fbpx
الشرق الأوسطعاجل

ورقة عمل: موقف حماس من المصالحة وطرق تفعيلها

أ. أسامة حمدان

مطلع عام 2005 أعلنت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) أنها قررت المشاركة في الانتخابات التشريعية الفلسطينية القادمة، ولقي هذا الإعلان ترحيباً وطنياً وإقليمياً ودولياً. وفي 17/3/2005 من العام ذاته، انعقدت جولة من الحوار الوطني الفلسطيني، وانتهت جولة الحوار إلى ما عرف بـ(إعلان القاهرة)، وأهم ما جاء فيه كان الاتفاق على هدنة لمدة عام، على أن يتم إجراء انتخابات تشريعية، والبدء بإعادة بناء م.ت.ف كإطار وطني فلسطيني جامع على أسس يتم التراضي عليها، وتمّ التوافق على تشكيل لجنة تتولى تحديد هذه الأسس.

في كانون الثاني/ يناير 2006 جرت الانتخابات، وحققت حركة حماس فوزاً كبيراً وحصلت على أغلبية مريحة من مقاعد المجلس التشريعي، وفجأة انقلب الترحيب الوطني وبعض الإقليمي والدولي إلى حاجة هياج وتشنج وعدوانية تجاه حركة حماس، وكأن المطلوب أن تشارك الحركة دون أن تفوز بالانتخابات، أو أن يقترع الشعب الفلسطيني لصالح فريق بعينه، لا وفق إرادته الحرة ومصلحة قضيته الوطنية.

ونتج عن حالة الهيجان تلك قيام محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية، بجملة إجراءات وقرارات للحد من صلاحيات المجلس التشريعي والحكومة القادمة. ونورد النماذج التالية على سبيل المثال:

• في 28/1/2006، أي بعد يوم من إعلان نتائج الانتخابات التشريعية، عقد الرئيس أبو مازن اجتماعاً لنقل مسؤولية ثلاثة أجهزة أمنية من الحكومة إلى الرئاسة.

• وفي 13/2/2006، انعقد المجلس التشريعي المنتهية ولايته في جلسة استثنائية!! لنقل مجموعة من الصلاحيات للرئيس، وقد تمّ ذلك بإصدار قانون يمنح الرئيس محمود عباس صلاحية إنشاء المحكمة الدستورية برئيسها وقضاتها، ويعني القرار سلب المجلس التشريعي اختصاصه ووضع الأمر كله بيد الرئيس. كما شملت المراسيم الرئاسية أيضاً، مرسوماً يقضي بتعيين رئيس لديوان الموظفين تابع للرئاسة، ومن المفارقة أن الرئيس محمود عباس خاض صراعاً مع الرئيس الراحل ياسر عرفات عام 2003 لتحويل منصب رئيس ديوان الموظفين من سلطة الرئيس إلى سلطة رئيس الوزراء!.

• وفي 24/3/2006، يقرر الرئيس محمود عباس إنشاء هيئة للإشراف على المعابر برئاسة السيد صائب عريقات بعد أن كانت من صلاحيات الحكومة.

• وفي 6/4/2006، يقرر الرئيس محمود عباس تعيين السيد رشيد أبو شباك مديراً عاماً للأمن الوطني، دون التشاور مع الحكومة أو وزير الداخلية. مع العلم أن القانون الأساسي ينص على أن الرئيس يصادق على من ينسبه وزير الداخلية لهذا المنصب.

• وفي 21/4/2006، يصدر الرئيس أبو مازن مرسوماً بإلغاء قرار وزير الداخلية الصادر في 20/4/2006 والموافق عليه من الحكومة، والقاضي باستحداث وحدة من المقاومين المنتمين لجميع التنظيمات الفلسطينية لمساعدة جهاز الشرطة في ضبط الأمن المنفلت في الضفة والقطاع. كما يلغي مرسوم الرئاسة قرار تعيين جمال أبو سمهدانة (قائد المقاومة الشعبية) مراقباً عاماً في وزارة الداخلية، وذلك بذريعة أن الحكومة لا تملك الصلاحيات، وأن ذلك من صلاحيات الرئيس فقط. مع العلم أن منصب المراقب العام في وزارة الداخلية لم يكن من ابتكار الحكومة آنذاك، بل إن هذا المنصب كان قد استحدث من قبل حكومة فلسطينية سابقة وشغله سمير المشهراوي عندما كان محمد دحلان وزيراً للأمن الداخلي في حكومة شكلها محمود عباس في عهد الرئيس الراحل ياسر عرفات.

ورفضت فتح المشاركة في حكومة شراكة وطنية دعت إليها حركة حماس، وضغطت وحرّضت لمنع مشاركة أيّ طرف فلسطيني آخر. ما أدى إلى تشكيل الحكومة العاشرة برئاسة إسماعيل هنية بغالبية أعضائها من حركة حماس. وقد أدى نجاح الحركة بتشكيل الحكومة وبدئها في استلام مهامها إلى فصل جديد من تعطيلها تمثّل بدور الأجهزة الأمنية المعرقل، لا سيما جهاز الأمن الوقائي الذي مارس تمرداً واضحاً على قرارات الحكومة ووزير الداخلية فيها، وسعى للإخلال بالأمن وتعطيل مسيرة الحكومة من خلال صناعة حالة من الفلتان. وعلى مدى عام، تعاملت الحركة والحكومة بحكمة وصبر مع هذه الممارسات، وقد أثمر هذا الصبر إلى ما بدا أنه مخرج من الأزمة، فقد تمّ التوصل بوساطة سعودية لاتفاق مكة في آذار/ مارس 2007، والذي نصّ على تشكيل حكومة وحدة وطنية، والمضي قدماً في إجراءات تفعيل وتطوير وإصلاح م.ت.ف، وتسريع إجراءات عمل اللجنة التحضيرية المختصة بذلك، والتأكيد على مبدأ الشراكة. وبدا أن الشعب الفلسطيني يقترب من فرصة سانحة لمواجهة الاحتلال موحداً، غير أن استمرار تمرد جهاز الأمن الوقائي أدى إلى اتخاذ رئيس الوزراء قراراً بالتعامل بحسم مع هذا التمرد، وهو ما لم تتقبله حركة فتح التي رأت في جهاز الأمن الوقائي جهازاً خاصاً بها، ولم تتعامل معه كجهاز أمن وطني يلتزم بما تقرره حكومة وطنية منتخبة من الشعب الفلسطيني، وأن هذا الجهاز مهما كانت قوته وأراء قادته السياسية، يظل موظفاً لدى الشعب الفلسطيني وليس لدى فصيل أو شخص.

وبدل أن يتفهم محمود عباس هذا الحسم كرئيس لصالح الحكومة واستقرار المؤسسات على أسس وطنية، فإنه لم يستجب لدعوات رئيس حكومته للقدوم إلى غزة والقيام بدوره ومسؤوليته كرئيس للسلطة ومباركة إنهاء هذا التمرد ومواصلة العمل في إطار حكومة الوحدة الوطنية، بل شنّ حملة ضد حركة حماس وكوادرها في الضفة الغربية، وسعى لتقسيم الواقع السياسي الفلسطيني، فأقال الحكومة، وأعلن حالة الطوارئ، وشكل حكومة عملت دون ثقة التشريعي في سلسلة مخالفات واضحة للنظام الأساس والقانون الفلسطيني، وشنت الأجهزة الأمنية حملة قمع واسعة ضد حركة حماس وفصائل المقاومة. وكرّس بذلك حالة انقسام وطني فلسطيني غير مسبوقة. ورغم الدعوات التي وجهتها حركة حماس قبل العدوان الإسرائيلي على غزة في كانون أول/ ديسمبر 2008 للمصالحة، إلا أنها لم تلقَ آذاناً صاغية، حتى انعقدت جولة حوار المصالحة الأولى عام 2009 في أعقاب حرب “الفرقان” عام 2008-2009، والتي أثمرت اتفاق المصالحة.

أسباب الانقسام:

لا شكّ أن معالجة حالة الانقسام تقتضي معالجة الإشكالات الحقيقية التي أدت إليها، فعلى الرغم من كل محاولات إنهاء الانقسام إلا أن كثيراً من العقبات كانت تعترض سبيل هذه المحاولات وتعرقل مسارها. ما يعني أن جذور المشكلة لا تتوقف عند حدود الاختلاف على إدارة شؤون السلطة ومؤسساتها، ومن جانب آخر فإن إغفال أسباب الانقسام الحقيقية وعدم السعي لحلها يزيد من تعقيد المشهد، ولن يؤدي إلى الاستقرار. ويمكن إيجاز أسباب الانقسام في العناوين التالية:

1. أزمة طبيعة “النظام السياسي” الفلسطيني:

منذ انخراط الفصائل الفلسطينية في م.ت.ف وإعادة بنائها وتشكيلها، مثّلت نظاماً أحادي الحزب، هيمن فيه فصيل واحد على كل المؤسسات، وقاد م.ت.ف في إطار برنامجه ومن خلال مؤسساته الحزبية. وبنظرة سريعة إلى مؤسسات م.ت.ف يكتشف أي متابع أن حركة فتح تشغل ما نسبته 85%-90% من المواقع في م.ت.ف، وتزداد النسبة إذا ما نظرنا إلى المواقع التنفيذية كدوائر اللجنة التنفيذية والسفارات والمواقع المالية وغيرها.

واستمر الحال على هذا النحو خلال عملية بناء السلطة، فاستأثرت فتح بمعظم المواقع القيادية فيها، وغالبية موظفيها، ما جعل السلطة نظام الحزب الواحد المهيمن والمسيطر على مجريات الأمور، يقبل أن ينال الآخرون شيئاً يسيراً أو فتاتاً يمنحه ويعزز بذلك هيمنته وسلطته. لقد كان من أهم نتائج الانتخابات فتح الباب لشراكة حقيقية في صناعة القرار الوطني، وفي إدارة شؤون الشعب الفلسطيني وربما لاحقاً التداول في قيادته، لكن سلوك حركة فتح أدى إلى انكشاف طبيعة هذا النظام، كما عكس إصراراً على المحافظة على هذه الطبيعة ورفضاً لتطوير هذا النظام بما يلبي طموح الشارع الفلسطيني ورغبته في اختيار قيادته.

علاوة على ذلك، فإن هذا “النظام” الهلامي الذي هيمنت فيه حركة فتح على م.ت.ف والسلطة الفلسطينية، وإصرار محمود عباس على عدم إعادة بناء م.ت.ف، وتعطيل كل الاتفاقات الخاصة بذلك منذ عام 2005 وحتى الآن، يعني ثلاثة أمور:

‌أ. لا توجد مؤسسة وطنية جامعة وواحدة تحكم الأداء الفلسطيني، فحيث لا تقبل حركة فتح أمراً تختبئ وراء م.ت.ف، وحينما تطلب أمراً آخر فإنها تستخدم السلطة الفلسطينية.

‌ب. إن الحديث عن الديموقراطية وحقّ الشعب الفلسطيني في اختيار قيادته يظل فارغاً بلا مضمون، طالما بقي نظام الحزب الواحد المهيمن قائماً، وما لم يجرِ تعديل هذا النظام وإصلاحه من داخله كما جرى الاتفاق عليه دائماً.

‌ج. الإصرار من طرف محدد على الاستمرار في احتكار المؤسسات والقرار، وهذا من شأنه أن يفقد المؤسسات قيمتها الوطنية المطلوبة والمتوقعة.

2. الخلاف حول المواقف الأساسية (الثوابت) والبرامج السياسية:

يدور الحديث كثيراً عن الخلاف حول البرامج السياسية للقوى الفلسطينية، غير أن هذا الكلام ينطوي على خلط بين المواقف الأساسية المتعلقة بالثوابت، وبين البرامج السياسية المتعلقة بالأساليب والبرامج.

وفي هذا السياق فلا بدّ من التأكيد أن أحد أهم المشاكل في الساحة الفلسطينية كان الخلط بين الأمرين لتمرير كثير من التنازلات فيما يتعلق بالثوابت لتبدو وكأنها مسألة سياسية أو تكتيكية. فقد تنازلت قيادة م.ت.ف (المهيمَن عليها) عن 78% من أرض فلسطين، واعترفت بحق “إسرائيل”، القوة القائمة بالاحتلال، بالوجود عليها كدولة مستقلة ذات سيادة، متنازلة عن حقّ الملايين من أبناء الشعب الفلسطيني، واعتبرت المقاومة شكلاً من أشكال العنف الذي نبذته وتعمل بالتعاون مع الاحتلال على مواجهته بأجهزتها الأمنية متنازلة عن كونه حقاً أصيلاً للشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، وهو حقّ كفلته القوانين الدولية.

إن حجم التنازلات المقدم قد كلّف الشعب الفلسطيني أثماناً باهظة، فيما لن تقدم نتائج هذه التنازلات وفي مقدمتها أوسلو أي مكاسب حقيقية على صعيد حفظ الثوابت.

أما على صعيد البرامج السياسية، فلا شكّ أن الإجماع الوطني قائم على أن المقاومة، علاوة على كونها حقاً، فهي وسيلة لنيل الحقوق وتحقيق الأهداف الوطنية، وكذلك السياسية ومناوراتها لا بدّ من أن تكون وسيلة، وهنا تأتي مشكلة البرامج المختلفة، فمن الذي يحدد متى تفعّل المقاومة المسلحة ومتى نتجه كشعب للتهدئة؟ ومن الذي يقرر طبيعة الخطوة السياسية أو ما يليها من خطوات.

ومما يزيد المسألة تعقيداً وسوءاً استمرار تعطيل إعادة بناء م.ت.ف، فلا وجود لمؤسسة أو مرجعية قيادية واحدة تحكم الأداء الوطني الفلسطيني.

3. التدخل الخارجي:

لا شكّ أن التدخل الخارجي لعب دوراً مهماً في استمرار الانقسام أو منع وتعطيل المصالحة، وكانت الولايات المتحدة بشروطها المسماة (شروط الرباعية) أول فاعل في إيجاد قاعدة سياسية أيديولوجية للانقسام الفلسطيني، ولعبت الولايات المتحدة دوراً ضاغطاً لتعزيز الانقسام، فقد أعلنت الولايات المتحدة تأييدها ودعمها لخطوة محمود عباس إقالة حكومة الوحدة الوطنية وإعلان حالة الطوارئ، وصرحت كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية آنذاك بأن “الرئيس عباس مارس سلطته الشرعية كرئيس للسلطة الفلسطينية وكزعيم للشعب الفلسطيني. ونحن ندعمه كلياً، وندعم قراره محاولة إنهاء أزمة الشعب الفلسطيني هذه، ومنحهم فرصة للعودة إلى السلام وإلى مستقبل أفضل”. فيما لعبت حكومات الاحتلال المتعاقبة أدواراً مختلفة في تكريس وتعميق أزمة الانقسام الفلسطيني. وقد أثّر التدخل الخارجي بشكل أساس في تعطيل الإجراءات والضغط السياسي لمنع تنفيذ المصالحة، وشكّل أحياناً إغراءً سياسياً بتقديم جملة من المكاسب في ظل الانقسام لفريق “التسوية” كمبادرة “أنابوليس” للتسوية التي أعقبت الانقسام، باعتبار أن التفاوض يمكن أن يتم في ظل غياب شريك معطّل على المستوى الوطني.

ويجب هنا أن لا يغيب عن المتابع أن التدخل الخارجي كان له أثره الفعلي المباشر من جهة، كما أن فريقاً استخدمه لتبرير تعطيل المصالحة في محطات أخرى.

4. أزمة الثقة التاريخية:

لا شكّ أن حالة الهيمنة والتفرد بالقرار، أدت إلى جملة من الممارسات صارت طابعاً دائماً في التعامل مع هذا الطرف على الصعيد الوطني. ولعل من أبرز عناوين أزمة الثقة ما يلي:

‌أ. الانتقائية في التنفيذ:

فكل اتفاقات المصالحة والتفاهمات الوطنية كانت تضم رؤية وتصوراً متكاملاً، لكنها لم تفضِ إلى الهدف المنشود لأن عقلية الهيمنة كانت دائماً تتعامل بانتقائية عند تنفيذ الاتفاقات.

فاتفاق 2005 نصّ على إجراء الانتخابات، وإعادة بناء م.ت.ف، فاختار أبو مازن تعطيل بناء م.ت.ف على الرغم من أن الانتخابات كانت تشكل فرصة لذلك.

وفي وثيقة الوفاق الوطني الموقعة عام 2006، اختار محمود عباس أن يقول للعالم أنه مفوض للتفاوض مع “إسرائيل”، وأهمل تنفيذ بنود الوثيقة متمسكاً بأن الفصائل قد أجمعت على أن المشروع الذي تجمع عليه الفصائل في هذه المرحلة هو إقامة دولة فلسطينية على خطوط الرابع من حزيران/ يونيو 1967، ومعطلاً إعادة بناء م.ت.ف.

وفي اتفاق مكة 2007، تمّ تنفيذ تشكيل حكومة وحدة وطنية، وتمّ تعطيل صلاحياتها لا سيّما على الصعيد الأمني، ما أدى لانفجار الوضع، كما عطل أي إجراءات من أجل تفعيل وتطوير وإصلاح م.ت.ف.

وفي تنفيذ اتفاقية الوفاق الوطني الفلسطيني 2009 تمّ تشكيل حكومة وفاق وطني، ولم يتم تفعيل المجلس التشريعي، وجرى تعطيل كامل للجنة مرجعية م.ت.ف التي أوكل إليها إعادة بناء م.ت.ف، ويجري الحديث اليوم عن صعوبة الانتخابات في الداخل واستحالتها في الخارج. وما زالت قضية المعتقلين السياسيين تتطور في ظلّ ممارسات الأجهزة الأمنية.

إن هذه الانتقائية تشكل وبشكل كبير أزمة في الثقة ليس بين محمود عباس وفصيل بعينه، بل بين فريق الانتقائية وسائر البيئة السياسية الوطنية.

‌ب. إعادة التفاوض على ما هو متفق عليه:

ففي كل مرّة يتم فيها الحوار الوطني تتم عملية التفاوض على كثير من القضايا التي اتفق عليها سابقاً، ولم يتم تنفيذها، ثم يتم تعطيل تنفيذها بعد ذلك. (إعادة بناء وإصلاح وتفعيل م.ت.ف، واللجان والأطر التي شكلت هذه الغاية).

كما أن الأمر تجاوز ذلك إلى التفاوض على كل خطوة، فدمج المؤسسات بين الضفة وغزة يستدعي تفاوضاً لبحث أوضاع الموظفين، وتعطيل استيعابهم يستدعي تفاوضاً لبحث الخروج من المأزق، ودفع الرواتب يحتاج إلى حوار جديد، وهكذا في كل قضية. إن من شأن إعادة التفاوض مرّة تلو أخرى على ذات المسائل يفقد الأطراف الثقة فيمن يمارس هذه السياسية، ويكرر هذه الممارسة، إضافة إلى أنه يعطل بلا شكّ مسيرة المصالحة.

‌ج. سلوك الأجهزة الأمنية:

مثّل سلوك الأجهزة الأمنية وسياساتها في التعامل مع الشأن الوطني الفلسطيني أزمة دائمة. فمع كل خطوات المصالحة تتسارع خطوات الأجهزة الأمنية في ملاحقة كوادر وأبناء المقاومة وتنفيذ حملات اعتقال وتوقيف وتحقيقات لصالح الاحتلال، وتعاون أمني مع العدو وتبادل للأدوار في الاعتقال والتحقيق مع العدو.

لقد سعت الأجهزة الأمنية لإسقاط حكومة منتخبة عام 2006، وأطاح سلوكها الذي عجز رئيس السلطة عن كبحه بحكومة الوحدة الوطنية عام 2007، وعطّلت ممارساتها الوصول إلى اتفاق المصالحة عام 2009 مدّة ليست باليسيرة، وتعطل ممارساتها كل خطوات المصالحة، وآخرها ما يجري الآن في الضفة الغربية على الرغم من تشكيل حكومة الوفاق الوطني.

ونظرة إلى ممارسات هذه الأجهزة في الضفة عام 2014 تكشف ذلك، فقد بلغت اعتداءات الأجهزة الأمنية بحق أبناء وقيادات حماس وفصائل المقاومة الفلسطينية خلال هذا العام 2,113 اعتداء، وبلغت حالات الاعتقال السياسي 1,046 حالة، بزيادة عن العام 2013 حيث بلغت حالات الاعتقال في حينه 782 حالة.

إلا أن الأخطر في مسألة الأجهزة الأمنية هي تقاطعها مع التدخل الخارجي الذي يتولى التمويل والتدريب والإشراف على أدائها، وما يعنيه ذلك من فرض لبرامج خارجية على أجندتها لا تنسجم والمصالح الوطنية الفلسطينية.

وخلاصة القول في أسباب الانقسام أن أزمة النظام السياسي الفلسطيني كنظام حزب واحد، والخلاف السياسي والأيديولوجي، والتدخل الخارجي، وأزمة الثقة على الصعيد الوطني اجتمعت لتصنع حالة الانقسام، ولا يكون الخروج من المأزق إلا بالاتفاق على معالجتها جميعاً. وتنفيذ هذه المعالجات بالتوازي وبما يحقق إنهاء الانقسام.

كيف يتم إنهاء الانقسام وتفعيل المصالحة؟

لا بدّ من الاتفاق أولاً على أن إنهاء الانقسام لا يعني بحال من الأحوال أن يتبنى فصيل رؤية فصيل آخر، أو أن تتبنى الفصائل مجتمعة رؤية فصيل بعينه، كما أن منطق الوحدة الوطنية لا يعني ذلك بكل تأكيد.

إن منطق الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام يعني بناء مؤسسات وطنية فلسطينية يختار الشعب الفلسطيني فيها مندوبيه وممثليه، ويحاسبهم عبر دورية اختيار دائمة. وتعمل هذا المؤسسات المنتخبة لصالح القضية والشعب في إطار من الثوابت الوطنية المتفق عليها، ويكون لها ما دامت ملتزمة بذلك العمل من أجل تحقيق مصالح وأهداف الشعب الفلسطيني في إطار ديمقراطي يتعاون مع كل مكونات الحياة السياسية والاجتماعية الفلسطينية، التي تملك كل الحق في المشاركة والتعبير عن موقفها ورأيها في إطار المؤسسات الوطنية وعلى قاعدة الثوابت المتفق عليها.

ولا بدّ بين يديّ الحديث عن تفعيل المصالحة التأكيد أنه لا خيار من حيث المبدأ أمام الفلسطينيين سوى إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية، وتزداد ضرورة ذلك في ظلّ ما يجري في محيط القضية الفلسطينية، سواء مع نتائج الانتخابات في الكيان الصهيوني مؤخراً، أو في ظلّ الأحداث الإقليمية لا سيما على الصعيد العربي.

وعليه فإن التوصل إلى حالة راسخة من الوحدة وإنهاء الانقسام يقتضي القيام بخطوات عديدة مع الأخذ بعين الاعتبار ما تمّ إنجازه من تفاهمات واتفاقات وإجراءات:

1. بناء الثقة:

يُعد بناء الثقة مسألة أساسية وهامّة لدفع المصالحة إلى الأمام، ولتحقيق ذلك لا بدّ من القيام بخطوات عاجلة وسريعة تتمثل في:

‌أ. إنهاء الإجراءات الأمنية على أسس سياسية، ووقف استهداف النشطاء بسبب مقاومة الاحتلال، أو بسبب مواقفهم السياسية حتى ولو كانت ناقدة للسلطة وسياساتها ولـ م.ت.ف وسلوكها، وضبط أداء وسلوك الأجهزة الأمنية بما ينسجم مع ما اتفق عليه.

ب. تنفيذ خطوات دمج المؤسسات والموظفين بعيداً عن التدخلات والضغوطات الخارجية، وبعيداً عن اعتبارات انتماءاتهم السياسية.

ج. كما تشمل هذه الخطوات تفعيل نظام العدالة ليشعر كل فلسطيني أنه محمي بالقانون، وليس بوسائل البلطجة.

د. استعادة قضية ودور اللاجئين في إدارة الصراع مع الاحتلال، فلا ثقة في قيادة أو فصائل تهمل حقوق ما يزيد عن نصف شعبها.

2. البدء في إعادة بناء المؤسسات الوطنية:

ويقتضي ذلك تفعيل مرجعية منظمة التحرير الفلسطينية لتصنع آليات عملية وبرنامجاً تنفيذيّاً لتحقيق هذا الهدف. ومن هذه الخطوات العمل بشكل مباشر لتشكيل المجلس الوطني الفلسطيني بآليات تجعله ممثلاً حقيقياً ومعبراً أميناً عن طموحات شعبنا وآماله.

كما يحتم ذلك البدء، ودون تعطيل، في إعادة تشكيل الحياة الديموقراطية على المستوى الشعبي على صعيد الاتحادات والنقابات والجاليات كعمل شعبي ديموقراطي لا يخضع للمحاصصة والفصائلية التي جرّت عليه الوبال في إطار سياسية الهيمنة وبأدوات المحاصصة.

إن من شأن تفعيل هذه البيئة تحريك المجتمع الفلسطيني والحالة الشعبية فيه كقوة إضافية لصالح القضية وفي مواجهة العدو الصهيوني.

3. تطوير آليات صناعة القرار الوطني الفلسطيني وتقليل تأثيرات السياسية الدولية السلبية عليها:

ومن شأن ذلك أن يقلل الأثر على مسار المصالحة وتحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية ويمكن أن يتم ذلك من خلال الآليات التالية:

‌أ. آلية تعالج الموضوع المالي، في إطار مشروع المقاومة، لتقليل أثر إملاءات المانحين وشروطهم وتأثيرهم على القرار الوطني الفلسطيني الذي يصل أحياناً إلى حدود الابتزاز، كتهديد الولايات المتحدة بوقف تمويل الأجهزة الأمنية في حال خضعت هذه الأجهزة لحكومة منتخبة لا تلبي “شروط التسوية”، أو في حال إنجاز مصالحة وطنية يكون من نتائجها خضوع هذه الأجهزة لبرنامج وطني يمنعها من العمل مع الاحتلال ضدّ الشعب الفلسطيني ومقاومته.

ب. إخراج مؤسسة القرار القيادي الفلسطيني من دائرة الهيمنة والضغوط الإسرائيلية المباشرة، وبجملة واحدة (إقامة القيادة خارج سلطة الاحتلال).

‌ج. إعادة النظر في العقيدة الأمنية للأجهزة الفلسطينية، بحيث يكون دور هذه الأجهزة حماية الأمن الداخلي ومواجهة الاختراق الصهيوني ودعم المقاومة في مواجهة الاحتلال.

4. إعادة الاعتبار للثوابت الفلسطينية:

وفي مقدمة ذلك إعادة الاعتبار للمشروع الوطني الفلسطيني باعتباره مشروع (تحرير وعودة)، ومن شأن ذلك أن ينهي الجدل حول الثوابت، ويجعل البرامج السياسية محل بحث ونقل وحوار سياسي طالما تحافظ على الثوابت وتتمسك بها.

إن من شأن إعادة الاعتبار للثوابت الوطنية توحيد القاعدة السياسية التي يتم الاحتكام إليها، ومن شأنه كذلك تفعيل المصالحة، باعتبار أن الثوابت الفلسطينية المتفق عليها تسهّل عملية إعادة بناء المؤسسات من جهة، ويقوي ويوحد الموقف الفلسطيني في مواجهة الضغوط الخارجية من جهة أخرى. ولا بدّ من الإشارة إلى أن تراث م.ت.ف السياسي لا سيّما قبل العام 1974 يمكن أن يكون مرجعية أساسية لذلك.

5. تنفيذ اتفاقيات المصالحة بشكل كامل ومتزامن:

إن مراجعة نصوص الاتفاقات المتعددة لترتيب البيت الفلسطيني الداخلي تكشف أنها غطت محاور الخلاف الفلسطيني بشكل كامل، كما أنها حوت الكثير من التفاصيل في جوانب هذا الخلاف، ما يجعل من تطبيقها الكامل والأمين، ووفق تسلسلها المتفق عليه ودون أي تعطيل فرصة كبيرة لتفعيل مسار المصالحة وتحقيقها.

6. إعادة الاعتبار لدور الشعب الفلسطيني خارج فلسطين على الصعيد الوطني:

حمل الشعب الفلسطيني خارج فلسطين همّ قضيّته منذ أيام النكبة الأولى، وكان فاعلاً ومؤثراً فيها، وشكلت “اتفاقية أسلو” أول عنوان انقسام فلسطيني عندما جعلت قضية الفلسطينيين خارج فلسطين (لاجئين ونازحين) قضية مؤجلة وتحت عنوان المساومة، وللاحتلال كلمة الفصل فيها.

إن تفعيل هذا الدور من شأنه أن ينعكس إيجاباً على المصالحة الفلسطينية باعتبارها قوة دفع داخل الشعب الفلسطيني باتجاه الوحدة وإنهاء الانقسام.

من جهة أخرى فمن غير المقبول أن يكون نصف الشعب الفلسطيني غير الخاضع للاحتلال مرتهناً لصالح قرار الاحتلال والمرتهنين لقراره.

ختاماً:

إن الشعب الفلسطيني وقواه وفصائله أحوج ما تكون من أيّ وقتٍ مضى لمصالحة وطنية تنهي الانقسام وتعزز الوحدة من أجل مواجهة تحديات المشروع الصهيوني الذي يسعى لسلب ما بقي من الأرض، وتهويد القدس والاستيلاء على المقدسات، بل وإنهاء القضية الفلسطينية. وليست المسألة هنا مسألة محاصصة أو تقسيم سلطة أو توزيع مكاسب، بل هي مسؤولية وطنية لحماية ثوابت وحقوق شعبنا، وإنهاء الاحتلال وتقرير المصير كشعب حر مستقل صاحب سيادة على أرضه وفي وطنه.

وهذا لن يتحقق ما لم يقف الشعب الفلسطيني وقواه جميعاً موحداً على أساس ثوابته الوطنية، وفي مناخ وطني من الثقة المتبادلة، وفي إطار مؤسسي وطني جامع، وضمن مسار سياسي ومقاوم يقطع الطريق على التدخل الخارجي ويعمل لتحقيق المشروع الوطني المتمثل في التحرير والعودة.

[1]   عضو قيادي في حركة حماس. شغل منصب الممثل الرسمي لحركة حماس في طهران في الفترة 1993-1998، ثم عين ممثلاً لحركة حماس في لبنان في الفترة 1998-2010، وتولى مسؤولية العلاقات الدولية للحركة في الفترة 2009-2013، ثم تولى مسؤولية العلاقات العربية للحركة بعد ذلك. وهو عضو في المؤتمر القومي العربي والمؤتمر الإسلامي، وعضو في مجلس أمناء مؤسسة القدس.

قدم أ. أسامة حمدان هذه الورقة في مؤتمر ”المصالحة الفلسطينية: الآفاق والتحديات“، الذي أقامه مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات في بيروت بالتعاون مع مركز إفريقيا والشرق الأوسط AMEC (ومقره جنوب إفريقيا) في  26-27 /2015/3.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق