fbpx
الشرق الأوسطعاجل

تحليل: بوتين-أوباما يلعبان “لعبتين مختلفتين متبعين قواعد مختلفة”

استهلت صحيفة “لوموند” الفرنسية في تحليل لها : البوكر لعبة أمريكية بقدر ما أن الشطرنج لعبة روسية، لكن بطل العالم حالياً في البوكر روسي، وأما أستاذ الشطرنج العالمي فهو أمريكي. فزعيما أكبر قوتين عسكريتين في العالم لا يلعبان لعبة واحدة، وهما يقيناً لا يتبعان قواعد واحدة، وهذا من بين الأسباب التي ترى “لوموند” أنها تصعّب علينا كثيراً استيعاب ما يجري، لا في سوريا وحدها بل في سائر بقاع العالم.

فيما يفتقر الزعيم الروسي إلى أي استراتيجية حقيقية، يفتقر نظيره الأمريكي إلى الجسارة، وهكذا يلعب الاثنان لعبتين مختلفتين متبعين قواعد مختلفة.

وبحسب الصحيفة أنه منذ صعود الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى السلطة في أوائل العقد الأول من القرن الجاري وهو يدفع في اتجاه استعادة قوة روسيا، وهذا يعني ضمناً إنشاء ميزان قوة جديد مع الولايات المتحدة، وهو ما يتحقق من خلال الإكثار من نقاط التوتر.

لكن وبعد طلقة جورجيا التحذيرية أثناء صيف عام 2008، تهيأ بوتين لمرحلة عمل سمتها الإصرار والجرأة في أعقاب عودته إلى مقاليد الحكم في عام 2012. جاء هذا أولاً في أوكرانيا، حيث أقدم الرئيس الروسي على ضم شبه جزيرة القرم في غضون أسابيع، ثم في منطقة دونباس، التي ساند فيها ظهور تمرد انفصالي مسلح، وبالتالي أصاب عجلة التنمية في البلد بالشلل.

وتقول الصحيفة: أكان هذا كله ممكناً من دون تخل الرئيس باراك أوباما في أغسطس (آب) 2013 عن شن حملة ضربات جوية لمعاقبة النظام السوري على تجاوزه “الخط الأحمر” الذي رسمته واشنطن باستخدامه الأسلحة الكيميائية ضد شعبه؟ وأجابت بقولها: كلا على الأرجح.

وحسب التحليل “فإنه بداية من تلك اللحظة فصاعداً لمسنا غياب القيادة الأمريكية في الشرق الأوسط، وما التدخل الروسي في سوريا الذي بدأ في 30 سبتمبر (أيلول) إلا نتيجة لذلك الغياب ودليل واضح عليه في الوقت نفسه. فمن ناحية، نحن لدينا بوتين يتولى زمام المبادرة، معيداً بذلك تابعه الرئيس السوري بشار الأسد إلى المسار ومقرراً الإيقاع العسكري والدبلوماسي، وأما أوباما فالظاهر أن الأحداث المتلاطمة تقاذفته، حيث يبدو عاجزاً عن استخدام قوة حقيقية ومستعداً لأن ينخدع على أيدي إيران”.

لكن الأمور ليست بتلك البساطة، صحيح أن بوتين غارق في نوع من سياسة “الانقلاب الدرامي الدائم”، حاشداً نجاحات تكتيكية على طول هذه الطريق،لكن هل لديه حتى استراتيجية؟ كان الاستيلاء على شبه جزيرة القرم عملية باهرة فيما يخص الرأي العام الروسي، لكنه كان عقيماً على الصعيد الاستراتيجي، فهناك اتفاقية مُبرمة في عام 2010 ضمنت إمكانية بقاء الأسطول الروسي في ميناء سيباستوبول في القرم لمدة 30 سنة، كما كان الضم أيضاً باهظ الثمن، حيث تكلف 20 مليار دولار أمريكي وفقاً للمرصد الفرنسي الروسي.

و أدت زعزعة استقرار أوكرانيا إلى فرض العقوبات الأوروبية والأمريكية على روسيا، وإذْ اقترنت هذه العقوبات بهبوط أسعار النفط، فإنها ألقت بالاقتصاد الروسي في حالة من الركود العميق.

وتقول الصحيفة أن موسكو بتدخلها في سوريا إلى جانب إيران تثير نفور ألد عدوين للنظام السوري وهما المملكة العربية السعودية وتركيا، والمملكةالعربيةالسعودية مازالت هي التي تحدد أسعار النفط العالمية، والنفط مورد حيوي لروسيا، وأما تركيا فتحتل موقعاً حاسم الأهمية على مسار مشروع خط أنابيب الغاز الروسي “ساوث ستريم” الذي يتفادى المرور عبر الأراضي الأوكرانية مارّاً جنوبها. وأن بوتين باضطلاعه بدور رئيس شرطة الشرق الأوسط– وهو دور مجزٍ لكنه مستحيل–يرفع من على كاهل الولايات المتحدة عبئاً لم يعد أوباما يريد حمله منذ إخفاقيْ العراق وأفغانستان.

وتشير الصحيفة إلى أن بوتين استعاد هيبة كل من الدبلوماسية الروسية والجيش الروسي، لكنه سيترك من خلفه بلداً لا يملك ثروة أخرى عير مواده الخام، بلداً من دون مجتمع مدني ومن دون مؤسسات راسخة ويواجه تدهوراً ديمغرافيّاً، إنه بلد يظل أهم أصل يملكه هو قدراته على الإزعاج. لكن البوكر لعبة يجب على لاعبها أن يزيد رهانه دائماً إن أراد أن تكون له مصداقية.

وتضيف: “على النقيض ممن أقدموا في سذاجة ودون روية على منح أوباما جائزة نوبل للسلام لسنة 2009، لم ير الرئيس الأمريكي نفسه قط بصفته رئيس العالم، أوباما مخلوق غليظ القلب وحذر ومجرد من الإحساس، ويعرف السوريون بالضبط ما كلفهم إيّاه تردده، وسوف يتحدث التاريخ عن تخليه الفاضح عنهم في 2013، وذلك عندما رفض إيصال أسلحة مضادة للطائرات لوقف إلقاء القنابل البرميلية التي حصدت أرواح الآلاف من السوريين”.

“ربما يفتقر أوباما إلى الأخلاق والذوق، لكنه لديه فعلا استراتيجية، وقد تُرجمت هذه الاستراتيجية إلى سياسة ضعيفة قوامها عدم التدخل، أو فِعل أقل ما يمكن فعله، محاولاً تغيير ميزان القوة، مستهدفاً بأفعاله تحقيق مكاسب على المدى البعيد، سيكون الإرث الذي يتركه أوباما في الشرق الأوسط بارزاً من ناحيتين.

وتقول الصحيفة، الأولى هي نهاية اعتماد الولايات المتحدة على النفط السعودي بفضل تشجيعه تطوير النفط الصخري، والثانية هي الاتفاقية النووية التي أُبرمت مع إيران، حتى وإن كان ذلك يعني إثارة نفور إسرائيل وإثارة نفور المملكة العربية السعودية من جديد”.

وبهذا يكون الرئيس الأمريكي قد تصدى لأهم تحدٍّ مثَل أمام بلاده بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول)، وهو التحدي الوحيد الذي واراه جورج دبليو. بوش تماماً، ألا وهو كيفية تقليل اعتماد الولايات المتحدة على المملكة العربية السعودية على نحو يُجبرها على تقويم ذاتها والكف عن سياسة نشر التطرف والأيديولوجيا القاتلة التي تنتهجها.

في غضون ذلك، مكّنت ثورة الطاقة الولايات المتحدة من الاتجاه نحو تحديات جديدة من ضمنها التحديات التي تشكّلها الصين. لكن المشكلة في استراتيجية أوباما.

أن استخفافه بالانتصارات التكتيكية كلّف الولايات المتحدة قدراً أكبر مما ينبغي من مصداقيتها في الشرق الأوسط، منوهةً إلى أن العلاقات الدولية مسألة مظهر بقدر ما هي مسألة جوهر، وأما موطن ضعف أوباما الآخر، بحسب لوموند، فينبع من حقيقة أن خليفته بإمكانه أن ينقض اختياراته الاستراتيجية، وذلك على عكس بوتين الذي جاء ليبقى.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق