fbpx
تقدير الموقف

الموقف الفرنسي من الصراع العربي الاسرائيلى

إعداد الباحث والمحلل السياسي :حسين خلف موسى

باحث فى المركز الديمقراطى العربى

لعبت فرنسا دوراً رئيساً في تطور قضية الصراع العربي، الإسرائيلي منذ نشأة هذا الصراع عام 1947م، وحتى هذه اللحظة، فقد كان لها مواقفها الخاصة، وسياستها التي أرادت من خلالها أن تكون ذو تأثير مباشر على تطورات هذه القضية، في مقابل القوى الأخرى المؤثرة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، والحفاظ على مصالحها المختلفة في هذه المنطقة من العالم.
ويمكن تتبع دور فرنسا من الصراع في المراحل الآتية :

المرحلة الاولى مرحله ما قبل قيام المغتصب الصهيوني :
تعتبر فرنسا كانت أول من طرح فكرة إقامة دولة يهودية على أرض فلسطين، فيما لو نجح نابليون في حملته في الشرق، فقد كان نابليون بونابرت أول من دعا اليهود لإقامة وطن لهم على أرض فلسطين،
المرحلة الثانية :مرحلة الدعم اللامحدود 1948-1958م
1- كانت فرنسا من الدول التي صوتت على قرار تقسيم فلسطين في 29/11/1948 وحتى ان امتنعت عن التصويت فى البداية
2-كانت وراء تزويد اليهود والعصابات الصهيونية، بكميات كبيرة من الأسلحة، إضافة إلى إعداد المحاربين وتهريب المهاجرين اليهود، ومن المؤكد أن الفرنسيين افتتحوا معسكرات تدريب للمتطوعين، قرب مرسيليا، بغية نقلهم إلى جبهات القتال في فلسطين
3- وبعد أن أصبحت إسرائيل أمراً واقعاً وموجوداً، بدأت فرنسا تتخذ مواقف ثابتة نوعاً ما تجاه إسرائيل في تلك المرحلة، الأمر الذي دفع فرنسا بالعمل على دعم هذه الدولة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً خاصة بعد الفشل العربي في مقاومة هذه الدولة.لهذا جاءت أول مساهمة فرنسية حقيقية لإسرائيل في تلك المرحلة، عام 1950م، بعد أن اشتركت مع بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية في إصدار البيان الثلاثي، وهو الإعلان الذي استهدف حماية إسرائيل حتى في حدودها الأوسع مما جاء في قرار التقسيم.

4- تطور الموقف الفرنسي من قضية الصراع العربي الإسرائيلي، بدأ يتخذ مواقف مؤيدة وداعمة تماماً لإسرائيل في صراعها مع الدول العربية، فقد تابعت الحكومات الفرنسية المتتالية تأييدها لإسرائيل، وتزويدها بالأسلحة ولاسيما المتطورة منها، كالطائرات الحربية حتى أصبحت فرنسا الممول الرئيس لإسرائيل في ذلك المجال، بل وصل الأمر أكثر خطراً من ذلك بكثير، وذلك حينما زودت فرنسا إسرائيل بالمجال النووي العسكري، وقد بدأ هذا التعاون، عندما وقعت إسرائيل مع فرنسا عام 1953م، اتفاقية في ميدان الأبحاث النووية،حيث زودت فرنسا إسرائيل بموجبها بعدد من العلماء في أبحاث القوى النووية، ثم مدت لها يد الدعم الفعلي من أجل إنجاز مفاعل “ديمونا” النووي
ومن هنا يمكن القول ان الموقف الفرنسي في المرحلة الواقعة بين عامي 1948 – 1958، مر بمرحلتين رئيسيتين:
الأولى: من قرار التقسيم 1947 – 1950 وهي مرحلة شابها نوع من التردد في الموقف الفرنسي بين التأييد المطلق لإسرائيل، وبين مصالحها الاقتصادية في المنطقة العربية،
والثانية 1950 – 1958، ولوحظ أن الموقف الفرنسي جاء داعماً ومؤيداً لإسرائيل في كل المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية ويمكن القول أن فرنسا في تلك المرحلة ساهمت إلى حد كبير في نشأة دولة إسرائيل وتقويتها ودعمها حتى أصبحت من أقوى دول المنطقة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً ، خاصة في المجال العسكري النووي، فقد قارب الدعم الفرنسي في تلك المرحلة لإسرائيل الدعم الأمريكي أو يزيد عنه
المرحلة الثالثة : المرحلة الديغولية 1958 – 1967:
1- أن العداء المشترك بين فرنسا وإسرائيل للاتجاهات القومية أدى إلى القطيعة بين فرنسا من الوطن العربي بشكل عام ومصر بشكل خاص، ومن ثم رجحت كفة التقارب مع إسرائيل على حساب العرب خلال هذه المرحلة.

2- واعتبرت فرنسا في ذلك الوقت من أكثر دول أوروبا الغربية ملاءمة للقيام بذلك الدور، وذلك بسبب عدائها لمصر لمساعدتها الثورة الجزائرية (13) مما جعل فرنسا تفكر جدياً في التخلص من عبد الناصر وذلك من وجهة نظر مصلحتها الوطنية، خصوصاً بعد رفض عبد الناصر مطالب وزير الخارجية الفرنسي “بينو” بإيقاف المساعدات المصرية للثورة الجزائرية
3- تأميم قناة السويس، استغلت فرنسا وبريطانيا وإسرائيل ذلك الموقف، وأعلنوا العدوان على مصر بهدف الاستيلاء على قناة السويس
4- ويتضح أن مسار العلاقات الفرنسية العربية طوال فترة الخمسينات أخذ بعداً تصاعدياً حاداً وعدائياً واضحاً للقضايا العربية (إلى حد وصفت القيادة الفرنسية الرئيس عبد الناصر بأنه شيطان عبر وسائل الإعلام الفرنسية).
5- ديغول وقضية الصراع العربي الإسرائيلي 1958 – 1969:
– استمر التدهور في العلاقات الفرنسية، العربية خلال تلك المرحلة حتى سيطرة ديغول على السلطة داخل فرنسا عام 1958م، وقيام الجمهورية الخامسة، حيث بدأت مرحلة جديدة اختلفت في طبيعتها ودوافعها وظروفها عن السياسة السابقة، وبدأت العلاقات الفرنسية، العربية تشهد تحسناً تدريجياًً، إلا أن هذا التحسن لم يكن على حساب إسرائيل
-استمر بيع السلاح لإسرائيل، هذا من جهة ومن جهة أخرى شهدت الفترة الممتدة من 1960 – 1966م، ازدياد حجم تصدير السلع الاستثمارية لإسرائيل، واحتلت فرنسا المرتبة الثانية بعد ألمانيا الغربية في استيراد السلع الاستهلاكية من إسرائيل
– رفضت فرنسا طلب إسرائيل بالانضمام إلى السوق الأوروبية المشتركة حفاظاً على مصالحها وعلاقتها مع دول المغرب العربي، والتي سوف تتأثر صادراتها من الحمضيات إلى دول السوق الأوربية في حالة حصول إسرائيل على ميزات أكبر مما تحصل هي عليه.

أما على صعيد العلاقات الفرنسية ـ العربية، يمكن القول بأنه منذ عام 1965م، بدأ التقارب الحقيقي مع العرب خاصة مصر، وكان أبرز صورة له بعد عودة العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين، عام 1963م، حيث قام المشير عبد الحكيم عامر بزيارة باريس في أكتوبر،1965، وأعقب ذلك تقارب على الصعيد الثقافي الاقتصادي وكذلك عادت العلاقات الدبلوماسية بين فرنسا وكل من سوريا والأردن والسعودية عام 1962م، ومع العراق عام 1963م، وفي المقابل لم يقم أي مسئول فرنسي بزيارة إسرائيل في الفترة من 1963 – 1966م، حيث أخذت أهمية إسرائيل كسوق للسلاح الفرنسي تنخفض، بسبب فتح سوق السلاح الأمريكي أمام إسرائيل
– على صعيد العلاقات الفرنسية ـ العربية، يمكن القول بأنه منذ عام 1965م، بدأ التقارب الحقيقي مع العرب خاصة مصر، وكان أبرز صورة له بعد عودة العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين، عام 1963م، حيث قام المشير عبد الحكيم عامر بزيارة باريس في أكتوبر،1965، وأعقب ذلك تقارب على الصعيد الثقافي الاقتصادي وكذلك عادت العلاقات الدبلوماسية بين فرنسا وكل من سوريا والأردن والسعودية عام 1962م، ومع العراق عام 1963م، وفي المقابل لم يقم أي مسئول فرنسي بزيارة إسرائيل في الفترة من 1963 – 1966م، حيث أخذت أهمية إسرائيل كسوق للسلاح الفرنسي تنخفض، بسبب فتح سوق السلاح الأمريكي أمام إسرائيل
– وامتازت السياسة الفرنسية تجاه قضية الصراع العربي الإسرائيلي خلال تلك المرحلة، بنوع من التوازن الذي سارت عليه فرنسا منذ قدوم ديغول، وذلك لضمان تحقيق مصالحها الاقتصادية من نفط وتجارة وغيره، إضافة إلى مصالحها السياسية من نفوذ وسلطة ودور فاعل في المنطقة إلى جانب القوتين العظمتين، لهذا يمكن القول بأن الفترة السابقة لعام 1967م، كانت فترة تأسيسية للسياسة الفرنسية تجاه العالم العربي، وأن انفجار أزمة عام 1967م، كان اختباراً حقيقياً للدبلوماسية الفرنسية في المنطقة.
المرحلة الرابعة : 1967 – 1973م ( فرنسا وحرب عام 1967):
– شهدت بداية تلك المرحلة، قيام إسرائيل بشن حرب على الدول العربية المجاورة في 4/يونيو/ 1967م استطاعت من خلالها، احتلال أجزاء كبيرة جداً من الأراضي العربية (شبه جزيرة سيناء، هضبة الجولان، الضفة الغربية،وقطاع غزة) وبمجرد وقوع الحرب وفي صبيحة الخامس من حزيران، لم يتردد الجنرال ديغول في نعت إسرائيل بالمعتدية، وقام بفرض حظر عام على إرسال الأسلحة الفرنسية إلى المتحاربين
– وبالرغم من هذه المعارضة التي واجهها ديغول في الداخل، إلا أنه استمر باتخاذ نفس الموقف، وبدأ يعمل على إيجاد حلول مناسبة للقضية، وكان من أبرزها، إرسال رسالة إلى كوسجين وزير الخارجية الروسي، أعرب فيها ديغول عن قلقة البالغ من أجل السلام العالمي في أعقاب أحداث الشرق الأوسط، وكرر ديغول اقتراحه السابق بضرورة عقد لقاء سريع بين الدول الكبرى لحل المشكلة وإجبار الأطراف المعنية على وقف إطلاق النار والانسحاب داخل حدودها
– ظلت فرنسا على موقفها من الحرب وهو الموقف الرافض لتلك الحرب والنتائج التي ترتبت عليها، ولعبت دوراً رئيساً في إصدار قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242، والذي يضع أساساً للتسوية في الشرق الأوسط، حيث حمل تفاسير كثيرة ،فيما إذا كان ينص على الانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967م
– واضح مما سبق، أن الموقف الرسمي الفرنسي فيما يتعلق بالحرب هو عدم الإقرار بأي حقوق سيادية لإسرائيل على أي جزء من الضفة الغربية أو القطاع ولا على بقية الأراضي العربية المحتلة سواء السورية منها أو المصرية وذلك خوفاً من أن يكون هناك انتقاص من الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني والدول العربية المعتدى على أراضيها ويمكن القول بصفة عامة أن السياسة الفرنسية تجاه قضية الصراع العربي الإسرائيلي، خلال المرحلة التي نحن بصدد الحديث عنها اتخذت قاعدتين رئيستين:
الأولى: خط دبلوماسي أساسه الالتزام بقرار مجلس الأمن 242 الصادر في 22/نوفمبر / 1967م، وتنفيذ ذلك القرار.
– الثانية: الخط السياسي، والذي يعمل على منع التوصل إلى أي اتفاق يمكن أن يتم بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية، من خلال محادثات ثنائية ويبرم على حساب الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. (29) بعيداً عن فرنسا

بومبيدو وقضية الصراع العربي الإسرائيلي:
– لم يكن في وسع بومبيدو إلا أن يمضي فيها ولا يحيد عن سياسة ديغول
– وبعد انقضاء فترة وجيزة على تسلم بومبيدو الحكم، بدأ الموقف الفرنسي بالتذبذب، فهو لم يكن واضحاً في بعض الأحيان، وكان غير منسجم مع المبادئ الديغولية في أوقات كثيرة، فخلافاً للتصريحات السابقة التي تؤيد الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني، “امتنعت فرنسا عن التصويت على قرار الجمعية العامة رقم 2672 – جـ (الدورة 25) الصادر في 8/12/1970م، والذي نص لأول مرة في تاريخ المنظمة الدولية على الاعتراف لشعب فلسطين بالتساوي في الحقوق وبحق تقرير المصير وعلى أن الاحترام التام للحقوق الثابتة لشعب فلسطين هو عنصر لا غنى عنه في إقامة سلام عادل في الشرق الأوسط. في حين صوتت فرنسا ضد قرار الجمعية العامة رقم 2787 (الدورة 26) الصادر في 6/12/1971م، الذي أكد شرعية نضال الشعب في سبيل تقرير المصير والتحرر من الاستعمار والتسلط والاستعباد الأجنبي ومنها شعب فلسطين، وعادت فرنسا تتمنع عن التصويت على معظم القرارات المؤكدة لحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم
– وبالرغم من إعلان بومبيدو أنه متمسك بسياسة سلفه ديغول بالنسبة للصراع العربي الإسرائيلي، إلا أنها في الواقع اختلفت كثيراً، فمثلاً ديغول اتبع مع إسرائيل سياسة حظر الأسلحة الجزئي في البداية وانتهى الأمر بالحظر الشامل والكلي، أما بومبيدو ورغم أنه منع تدفق شحنات الأسلحة لأطراف النزاع إلا أن الحظر على الأسلحة الإسرائيلية عاد وتراجع جزئياً وذلك بقرار من بومبيدو نفسه.
فرنسا وحرب أكتوبر 1973
-تجدد القتال بين الدول العربية (مصر ـ سوريا) وإسرائيل، وذلك في 6/أكتوبر/ 1973م، واختلفت المواقف الدولية تجاه ذلك الصراع الجديد، أما فرنسا، فمواقفها لم تختلف كثيراً عن سابقتها، فقد جاء تصريح وزير خارجية فرنسا منذ اليوم الأول لاندلاع الحرب “ميشيل جوبير” بأنه لا يمكن لفرنسا أن تلوم أناساً يريدون العودة إلى ديارهم، وأضاف، أنه إذا كان العرب قد بدأوا الحرب فإن تلك المبادرة، والمبادأة لا تعتبر عدواناً لأن عودة المرء إلى داره التي طرد منها عنوة لا تعتبر عدوانا
– أوضحت فرنسا أن قرار مجلس الأمن 242، يجب أن ينفذ طبقاً للمفهوم الفرنسي الذي يعني الانسحاب الكامل من جميع الأراضي التي احتلتها إسرائيل في عدوان 1967
– بفرض حظر على شحنات الأسلحة لأطراف النزاع خلال حرب أكتوبر 1973م، كما منعت الطائرات الأمريكية المشتركة في الجسر الجوي من التحليق فوق أراضيها لإمداد إسرائيل بالسلاح.
– لموقف فرنسا السابق من حرب عام 1973م، آثاراً إيجابية على فرنسا نفسها، فعندما استخدم العرب النفط كسلاح استراتيجي تم حظره على دول أوروبا باستثناء فرنسا وبريطانيا، كما تدفقت الأموال العربية على فرنسا، وتم توقيع العشرات من الاتفاقيات مع العالم العربي، وربطت العديد من المصالح الاقتصادية الفرنسية مع الدول العربية.

فرنسا ومعاهدة كامب ديفيد المصرية والإسرائيلية 1979م:
توج الموقف الفرنسي في تلك المرحلة بتأييدها لاتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل
فرنسا والغزو الإسرائيلي للبنان 1982م:
– فتعتبر لبنان من مناطق النفوذ للسياسة الفرنسية في المنطقة العربية، وهذا الأمر تاريخياً وليس جديداً
ومنذ اليوم الأول لوقوع الغزو الإسرائيلي للبنان في صيف عام 1982م، كان لفرنسا، دوراً بارزاً في الوساطة بين جميع الأطراف المعنية لإيجاد حل مناسب للأزمة، ذلك الدور جاء لتحقيق هدفين رئيسيين، الأول: العمل على حماية المصالح الفرنسية في المنطقة، والثاني: الاستجابة للتوقعات العربية بدور فرنسي نشط يوازن الدور الأمريكي المنحاز لإسرائيل.
– إلا أن ذلك الدور لم يرق للتطلعات اللبنانية ولا العربية، ولم تأت الإدانة الفرنسية لذلك الغزو سريعة وحاسمة
– توالت المبادرات الفرنسية مع استمرار الغزو الإسرائيلي على لبنان، ففي 24/ يونيو/ 1982م، دعت فرنسا داخل مجلس الأمن إلى انسحاب إسرائيل إلى مسافة عشرة كيلو مترات من العاصمة بيروت، كخطوة أولى نحو انسحاب كامل من لبنان
– في الحقيقة أن كل المحاولات الفرنسية لإنقاذ لبنان من الغزو الإسرائيلي عام 1982م، باءت بالفشل، وذلك بسبب أن تلك المواقف والمحاولات لم تكن بالجدية المطلوبه
ملخص لموقف فرنسا كاملا
يمكن القول أن مواقف فرنسا تجاه قضية الصراع العربي الإسرائيلي مرت بعدة مراحل رئيسة كان لكل مرحلة طبيعتها وأحداثها وتطوراتها الخاصة.
وبالرغم من ذلك ومع وجود تلك المراحل، إلا أننا نستطيع القول أن هناك قاعدة مشتركة بين تلك المراحل، ألا وهي الدعم اللامحدود من قبل فرنسا لإسرائيل، وفي كل المجالات، يقابله وعلى استحياء الدعوة إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها عام 1967م، وتطبيق القرارات الدولية في ذلك الشأن.
ففي المرحلة الأولى: التي امتدت من إنشاء دولة إسٍرائيل عام 1948م، وحتى وقوع حرب عام 1967م، شهدت العلاقات الفرنسية الإسرائيلية تطوراً خطيراً، فقد دعمت فرنسا إسرائيل سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، ولعبت فرنسا دوراً رئيساً في تدعيم الترسانة العسكرية الإسرائيلية، وعلى رأسها المفاعل النووي الإسرائيلي.
أما المرحلة الثانية: وهي المرحلة التي يطلق عليها المرحلة الديغولية، فقد شهدت العلاقات الإسرائيلية الفرنسية نوعاً من التراجع، يقابله نوعاً من التقارب بين فرنسا والدول العربية، وفي تلك المرحلة اتخذت فرنسا مواقف، نستطيع أن نطلق عليها مواقف معتدلة نوعاً ما تجاه قضية الصراع العربي الإسرائيلي.
أما المرحلة الثالثة: والتي أعقبت مرحلة ديغول، فقد شهدت المواقف الفرنسية، نوعاً من التوازن في المواقف، فقد اتخذت فرنسا في تلك المرحلة، مواقف تدعو إلى إيجاد حلول مناسبة لقضية الصراع العربي الإسرائيلي قائمة على أساس القرارات الدولية، مع الاحتفاظ بأمن إسرائيل دون أي مساس.
وفي اعتقادي أن تلك المرحلة لازالت ممتدة حتى هذه اللحظة، ففرنسا، حتى بعد انتهاء مرحلة الحزب الاشتراكي بقيادة ميتران، وعودة الحزب الديغولي بقيادة شيراك، لازالت تحتفظ بنفس المواقف القائمة على أساس النظرية القائلة، أمن إسرائيل أولاً، وحل قضية الصراع العربي الإسرائيلي على أساس القرارات الدولية المتعلقة بالصراع ثانياً.
وهكذا يمكن القول أن السياسة الفرنسية في الشرق الأوسط، والتي بدأت بتأييد مطلق ودعم كامل لإسرائيل، ثم استقرت نوعاً ما في العهد الديغولي، عادت إلى نوع من عدم الاستقرار والتذبذب، في العهود اللاحقة للديغوليين، وظلت كذلك حتى هذه اللحظة، ونستطيع القول أن تلك المواقف جاءت لعدة اعتبارات منها الفرنسية ومنها الدولية.
ففرنسا تعتبر عضو فاعل في المجموعة الأوروبية، وهي بذلك لا تستطيع الخروج كثيراً عن سياسة وإستراتيجية المجموعة فيما يتعلق بالقضايا الإقليمية والدولية.
كما أن فرنسا ترتبط بعلاقات سياسية واقتصادية مع الدول العربية بحكم موقعها الجغرافي، وهي تريد أن تحافظ على هذه العلاقات، كونها تسهل لها التعاملات الاقتصادية في المنطقة، إلى جانب أن أي تطورات سياسية وعسكرية واقتصادية، في منطقة الشرق الأوسط تؤثر سلباً أو إيجاباً على واقع فرنسا الاقتصادي السياسي.
كما أن علاقات فرنسا مع الحركة الصهيونية علاقات متجذرة قديمة فالحركة الصهيونية، كما ذكرنا في المقدمة، لها تأثير قوي في الحركة السياسية الفرنسية، فكل قطاعات المجتمع الفرنسي يوجد للحركة الصهيونية فيه دور ومكانة لهذا لا تستطيع فرنسا بأي حال من الأحوال أن تقف في وجه السياسة الإسرائيلية ليس فقط في العالم العربي، بل في كل العالم، ومن هنا جاء الدعم الفرنسي اللامحدود للكيان الإسرائيلي.
ويبقى العامل الأكبر في السياسة الخارجية الفرنسية تجاه قضية الصراع العربي الإسرائيلي، والمتمثل في الدور الأمريكي ، وهو الدور الذي يفرض نفسه على مجمل الأحداث، ولا تستطيع فرنسا أو غيرها من الدول الأوروبية تجاوزه أو اللعب بعيداً عنه، وإن كان هناك توافق في النظرة بين الطرفين تجاه ذلك الصراع، فكلا الطرفان مقتنع بأن يتم السلام عن طريق المفاوضات، الأمر الذي يتطلب قبول قراري مجلس الأمن رقمي 242 – 338، والاعتراف بحق كل دول المنطقة في الوجود ضمن حدود آمنة ومعترف بها وأن على الدول العربية أن تعلن قبولها لإسرائيل وإقامة علاقات معها.
ومع هذا كله تبقى فرنسا دولة كبرى لا يستطيع أحد أن ينكر أو يتجاهل دورها في القضايا العالمية، وهي في الحقيقة تتخذ مواقف قريبة نوعاً ما للتطلعات العربية وتتفهم الموقف العربي أكثر، من أي دولة أوروبية أخرى كبريطانيا أو من دول أوروبية أقل قوة وثقلاً كهولندا وبلجيكا وألمانيا.
المراجع
1. أحمد سعيد نوفل: العلاقات الفرنسية ـ من خلال موقف فرنسا من العناصر ا لأساسية للقضية الفلسطينية، شركة كاظمه للنشر والتوزيع، ط الأولى، الكويت 1948.
2. أحمد وهبان: العلاقات الأمريكية ـ الأوروبية بين التحالف والمصلحة، جامعة القاهرة، مكتبة نهضة الشرق، 1995.
3. أميره الشنواني: السوق الأوروبية المشتركة وأزمة الشرق الأوسط، 1967 – 1973، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1987.
4. أبو الطيب: القاطع الثالث من زلزال بيروت، ط الثالثة، بيروت، دار الميسر، 1987.
5. بشارة خضر: أوروبا وفلسطين من الحروب الصليبية حتى اليوم، مترجمة منصور القاضي، ط الأولى، بيروت بدون سنة نشر، مركز دراسات الوحدة.
6. هشام قاسم: د. بطرس غالي ـ عفواً… كامب ديفيد لم تكن فرصة سانحة.
7. لطيفه محمد سالم: أزمة السويس 1954 ـ 1957،، مكتبة مدبولى ، 1996.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق