fbpx
مقالات

وطن… للبيع

بقلم: ابراهيم بن نجي
كنا أيام القذافي نرى ان تردي الاوضاع في ليبيا بالمقارنة مع امكانياتها النفطية والجغرافية هو نموذج ونتيجة حتمية لحكم الفرد, ولتسلط نظام دكتاتوري شمولي متقلب المزاج والسياسات, أختزل الوطن ومصالحه في استمرار حكم القائد الملهم والزعيم الاوحد.. ثم تسخير امكانيات الوطن السياسية والاقتصادية والدعائية لغرض واحد ألا وهو تنصيب الابن خلفا له في نكوص صريح عما كان يهاجم به انظمة حكم اخرى في المنطقة من انها ملكية رجعية وراثية, فإذا به يحاول ان يصنع من ليبيا نموذج اخر للنظام الملكي الوراثي لولا انه وقع في سوء تقديراته وخطأ رهاناته على امكانية شراء رضى الغرب بالانبطاح الكامل له عن طريق التنسيق الكامل في مجال “مكافحة الارهاب”! وتسليم ما لدى اجهزة الامن الليبية من معلومات مهمة عن الجماعات الاسلامية المسلحة وغير المسلحة للاستخبارات الغربية, و تسليم المتهمين في قضية طائرة البان أمريكان, وتسليم الممرضات البلغاريات المتهمات من القضاء الليبي “للسيد” ساركوزي!, وتفكيك البرنامج النووي الليبي “للسيد” بوش! وليس للأمم المتحدة كعربون ولاء لكم وحدكم ايها الامريكان وكما قال القذافي ذات مرة “اللي رقد للستة يرقد للستين”.
ثم دارت الايام دورتها, وهبت رياح التغيير التي كنا نريدها نسائم للحرية والبناء, و فرصة للخيرين من ابناء الوطن لقيادته الى مستويات عالية من الحضارة والرقي, وصنع نموذج للازدهار على شواطئ المتوسط الجنوبية التي طالما يشار اليها بأنها تأوي شعوبا متخلفة, واجناس بربرية ذات عقيدة عدائية في نظر من يعيشون على الجهة المقابلة من المتوسط.
واليوم وبعد مرور اربع سنوات عجاف من ثورة شعب على الظلم والحرمان والتنقيص من شأنه وتزوير إرادته نكتشف ان القذافي لم يكن مسؤولا مسؤولية كاملة ولوحده عن تخلف الوطن ومهانته, ولكن هناك من الليبيين من شاركه في ذلك ومارس معه ابشع انواع الفساد المالي والاداري والتدمير المادي المعنوي, رغبة في قليل من الحظوة او عرض زائل من الدنيا ,وان اغلب تلك الشراذم الفاسدة المتعطشة للمزيد من السلطة والمال تخلت عن القذافي في ساعة الذروة ,و سارعت للركوب على ثورة فبراير وسرقة دفة قيادتها من ايدي شباب قذفوا بأنفسهم وبصدورهم العارية امام اعتى واكثر اجهزة الامن دموية وبطشا.
اليوم وطننا غدر به ثلة من ابناؤه وممن اؤتمنوا على حمايته! وممن انتخبوا وتقاضوا المرتبات والمزايا لكي يعملوا ليل نهار على النهوض به, والحفاظ على مصالحه, وتقديمها على المصالح الشخصية والحزبية والقبلية والجهوية, فإذا بهم يبيعونه بالرخيص! من اجل حفنة من مال او الحفاظ على منصب زائل او تسكع بين مدن وفنادق من يزدريهم ويتعجب من حالهم وهم لا يدخرون جهدا في التعالي على ابناء جلدتهم! والكيد لبعضهم والتودد الى الغير ولو على حساب مصلحة وطنهم ومستقبل ابنائهم.
اليوم المهاجرين والمخدرات والبضائع الفاسدة تتدفق من الدول المجاورة الى شواطئنا ومدننا, وتعبر عشرات البوابات الافتراضية ومراكز التفتيش والجمارك, وبين الالاف من الافراد الغيورين المفترضين والمسجلين في قوائم وزارتي الدفاع والداخلية والذين يربو عددهم على نصف مليون حسب تقرير ديوان المحاسبة, ممن يصطفون كل شهر امام المصارف لتسلم جزء من ثمن اتعابهم كرواتب والجزء الباقي تتكفل به الرشاوي والاتاوات للبعض منهم وسكوت البعض الاخر.
اليوم تقوم حفنة من هؤلاء الفاسدين بأكبر عملية سطو على مدخرات شعب من العملة الاجنبية وتهريبها الى خارج البلاد في شكل تسهيلات واعتمادات تم احيانا فيها مبادلة قيمة التحويلات من الدولار عبر مصرف ليبيا المركزي بحاويات معبئة بأكياس من الرمل! وكأن ليبيا لا تكفيها تلك الملايين من الكيلومترات المربعة من الصحاري والرمال ليتم جلب المزيد منها من الخرج.
اليوم المواطن الصالح, والشاب المتقيد بأحكام شرع الله في المعاملات المالية والادارية لا يستطيع ان يستفيد من خيرات وطنه ولا ان يجد طريق للحصول على قرض اسلامي او تحويل عملة لغرض تجاري او صناعي وفق ضوابط الشرع, ثم يلام هؤلاء الشباب اذا ما طالبوا سلميا بتطبيق شرع الله ويدفعون دفعا الى رفع السلاح من اجل اسماع صوتهم وتأييد مطالبهم.
اليوم تتنافس الكتائب والجماعات المسلحة على الحصول على حق حماية الحقول والموانئ النفطية والمطارات والمنشاءات, ثم تسمح لمجموعات من الغوغاء الانانيين بتخريب وايقاف العمل والتسبب بأكبر الخسائر في تاريخ الوطن نتيجة فرق اسعار النفط والنتائج السلبية المترتبة على ايقاف الحركة داخل الحقول والموانئ وبينهما.
اليوم يسلم هؤلاء ليبيا الى احد احفاد فرسان القديس يوحنا ومن ورائه الغرب ليصوغ لهم خلطة هلامية لتقاسم السلطة والثروة والسلاح.. والغاء حق الاغلبية الساحقة من الليبيين في تقرير مصير وطنهم وصياغة مستقبله بدلا من ان يتواضعوا لبعضهم وينزلوا عند حكم ربهم ومصلحة وطنهم.
اربع سنوات تجاهلتم فيها شرع ربكم ودمرتم فيها وطنكم ورهنتم انفسكم ومستقبل ابنائكم للغير فأي اسلام طبقتم واي وطنية سطرتم واي نوع من الفساد المالي لم تبتكرونه واي شكل من الانحلال الاداري لم تتزينوا به؟
اليوم وباختصار ليبيا وطن معروض للبيع وبابخس الاسعار.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق