fbpx
مقالات

الديمقراطية و أزمة القيم ببن الثوابت الدينية و المزايدات السياسية

كتب : د محمد عصام لعروسي – الجامعة الأمريكية للقيادة

ان الدفاع عن قيم الديمقراطية في المجتمعات العربية تحول الى ما يشبه ساحة للتطاحن و الصراع الفكري المميت الذي ينسف كل مبررات التواجد الانساني و يركن لبؤس الايديولوجية كما سماها كارل بوبر في كتابه كشف المنطق العلمي، فصراع القيم ليس بالظاهرة الجديدة في المجتمعات الغربية و العربية على حد السواء، فما يؤمن به بعض التيارات الفكرية يرفضه البعض الأخر بدعوى الخطأ في المنطلقات و التبرير و ضعف المسوغات المنطقية و التاريخانية التي قد تؤدي الى نتائج متباينة و تشبيه الفكر الوضعي و الانساني بنهر نعرف مصبه و مجراه و روافده، كذلك كان الأمر في نقد الاشتراكية و الليبرالية المتوحشة.
ان التقييمات الثنائية للتاريخ و السياسة من قبل العديد من التيارات و خاصة الليبرالية – العلمانية في مقابل الليبرالية ،يتجلى في استخدام القضايا القيمية و المجتمعية و جعلها وقود دائم الاشتعال يزداد وهجا و اتقادا في مرحلة الأزمات و في المراحل الانتقالية و الفترات الانتخابية، حيث يتمترس الخصوم في قلاع و حصون للدفاع عن أولوياتهم الفكرية و عن قيمهم الغير القابلة للنقاش و الحوار و عن الحلول التي ينكرها كل طرف عن الأخر ، فالدفاع عن حقوق المثليين و عن حرية اللباس للمرأة و حرية الابداع الثقافي و الفني في بلد محافظ تجعل العديد من الأصوات تلهث للدفاع عن حرمة الدين و عن الهوية العربية و الاسلامية للمجتمع و تتبنى أسلوب المواجهة و استدرار اهتمام الفئات الشعبية التي عادت ما لا تقبل بالالتباس في المرجعيات بالرغم وجود تناقضات مرجعية تكرس مفهوم الشخصية المركبة و المعقدة التي تحافظ على القيم الدينية فلا تقبل و لا تسامح وجود مثليين بشكل علني و قبولهم كأناس طبيعيين و ترفض فكرة الافطار العلني في رمضان كما تدافع عن ذلك بعض التيارات، لكنها تقبل بممارسات أخرى متحررة و تسكت في السر عن انحرافات في السلوك و القيم قد يرتكبها في بعض الأحيان أناس متدينين.
بالمقابل يتم استخدام الدين و القيم الأخلاقية كمطية للوصول الى السلطة السياسية هو أيضا مشروع ينطوي على الكثير من الخلط و المكر و ضعف في الرؤيا و الاصرار على احتكار الحقيقة المجتمعية التي لا تؤمن بالاختلاف و التنافر و التعارض في المواقف حول القيم التي لم تحز من الناحية التاريخية على اجماع الطبقات المثقفة و الحساسيات المجتمعية، و بالأحرى تمارس كل صلاحياتها متى ما تأتى لها ذلك في اقصاء الأخر و الزج به في أحكام اليقين المطلق و تكفيره في الكثير من الحالات، و هذا لكسب المزيد من المواقع السياسية لا غير و الحصول على منافع انتخابية.

لا يمكن أيضا الايمان بالحرية المطلقة الغير المسؤولة المدافعة عن المرجعيات الدخيلة على المجتمع و التواقة الى فتح الباب مشرعا للأفكار المسمومة و الثقافات الهجينة التي تمارس نوع من التغريب و التمييع للخصوصيات المحلية و للهوية الاسلامية، فمنها من يطالب بضخ المزيد من الحريات المتعارضة مع القيم و أخلاقيات المجتمع كعدم تقنين ممارسة الجنس و تنظيمه في مؤسسة الزواج و جعل الممارسة الجنسية مباحة و مشروعة للجميع دون حسيب أو رقيب او كما يسميها بعض العارفين بالثورة الجنسية الكفيلة بحل كل الأزمات بما فيها السياسية و الاجتماعية لأنه و حسب نفس التوجه فالكبت الجنسي يولد العنف البنوي في المجتمعات و يهدد الأمن الاجتماعي و الاقتصادي.
لا يمكن الجزم بوجود حل للسجال حول اشكالية القيم في المجتمعات ذات المرجعيات العربية و الاسلامية ، لكن بالرجوع الى الترسانة القانونية و التشريعات و ترسيخ دولة الحق و القانون و التحكم في الضبط الاجتماعي و التركيز على التربية على اللاعنف و مناهضة التسلط و سيطرة النخب وفق ديمقراطية مزيفة و مغشوشة بحاكمين و نواب للأمة لا يمثلون فعلا المواطنين و يساهمون في تلغيم الحقل السياسي ، يمكن جعل النقاش حول القيم مسألة بعيدة عن المزايدات السياسية و الانتخابية طالما أن الديمقراطية تسمح بالاختلاف و الدستور يكفل الحقوق و الحريات و يضع لها ضوابط تحول دون المطالبة برفع السقف في التجاوزات المتعلقة بالأخلاق و القيم التي لا يقبلها الضمير الجمعي بغض النظر عن من ينتصب مطالبا بتغيير المقتضيات القانونية و الدخول في مرجعيات جديدة باسم التحديث و تطوير المجتمع، فقد أظهر النقاش حول الاجهاض في المغرب وجود مرجعية دينية ثابتة أفضت الى تقنين هذه الممارسة و السماح بها في حالات محدودة و منصوص عليها قانونا .
لا وجود لحرية من دون مسؤولية كما أن دولة الحق و القانون تقتضي اقصاء العنف حيث يعرف البعض دولة القانون هي الدولة المناهضة للعنف، كما أن الديمقراطية ليست دائما حلا سحريا لكل الأزمات و المعضلات المجتمعية اذا لم تقترن بممارسة ديمقراطية نزيهة و مؤسسات دستورية فاعلة تنبري بتشريع و تنفيذ القانون و قضاء نزيه و فصل واضح للسلط، كما أن الديمقراطية تقوم على الحرية الثقافية للناس و احترام لغاتهم و أديانهم و تقاليدهم شريطة استبعاد كل أشكال التطرف و التعصب و الأصولية و المتاجرة بالدين لأنها أكبر خطر على الديمقراطية.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق