fbpx
الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

أزمة المهاجرين تهدد في انسحاب البريطانيين من الاتحاد الاوروبي وتمزقه

تمثل الانقسامات العميقة حول كيفية التعامل مع طوفان المهاجرين من الشرق الأوسط وافريقيا واسيا خطرا على قيم الاتحاد الاوروبي ومكانته العالمية وربما تقلص قدرته على العمل الجماعي لإصلاح منطقة اليورو والتخفيف من أزمة ديون اليونان.

أظهر استطلاع للرأي يوم السبت أن أغلب البريطانيين يؤيدون الآن الانسحاب من الاتحاد الأوروبي وسط مخاوف من الهجرة فيما يشير إلى تحول في وجهات النظر قبل استفتاء على عضوية بريطانيا في الاتحاد.

ووجد الاستطلاع الذي أجرته مؤسسة سيرفيشن لحساب صحيفة ميل أون صنداي أن 51 في المئة ممن شملهم الاستطلاع يريدون ترك الاتحاد الأوروبي في حين أبدى 49 في المئة رغبتهم في البقاء مع استبعاد الناخبين الذين لم يقرروا موقفهم.

وكان استطلاع أُجري في أواخر يونيو حزيران وأوائل يوليو تموز وجد أن 54 في المئة يؤيدون البقاء في الاتحاد الأوروبي مقابل 45 في المئة يريدون الانسحاب منه.

ووعد رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون بإعادة التفاوض على علاقات بريطانيا مع الاتحاد الأوروبي قبل الاستفتاء المقرر أن يُجرى قبل 2017.

وذكرت مؤسسة سيرفيشن أن هذه أول مرة تجد فيها حملة “الانسحاب من الاتحاد الأوروبي” متقدمة منذ نوفمبر تشرين الثاني 2014. وقالت إن”أغلبية كبيرة” من الناخبين الذين يفضلون البقاء في الاتحاد الأوروبي ستفكر في تغيير رأيها إذا تفاقمت أزمة الهجرة في أوروبا.

وأُجرى أحدث استطلاع عبر الانترنت يومي الثالث والرابع من سبتمبر أيلول واستمع لآراء 1004 بالغين وهي عينة أقل في الحجم من الاستطلاع السابق.

ومع الصور المروعة لأطفال غرقى وسوق اللاجئين كالقطعان لركوب القطارات أو النزول منها وتعرضهم للضرب على أيدي رجال الشرطة وظهور أسيجة الأسلاك الشائكة لتقسم أوروبا أصبحت أزمة الهجرة المعادل الأخلاقي لأزمة منطقة اليورو. ففي الحالتين يتعرض مبدأ التكاتف لاختبار صعب.

وتعمل الأزمة الأخيرة على إضعاف مثل التكامل الأوروبي من خلال ظهور الاتحاد الاوروبي بمظهر العجز والتفكك والقسوة وتأليب الدول الأعضاء بعضها على بعض ومناصرة الشعبوية السياسية والمشاعر المناهضة للمسلمين.

ومع ذلك ففي كثير من الأحيان تحدث حالة من الفوضى وتبادل الاتهامات قبل أن يتوصل الاتحاد الاوروبي إلى رد موحد على أي تحد جديد. وربما بدأ تحول في السياسات ردا على صور المعاناة الفظيعة والمخاوف من انهيار منطقة شنجن القائمة على فتح الحدود أمام انتقال الناس بين 26 دولة أوروبية.

وقالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الاسبوع الماضي “العالم يراقبنا” وهي تحاول اقناع زعماء أوروبا بالمشاركة في عبء استقبال اللاجئين الفارين من الحرب والبؤس في سوريا والعراق وأفغانستان وليبيا وغيرها.

وقالت “إذا فشلت أوروبا في قضية اللاجئين فستتدمر رابطتها القوية بالحقوق الانسانية العالمية ولن تكون بعد الآن أوروبا التي حلمنا بها.”

ولم تلق المحاولة الجريئة التي بذلتها ميركل للقيام بدور القيادة – على النقيض من حذرها العميق في أزمة اليورو – سوى تأييد مشوب بالحذر من حلفاء مثل فرنسا حيث المعارضة الداخلية قوية لاستقبال المزيد من المهاجرين بل قوبلت بالرفض مباشرة من دول مثل المجر وبريطانيا.

وبالنسبة لكثير من الساسة الاوروبيين الذين يحاولون مجاراة الناخبين فإن منع الهجرة غير المرغوبة يمثل أولوية أكبر من الترحيب بمئات الالاف من الأجانب النازحين المرهقين لاسيما إذا كانوا مسلمين.

للمرة الأولى في عشر سنوات منذ انضمت عشر من دول أوروبا الوسطى للاتحاد الاوروبي فتحت الأزمة صدعا بين الشرق والغرب ورفضت معظم الدول قبول حصص من اللاجئين بل ان بعضها استند صراحة لأسباب دينية.

ودفع ذلك المستشار النمساوي فيرنر فايمان إلى القول إن على الاتحاد الاوروبي أن يعيد النظر في مساعداته المالية المستقبلية من أجل التنمية إذا لم تشارك دول الشرق في تحمل العبء.

والمجر وجمهورية التشيك وسلوفاكيا – التي فر منها اللاجئون إلى غرب أوروبا هربا من حملات التضييق الشيوعية في 1956 و1968 – من بين الدول التي تعارض بشدة أي توزيع إجباري لطالبي اللجوء الآن.

وقد قال رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان إن المهاجرين يشكلون خطرا على “الجذور المسيحية” لأوروبا بينما قالت سلوفاكيا وجمهورية التشيك إنهما ستقبلان عددا صغيرا من اللاجئين ومن الأفضل أن يكونوا مسيحيين.

واتهم أوربان ميركل بزيادة الطين بلة في الأزمة بإعلان استعداد ألمانيا لقبول أعداد كبيرة من السوريين وتشجيع المزيد من اللاجئين على المخاطرة بأرواحهم والاندفاع إلى أوروبا.

وقال انتونيو فيتورينو رئيس معهد جاك ديلور وهو مؤسسة أبحاث مؤيدة للاتحاد الاوروبي “منذ بداية أزمة اليورو أصبحت أوروبا جزءا من المشكلة الأخلاقية لا جزءا من الحل. وأزمة الهجرة هذه تزيد من ضياع الدور النموذجي للتكامل الأوروبي.”

وقال فيتورينو المفوض السابق بالاتحاد الاوروبي للعدل والشؤون الداخلية وهو برتغالي اشتراكي ساهم في وضع إطار قواعد اللجوء المعيبة التي تداعت تحت وطأة أزمة العام الجاري إن صورة أوروبا “كأرض للكرامة الانسانية واحترام التعهدات الدولية” باتت في خطر.

وفي مناطق من العالم مثل جنوب شرق اسيا وامريكا اللاتينية التي كانت تتطلع في وقت من الاوقات للاتحاد الاوروبي باعتباره نموذجا للتكامل الاقليمي بدأ الناس الآن يقولون “كنتم تعلموننا كيف نحل مشاكلنا والآن أصبحتم عاجزين عن حل مشاكلكم.”

وسلم فيتورينو بأن اتفاقية دبلن – التي ساهم هو شخصيا في صياغتها وتنص على أن أول دولة يطأ أرضها اللاجيء هي المسؤولة عن التعامل مع طلب اللجوء – غير منصفة للدول الواقعة على أطراف أوروبا والتي لا تتلقى مساعدة مالية أو عملية تذكر. وأضاف “الممارسة العملية تظهر أن النظام لم ينجح. والآن خرجت الأمور عن السيطرة.”

وتحتاج أوروبا سياسة لجوء مشتركة قادرة على فرز الطلبات وإعادة من لا يستحقون اللجوء إلى بلادهم وإعادة توطين اللاجئين الحقيقيين حسب قدرة الدول الأعضاء على استقبالهم.

ومع اشتداد الجهود للتوصل إلى نهج مشترك تنذر الخلافات بين زعماء الاتحاد الاوروبي بالسوء لمحاولاتهم لايجاد حلول للتحديات الاقتصادية والبيئية مثل إصلاح منطقة اليورو أو التصدي للتغيرات المناخية.

وقالت تينا فوردام كبيرة محللي السياسة العالمية في مجموعة سيتي المصرفية الأمريكية العملاقة والتي تعتبر أزمة الهجرة مصدرا رئيسيا للمخاطر السياسية في أوروبا “الاتحاد الاوروبي يواجه مشاكل في التعامل مع أكثر من مشكلة في وقت واحد.”

وقالت لرويترز في مقابلة “الخلاف والتراجعات فيما يتعلق باللاجئين والهجرة قد ينتهي به الأمر إلى تفتيت تماسك الاتحاد الاوروبي وسحب الاكسجين السياسي اللازم للتعامل مع تحديات أخرى في الاقتصاد أو أوكرانيا.”

ومن المحتمل أن تسقط حكومات بسبب هذه القضية أو تتأثر الانتخابات المقبلة. وقد حدث بالفعل أن بدأ صعود الأحزاب الشعبوية المناهضة للهجرة يعرض النموذج الاجتماعي في دول شمال أوروبا للخطر.

كما ترى فوردام أثرا محتملا لمفاوضات بريطانيا لتعديل علاقاتها مع الاتحاد الاوروبي قبل أن تجري استفتاء على استمرار عضويتها فيه قبل نهاية عام 2017.

وأضافت “قد يؤدي فشل بريطانيا الواضح في المشاركة في تحمل العبء إلى إضعاف قدرة ديفيد كاميرون بدرجة أكبر على استخلاص تنازلات قبل الاستفتاء.”

وقد رفض كاميرون الانضمام لخطة أوروبية لإعادة توطين اللاجئين وظل يصر على أن الحل ليس في قبول عدد أكبر من اللاجئين إلى أن انحنى أمام الضغوط الاعلامية بعد فورة المشاعر الانسانية بسبب صورة طفل سوري غريق على أحد شواطيء تركيا.

قال وزير المالية البريطاني جورج أوزبورن يوم الأحد إن حكومته ستستخدم جزءا من الموازنة المخصصة للمساعدات الخارجية للاسهام في تأمين نفقات إيواء اللاجئين الوافدين من سوريا وذلك في محاولة لتهدئة المخاوف من تأثير هذا الأمر على الخدمات العامة.

وقال رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون يوم الجمعة إن بريطانيا سترحب “بآلاف آخرين” من اللاجئين السوريين بعد فيض المشاعر الذي تدفق عقب نشر صورة الطفل السوري الغريق على شاطئ تركي ودفع كاميرون إلى اتخاذ إجراءات حيال الأزمة.

وكان كاميرون قد رفض في السابق إلزام بريطانيا باستقبال المزيد من اللاجئين بعد ارتفاع كبير في أعداد الوافدين إلى أوروبا.

وقال أوزبورن إن حكومته ستستخدم جزءا من موازنة المساعدات الخارجية -التي تمثل 0.7 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي- لمساعدة السلطات المحلية في استيعاب الوافدين الجدد.

وقال أوزبورن لهيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي) إن “المساعدات الخارجية التي لدينا… يمكن أن توفر الدعم على مدى السنة الأولى (لإقامة) هؤلاء اللاجئين وتساعد المجالس المحلية في أمور مثل تكاليف الإسكان.”

ولم يفصح كاميرون عن عدد اللاجئين الذين ستستقبلهم بريطانيا لكن متحدثة باسم المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة قالت إن لندن ستستقبل أربعة آلاف لاجيء سوري.

واستقبلت بريطانيا 216 لاجئا سوريا فقط منذ بداية الحرب الأهلية عام 2011 بموجب خطة لإعادة توزيع اللاجئين السوريين برعاية الأمم المتحدة. كما منح نحو خمسة آلاف سوري تمكنوا من شق طريقهم إلى بريطانيا حق اللجوء.

غير أن هذا الرقم يقل كثيرا عن الأعداد الأخرى التي استقبلتها باقي الدول الأوروبية. وتتوقع ألمانيا أن تستقبل 800 ألف لاجئ هذا العام وقالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إن بلادها يمكن أن تستوعب الطفرة في تدفق اللاجئين هذا العام من دون أن تضطر لزيادة الضرائب.

وعلى النقيض قال أوزبورن إنه عوضا عن المشاركة في نظام مقترح لتقاسم اللاجئين بين دول الاتحاد الأوروبي فإن بريطانيا ترى أن الحل الأمثل يكمن في منعهم من القيام بالرحلة إلى أوروبا.

وألمح إلى أن بريطانيا يمكن أن تنفق مبالغ أكبر من موازنة المساعدات الخارجية البالغة 12 مليار جنيه استرليني (18 مليار دولار) على الاهتمام باللاجئين في الدول المجاورة لسوريا.

وتحرص الحكومة البريطانية التي تنتمي ليمين الوسط على تجنب إثارة جدل بشأن الهجرة قبل حلول استفتاء بنهاية 2017 حول استمرار البلاد في الاتحاد الأوروبي.

وأكد أوزبورن من جديد أن الحكومة لن تطرح للتصويت في البرلمان مسألة شن غارات جوية على مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا إلا إذا نجحت في الحصول على دعم المعارضة.

ونقلت صحيفة (صنداي تايمز) البريطانية يوم الأحد عن مسؤولين كبار إن كاميرون يريد أن يجري التصويت في البرلمان في أوائل أكتوبر تشرين الأول. ومن غير المعروف على وجه الدقة موقف حزب العمال المعارض الذي ينتخب في الوقت الحالي زعيما جديدا له.

 

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق