fbpx
الشرق الأوسطعاجل

تنظيم الدولة بين البقاء والفناء والتمدد والتبدد

كتب : شمس الدين النقاز – صحفي تونسي

أكثر من سنة مرت على اعلان تنظيم الدولة الاسلامية “الخلافة الاسلامية” بعد سيطرته على مناطق واسعة من العراق وسوريا أحكم عليها قبضته الأمنية والخدماتية وفرض فيها حكمه وعزز سيطرته على الأراضي التي يستولي عليها اثر تمدده.
أثناء اعلان الخلافة وتنصيب زعيم داعش أبي بكر البغدادي خليفة على المسلمين ودعوة كل مسلم في الكرة الأرضية لمبايعته زادت طموحات التنظيم الذي رفع شعار “باقية وتمدد” كعنوان لمرحلة خروج التنظيم من مرحلة الفصيل المسلح الى دولة العراق الاسلامية ثم الدولة الاسلامية في العراق والشام وصولا الى الدولة الاسلامية.
هاته المراحل التي شهدها التنظيم كانت متسارعة فلم تمر سوى 9 سنوات لتتمكن داعش عسكريا من المرور من مرحلة حرب العصابات الى مرحلة الجيوش النظامية المتطورة التي تملك أكثر من 2300 عربة هامفي مدرعة وعشرات الدبابات التي استولت عليها أثناء اجتياحها للموصل .
البداية كانت في ساحات الحرب في العراق من خلال عمليات متفرقة قامت بها ضد الاحتلال الأمريكي استعملت فيها كل أنواع الأسلحة التقليدية التي امتلأت بها مستودعات الأسلحة العراقية التي تركها الجيش أثناء الدخول البري للقوات الأمريكية سنة 2003.
ووفقاً لتحليلات الخبراء فإن “داعش” بات على رأس قائمة أكثر المجموعات الإرهابية الدولية ثراءً على الرغم من غياب معلومات موثقة عن ثروات وأرصدة هذه الجماعة، هذا الثراء اللذي أكدته عدة تقارير اعلامية أمريكية وبريطانية زاده السيناتور الأمريكي جون ماكين تأكيدا في شهر أوت من السنة الفارطة من خلال رده على سؤال حول موقفه من قتل الصحفي الأمريكي ستيفن سوتلوف في حديثه لشبكة سي ان ان الاخبارية الأمريكية عندما قال “على الرئيس باراك أوباما أن يعي مدى وحشية تنظيم الدولة الإسلامية” الذي وصفه بأنه أقوى وأغنى تنظيم إرهابي على وجه الأرض ، مضيفا أن “على أمريكا أن تتولى تشكيل قيادة وتحالف دولي لمواجهته.”
الحقيقة أن التقارير وتصريحات الخبراء والسياسيين لها مايبررها على أرض الواقع فالتنظيم أعلن الخلافة ومن المحال أن يكون اعلان الخلافة أمرا اعتباطيا غير مدروس خاصة وأن هذا الاعلان جاء بعد 6 أشهر من السيطرة على مدينة الموصل وعلى مدخراتها البنكية وكل ماله علاقة بالدولة من تجهيزات قد تكون أغرت التنظيم الى جانب اغراءات أخرى قد حصل عليها من المناطق السورية التي حررها وسيطر عليها وخاصة حقول البترول والغاز الطبيعي الموجودة هناك.
كل هذا بالإضافة الى تبرعات أثرياء خليجيين وأموال الصدقات والتبرعات والزكاة وعوائد تحرير الأجانب والمختطفين وعوائد التهريب وبيع النفط الذي تقدر عوائده بنحو 2 الى 4 ملايين دولار يوميا ما يعادل مليار دولار سنويا ،كذلك الهبات المتأتية من المتعاطفين وعائدات بيع الحبوب حيث قال أحد مسئولي وزارة الزراعة العراقية “ان داعش بدأت تسطير على حوالي ثلث إنتاج العراق من القمح ” دون أن ننسى التقارير التي تحدثت عن الثروة المالية الكبيرة التي وصلت في شهر جوان/يونيو 2014 الى ملياري دولار حسب تقرير أصدرته صحيفة الغارديان البريطانية وهو ما يؤكد أن توقيت الاعلان عن ما أسماه التنظيم بالخلافة الاسلامية لم يكن اعتباطيا.
كما نقلت الصحيفة في تقريرها الصادر في 18 من جوان 2014 عن مسؤول عراقي “أن أموال (داعش) وأرصدتها كانت 875 مليون دولار قبل السيطرة على الموصل، وبعد ذلك يمكن أن يضيفوا 1.5 مليار دولار مما سرقوه من المصارف وقيمة المعدات العسكرية التي نهبوها. وأُميط اللثام عن سلسلة أرقام ضخمة من شأن أي شركة كبرى أن تفتخر وتتباهى بها ناهيكم عن تنظيم كان حتى عامين قبل ذلك يحبو مالياً”.
وأشارت الصحيفة البريطانية إلى أن “الاستخبارات الأجنبية كانت تعرف أن (داعش) يحصل على عائدات ضخمة من حقول النفط التي يسيطر عليها التنظيم في شرق سوريا منذ اواخر العام 2012
هذه المعلومات الخاصة بالثروة المالية للتنظيم أكدتها مصادر مختلفة تنوعت لغاتها واختلفت مناصبها وهو ما يعني أن التنظيم الان قادر على تحقيق واحد من الشعارات المرفوعة وهو البقاء لفترة أطول لا يمكن تحديد مدتها التي يرى خبراء أن التنظيم الجهادي و »الخلافة » التي أعلنها بزعامة أبي بكر البغدادي، يمتلكان مقومات الاستمرار وهو ما دفع الباحث في مركز « شاتهام هاوس »، المتخصص في شؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حسن حسن، الى القول لوكالة فرانس برس، « تعمل المجموعة كأنها حركة تمرد، قد تنكفئ في منطقة ما، وتتوسع في منطقة أخرى، لكنها باقية في المستقبل المنظور ». ويضيف « أتصوره موجودا وناشطا على مدى عقد من الزمن على الأقل ». ويوافق محللون آخرون على أن حدود « الخلافة » الحالية قابلة للتغيير، إلا أن نهايتها ليست قريبا.
كل هذه المقومات بالاضافة الى أن التنظيم تعد مصاريفه منخفضة نسبيا مقارنة بالجيوش النظامية والى هذا أشار الباحث السياسي في مؤسسة « راند كوربوريشن » للأبحاث، باتريك جونستون عندما أكد لوكالة فرنس برس أن كلفة إدارة عمليات التنظيم منخفضة نسبيا، إذ أنه يمتلك عددا بشريا ثابتا وتشكيلة من المقاتلين الأجانب، ويحتفظ بترسانة عسكرية، غنم معظمها من المعارك التي خاضها في مواجهة الجيوش أو الفصائل المسلحة.
ربما يطول اقتباس أقول الخبراء والسياسيين الذين أجمعوا أننا أمام أغنى وأقوى تنظيم جهادي عرفه العالم اكتسب خبراته من خلال الحروب الطويلة التي خاضها مقاتلوه ثم التحقوا به عندما أعلن عن وجوده الفعلي في سوريا ما أكسبه صلابة وديناميكية لم يعهدها خاصة و أن الأجانب قد شكلوا عموده الفقري.
فكل الفيديوهات المرعبة التي أصدرها التنظيم كان وراءها أجانب وفق ما أكدته تقارير اعلامية أجنبية وذلك لحرفية التصوير تطور الاخراج الذي يرى مراقبون أن تأثير فيديو داعشي واحد مرعب له وقع على من يشاهده مهما كان موقعه ما يعني أن التنظيم قد استفاد اعلاميا من جهة تطبيقه لنظرية الصدمة وفشل من ناحية عجزه عن كسب الحاضنة الجماهيرية العالمية ولو أنه نجح نسبيا في كسب حاضنة شعبية داخل مناطق نفوذه كما أن الأجانب يشغلون كل المناصب الحساسة في هيكليته وذلك لثقته الكبيرة بهم.
لكن من جهة أخرى ورغم كل الامكانيات التي تحدث عنها الخبراء بل حتى سياسيون أمريكيون كبار اعترفوا أن داعش أصبحت دولة بين دولتين من خلال استقلالها التام عن كل ماله علاقة بالحكومتين العراقية والسورية إلا أن تتنظيم الدولة الاسلامية قد أضعفته الضربات الجوية المتواصلة من قوات التحالف الدولي الستيني فبين الفينة والأخرى تطالعنا اصداراته المرئية والصور المنشورة وتنعى أحد قياديي التنظيم من اللذين قضوا جراء القصف كان اخرهم” والي صلاح الدين” كما سماه التنظيم.
القصف المتواصل منذ شهور والذي استهدف كل ما له علاقة بداعش قد جعل التنظيم في بعض المناطق في موقع دفاع ثم سرعان ما تحول الدفاع الى انسحاب من مناطق كان قد سيطروا عليها سابقا مثل مدينة تكريت وكوباني وتل أبيض لكن هذا الانسحاب سرعان مايبرره التنظيم بشدة القصف الجوي الذي يروح ضحيته يوميا العشرات بين مدنيين ومسلحين اللذين راحوا وقودا للمعركة.
لكن التنظيم سرعان ما يعود الى تلك المناطق ويقوم بعمليات انتحارية واشتباكات مع القوى المتواجدة بداخلها ومن أبرز تلك العمليات الكر والفر الذي شهدته مدينة تل أبيض دون أن ننسى ما حصل في عين العرب كوباني منذ أكثر من شهر حين تسلل مقاتلوه الى وسط المدينة أين دارت اشتباكات بينهم وبين المقاتلين الكرد استمرت أياما.
لهذا يمكن القول ان الشعار المرفوع من قبل تنظيم الدولة الاسلامية باقية وتتمدد يبقى حقيقة ترجمها التنظيم وان كان هذا البقاء رهين تدخل بري كما توقع المراقبون والخبراء ولكن هذا التمدد بدا أمرا نسبيا اذا كان التمدد المراد في العراق وسوريا بسبب الكر والفر الذي تشهده هاتين المنطقتين أما التمددالمراد به تلقي بيعات من مناطق أخرى فهذا تمدد حقيقي رغم أن البيعات التي تلقاها التنظيم لم يكتب لها نجاح وثقل كما كانت في نيجيريا وأفغانستان حيث أصبحت هاتين المنطقتين التي يوجد بها فصيلين داعشيين تشهد عمليات تمدد شبيهة بما يحدث في العراق وسوريا.
كل هذه المعطيات تدفعنا الى أن نتساءل عن امكانية نجاح التنظيم في الحفاظ على الأرض والتمدد نحو أراض أخرى اذا ماتم اقرار التدخل البري الأمريكي الذي يراه مراقبون بعيد المنال.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق