fbpx
الشرق الأوسطتقدير الموقفعاجل

الإصلاحات الحكومية للعبادي بين مطرقة المتظاهرين وسندان الفاسدين

بقلم : د. سيف نصرت الهرمزي

الحقيقة ان حزمة الاصلاحات الحكومية التي تم طرحها من قبل الحكومة العراقية وحتى البرلمانية لم تأتي من قناعة كاملة بهذه الاصلاحات بسبب تشظي الاهتمامات ما بين التحديات الحكومية الامنية والعسكرية والسياسية والاقتصادية.. الخ، وانما جاءت بسبب التظاهرات الشعبية التي انطلقت شرارتها الاولى للمطالبة بتحسين الخدمات وفي مقدمتها الكهرباء لاسيما مع ارتفاع درجات الحرارة الى مستويات غير متوقعه فاقت الـ (50) درجة مئوية حتى اطلق على التظاهرات العراقية بانها موسمية في الصيف بسبب تردي الكهرباء وفي الشتاء بسبب غرق القرى والمدن لتردي مرافق الصرف الصحي، ثم بدأت تتصاعد المطالب الى محاكمة المفسدين والغاء الامتيازات لكبار المسؤولين واصلاح القضاء وتحقيق الرفاهية الاقتصادية…الخ.
اما ما يميز هذه التظاهرات عن التي سبقها في العراق الاتي :
1- التظاهرات الشعبية المطالبة بالحد الادنى من الخدمات ثم تصاعدت ضد الاحزاب الحاكمة ذات الصبغة الثيوقراطية.
2- ان هذه التظاهرات تشكل نسبة كبيرة من المحافظات الشيعية بالإضافة الى بغداد وبالتالي غياب المبرر في توجيه الاتهامات الى جهات اخرى اكد عليه سلفه المالكي (حزب البعث – القاعدة –داعش- اجندات خارجية) .
3- تميزت التظاهرات الاخيرة ان رفضت رفع اي شعار او رمز ديني وذلك لوصولهم الى قناعة تامة انهم تم تغييب العقول باسم الدين لاسيما وان هناك مقولة مشهورة تعزز هذا الفكرة وهي كلمة حق اريد بها باطل (الدين افيون الشعوب) وهو ما يعزز ديمومة المظاهرات لانهم لن يستجيبوا لأي فتوى دينية، الى جانب ذلك تعزيز المرجعية الدينية التظاهرات بالتأييد والمطالبة بمحاربة الفاسدين .
4- ان هذه التظاهرات هي ثورة الجياع تقودها الطبقة المثقفة والاكاديمية والمدنية . وهو ما يعزز مخاوف الاحزاب الحاكمة من خسارة جمهورهم لصالح التيار المدني.

وتتضمن الحزمة الأولى من الاصلاحات الحكومية للعبادي التي أقرها البرلمان:
‌أ. إلغاء مناصب الرئاسات ، نواب رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء.
‌ب. وتقليص عدد أفراد حماية المسؤولين في الدولة الى 70%.
‌ج. قرر رئيس الوزراء العراقي “حيدر العبادي” تقليص عدد أعضاء مجلس الوزراء من 33 عضوا إلى 22.
‌د. إلغاء مخصصات أصحاب الدرجات الخاص والعليا من الموظفين والمتقاعدين.
‌ه. تقليص تأثير المحاصصة في اختيار المناصب العليا في مؤسسات الدولة.
‌و. وتخفيض المخصصات المالية الممنوحة لكبار المسؤولين ممن هو بدرجة مدير عام فما فوق .
‌ز. اصلاح المشاكل التي يعانيها قطاع الخدمات العامة وبالتحديد قطاع الكهرباء.
‌ح. إبعاد جميع المناصب العليا من هيئات مستقلة ووكلاء وزارات ومستشارين ومدراء عامين عن المحاصصة الحزبية والطائفية.
‌ط. فتح ملفات الفساد السابقة والحالية تحت اشراف لجنة عليا لمكافحة الفساد تتشكل من المختصين وتعمل بمبدأ من أين لك هذا.
‌ي. الغاء الفوارق في الرواتب من خلال اصلاح نظام الرواتب والمخصصات وتقديم نظام جديد خلال شهر.
اما البرنامج النيابي للإصلاح المطروح من قبل مجلس النواب :
‌أ. ترشيق الهيئات ودمج المديريات القابلة للدمج للقضاء على الترهل، ودعوة رئيس مجلس الوزراء إلى إقالة كل من يثبت تقصيره في إدارة وتحقيق مصالح الشعب.
‌ب. إقالة أعضاء مجلس النواب ممن تجاوزت غياباتهم من دون عذر مشروع، أكثر من ثلث جلسات المجلس من مجموع الفصل التشريعي الواحد، والنظر في أداء رؤساء اللجان النيابية.
‌ج. وتقليص أعداد أفراد حماية المسؤولين إلى النصف خلال 15 يوما. وهو ما طرحه البرنامج الحكومي.
‌د. تحديد دوريين لرئاسة الوزراء والنواب غير قابلة للتجديد .
‌ه. محاسبة المقصرين في الدفاع عن العراقيين ممن تسببوا في تسليم الأرض والسلاح إلى جماعات إرهابية،
‌و. ايجاد حلول عملية لمشكلة النازحين بما يحفظ لهم حياة كريمة، حسب نص الحزمة النيابية.
‌ز. دعوة مجلس القضاء الاعلى لتقديم ورقة اصلاحات لصونه من الضغوطات السياسية التي سبقت ان اثرت به في مرحلة ما قبل العبادي .
‌ح. تخيير اصحاب الجنسية المزدوجة بين البقاء بالمنصب واسقاط الجنسية الاجنبية او الاستقالة .
‌ط. إقرار النظام الداخلي لمجلس الوزراء، الذي تأخر نحو ٨ أعوام.
‌ي. ايجاد حلول سريعة للنازحين بما يضمن لهم حياة كريمة وتوفير الحد الادنى من مطالبهم.
اما استجابة العبادي للتظاهرات فقد اعلن عن حزمة من الاصلاحات تتراوح مصاديقها ما بين هذه الاتجاهات :
الاتجاه الاول: اصلاحات جذرية في محاربة ومكافحة الفساد التي ادت بالبلاد الى هذا الحال من ازمة امنية واقتصادية كبرى تقتضي اعلان حالة الطواري والغاء البرلمان ومحاسبة كبار المسؤولين في الحكومة السابقة من رئيس الوزراء ومن الاعلى الى الادنى. وهو امر بعيد لان العبادي قد رفض هذه الدعوات .
الاتجاه الثاني : اصلاحات تدريجية حقيقة وفق الممكن، حيث تبدا بتحقيق مطالب المتظاهرين الفورية. وهو ممكن التطبيق لامتصاص غضب المتظاهرين ، وهو الفرصة الذهبية لاستمرار حكومة العبادي.
الاتجاه الثالث : اصلاحات شكلية هامشية ، وهو المشهد الاقرب ليس قصوراً من الحكومة وانما لعدم توفر الامكانات والموارد لمعالجة مكامن الخلل الكبيرة التي اصبحت ظاهرة يصعب السيطرة عليها في ظل تفشي الفوضى ما بعد 12\6\2015. فالميزانية خاوية ويشير المختصين في العلاقات الاقتصادية ان الدولة العراقية غير قادرة في شهر تشرين الاول او الثاني من توفير الرواتب في ظل بقاء اسعار النفط في مستواه المتدني .
الاتجاه الرابع : خارج سيطرة العبادي، وهي اصطدام المتظاهرين مع الجماعات المسلحة التابعة للأحزاب لاسيما وان المتظاهرين يرفعون شعارات تتهم قادتهم بالفساد والمحسوبية ، وبالفعل باتت بوادر الاحتكاك واضحة في الناصرية وبابل وتم تهديد المتظاهرين في البصرة لفض الاعتصام . وهو الحل الاخطر وقد يشعل نار الفوضى.

حقيقة الاصلاحات :
1- ان الحكومة العراقية غير قادرة على معالجة مشكلة الكهرباء في الوقت الحالي وحتى مشكلة الخدمات العامة لأسباب كثيرة منها العجز الكبير في الميزانية وكذلك لتفشي ظاهرة الفساد بصورة لا يمكن السيطرة عليها في ظل التداعيات الامنية الكبيرة .
2- عدم قدرة العبادي على محاكمة المتورطين بسقوط الموصل والاكتفاء بإعلان تقرير اللجنة دون محاسبة ، بل ان رئيس الوزراء ما زال يلتقي مع المالكي في لقاءات واجتماعات الحزب في اكثر من موطن وعلى وسائل الاعلام ، مما يؤشر على تسفيه المطالب الشعبية بمحاكمته.
3- ان ما اعلن من ادانات بحق 29 شخص من الوزراء والمسؤولين ، جميعهم من السابقين وغير متواجدين في العراق وبالتالي فان هذه الادانات هي لتخدير الشارع ان صح التعبير وامتصاص الامتعاض الكبير.
4- لم يتم تغيير رئيس مجلس القضاء الاعلى مدحت المحمود وذلك لأنه معين من قبل الحاكم المدني “بول برايمر ” مدى الحياة ، وهو ما يعبر على عدم قدرته عن الخروج عن الوضع السابق لتأسيس الدولة ما بعد 2003 .
5- عدم قدرة الحكومة من تعزيز القطاع الخاص لإيقاف الميزانية الاستثمارية وتحويلها الى التشغيلية التي تعاني من ازمة ممكن ان تتفاقم في الاشهر القادمة بسبب انخفاض اسعار النفط الى ادنى مستويات منذ عقد من الزمن .
6- لم تستجب الحكومة العراقية لبرنامج التكيف الهيكلي لصندوق النقد الدولي المتعلق بمنح قروض تنموية طويلة الاجل مقابل الالتزام بسياساته المعروفة برفع الدعم عن الوقود والتوظيف العام الى جانب رفع الضرائب …الخ .
7- لم تستجيب الحكومة بإلغاء التعيينات بالوكالة وكذلك لم تتخلص من الحزبية في تعيين رئاسة الهيات المستقلة، على سبيل المثال لايزال العلاق من حزب الدعوة مديراً للبنك المركزي بالوكالة، كذلك مدير المخابرات الوطنية التي تعد من مفاصل الدولة المهمة.
التوصيات :
1- في المجال الخدمي على الحكومة احالة كافة المتورطين بتهم الفساد والاضرار بالمال العام والخيانة العظمى بدون استثناء ، وان يبتدأ العبادي بالمتورطين من حزبه لأبعاد الفرصة على الاخرين بتسيس القرارات الحكومية تجاه اعضائهم .
2- في المجال الاقتصادي على الحكومة العراقية البحث عن الوسائل الكفيلة بالتخلص من الاقتصاد احادي الجانب (الريعي) والاهتمام بقطاع الزارعة وتحقيق الاكتفاء الذاتي ثم الصناعة وصولاً بالخدمات وان كان ذلك يستغرق وقت طويل لكن البذرة تنتج شجرة مثمرة في الامد البعيد .
3- ولدعم هذه الفكرة فانه من المهم الاستعانة في هذه المرحلة بالبنك والصندوق الدولي بعد الالتزام بكل وصفات المقدمة وفق برنامج يعالج الخلل الهيكلي الذي تعاني منه الدولة العراقية .
4- في المجال النيابي على الحكومة العراقية اقرار قانون الاحزاب وقانون تحديد دورتين لرئاسة الوزراء والنواب ومنع مزدوجي الجنسية من عضوية البرلمان او المناصب السيادية.
5- في المجال الاداري : وبالتحديد الوظيفي يجب ان لا تكون هناك فجوة ما بين راتب المسؤول الموظف الاعتيادي واقرار قانون الخدمة المدنية الى جانب تسهيل الروتين الاداري الذي يعزز من الفساد عبر حوكمة الحكومة العراقية بمساعدة المنظمات الدولية .
6- في المجال القضائي : على الحكومة تغيير رئيس مجلس القضاء الاعلى وتعزيز الثقة ما بين الشعب والحكومة من خلال التعبير عن استقلالية الحكومة عن الارادات الخارجية وتعيين شخصية مستقلة بعيدة عن المحاصصة.
7- في المجال الامني والعسكري، الغاء التعيينات بالوكالة واحالة كافة مما يتورط بتقصيره في اداء واجبه العسكري مهما كان منصبه الى المحاكم العسكرية ، وعلى الحكومة القيام بتعزيز قوة الجيش والاجهزة الامنية المساندة بصورة تدريجية وعدم ابقاء زمام المبادرة بيد الحشد الشعبي لعدم القدرة على ضبطه رغم الانجازات التي حققها على الارض الى جانب الاتكاء بشكل كبير على قوات التحالف في رفد القوة الجوية والدعم اللوجستي وعد الانصياع للضغوطات الاخرى على حساب مصلحة العليا للبلد . فضلاً عن اقرار قانون الحرس الوطني للمناطق الخارج عن سيطرة الحكومة وفق الاتفاقات السابقة .

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق