fbpx
الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

بوتين يتحدى أمريكا … إستفاقة الدب الروسي من السبات

اعداد : بن عائشة محمد الأمين/ جامعة الجزائر

أدلى عدد من المسؤولين الروس مؤخرا بتصريحات أكدت موقف روسيا ومبدئها تجاه الأزمة السورية، واعتبر البعض هذه التصريحات دلالة على تغيير روسيا لسياساتها حيال القضية،
بيد أن خبراء صينيين فى الشؤون الروسية قائلوا إن روسيا لم تغير فى حقيقة الأمر موقفها تجاه الأزمة ، وإنما قامت بتعديل سياستها وتصرفاتها إثر تطور الوضع،

فقد أكد رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين في مقابلة اجرتها معه وسائل إعلام أجنبية فى أول مارس الجارى انه “ليس لدينا اي علاقة خاصة مع سوريا. لدينا موقف مبدئي حول طريقة تسوية هذا النوع من النزاعات ولا نؤيد هذا الطرف أو ذاك”، وأضاف قائلا إن “لدينا مصالح اقتصادية في سوريا لكنها على الأرجح ليست بحجم مصالح بريطانيا أو أي بلد آخر في أوروبا”.

كما صرح جيورجى بيتروف ، نائب رئيس غرفة التجارة والصناعة الروسية ، بأنه سيتم تعليق جميع العقود الموقعة مع سوريا لحين عودة الوضع فى البلاد إلى طبيعته. وقال إنه “من المستحيل الحفاظ على المستوى السابق للعقود الإقتصادية فى ظل الظروف السياسية الراهنة فى سوريا . هناك عدد من المشروعات ننفذها من بينها إنشاء فنادق، وإدارة موارد مائية، ومشروعات طاقة. ولكن أمن المواطنين السوريين له الأولوية ،” مضيفا انه “لن يتم استئناف التعاون بالكامل إلا بعد عودة الوضع إلى طبيعته”.

وكانت وزارة الخارجية الروسية قد أعلنت فى نفس اليوم انها لن تقدم مساعدات عسكرية للحكومة السورية حال تعرض دمشق لهجوم بالرغم من ان روسيا وسوريا وقعتا معاهدة للتعاون والصداقة تنص على أنه فى حالة وقوع خطر ما يهدد السلام أو الأمن ، يتعين على الجانبين التواصل فى الحال لتنسيق مواقفهما والتعاون من أجل إزالة هذا الخطر واستعادة السلام .

وصرح المتحدث بإسم الوزارة الكسندر لوكاشيفتش بأن ” الوثيقة لم تتضمن أى كلمة عن المساعدات العسكرية من جانبنا. وأن روسيا لن تفعل شيئا كهذا…ان الوثيقة تتصور فقط آلية مشاورات كلاسيكية “، مضيفا “اننا لا نحمى الحكم الحالى، اننا نحمى العدالة. ويجب أن يتوصل الشعب السورى إلى نموذج ، يتيح له تنمية البلاد فى المستقبل”.
وقد قال شنغ شى ليانغ الباحث فى مركز الدراسات العالمية بوكالة أنباء ((شينخوا)) إن تعديل روسيا لاجراءاتها حيال سوريا لم يكن مفاجئا بل انه تجسيد لسياسة روسيا الخارجية القائمة على ثلاثة مبادئ جوهرية. ونفى فى الوقت نفسه ان يكون لانتخابات الرئاسة الروسية التى بدأت أمس الاحد /4 مارس الحالي/ أى تأثير على ذلك.
وأوضح السيد شنغ ، الذى سبق وأن عمل لفترة طويلة مراسلا لشينخوا لدى الاتحاد السوفيتى السابق وروسيا فى ثمانينات وتسعينيات القرن الماضى ، ان السياسة الخارجية الروسية تقوم على المبادئ الثلاثة التالية: اولا : حماية أمن روسيا ومصالحها الاقتصادية ، ثانيا: استمرار مضى سياستها الخارجية على نفس النهج مع تعديلها وفقا لتطور الأوضاع ، ثالثا: الدفاع عن مبادئ القوانين الدولية وحماية المصالح الدولية. وتضع روسيا سياستها الخارجية وتطبقها وفقا لهذه المبادئ الثلاثة بغض النظر عن تغير رؤساء الحكومة فى البلاد . وان هذه السياسة غير قابلة للتعديل أو لتغيير ترتيبها.

واستطرد قائلا إن لروسيا مصالح عسكرية واقتصادية كبيرة فى سوريا، إذ ان قاعدة طرطوس العسكرية الواقعة فى سوريا تعتبر القاعدة العسكرية الروسية الوحيدة خارج بلدان رابطة الكومنولث وتتمتع بأهمية استراتيجية بالغة فى الحفاظ على وجود البحرية الروسية فى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ، علاوة على ذلك، تعد سوريا اكبر سوق لمبيعات الأسلحة الروسية فى هذه المنطقة وتبلغ قيمة تلك المبيعات ما يزيد على 4 مليارات دولار أمريكى سنويا وذلك بالاضافة إلى العلاقات الاقتصادية الوثيقة بين روسيا وسوريا.

وأكد شنغ ان اعتبارات روسيا العسكرية والاقتصادية تؤدى إلى تغيير اجراءاتها حيال الدول العربية، والمثال على ذلك تعاملها مع القضية الليبية حيث أيدت روسيا فى البداية نظام معمر القذافى، لكنه مع تطور الوضع وانقلاب توازن القوة بين قوات السلطة وقوات المعارضة، أعربت روسيا عن تأييدها للمعارضة الليبية.

واستبعد الباحث شنغ أن يكون الهدف من تعديل فلاديمير بوتين لموقفه حيال سوريا هو كسب اصوات الناخبين في انتخابات الرئاسة الروسية التى من المتوقع ان يفوز فيها بوتين المتشدد نسبيا، قائلا إن غالبية الناخبين الروس يؤيدون سياسة روسيا الخارجية، سواء كانوا محافظين أو ليبراليين.

وبالمثل نفي وان تشنغ تشاي الباحث فى مركز الدراسات العالمية بوكالة أنباء شينخوا ان تكون هناك علاقة بين تغيير السياسة الروسية تجاه سوريا وانتخابات الرئاسة التى تجري اليوم الأحد . وقال إن الاحزاب الروسية المعارضة معظمها تدعم السياسة الخارجية الروسية التى تركز علي حماية المصالح الجوهرية الوطنية.
فرغم موقف روسيا الذي جاء مساندا للولايات المتحدة في حربها على “الإرهاب”، إلا أنها أبدت تخوفها من التهديدات التي يمكن أن تنجم عن التواجد الأمريكي في المنطقة، مثل احتمالات تفاقم مشكلة اللاجئين الأفغان في جمهوريات آسيا الوسطى،و ما يمكن أن يترتب عنها من مشكلات سياسية واقتصادية و اجتماعية، و التخوف من احتمال استمرار التواجد العسكري الأمريكي في المنطقة،الأمر الذي يؤدي إلى التأثير على التوازن الاستراتيجي الإقليمي،و الآثار السلبية لدخول الولايات المتحدة كضلع خامس في المربع النووي في المنطقة (روسيا، الصين، الهند، باكستان)، فضلا عن التنافس على اقتصاديات و ثروات النفط و الطاقة في آسيا الوسطى، والتخوف من أن تكون العمليات العسكرية الأمريكية خطوة لعزل روسيا عن مناطق نفوذها التقليدية في وسط و جنوب آسيا.
كما أن الولايات المتحدة الأمريكية الساعية للحفاظ على وضعها المهيمن في العلاقات الدولية، لن تسمح بسهولة بتكوين تكتل معاد لها في قارة آسيا، يضم دولا في حجم الصين و روسيا والهند، يقول “هنري كيسينجر”: “المصالح الأمريكية في آسيا، أبعد من كونها تقتصر على الجانب الاقتصادي، و إنما تتعداه إلى مصالح سياسية أساسية، و هي عدم السماح بقيام تكتل معاد للمصالح الأمريكية هناك”، فهناك تحول استراتيجي مهم في موازين القوى العالمية، وأن قواعد اللعبة الاقتصادية لم تعد حصراً بين اللاعبين التقليديين، بل انضم إليهم لاعبون جدد في مقدمتهم الهند والذي يبشر بظهور قوة اقتصادية عالمية جديدة ، وفي ظل التحول الملحوظ الذي بدأ يطرأ على مركز القوة العالمية وانتقاله من الغرب إلى الشرق حيث تقف الصين كإحدى أبرز المرشحين لتتبوأ مركز الصدارة، شرعت اليابان والولايات المتحدة في التحرك وبدأت تبرز أهمية العلاقات الهندية الأمريكية واليابانية الهندية دون أن ننسى العلاقات مع الصين طبعا.
خمسة اعوام والساحة السورية ارضا مشاعا ومفتوحة على مصراعيها للادارة الامريكية، وكل حلفائها الاوروبيين والعرب، ومقاتليهم، لانجاز مهمتهم في اسقاط النظام السوري، ولكنهم فشلوا فشلا ذريعا.
جربوا كل شيء.. المعارضة “المعتدلة”.. وجيوشها، المعارضة الاسلامية المتشددة.. ومجاهديها، اقاموا معسكرات للتدريب اشرف عليها خبراء وكالة المخابرات المركزية الامريكية في تركيا والاردن وقطر والسعودية، ففوجئوا انهم يدربون مقاتلين، اما يهربون من اول رصاصة، او يستسلمون في اول معركة، او ينضمون بمعداتهم الخفيفة والثقيلة الى الطرف الآخر، الذي من المفترض ان يقاتلونه ويقضون عليه.
الروس كانوا موجودين في سورية في اطار معاهدة دفاع مشترك، واقاموا قاعدة بحرية في طرطوس في وضح النهار منذ عشرات السنين، تماما مثل القواعد الامريكية في قطر والسعودية والعراق والبحرين، فأين وجه الغرابة؟ وهل القواعد الامريكية شرعية والروسية غير شرعية؟
لوران فابيوس وزير الخارجية الفرنسي وصف الروس امس بأنهم يتكلمون كثيرا ولا يفعلون شيئا لمحاربة جهاديي “الدولة الاسلامية”، داعيا موسكو الى قرن كلامها بالافعال، وها هي تستجيب له وترسل اربع طائرات من طراز “سوخوي 34″ المتطورة وتشن ثلاث غارات على مواقع للدولة قرب مدينة حمص، واكد مسؤول عسكري امريكي حدوث مثل هذه الغارات.
التطور الجديد ان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يريد تعزيز التواجد العسكري والسياسي لبلاده في الشرق الاوسط، وان لا يترك المنطقة “ارضا بور” لامريكا وحلفائها، يعبثون بها، ويغيرون انظمة مثلما ارادوا، ولسان حاله يقول “لن نسمح لكم بتكرار تدخلاتكم العسكرية في العراق وليبيا على حساب مصالحنا واصدقائنا، الزمن تغير ونحن هنا”.
التدخل الروسي في سورية في صورته المتطورة الحالية، جاء بعد اعطاء مجلس الاتحاد الروسي تفويضا “روتينيا” للرئيس بوتين باستخدام القوة العسكرية في الخارج، وصدر القرار بالاجماع، وبعد ان تقدم الرئيس بشار الاسد بطلب صريح وواضح في هذا الصدد الى الرئيس الروسي.
في الفترة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي، اتبعت روسيا سياسة خارجية ذات توجه أوربي- أطلسي واضح، حيث سعت إلى الاندماج في الحضارة الغربية و الانضمام إلى كافة مؤسساتها، إلا أنها سرعان ما أدركت أن الغرب لن يسمح لها بالاندماج الكامل في حضارته، وأنها لن تكون بأي حال دولة غربية و إن ظلت دولة أوربية، هذا فضلا عن خيبة الحكومة الروسية من تدفق المعونات الغربية عليها، فحجم ما تدفق من معونات كان محدودا جدا مقارنة باحتياجات روسيا، و بتعهدات الدول الغربية ذاتها و وعودها لروسيا، وبخاصة بعد تفاقم الأزمة الاقتصادية فيها.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق