fbpx
مقالات

اقتصاديات الشيخوخة : الماضى فى صورة الحاضر

بقلم : أحمد داود
فى مقال لساسة بوست قرأت أن الدول الاقتصادية الكبرى يراودها شبح الشيخوخة، فــوفقا للمعايير العالمية، فإن أي مجتمع تجاوزت فيه نسبة الأعمار الستين عامًا ( أو يزيد) أكثر من 10% من تعداد السكان، فهو مجتمع يعاني من الشيخوخة، وبناء على هذه المعايير فالشيخوخة أزمة باتت تؤرق العديد من الدول الكبرى في العالم.
مشكلة زيادة أعداد المسنين فى أى اقتصاد تكمن فى تحولهم إلى عبء اجتماعي وإنتاجي على الدولة، بمعنى أنهم تحولوا من أفراد منتجين إلى مستهلكين يحصلون على معاشات ومرتبات تقاعد من الدولة دون مساهمتهم فى العملية الإنتاجية، بالإضافة إلى أن نقصان الأيدى العاملة يعنى انخفاض معدلات النمو القائمة بالفعل. فلك أن تتخيل أن عدد اليابانيبن الذين تزيد أعمارهم عن مئة عام حوالى 60 ألف.
موضوع الشيخوخة هذا بدا لي مرتبطا بمواضيع أخرى كثيرة جدا، منها ما هو أكاديمى بحت، ومنها ما هو اجتماعى للغاية. ففي دولة مثل ألمانيا تعانى من معدلات شيخوخة مرتفعة وصلت إلى 20% من عدد سكانها باتت مهددة بانخفاض معدلات النمو فيها، وبدأت تبحث عن حلول سريعة لهذه المشكلة. تمثلت هذه الحلول فى فتح باب الهجرة إليها، فأعلنت ألمانيا عن حاجتها إلى 400 ألف مهاجر سنويا من ذوى المهارات حتى لا تصاب الدولة بتيبس تام فى مفاصلها الإنتاجية. فلماذا إذا لا تقوم دولة مثل ألمانيا بالترحيب بعدد أكبر من اللاجئين فيها وتقوم بتأهيلهم لسوق العمل بها، هذا على افتراض أن هؤلاء اللاجئيين غير مؤهلين تماما لسوق العمل، ولكن الحقيقة أن نسبة كبيرة من هؤلاء اللاجئين هم عمال مهرة وباحثون أكفاء وأطباء ومهندسون ذوو خبرة أجبرتهم الظروف في بلدهم الأم على الهجرة لدول أوروبا بحثا عن فرص أفضل لحياة كريمة. فعدد اللاجئين السوريين فى ألمانيا 30 الف من أصل 160 ألف لاجئ من جميع الجنسيات فى الوقت الذى تحتاج فيه ألمانيا 400 الف مهاجر سنويا كما ذكرنا أعلاه.
وتعمل بعض الدول الأوروبية على تشجيع زيادة الإنجاب كحل لمشكلة الشيخوخة، وفي تجربة فرنسا والسويد ما يمكن الاستشهاد به، إذ قدمت كل من الدولتين حوافز مثل توفير الرعاية الصحية للأطفال ومنح الأمهات فترة أطول لرعاية الأطفال، بالإضافة إلى الحوافز المالية للأسر التي لديها أكثر من طفل. هذا الحل من وجهة النظر الاقتصادية سليم تماما، فمن مبادئ علم الاقتصاد أن الفرد يتصرف وفقا لدوافع اقتصادية فى الأساس، فتقديم المنح للأمهات اللاتى ينجبن أطفالا جددا بالإضافة إلى تقديم الرعاية الصحية يعد حافزا كبيرا لزيادة الإنجاب طالما أن الدولة تتكفل برعاية هؤلاء الأطفال الجدد.
ولكن في دولة مثل الصين يبدو الأمر ضبابيا بعض الشيء، فعدد من تجاوزت أعمارهم الـ 65 عاما فى الصين وصل إلى 131 مليون شخص فى الوقت الذى تفرض فيه الدولة سياسة الطفل الواحد منذ 7 سنوات تقريبا مما يضاعف من حدة المشكلة.
دعونا نذهب الآن إلى شق أخر من الموضوع قد يبدو مغرقا في الأكاديمية إلى حد ما. فموضوع السكان والهيكل السكانى فى الدولة نجد له جذورا عميقة فى الفكر الاقتصادي، فمشكلة السكان وكيفية توزيعهم ودورهم فى النمو ومدى التوازن الموجود بين السكان والموارد الغذائية من المواضيع التى أثرت علم الاقتصاد والحياة الاقتصادية لعقود طويلة.
فالحل الذي تبنته فرنسا والسويد لمواجهة مشكلة الشيخوخة (التشجيع على زيادة الإنجاب) نجده غير مرحب به في فكر الاقتصادي الكلاسيكي، فيرى مالتوس أن الزيادة السكانية أساس كل الشرور، ولا يحبذ أبدا هذه الزيادة الطبيعية المفرطة للسكان، انطلق ذلك من اعتقاده أن الزيادة السكانية تتم وفقا لمتوالية هندسية أما زيادة الموارد الغذائية تتم وفقا لمتوالية حسابية، وهنا يقول مالتوس: “ولما كان الإنسان لا يستطيع الحياة دون غذاء، فإن هاتين القوتين غير المتساويتين في النمو لابد لهما من موانع تدفع بهما إلى التكافؤ، وبما يعني تقليل نسبة التزايد السكاني، لتتعادل مع نسبة الإنتاج الغذائي”. وهذه الموانع بحسب رؤية مالتوس عوامل سلبية أو إيجابية تحول بين الناس وبين التناسل. فالعوامل السلبية الوقائية تتمثل في عدم الزواج بسبب الفقر أو غيره من الأسباب. فإذا ما فلشت العوامل السلبية فى تحقيق التعادل المرجو بين الغذاء والسكان جاء دور العوامل الطبيعية من حروب ومجاعات لتحقق هذا التعادل. فعندما يزيد السكان ويشح الغذاء تبدأ المجاعات ويتقاتل الأفراد من أجل البقاء، ومن هنا تبدأ أعداد السكان في التراجع مرة أخرى لتتلائم مع حجم الموارد الغذائية المتاحة.
قبل أن ننتهى من مالتوس، نود أن نعود إلى ما ذكرنا أعلاه عن تطبيق الصين لسياسة الطفل الواحد فعلى الرغم من أن الاشتراكية وقفت على تضاد كامل مع المالتوسية، إلا أن انتهاء الصين الشيوعية إلى تطبيق سياسة الطفل الواحد في الأسرة مثل استجابة واقعية لأفكار مالتوس قبل سبع سنوات من الآن حين أعلنت المؤسسات الدولية عن (أزمة الغذاء العالمية).
لم يتوقف الأمر عند مالتوس، ولكنه امتد إلى اقتصاديين آخرين ليسوا أقل منه خطرا وإن جاء انتاجهم الفكرى متأخرا بعض الشئ عن أفكار مالتوس؛ وهنا نذكر ديفيد ريكاردو، هذا الاقتصادي الشهير بنظريته فى الأجور، تلك النظرية التي تتلخص في أنه رأى ضرورة وضع حد أدنى للأجور يحصل عليه العمال، هذا الحد الذى يشبع لهم ضرورات الحياة فقط وبالكاد يحول بينهم وبين الموت جوعاً. أُسمي هذا الأجر بالأجر الحديدي، في إشارة إلى أنه لن يتغير أبدأ مهما حدث، فتوفير أجور أعلى للعمال يجعل حياتهم أكثر رفاهة ومن ثم قدرتهم على الإنجاب، وبالإنجاب تزداد أعدادهم مستقبلا، ومن ثم يزيد التنافس بينهم على العمل ويهبط الأجر إلى الحد الأجر الحديدى مجددا.
بالنسبة لهؤلاء الاقتصاديين كان السكان يمثلون بلاءً جسيما ما أنزل الله به من سلطان، لا يجيدون التعامل معه إلا بالموت جوعا أو فى حروب ومجاعات، ولا يعترفون له إلا بأساسيات الحياة التى تقيم أوده فحسب.
كانت أفكار مالتوس وريكاردو شديدة التشاؤم، فهي تصب فى صالح الرأسماليين ملاك الأرض والمصانع على حساب الفقراء المعدمين، فقد رأى مالتوس على سبيل المثال أن الطبقية أمر طبيعي لابد منه حتى تستقيم الحياة الاقتصادية تماما، كما رأى أرسطو الرق أمرا عاديا فرضته الطبيعة على الأقل حظا فى هذه الدنيا.
وللأسف لم يختفى هذا التفكير من عصرنا إلى الآن ففي الشهور الأخيرة قالت المستشارة ميركل تعقيبا على ارتفاع أسعار الغذاء: “الناسُ في الهند باتوا يأكلون مرتين في اليوم بدلا من مرة واحدة، وإذا كانَ ثلثُ الشعب الهندي البالغ تعداده مليار نسمة يفعلُ ذلك، فهؤلاء عددهم 300 مليون نسمة؛ فإذا استهلكوا فجأة طعاماً يعادل مثلي ما كانوا يستهلكونه، فإن هذا سينعكس علينا، وإذا بدأ 100 مليون صيني في شرب الحليب أيضاً، فإنَّ حصص الحليب لدينا ستقل”.
كلام ميركل فى عمقه هو صدى لأفكار مالتوس ، فالمبدأ هو ذاته، ولكنه مقلوبٌ، فميركل، تقرأ الأزمة من خلال واقع الأمم المتقدمة، التي يجب أن يبقى أفرادها أصحاء وبعافية، بينما على الشعوب الأخرى أن تحافظ على عاداتها الغذائية ذاتها، وإن أدَّت بها إلى البقاء رهينة التناقض بين معدلات النمو السريعة وبين الواقع الصحي المتردي.
هذا هو الاقتصاد القائم على مبدأ الندرة، تلك الندرة التى تحتم عليك استغلال كل ما شئ متاح لك أفضل استغلال ممكن حتى تحقق أكبر قدر من المنفعة، فالاقتصاد في جوهره هو فن الاستفادة القصوى من الحياة وإن دلت الممارسات العملية على غير ذلك.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق