترنيت.
كما ان مخابرات الدول اليوم وبالتحديد الدول المتقدمة اخذت على عاتقها الولوج الى شبكات التواصل الاجتماعي بكل انواعها الفيس بوك Facebook، توتير Tweeter، يوتيوب you tube… الخ) وجمع المعلومات عن الاشخاص بمختلف صنوفهم ومعرفة ما يحب وما يكره حتى نوع الطعام الذي يتناوله وصولاً الى العامل النفسي و قد يكون مسؤول او شخص مؤثر في المجتمع ، انه الجيش الالكتروني الذي غزا العقول وهيمن على القلوب (العاطفة) و من يهيمن على الدافع العاطفي يسيطر على العقول ويوجهها بإرادة خارج ارادة واهداف الدولة، وبالتالي خلقت فجوة كبيرة ما الشعوب والانظمة وما ثورات التغيير في المنطقة العربية او ما يسمى ( ثورات الربيع العربي) الا احدى ثمار هذا الجيش الالكتروني.
فالحرب الالكترونية هي حروب لا تناظرية (Asymmetric): فالتكلفة المتدنية نسبيا للأدوات اللازمة لشن هكذا حروب يعني أنّه ليس هناك حاجة لدولة ما مثلا أن تقوم بتصنيع أسلحة مكلفة جدا كحاملات الطائرات والمقاتلات المتطورة لتفرض تهديدا خطيرا وحقيقيا على دولة مثل الولايات المتّحدة الأمريكية على سبيل المثال. وهي ذات بعدين الاول:حرب مباشرة لا يمكن مقارعتها الا بتكنولوجيا مضادة وهذا ما يصعب على الدول من بلدان النامية (الدول المتخلفة)، والبعد الثاني حرب خفية (تدبي كدبيب النمل) وهي حرب تؤثر في القيم وتبني القناعات الموجهة بما يتوافق ويتناسب وتوجهات الجهة التي تستخدم الفاعل الرقمي لترسيخ ما تريده في النفوس وبالتالي صناعة التغيير الدولي بأدوات يصعب ضبط منافذها .
حتى وجدنا انفسنا امام اصطلاحات جديدة وكثيرة بدأت تتنافس في الدخول الى قواميس ومعاجم العلاقات الدولية وغيرها من الحقول الاخرى، فالقوة الناعمة هي من النتاجات الفكرية الكبرى التي بشر بها ” جوزيف سي ناي ” في نهاية القرن العشرين واوصل فكرته الى صانع القرار الاميركي عبر خزانات الفكر ليحولها من نمطها النظري الى فحواها التطبيقي ، وكانت اولى تطبيقاتها بشكل جلي من قبل ادارة اوباما ، وقد ادرك صانع القرار الاميركي والدول الاوربية المتقدمة اهمية روافد القوة الناعمة للهيمنة على النظام الدولي او الحفاظ على المكانة الدولي وان من يملك اداوتها يكون له دور في الاستجابة للتحديات وفرض التغيير المنشود لتحقيق الاهداف الحيوية المرسومة في الاستراتيجية الشاملة. ودخلت القوة الناعمة حتى عبر السلك الدبلوماسي العلني فأميركا استطاعت من تأسيس سفرة لها في الانترنيت لإيران لاختراق الرفض الايراني وفك الحظر الفعلي عليها .
وما ظاهرة ويكيليس” الا احد نتاجات الحرب الالكترونية حتى اصبحت ظاهرة تهدد امن واسرار الدول فالولايات المتحدة الاميركية رغم امكانيات الكبرى ووفرة القدرة لم تسطيع ان تصمد امام تسريبات سنودن صاحب ظاهرة ويكليكس فاصبح اختراق المعلومات ونشرها على الانترنيت هاجس كبير للدول واصبح احد الاسلحة المهمة للجيوش الالكترونية . فالوثائق التي سلمها “سنودن” ومقابلات مع مسؤولين أميركيين سابقين تظهر حملة اختراق معلوماتية أكبر بكثير وأكثر عداء من تلك التي تم القيام بها حتى الآن”.ومن بين الهجمات المعلوماتية الـ231 التي تم القيام بها في 2011، فإن “نحو 75 في المائة منها على أهداف بالغة الأهمية في إيران وروسيا والصين وكوريا الشمالية، أو أنشطة مثل انتشار السلاح النووي”.
وبالتالي فقد اصبحت حرب الفيروسات حرب خفية تنسب الى قراصنة مجهولين وهي في الحقيقة موجهة من قبل دول كبرى ، ومن الاساليب الاخرى عبر الفاعل الرقمي هو اختراق البرنامج النووي الايراني من قبل فيروسات (فيروس دوكو 2.0Duqu وفيروس ستاكس نت Stuxnet) الذي أعدته الولايات المتحدة أو (إسرائيل) في 2007 ، وكان الهجوم الاول في مطلع عام 2010 اذ اثر هذا الفيروس على أجهزة الطرد المركزي في محاولة لإبطاء جهود طهران بسعيها لاقتناء القنبلة الذرية.
ختاماً يصعب علينا كباحثين حصر ادوات واثر الفاعل الرقمي في الدول لكن ما يمكن ان نقف عليه ان العالم الثالث وحتى الثاني سيبقى في طور الصدمة التكنولوجية التي يصعب عليهم مواكبتها ، فهناك مقولة لهيلاري كلينتون ” تقول اننا نملك من براءات الاختراع التي لم يطلع عليها العالم ما تجعلنا متقدمين على العالم لأكثر من 150 عاماً ، فإننا اليوم مستخدمين (USER) ولسنا مصنعين بل اننا لم ندخل بعد عصر الصناعة بيد ان قوة الدولة وتقدمها يقاس بناتجها القومي من خلال قطاع الخدمات الذي يعد الشبكة العنكبوتية احد ركائزه .

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق