fbpx
الشرق الأوسطتقدير الموقفعاجل

روسيا وسوريا…الأبعاد والمصالح المشتركة

بقلم/ أحمد محمد علي
(طالب بمرحلة الماجيستير بكلية الإقتصاد والعلوم السياسية – جامعة القاهرة)

-المركز الديمقراطي العربي
لا شك بأن السياسة الخارجية لأية دولة هي تعبير عن مصالح دائمة تأكيداً لبديهية من بديهيات السياسة, بأنه ليس هناك صداقة دائمة ولا عداوة دائمة بل مصالح دائمة.
وبما أن روسيا الإتحادية دولة قارية كبيرة بمساحتها العملاقة فإن لديها مصالح وأهدافاً إقليمية ودولية تسعي إلي تحقيقها بإستخدام جميع الوسائل الإقتصادية والدبلوماسية والعسكرية.
وبالتطبيق علي الحالة السورية يري الروس أن سوريا هي مفتاح المنطقه وليست مصر أو العراق وهذه الإعتبارات قد تكون خلف ظنون موسكو بأن القضيه السورية هي فرصتها الوحيدة لإستعادة دورها الإقليمي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
حتي عندما تفجرت الإعتراضات الشعبية ضد نظام الأسد والمطالبة برحيله عن السلطة فإن روسيا أيدت مواقف النظام السوري منذ اللحظة الأولي , وحتي في أشد الأزمة عندما تم إستخدام الكيماوي ضد الثوار , وحينما أراد المجتمع الدولي توجيه ضربة عسكرية لنظام الأسد إستخدمت روسيا حق النقض “الفيتو” في مجلس الأمن . لعرقلة هذا القرار وهو ما كان .
كما أن المتتبع للسياسة الروسية وبالأخص إتجاه الأزمة السورية يلحظ إهتماماً روسياً كبيراً بتلك القضية ربما بدرجة كبير للغاية لا يمكن مقارنتها بأزمات أخري مثل ليبيا واليمن علي سبيل المثال كانت سوريا فيهما مثل أي فاعل دولي أخر حتي أنها أيدت تدخل قوات الناتو في ليبا للإطاحة بنظام العقيد القذافي.
ومؤخراً عندما أعلنت موسكو تدخلها في سوريا لضرب تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” فإن هذا لابد له من دلالات هامة . وهو ما جعلها تأخذ مثل هذا القرار وهي ربما لا تعلم عواقبه خصوصاً أنها تحارب جماعات غير نظامية لا تتوافر معلومات كافيه عنهم. ربما تكبد روسيا تكاليف باهظة في الوقت الذي بدأ فيه الإقتصاد الروسي يتعافي من كبوته علي يد فلاديمير بوتين.
وفي السطور القادمة سنحاول أن نوضح الأبعاد الحاكمة للموقف الروسي تجاه الدولة السورية وطبيعة العلاقات بين روسيا الإتحادية والدولة السورية وهو ما جعل الأولي تستخدم كل السبل للحفاظ علي النظام في سوريا وأيضاً تدخلها المشروع لقتال داعش.
1- البعد السياسي
فالعلاقات قديمة بين البلدين والشعبين، وهي تعود إلى القرن التاسع عشر وذلك انطلاقًا من العلاقة الخاصة بين الكنيسة الأرثوذكسية في البلدين، وإلى إستقرار جالية شركسية أتت من شمال القوقاز الروسي في سوريا في القرن التاسع عشر أيضًا. كما تبدي القيادة الروسية حرصًا شديدًا على ربط مواقفها تجاه الأزمة السورية ولجوئها إلى إستعمال حق النقض بموضوع الحفاظ على مفهوم الدول وحقّها وسيادتها، والذي لا يجيز بالمطلق للدول الأخرى التدخّل في الشؤون الداخلية لدولةٍ ما.
لذلك لم تكتفِ القيادة الروسية باستعمال حق النقض بالإشتراك مع الصين في مجلس الأمن ضدّ ثلاثة قرارات تدين النظام السوري، بل دعمت هذا النظام في كل المحافل الدولية والإعلامية، حيث لم يفوّت أي من القادة الروس أي مناسبة إلا وعبّروا عن إستمرار تمسّكهم بدعم بقاء الرئيس الأسد في الحكم. وكانت موسكو قد أفهمت جميع وفود المعارضة السورية التي زارتها سابقًا عن تمسّكها وتشجيعها لإعتماد طريق الحوار السياسي بين المعارضة والنظام لإيجاد حلّ للأزمة، وهذا ما أصرّت عليه موسكو في إجتماع جنيف الخاص بسوريا.
كما يرى العديد من الخبراء الروس في المجالين الأمني والشرق أوسطي أنه في حالة سقوط نظام الأسد في سوريا فسيتم تهديد إيران بعد سوريا وهذا لن يكون في مصلحة روسيا، وإنه سيؤثّر على الحضور الروسي في الجيوبوليتيك الإقليمي، كما أنه يتعارض مع الرغبة والخطط الروسية لاستعادة موسكو دورها في المنطقة، كشريكٍ أساسي لا يمكن تجاهله.
2- البعد الإقتصادي
بدأ التعاون الإقتصادي النشيط بين الدولتين في عام 1957, حين قام الإتحاد السوفيتي بتشييد 63 مشروعاً, ومن أهمها سلسلة المحطات الكهرومائية علي نهر الفرات والعقدة المائية مع المحطة الكهرومائية “البعث” والمنشأة المائية مع المحطة الكهرومائية “تشرين” كما إكتشف الإتحاد السوفيتي السابق حقول النفط في شمال شرقي سورية وقام بإنشاء خط أنابيب لنقل المشتقات النفطية بين حمص وحلب بطول 180 كم .
ولقد إستمر إزدياد وتنامي حجم التبادل التجاري بين البلدين بوتائرعالية, كما إرتفعت صادرات روسيا الإتحادية إلي سورية من 95 مليون دولار عام 2000 إلي 138 مليون دولار عام 2002 , في حين إرتفعت صادرات سورية إلي روسيا الإتحادية من 11 مليون دولار عام 2000 إلي 16 مليون دولار عام 2002.
أيضاً إستمرت العلاقات الإقتصادية الروسية السورية تنمو بشكل مطرد , حتي تم تشكيل في العام 2004 مجلس الأعمال الروسي السوري برعاية مجلس الأعمال الروسي العربي وساعدت العلاقة الثنائية بين البلدين علي ضمان ركائز إستراتيجية لسورية في الحفاظ علي أمنها الإقتصادي.
وفي العام 2005 تم توقيع إتفاق روسي – سوري للتعاون الصناعي والتكنولوجي في الزيارة التي تمت عام 2005 للرئيس السوري بشار الأسد إلي موسكو تم الإبرام علي إتفاقية ضخمة ومشاريع كبيرة زاد علي 150 مشروع تجاري وإقتصادي وتم بموجب هذه الزيارة شطب 73% أي 9.8 مليار دولار من صافي ديون سوريا البالغة 13.4 مليار دولار.
كما أن الإستثمارات الروسية في البنية التحتية والطاقة والسياحة السورية بلغت 19.4 مليار دولار عام 2009 , بالإضافة لعقود تسلح بلغت قيمتها 4 مليارات دولار, فضلاً عن عقود الدفاع الروسية مع سوريا والتي تصل قيمتها إلي حوالي 5.5 بليون دولار, معظمها لتحديث القوات الجوية في سوريا والدفاعات الجوية, كما نجد أن صادرات الأسلحة الروسية إلي سوريا عام 2011 بلغت 1 مليار دولار.
3- البعد العسكري:
عندما نتحدث عن المصالح الحيوية بين روسيا وسوريا فإن أول ما يمكن أن يتبادر إلى الذهن العلاقات التجارية القائمة بين البلدين، ومن ضمنها مشتريات سوريا من السلاح الروسي. حيث تبلغ التبادلات التجارية بين البلدين ما يقارب مليار ومئة مليون دولار، وفق إحصاءات العام 2010، وتختلّف عن التبادلات الروسية مع تركيا وإيران وإسرائيل ومصر. ولكنها ترتدي مع سوريا أهمية خاصة، نظرًا إلى العقود المبرمة مع الشركات الروسية المتخصّصة بصناعة الأسلحة، حيث تعتبر سوريا شريكًا أساسًيا لروسيا في مضمار إستيراد السلاح الروسي، سواء في زمن الإتحاد السوفياتي أو مع روسيا الإتحادية بعد تفكّك الإتحاد.
أيضاً تستورد سوريا من روسيا طائرات «ميغ 29» المقاتلة وطائرات التدريب «ياك 130، وصواريخ دفاع جو من طراز «بانتسير» و«بوك-م2» أو ما يعرف غربيًا بـ«سام17-»، بالإضافة إلى دبابات «ت72-» وصواريخ جوالة للدفاع البحري من طرازي «جوخنت وباستيون». وقدّرت قيمة هذه الصفقات بما يقارب ستة مليارات دولار. وكانت موسكو تتوقّع إرتفاع قيمة العقود الجديدة مع سوريا، بنسبة تعوّض فيها ما خسرته من توقّف عقودها مع ليبيا بعد الثورة.
كما شكّل نصيب سوريا من تجارة روسيا العسكرية حوالي 7% عام 2010، والتي بلغت 700 مليون دولار، كما أن سوريا تعاقدت مع روسيا على صفقات عسكرية بقيمة أربعة مليارات دولار حتى عام 2013، منها 960 مليون دولار عام 2011.
وفي تحليل هذه الشراكة ينبغي القول بأن هذا الأمر بالنسبة لسورية يصب في خانة التوازن الإستراتيجي مع عدوتها اللدود ” إسرائيل” وبالنسبة لروسيا يصب في خانة الحفاظ علي النفوذ الإستراتيجي للحد من النفوذ التركي والحضور المؤثر في معادلات الشرق الأوسط, لذلك فإن الحفاظ علي العلاقات العسكرية المتمثلة بالتسليح بين البلدين وإستمرار وجود القاعدة العسكرية (طرطوس) في سورية وكذلك الحفاظ علي نظام بشار الأسد من الأولويات المهمة بالنسبة لروسيا.
أيضاً تدرك روسيا مدى الخسائر التي ستلحق بها في حال سقوط النظام في سوريا، الأمر الذي يفسّر دوافع تمسّكها بالنظام، وبالتالي عدم إظهار أي مرونة في مجلس الأمن، بإنتظار التوصّل إلى توافق مع الولايات المتحدة على إطار حلّ يؤمّن لها إستمرار إحترام مصالحها في سوريا، وعلى رأسها تجارة السلاح.

لذلك نري كم الاهتمام الروسى بسوريا كونها تملك مقومات الحليف الإستراتيجى بالنسبة لروسيا، وذلك بالنظر إلى إرث العلاقات القوية القديمة بين الاتحاد السوفيتي وسوريا، وطبيعة ودور سوريا فى المنطقة. لذلك فقد شهدت العلاقات بين البلدين فى السنوات الأخيرة تطورا ملحوظا على مستويات عدة.

وأخيراً وبالنسبة للتدخل الروسي لضرب داعش في سوريا يمكن أن نطلق عليه ما يسمي ” ضربات إستباقية/ دفاعية” فروسيا تتخوف من تمدد نفوذ داعش في العراق وسوريا في ظل حالة الرعونة الغربية والأمريكية تجاه هؤلاء الإرهابيين. ففي حالة سيطرة داعش علي السلطة في سوريا فستكون روسيا بصدد جوار إرهابي لا شك سيجلب لها الكثير من الإضطرابات والقلاقل هي في غني عنها حال إستمرار نظام الأسد , وسيحرمها بالتأكيد من كل مصالحها الإستراتيجة مع الدولة السورية والتي ظلت علي الدوام مصدر إرتياح بالنسبة للجانب الروسي. فلروسيا حق مشروع في ضرب داعش حماية لمصالحها وحماية لشرق أوسط سيتفجر إذا زاد تمدد هؤلاء الإرهابيين أكثر من ذلك.

أحمد محمد علي

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق