fbpx
مقالات

هل تتورط روسيا في سوريا ؟

بقلم : غازي الحارثي

بعد بارقة الإنفراجة السياسية التي لاحت في أفق الأزمة السورية بالفترة الأخيرة ، قضت روسيا على ذلك الأمل بتدخلها العسكري الواضح في الأراضي السورية إلى جانب قوات النظام . وفيما كشفت لرويترز مصادر مطلعة قيل أنها لبنانية على دراية بالأوضاع في سوريا أن قوات روسية بدأت بالمشاركة عسكرياً إلى جانب قوات النظام ، قال وزير الخارجية الروسي أن بلاده تدعم النظام السوري بالسلاح والعتاد العسكري وستستمر في ذلك ولكن لمحاربة الإرهاب فقط ، وبعد ظهور التأكيدات كشفت موسكو لاحقاً عن وجود خبراء عسكريين روس مع الجيش السوري منذ فترة طويلة .. وكأن لافروف بتصريحاته المتبلدة يستفز باقي أطراف النزاع الإقليمية والدولية ويعلن التحدي والنزول إلى الميدان أولاً ، وهو تطور عكسي في مسار الأزمة من شأنه أن يزيدها تعقيداً وربما تطول لفترة أطول من ذلك أو قد تنجر القوى المعنية في أسوأ الأحوال إلى نزاع مباشر وأكثر دموية .

وبالتزامن مع تزايد حدة الموقف السياسي الروسي من المطالبات الإقليمية والدولية بضرورة إسقاط الأسد لم يعد غريباً أن تصعّد روسيا في مسار الخلاف السياسي إلى تحدي عسكري بحجة محاربة الإرهاب الذي هو بتعريفها وتعريف إيران ونظام الأسد :

كل معارض مدني أو عسكري للنظام بالاضافة لداعش والنصرة وباقي التنظيمات الإرهابية . بالتدقيق أعمق في تفاصيل التدخل الروسي (إستراتيجياً ، جغرافياً ) يظهر أن روسيا تدعم مايسمى بالتقسيم والذي بدأ يطرح بشكل علني كمخرج سلمي للأزمة وهو مايضمن بالأساس دولة للعلويين على الساحل يحكمها نظام الأسد خصوصاً في ظل وجود القاعدة العسكرية الروسية في طرطوس على الشريط الساحلي والتي يعتبر تأمينها هدفاً استراتيجياً بالنسبة للروس ، كما أنهم يرغبون كذلك بتعزيز تواجدهم ببناء قاعدتين جديدتين ستكون واحدة منها في عمق سوريا والأخرى في مدينة اللاذقية معقل النظام ..

الروس لايتوانون في تمهيد السبل لنجاح فكرة التقسيم إن بقصد وإن بدون ، فسياسياً دفع الرئيس الروسي بوتين إلى تشريع هذا التقسيم بإعلانه استعداد الأسد لإجراء انتخابات تشريعية ، وهي التي من شأنها في الغالب تشريع هذا التقسيم وضمان دولة العلويين على الساحل السوري ، وبشكل آخر قد يتضح أن الروس استشعروا إرتفاع وتيرة التشاورات الإقليمية والدولية حول الأزمة السورية وعلى وجه الخصوص القمة السعودية – الأميركية بين الملك سلمان والرئيس أوباما في واشنطن الاسبوع المنصرم وهي بلاشك من دواعي قلقهم حيال أي جهود لحل الأزمة قد تثمر عن إتفاق لايناسبهم لذلك هم يتواجدون على الأراضي السورية عسكرياً لاستباق ذلك وإظهار أنفسهم كقوة سياسية لايتم تمرير أي مخرج للأزمة بدون الاتفاق معهم وهو مانجحوا في تعزيزه فعلاً ، فحتى إيران بدأت تبتعد على الأقل إعلامياً عن الحرب المستعرة وتسلم السرج والعنان لروسيا بشكل ملفت فيما يبدو أنه إشارة حسن نية من طهران لواشنطن بعد الاتفاق النووي أو ربما وهو الأجدر تقاسم للأدوار أو تكامل بين الحليفين الاستراتيجيين لمصلحة “وليدتهم” النظام السوري . بحسب الشواهد الواقعية ، فالظاهر أنه حتى ماقبل التدخل العسكري الروسي لم يكن ممكناً تخيل أي حل أو مخرج سياسي للأزمة يمكن اتخاذه بمعزل عن الروس لأنهم كقوة دولية على الأرض وضعوا كامل ثقلهم الاستراتيجي في ملفهم الوجودي الأكبر بالشرق الأوسط خصوصاً وأن نظام الأسد هو حليفهم الأوفى وربما الوحيد الموثوق من حاجته الدائمة لروسيا وإفادته الدائمه لها أيضاً ، وأي مراوغات غير محسوبة ضد الروس في هذا الملف قد تجعلهم يلجؤون إلى أساليب تخريبية تؤثر على المنطقة ككل حتى لو قاد ذلك لتكرار تجربة حرب أفغانستان الفاشلة لأن الشيوعية بطبعها تقدم القوة والعنجهية للحل على صوت الدبلوماسية والسياسة ، لكن الحقيقة الأخرى الأجدر بالفهم أن أطرافاً إقليمية ذات تأثير رئيس بالملف السوري كالسعودية ومعها دول الخليج وتركيا لايمكن أن يعطوا كامل الصلاحيات لروسيا لتتحكم في مستقبل ملف معقد وذو تأثير أمني وسياسي وقومي على هذه الدول ومستقبلها ، وحينما تصطدم المصالح بعنف بين روسيا وهذه الدول قد تكون العاقبة وخيمة على المنطقة ككل ..

فهل تتورط روسيا في سوريا ؟ أم تنجح في الحفاظ على آخر بقعة لتواجدها في هذه المنطقة بعد أن أضاعت فرص كثير متاحة للتوسع ؟

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق