fbpx
التوعية الديمقراطية

الامن الفكرى … تناقض الطرح وغموض الإستراتيجيه

بقلم : محمود عبدالعزيز

المركز الديمقراطي العربي

خرجت علينا وزارة التربيه والتعليم فى أخر تقليعات وزيرها وإدارته بعنوان ملأت به الفضاء العام صخبا مفاده أن الوزارة بصدد إعداد إستراتيجيه للأمن الفكرى , تتضمن إنشاء نادى للأمن الفكرى داخل كل مدرسه من مدارس الجمهوريه, حسبما أعلنت “د.راندا شاهين” رئيس الإدارة المركزية للتعليم الأساسى بديوان عام الوزارة. فى تصريحاتها لبرنامج ” صباح اون ” على قناة on tv والتى قالت أنها ترغب فى أن يتواكب ذهن الطالب مع ما تم تغييره من المناهج وتعليمه أسس مواجهة الرأى الأخر ورقى الحوار , حتى هنا يبدوا الأمرممتازاً و يستهدف مصلحة الطلاب , واجملت الوزارة فى بيان لها ان مفهوم الأمن الفكرى يستهدف مايلى :-
1- بناء المواطنه من خلال حماية معتقدات الطالب وإحساسه بالأمن النفسى والطمأنينه.
2- خفض ظاهرة العنف المدرسى من أجل تحصين الطلاب فكريا وإجتماعيا من خلال مجموعه من التصورات والمفاهيم التى تدعمها عملية تغيير المناهج فى الوزاره
3- تأكيد قيم الولاء والإنتماء للوطن والتحصين الفكرى والاخلاقى للطلاب
4- تأكيد قيم التسامح والإعتدال والوسطيه وثقافة الحوار .
5- تقدير رجال الدين والفكر والدوله ورجال الامن وتقدير دورهم فى المجتمع.
تبدو ملامح الإستراتيجيه التى أعلنتها الوزاره عملاً جيدا يستهدف حقاً الدفاع عن الطلاب والخوف على عقولهم البرئية وهى فى طور التشكل , بيد أننا نود مناقشة عدة ملاحظات وتصورات وتناقضات عن الإستراتيجيه المزمع تنفيذها .
الملاحظه الأولى تتعلق بالتناقض الظاهرى والموضوعى فى عنوان ومحتوى الإستراتيجيه , تحت اسم الأمن الفكرى , و عندما قرأت الموضوع للوهله الأولى قفز إلى ذهنى المقال الذى كان قد كتبه أستاذنا الفيلسوف الراحل الدكتور فؤاد زكريا فى مطلع الثمانينيات تحت عنوان ” ثقافه بلا امن” ونشرها فى كتابه ” خطاب الى العقل العربى” وهو متاح فى منشورات هيئة الكتاب لمن يريد الإطلاع عليه.
يتحدث مفكرنا الراحل عن الظاهره التى بدأت فى السبعينيات عندما بدأ الحديث عن مصطلح الأمن الثقافى من رجال السلطه داخل الصحافه حينها , بالتواكب مع تمدد الأصوليه الإسلاميه فى وضع مشابه لما نعيشه اليوم من انتشارغير برئ لجماعات الإسلام السياسي داخل الجسد الوطنى المثخن بالجراح.
المهم هنا هو ماقام به الدكتور فؤاد من حمله قويه لمهاجمة المصطلح (الامن الثقافى|الفكرى ) بسبب أن مفهوم الأمن سلبى فى دلالاته ومضمونه فهو يعنى بدفع الضرر القادم وإتاحة الفرصه أمام المواطن ليتحرك بطبيعيه فضلاً عن كونها مهمة رجال الشرطة وليس رجال الفكر والثقافه , والاخر ان مفهوم الامن يعنى بقيمة الحد الأدنى كالأمن الغذائى المعنى بتوفير حد أدنى من الطعام , بينما الفكر والثقافه مفهومان ايجابيان فى المحتوى والدلاله لما يصيبانه من رفاهيه واتساع لدى المتلقى أو المثقف , فضلاً عن كونهما لايعرفان قيمة الحد الادنى وإنما هما فى تطلع مستمر للإستزاده والتوق إلى الجديد واتاحة الفرصه أمام التغيير الواسع والشامل مع ضمان إستمراريه إصلاحيه فى شتى مجالات الحياه .
وإنطلاقاً مما سبق فإنه لا يجب الحديث عن أمن فكرى بما يحمله من تناقض لا ينبت أن يتغلغل إلى محتوى الإستراتيجيه المزمع إعلانها.
كما يطرح المفهوم من وجهة نظرنا أمران أن هناك أزمه حاده وغزو فكرى رهيب يحتاج إلى من يقف أمامه ومواجهته بسبل أمنيه فى المقام الأول , الثانى هو أن هناك فكراً فى المجتمع يحتاج إلى من يحميه ويذود عنه , أى ان المفهوم يتحدث عن معنيان للأمن الاول وقائى والأخر عدوانى هجومى فهو من جهة يحفر الخندق ومن جهة أخرى يصوب البندقيه فى عبثيه سرياليه لا تتناسب مع الحديث عن الفكر أو الثقافه , فضلاً عن الحاجه إلى اختبار دعاوى الغزو الفكر المزعوم .
إن مايميز اى فكره عظيمه وجديده أنها تثير القلق والتوتر ومن ثم ترسم طريق النجاح فما قيمة الأفكار لو لم تهدم البالى والتقليدى وتبنى الافضل والأكثر حداثه, وهذه الفكره لايمكن أن تثبت نجاحها الا بالمواجهة الفكريه ومقارعة الحجه بالحجه والبرهان بالبرهان , وليس بحفر الخنادق وإنتظار العدو فمهما إنتظرت فإن مآلها الهزيمه النكراء فضلاً عن عدم صالحيتها لتدخل فى مجال الفكر والثقافه.
ولنتعمق قليلاً داخل تصريحات المسؤليين بالوزاره عن الخطوط العريضه التى تتبناها الإستراتيجيه كبناء المواطنه عن طريق حماية معتقدات الطالب وإحساسه بالأمن النفسى والطمأنينه ,وهو معنى سلبى يجعل الطلاب كل منهم فى جزيرة منعزلة, وقطعاً فإن تغذية قيم المواطنه هى جزء من إستراتيجية الدوله لمواجهة العنف والتطرف ورفع قيمة الأنتماء للوطن والمجتمع والتأكيد على احترام المجتمع لمعتقدات الفرد وليس الحفاظ عليها من أن تمس وإلا كان المجتمع مغلقاً لا يصلح للحوار الذى تستهدفه الاستراتيجيه , فالأساس فى تغذية قيمة المواطنه لدى الفرد هو تعليمه مهارات إيجاد الحيز المشترك بين مايعتقده من قيم وبين مايعتقده زميله المختلف عنه فى الدين أو العرق أو المذهب ومن خلالها يستطيع الفرد أن يشعر بقيمة مايعتقد فى خدمة المجموع وبناء المسؤليه المتبادله بينه وبين المجتع بتمايزاته وتنوعه, ومن هذا الأساس نستطيع الحديث عن مواطنه سليمه فى مواجهة مايقدمه التيار العنيف من طرح لإعادة القيمه للإنتماءات الأوليه أو الفوق قوميه ووطنيه .
كما تتحدث الإستراتيجيه على تأكيد قيم الحوار والوسطيه والتسامح والإعتدال وهى أمور رغم بريقها إلا انها تحمل من الميوعه ما يمكن ان يفرغ الحديث عن قيم الإنتماء والمواطنه والدوله الحديثه من مضمونه ,فقيمة التسامح لو لم تُبنى على أرضية الإحترام الوجوبى للمجال الخاص للأخر الشريك فى المجتمع وليس بإعتبارها ميزة وتفضل من المسلم على المسيحى وهى مصطلحات لا ينبغى الحديث عنها ولا طرحها وإنما مايجب أن يطرح هو مصرية الطالب وليست ديانته , وهو مايطرح تساؤلاً عن عملية تغيير المناهج فى اللغه العربيه والتربيه الدينيه التى كانت تجبر الطالب المسيحى على حفظ أيات من القرآن , بينما العكس غير متواجد لدى الطالب المسلم الذى لايعرف عن صديقة المسيحى سوى أن دمه أزرق ورائحته كريهه , ولا ينبغى ان نخدع انفسنا بألا نعترف بالواقع المرير حتى نستطيع مواجهته ,ليس بمسميات براقه لا تحمل سوى تناقضا فى الدلاله والمحتوى يؤدى بنا إلى الإستمرار فى دائرة التخلف والعبث .
والملاحظه الأخرى التى تحدثت عنها الإستراتيجيه هى تعليم الطالب إحترام رجال الدين والفكر والسلطه , وقطعاً يجب إحترام الجميع بما فيهم الفئات المذكوره إعمالاً لقيمة الحوار وما يتصمنه من قاعدة الإحترام المتبادل , ولكن لا يجب أن يتعلم الطالب إحترام رجل الدوله الفاسد او رجل الدين الوصولى صاحب الوجه المتجهم اللعان لخلق الله , ولا يجب أن يحترم من أجاد إستخدام الطبله وحمل المباخر فى صفوف السلطه – اى وكل سلطه – وركابها , وإلا كان المستهدف من الإستراتيجيه هو إخراج طالب فى منظومه شموليه تعلمه الخنوع والطاعه بما يميت لديه ملكة العقل والنقد والإبداع ويأتى على اى حديث عن الحوار والنقاش والمواجهه.
ومن جهة اخرى فإن الامر الذى تتطرحه وزارة التعليم يبدوا متوافقا مع مافعلته فى السابق من شن حمله لحرق الكتب السلفيه والاخوانيه وتيار الإسلام السياسي وان كان مافيها مدان لما يغذيه من قيم العنف والتطرف ونبذ الأخر , إلا أن مايغذيه مفهوم الحرق أقوى وأكثر مآساويه بما يتيحه من مظلوميه للتيارات العنيفه يجعلها تضع أنفسها فى خانة شهداء الفكر وضحايا الكلمه وهو امر منافى لكل حقيقه, كما يعنى فعل الحرق أن ما تم حرقه غير مباح ولايجوز الإقتراب منه وهو مايغذى لدى الطالب رغبة حب الإستطلاع تحت لافته الممنوع مرغوب , ويقضى على الهدف من الحوار ومبدأ المواجهه الفكريه التى لن تكون موجوده لأن الكتب أحترقت وبالتالى فقد الطالب ملكة وحق مناقشتها وبيان مافيها من غث مميت وحشو قاتل فيقع فريسة لها ,لتمثل إستراتيجية الوزارة وسياستها فناءً خلفيا لمروجى العنف ومستقطبى الشباب وصغارالسن .
ومن جانب اخر فإن الإستراتيجيه التى تطرحها الوزاره يجب ان تأتى فى سياق أعم وأشمل وهو سياق التنشئه السياسيه التى تقع فى المقام الأول على عاتق الدوله لاغيرها , وبالمشاركه مع المجتمع ومنظماته المدنيه .
وهذه العمليه التى تعنى بإكساب المواطن القيم الإجتماعيه والسياسيه داخل المجتمع والدوله وبما لايتأتى على حقه فى ممارسة قيمة الإختيار كمفهوم أكثر إتساعاً وحداثه, وعملية التنشئة تلك التى يبدو حتى الأن أن الدوله غائبه عنها ولا تعرف ما يجرى فى ربوع الريف والصعيد المصرى من إنتشار لظواهر الحضانات الأهليه وجلها تتبع للدعوة السلفيه وذراعها السياسي , وأعضاء جماعة الاخوان المتسترين فى غياهب الريف المصرى المنسى دائما, وتعمل تلك المدارس الأوليه كمعامل تفريخ للإرهابيين الصغار يترعرعون فى أوساط التطرف والعنف وقشور الدين فتخرج أطفالاً قتلت براءتهم وطفولتهم وحقهم فى الحياه تحت مسمى شرع الله فلا نتعجب حينما نراهم يتلذوذن بقطع الرؤوس كما يفعل أطفال داعش.
تلك العمليات التى لا يساور المرء شكاً ان جزءً منها يتم تحت سمع وبصر الدوله وهى عنه متغاضيه فى صفقة سياسيه تضمن استمرار خفافيش الظلام داخل حيز معقول للممارسة السياسيه والاجتماعيه فى المجال العام الملبد بالغيوم فى اعقاب ثورتين لم تُوضع لهما إستراتيجيه واضحه تضمن إستغلالهما فى مصلحة الوطن ومسيرة التنوير الحتمى الذى يجب أن تخطوعلى أشواكه جموع المواطنين إن أردنا التقدم والرقى , وهو ما لايبدوا واضحاً حتى الآن.
كما يجب ان تطرح الإستراتيجيه فى إطار سياسه أعم للدوله للإصلاح الدينى وهو يقع على عاتق المفكرين فى المقام الأول قبل أى مؤسسه دينيه هى بالأساس فى حاجة إلى إصلاح , وفى سياق وطنى يدعم الديمقراطيه ومبادئها من إحترام الأخر وإرتفاع بقيمة النقاش وحرية التفكير والرأى والتعبير , وتفعيل العقل النقدى.
إذا كنا نبغى حقاً محاربة الارهاب فإن الطريق الأول هو التعليم والمواجهة الفكرية الحره غير الحذره بالتواكب مع المواجهة المسلحة التى تخوضها قوات الجيش والشرطه , وإذا كانت الإستراتيجيه التى أعلن عن معالمها حتى الأن وهى فى طور التشكل قد جانبها الصواب فى الشكل والمضمون فإن أملنا أن يدرك القائمين على أمرها الفرق بين أن تحارب العنف بالعنف وأن تحارب الفكرة بالفكرة , وتخلف أن تضرب الحاضر بمتاهات الماضى , وبين أن تبنى الحاضر من أفق المستقبل , والمستقبل لا يبنى بالخوف وإنما بالمخاطره والشجاعه والمواجهه والتعثر ثم النهوض , وهى القيم التى يجب أن تعيها عقول الأطفال والكبار , وان تستوعبها مناهج الوزاره.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق