fbpx
الشرق الأوسطتقدير الموقفعاجل

دور الإعلام في الترويج للعنف وسط الشباب

اعداد : د. حسن سعد عبد الحميد
كلية العلوم السياسية جامعة النهرين – بغداد العراق
– المركز الديمقراطي العربي
العنف سمة من سمات البشرية جمعاء وعادة ما يؤدي ممارسة العنف إلى الحاق الأذى بالآخرين ، أذ أصبح الجنوح للعنف ظاهرة رائجة لدى فئة الشباب لماذا.
بدأ الاهتمام بدراسة أثار العنف على الفرد والمجتمع مع بداية القرن العشرين وتحديداً بعد الحرب العالمية الأولى ، وحاول حينها الكتاب والباحثين في مختلف الصنوف والمجالات العلمية معرفة الدور الذي تؤديه وسائل الاعلام في صياغة العنف وإحداث المشكلات الاجتماعية ، وطبيعة التأثير الذي تتركه على سلوك الافراد في المجتمع.
فالمشاهد العنيفة التي تتناولها وسائل الاعلام بأنواعها المتعددة تساهم في نشر العنف والتطرف لدى المشاهدين ، وتجاوبهم معها بنوازع الانتقام كرد فعل طبيعي أما تفكيراً أو فعلاً أو عملاً ، حيث لم يعد خافياً على أحد خطورة واهمية الدور الذي تؤديه وسائل الاعلام في شتى مجالات الحياة المعاصرة سواء في الجوانب التربوية أو الفكريةوالثقافية أو الأمنية ، إذ باتت القوة المنسوبة للاعلام لا تنازع.
وكما هو معروف تعد الأسرة النواة التي تنطلق منها الأجيال باتجاه المجتمع ، وحينما تعتمد الإسرة أساليب تربوية رصينة فأن ذلك سيولد دون أدنى شك للمجتمع أجيال صالحة ، لكن الحاصل اليوم أن جيل الشباب لم يعد يتأثر بما تمليه عليه الأسرة المتمثلة بالأب والأم ، ولم تعد الإسرة عنده المصدر الوحيد للتربية وتقويم السلوك ، بل زاحمها في ذلك الاعلام بأنواعه المتعددة ، وهنا تكمن الخطورة ، وبهذا الصدد وفي هذه الورقة البحثية عملنا جاهدين الإجابة على الاسئلة التالية..
هل يمكن التحكم بالقيم الاجتماعية التي يرسلها الاعلام للشباب
ما هي طبيعة القيم الاخلاقية التي يستقيها الشباب اليوم من وسائل الاعلام
هل التلوث الاعلامي المغلف بالعنف يمكن أن يؤثر في ادراك الشباب وجنوحه للتطرف والإرهاب
هل العنف في المجتمع العربي ظاهرة أم واقعة
ما هي الاسباب التي تدفع الشباب للانخراط بالعنف
ما هي علاقة المنظومة الاعلامية بأنتشار العنف .. هل النظام الاعلامي الحالي معبأ بالعنف

يعد الاعلام ظاهرة اجتماعية إنسانية حضارية يستهدف نقل الأخبار والمعلومات والحقائق حول آخر التطورات التي شهدتها الساحات المحلية والإقليمية والدولية وعرضها بصورة حقائق للرأي العام ، فالاعلام كفكرة وكنشاط وكمشاركة جعل من العالم عبارة عن قرية صغيرة أن لم نقل غرفة محدودة المعالم والأبعاد ، إذ له القدرة على تحويل أنتباه الجمهور في القضايا والأراء والمشاعر حول قضية أو حدث أو ظاهرة معينة والتي تتصل بالاهتمامات في المجتمع والتي تثير الجماهير ، ومما لا شك فيه أن وسائل الاعلام اليوم تمتلك من القوة والاهمية على الساحة بشكل مذهل وغير مسبوق من حيث التحكم بسلوك الشباب وسلوكيات الإسرة وأتجاهات تفكير الإنسان ، فهذه الوسائل وبأنواعها المتعددة المقروءة والمرئية والمسموعة والأتصال المواجهي ممكن أن تساهم بشيوع ظاهرة العنف لدى الشباب عموماً وتحديدأ السينما والتلفزيون والتي غالباً ما تخاطب هذه الفئة بمشاهد من الرعب والعنف والجريمة والسلوك السادي وبتركيز هائل ، ويلاحظ زيادة هائلة في مثل هكذا أفلام وبرامج والتي جعلت من الشباب يلجأ للعنف كوسيلة للاستجابة لاي موقف يمر به.
وأذا كان العنف يعني أستعمال القوة الجسمانية على الذات أو على الآخرين أة آجبار الآخرين على القيام بفعل رغماً عنهم وعن إرادتهم تحت طائلة التهديد بأنزال الأذى بهم أو قتلهم ، إلا أن الثابت اليوم أن العنف أصبح سلوك يومي للإنسان المعاصر.
بهذا الصدد قدم العديد من العلماء المتخصصين في مجال السياسة والاجتماع وعلم النفس العديد من التفسيرات والإجابات المنطقية حول أسباب جنوح الشباب للعنف ، وما أذا كان ذلك جزء من السلوك الإنساني أم أنعكاس لوضعية الفرد في المجتمع المنتمي له ، ومن هذه الاسباب الجوانب السياسية ، إذ بينت السويدية سيسلا بوك بأن العنف سيصبح مشكلة خطيرة ومتنامية في القرن الحادي والعشرين وتحديداً للفئة العمرية بين ستة عشر سنة والخامسة والعشرين ، بسبب أنتشار عوامل الأحباط واليأس في هذه المرحلة العمرية ، فضلاً عن عدم ثقتهم بالسياسيين الذين أتخذوا من السياسة وسيلة لزيادة ثرواتهم على حسابهم ، وان بأمكان السياسي أن يغسل أدمغة الشباب عن طريق الخطابة الديماغوجية ودفعهم لممارسة العنف والعدوان ، وغالباً ما تقوم الأطراف السياسية بتوظيف الشباب كوقود للصراعات الاقليمية والدولية ، وغالباً ما يؤدي أنسداد الأفق السياسي أمام الشباب إلى شعورهم باليأس في نفوسهم ، ويقودهم ذلك بممارسة العنف والإرهاب ، أما أجتماعياً فيميل الشباب للعنف أو الأنخراط في الجماعات الإرهابية كمدخل طبيعي لحالة التفكك الإسري التي يعيشها الشاب ، أو بسبب القسوة في المعاملة من قبل الإسرة والضغوط الإقتصادية ، فهذه الظروف من الممكن أن تخلق شعوراً متزايد بالاحباط لدى الفرد ويضعف من رمزية الثقة في شخصيته وبالتالي فهو يبحث عن بديل لتعزيز الثقة وتعويض النقص والتي ما يجدها عادة في السلوك العنيف ، كما يمكن أن تؤدي جماعة الرفاق والاصدقاء دوراً في السلوك العنيف خصوصاً اولئك الذين يتصفون بالسلوك اللامبالي وعدم أستثمار فراغهم ايجابياً وشيوع أفلام العنف عندهم ..
وعلى الصعيد النفسي أشارت العديد من الدراسات حول طبيعة تكوين الشخصية العنيفة لدى الشباب والتي توصلت إلى نتيجة مفادها أن شيوع العنف عند هذه الفئة تحديداً عائد إلى ضعف التفاعل مع الآخرين اجتماعياً وتمتعه بمهارات اجتماعية ضعيفة ، وعادة ما تميل للمواقف العنادية المتسمة بالتوتر وعدم القدرة على مواصلة الحوار وتغليفها بأفكار عنفية كالانتقام مثلاً ، كما من الممكن أن تؤدي المتغييرات الاقتصادية دوراً بارزاً بهذا الصدد والمتجسدة في غياب التنمية الاقتصادية ، أنتشار الفقر والبطالة ، سوء توزيع الثروة ، أنعدام العدالة الاجتماعية ، أنتشار الفساد وغياب الشفافية ، ضعف الأداء الاقتصادي العام ، وفي الأونة الأخيرة برز الدين كعامل مشجع للعنف ، أذ أبتلى مجتمعنا الإسلامي بفقهاء ورجال دين يحللون ويحرمون على هواهم ، والأفتاء بقتل الناس ، والأفتاء بأمور ما أنزل الله بها من سلطان ، هذه الحالة أنتجت ما يعرف بأسم فقهاء التكفير الذين يجتزئون أيات القرآن الكريم والنص الديني ، ويخرجونها عن سياقاتها الدينية الصحيحة ، ويستنتجون أموراً لا تلائم المنطق والحياة والدين ، هذه الأمور شجعت على شيوع العنف لدى الكثير من الشباب العربي خصوصاً أولئك الذين يجهلون حقيقة دينهم وحقيقة العالم من حولهم.
هذه الأسباب وغيرها لا زالت حاضرة وبقوة في عالمنا العربي وأستمراريتها خطير على واقع ومستقبل ذلك المجتمع برمته ، فأستمرارها يعني
-تنامي ظاهرة الإرهاب والتطرف
-زيادة الاحتقان بين الطوائف والمذاهب
-ضعف السلم الإهلي
-تراجع في مسيرة الابداع الثقافي والعلمي
-تراجع لمسيرة الاصلاح السياسي
-هروب رأس المال الى الخارج
-تشويه صورة الإسلام عند الآخر
-هروب الكفاءات العلمية
والسؤال المهم بهذا المجال كيف يتم أحتواء العنف لدى الشباب
المطلوب الانتقال إلى مجتمع الحوار بما يعنيه من تعدد قنوات التعبير عن الرأي وتوفير احتياجات الشباب الاجتماعية والاقتصادية ، ووضع فرص عمل أمامهم ، وتقوية مؤسسات الضبط الاجتماعي وتطوير مؤسسات التنشئة الاجتماعية السياسية ، فضلاً عن وضع قوانين رادعة للعنف والجريمة ، والتوعية بأهمية السلم الاهلي والحل السلمي للمشاكل .
والسؤال الآخر الذي قد يطرح بهذا الصدد ماهي طبيعة العلاقة بين الاعلام والعنف
عذراً أذا ما قلنا أن الاعلام في علاقة حميمية مع منظومة العنف ، فكثيرة هي الدراسات العربية والغربية التي تعرضت لدور الاعلام في الترويج لثقافة العنف لدى الشباب ، حيث أوجدت تلك الدراسات علاقة وثيقة بين السلوك العدواني والتعرض بأستمرار لمشاهد العنف في التلفزيون والسينما مثلاً ، فالافلام والمسلسلات التجارية وحتى الرسوم المتحركة بات تحوي على كم هائل من مشاهد العنف ، ففي المسلسل الواحد عادة ما تتضمن كل حلقة فيه على الأقل خمسة مشاهد عنيفة ، وعادة ما يشاهد الشباب نحو ثلاثة عشر الف مشهد عنيف قبل الوصول لسن الرشد ، فالاعلام وتحديداً العربي منه يرحب ويروج وبكثرة للرسائل الاعلامية التي تحوي العنف ، من خلال عرض المشاهد الدموية التي ترحب بالبطل وتوصل رسالة خاطئة للشباب على أنها أنماط سلوكية جديدة هي الأمثل له بالنسبة لمرحلته العمرية ، وجميعنا يعلم كيف أن وسائل الاعلام تسعى دائماً الى البحث وبجهد أستثنائي عن الأخبار العنيفة والمثيرة ذات الطابع الحركي والمادي كالصراعات السياسية والتفجيرات وحالات الاعدام وعرض جثث الضحايا ومشاهد الدماء وغيرها من حالات العنف العديدة ، مما يجعل من المشاهد عرضة لتقمص دور الضحية وتعزيز مشاعر الخوف والقلق لديه وبالتالي انضمامه لتنظيم متطرف ما لتعويض ذلك النقص لديه .
ولاهمية هذا الأمر بدأت التنظيمات الإرهابية وخصوصاً تنظيم داعش الإرهابي بأستغلال الإعلام لعرض خطابه التكفيري وخلق مناخ للصراعات الدموية التي لا تعرف الرحمة ، وخلق حالة من العنف الذهني لدى المتابع كمقدمة للعنف المادي واللجوء للمارسة للتعبير عنها ، وهذه التنظيمات الإرهابية هدفت من وراء هذا زرع الخوف بين أبناء المجتمع وأستمالة البعض منه وبكمية هائلة من فتاوي التكفير وسفك الدماء ، وبأسلوب أعلامي مشحون بالكراهية ضد الآخر أياً كان ، فالارهابيين عادة لا يهتمون بعدد الضحايا بقدر ما يهتمون بأن يسمع الناس عنهم ويقتنعون بوجوده ووسيلته بذلك الإعلام .
هذه الحالات التي ذكرناها من الممكن أن تؤدي إلى رفه حدة الآثار النفسية عند الشباب ، مما يقودهم الى الأنخراط بالعنف تجاه الآخرين ، فضلاً عن تدعيم السلوك العنفي الموجود أصلاً لدى البعض وتحريك مشاعر العداء لديهم وبصورة متلفزة ، والعمل على نقلها على أرض الواقع وهنا تكمن الخطورة .
وبهذا الصد بدأت جمهورية مصر العربية ومن خلال متابعتنا لها ومنذ فترة ليست بالقصيرة بتبني سياسة عامة أعلامية تركز في مضامينها وتوجهاتها على العناصر الاجتماعية والثقافية والنفسية وتحديداً فئة الشباب منهم ، الذي أصبح عرضة للتجنيد في التنظيمات المتطرفة ، فالقائمين على هذه السياسة بدءوا بالاستعانة بقادة الرأي والخبرة بمجال الاعلام المصري الذين أصبحوا بمثابة جماعات ضغط مؤثرة على أفراد المجتمع المحلي في العمل على تصميم حملات أعلامية في مجال التصدي للعنف ، وخلق بيئة نفسية لدى المتابع المصري تتسم بالدقة والوضوح والكمال واللطف والايجاز في تعامله مع المحتوى الاعلامي ، وقد نجحت تلك السياسة لحد بعيد ، لذلك نجد في مصر رقابة شديدة على المحتوى الاعلامي العنيف من حيث الأساءة للمرأة أو الطفل وكبار السن ، من أجل وضع تخطيط برامجي هادف لتحويل وسائل الاعلام إلى ادوات فاعلة لمواجهة العنف المستشري في القطاع الشبابي ، حتى أصبح هذا التخطيط جزء من سياسة وطنية مصرية متكاملة يتم تنفيذها عن طريق الأعلانات والحملات الدعائية من أجل أستبدال المعلومات الخاطئة الموجودة في المجتمع .
وقد وجدنا أن السياسة العامة المصرية في مجال الأعلام قد قامت بأعادة رسم أهداف الشباب المصري من خلال
-التركيز على البرامج الاعلامية التي تدعم فكرة المواطنة وخصوصاً المواطنة الجامعية بعيداً عن فكرة الدين والمذهب والعرق
-التأكيد على اهمية الحوار والسلم الأهلي وجعلها هدف المواطن الأسمى
-دعم الاندماج الوطني بصورة هوية مشتركة واحدة
-التاكيد على اهمية الشباب المصري كطاقات كامنة في بناء مجتمع متصالح وواعي يستحق البقاء

وقد وضعت تلك السياسة عدة مقترحات لتحقيق المساهمة الوقائية في تجفيف منابع العنف وأحتواء آثاره والمتمثلة في
-تكثيف ورش العمل والندوات الداعية لاحتواء مشاهد العنف في أجهزة الاعلام
-تخطيط سياسات اعلامية جديدة لصالح دعم الاستقرار في المجتمع
إنتاج برامج عن دولة القانون والمواطنة وتسويقها للجمهور اعلامياً وبصورة رمزية قدر الأمكان

وفي الختام لا يسعني سوى أن أوصل رسالة مهمة مفادها أني لست من دعاة المبالغة والغلو في إبراز تأثير الاعلام على السلوك الإنساني بقدر ما اتبنى فكرة أن تكرار الرسائل الاعلامية ذات الطابع الدموي من حيث الشمولية يمكن أن تعزز من دور الإعلام في صناعة العنف ويصبح الامر تحصيل حاصل .

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق