fbpx
الشرق الأوسطتقدير الموقفعاجل

هل يخرج السودان من حالة الاستقطاب والانقسام ويفتح الطريق أمام مصالحة حقيقية؟

مياه كثيرة جرت أسفل الجسر، منذ إعلان الحكومة تلك المبادرة التي أُطلق عليها اسم “الوثبة” في يناير/كانون ثانٍ 2014، والتي أعلنها الرئيس البشير بنفسه. وأعقبت تلك المبادرة، جلسة ضمت أغلب الفرقاء السياسيين، في حين امتنعت مجموعة ضمت أحزاباً يسارية، ومجموعات مسلحة تقاتل الحكومة في إقليم دارفور(غرب)، وجبال النوبة والنيل الأزرق(جنوب)، عن المشاركة فيها، بدعوى عدم جدية الحكومة فيما تطرحه، ووضعت شروطاً اعتبرتها الأولى “غير مقبولة” ووصفتها بـ”التعجيزية”.

ينطلق في العاصمة السودانية الخرطوم، بعد غدٍ السبت، جلسات الحوار الوطني، الذي يجمع بين الحكومة وبعض أحزاب المعارضة، في محاولة للوصول إلى نقطة التقاء في منتصف الطريق، تمهد لنهاية حقيقية للصراع في هذا البلد. ويمثل الحكومة في هذه الجلسات، حزب المؤتمر الوطني(الحاكم)، الذي يتزعمه الرئيس السوداني عمر البشير، المتحالف مع عدد من الأحزاب الأخرى.

ويأتي اللقاء  في ظل انقسامات وتجاذبات حادة أعقبت المبادرة، حتى أن حزب “الأمة القومي” الذي يتزعمه الصادق المهدي، تراجع عن المشاركة، رغم حضوره اللقاء الأول الذي أعقب إعلان “الوثبة”.

وترى هذه المجموعة التي تضم إلى جانب حزب الأمة، الأحزاب اليسارية(الشيوعي، والبعث)، وبعض الحركات المسلحة التي تحارب في ثلاث مناطق، أن الحزب الحاكم لم يلب المتطلبات التي يجب أن تسبق الحوار، لخصتها في عدة نقاط، بينها إيقاف الحرب في المناطق المشتعلة، والسماح بإيصال الإغاثة للمتضررين في تلك المناطق، إضافة إلى إطلاق الحريات العامة (الصحافة، والتعبير، وإقامة الندوات، والتظاهر)، وكذلك إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، والتي تقول الحكومة إنه لا وجود لهم في السجون، وأن من تنادي هذه الجماعات بإطلاق سراحهم، هم معتقلون بتهم “جنائية” وينتظرون محاكمتهم.

هذا التجاذب والاختلاف في الرؤى، نتج عنه تبادل للاتهامات بين الحزب الحاكم والمعارضة، ففي حين يرى المؤتمر الوطني أن الثانية “تتبنى أجندة خارجية، وتستقوي بقوى لا تريد للسودان خيراً”، متهماً إياها بأنها “لا تملك قرارها”.

فيما يرد المعارضون بأنهم لا يثقون بالحكومة التي يمثلها الحزب الحاكم، والذي يسعى، وفقاً لهم، إلى شراء المزيد من الوقت لضمان بقائه في السلطة منفرداً، وبأن مثل هذه الدعوات ما هي إلا مناورات لا تزيد الوضع إلا سوءا، وتعمق الأزمة التي يعاني منها البلد، مستدلين على ذلك بعدد من الاتفاقات والمواثيق التي وُقعت مع الحكومة، ويقولون إنها بقيت “حبراً على ورق”، وذلك بحسب بيانات صادرة عن المعارضة في وقت سابق.

هذه الحالة من النفور بين الطرفين خلّفت استقطاباً سياساً حاداً، عمّق بدوره انعدام الثقة المفقودة أصلاً بين هذه الأطراف، وهو ما يهدد بفشل المبادرة رغم أن الحكومة تؤكد أنها قد استعدت لها وتراهن على نجاحها.

ولعل المتأمل للحراك السياسي في السودان، ويقرأ خارطة الأحداث بتمعن، سيقف أمام “تقاطعات” واضحة، واختلاف كبير بين مواقف الأطراف بمختلف توجهاتها وتقديرها ورؤيتها لعمق الأزمة القابضة على مفاصل الدولة، إضافة لتباعد المسافات بينها، كلٌ حسب تقييمه للموقف والزاوية التي يرى بها تداعيات الأزمة، وكيفية حلها كما يراها هو.

وبالرجوع إلى الأيام التي أعقبت إعلان “الوثبة”، فإن هناك الكثير من المبادرات قد طُرحت من قبل المعارضين الذين وقعوا في أغسطس/آب من العام الماضي، ما يسمى بـ “إعلان باريس”، وهي خارطة طريق طرحته “الجبهة الثورية” التي تجمع الحركات المسلحة في دارفور(تحرير السودان، والعدل والمساواة، والجبهة الشعبية لتحرير السودان) بقيادة جبريل إبرهيم، ومنى أركو مناوي، وعبد الواحد محمد نور، إضافة إلى الحركة الشعبية التي يقودها مالك عقار، وياسر عرمان، وعبد العزيز الحلو، وتقاتل في جبهتين هما، جبال النوبة، والنيل الأزرق، وانضم لهذه المجموعة حزب “الأمة القومي” الذي وقع رئيسه المهدي، الإعلان لاحقاً، واصفاً إياه بأنه “رؤية مقبولة لدى الجميع”.

ثم تواصلت تلك التحركات واللقاءات في صفوف المعارضة بين ألمانيا، وإثيوبيا، وفرنسا، بغية تجميع صفوفها، وطرح رؤية مشتركة في مواجهة طرح الحكومة بقيادة حزب “المؤتمر الوطني”.

من جهتها فقد استبقت الحكومة بدء جلسات حوار السبت، بتكليف الرئيس التشادي ادريس دبي، اللقاء مع قادة الحركات المسلحة الدارفورية، في باريس، الأسبوع الماضي، بهدف تسجيل “هدف” مبكر في مرمى المعارضة، ولسحب البساط من تحت أقدامها، إذا حدث اختراق يُذكر، ومتى ما وافق هؤلاء على المشاركة في الحوار.

غير أن بياناً موقعاً باسم القادة الثلاثة (جبريل إبرهيم، ومنى أركو مناوي، وعبد الواحد محمد نور)، صدر ملخصاً موقفهم في شرط موافقة الحكومة على الترتيبات التي طرحتها “الجبهة الثورية” كخارطة طريق، والتي ترتكز على مؤتمر تحضيري وفق قراري مجلس السلم والأمن الأفريقي (539 و456)، إضافة إلى التزام الحكومة بالشروط التي سبق ذكرها من وقف للحرب، وإطلاق للحريات العامة، وإيصال الإغاثة لمناطق اللاجئين.

اللافت للنظر في هذه التطورات، أن الولايات المتحدة الأمريكية، لم تكن بعيدة عما يجري في السودان، إذ حثّت المتحدثة باسم خارجيتها، ماري هارف، الأسبوع الماضي، الحكومة السودانية، والحركات المسلحة المنضوية تحت لواء “الجبهة الثورية”، على وقف العدائيات بينها، لمدة ستة أشهر، وتحويل “تصريحاتها بوقف تلك العدائيات إلى نهاية حقيقية للصراع في هذا البلد” .

وكانت الحكومة السودانية، أعلنت في أغسطس/آب الماضي، وقف العدائيات من طرف واحد، لمدة شهرين، فردت “الجبهة الثورية” في 15 من الشهر التالي، بإعلانها وقفاً للعدائيات من جانبها، لمدة ستة أشهر.

أبيدون أشوا، الممثل الخاص المشترك لبعثة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي في دارفور(يونميد)، قال إن الطريق لتحقيق السلام محفوف دائماً بالعقبات والصعوبات والتضحيات، “ولن نستطيع تحقيق ما نصبوا إليه إلا بتوافر النوايا الصادقة والعزيمة الحقيقة”.

وأضاف أشوا في تصريحات صحفية أدلى بها مؤخراً: “يحدونا أمل في قيام حوار وطني شامل، ونحن متفائلون من أن كل هذه المساعي تقربنا من تحقيق السلام المستدام، والديمقراطية، والتنمية للسودان وشعبه”.

هذه هي الصورة المقربة للأحداث والتحركات في السودان، قبل عقد اللقاء المرتقب للحوار الوطني، حيث تتراوح المواقف بين مد وجزر من هنا وهناك.

فيما يبقى السؤال الكبير مطروحاً أمام الجميع لحين ذلك الموعد، حائراً بين أن يتوصل الفرقاء السودانيون إلى ما ينهي الحروب المتتالية في بلدهم، ويضع بذلك نهاية سعيدة لمعاناة شعبهم، ولتجاوز الانقسامات والخلافات العميقة بين مختلف الأطراف المتصارعة، وبين من يقف متشائماً في منتصف الطريق مراهناً على فشل المبادرة كسابقاتها لتباعد المواقف بين المتحاورين، ولتمسك كل طرف بموقفه، فيما يهدد البلد شبح المزيد من التمزق والتشرذم، في ظل حالة الاستقطاب الحادة والمزمنة التي يحاول كل طرف فيه انتزاع الكرت الرابح من يد الآخر.المصدر:الاناضول

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق