fbpx
مقالات

فن القيادة

بقلم :د. سعدي الابراهيم – كاتب من العراق
بالرغم من كثرة الجامعات والمعاهد التي تعنى بتهيئة الطلاب من اجل ان يتسلموا مواقع قيادية في مؤسسات الدولة الرسمية وفي المجتمع بأسره ، الا ان هذه المصانع التعليمية تدرك جيدا من القيادة هي فن قبل ان تكون علم ، وان القائد لا يصنع في المدارس والجامعات وانما تصنعه التجارب والممارسات فضلا عن مؤهلاته الذاتية او ما يعرف بالشخصية ، ويخطأ من يظن من ان القادة هم حملة شهادة او شاغلوا مناصب معينة .
ولكي نكون واقعين ونؤكد لكم ما قلناه اعلاه ، نسرد عليكم القصة او الموقف الاتي الذي حدث معنا شخصيا ، فكما هو معروف للجميع ان الجيش العراقي بعد عام 2003 بات يعاني من مشاكل كثيرة ، ولكنه مع ذلك لا يخلوا من وجود بعض القيادة الفذة والطموحة ، فمثلا كثر الحديث في الآونة الاخيرة عن وجود احد القادة الشباب الذين ابهروا وزارة الدفاع واهالي المنطقة التي يعمل فيها بقدراته وصفاته النادرة ، الى الدرجة التي سماه اهالي المنطقة بالضابط الذئب او سعد الجميلي الذئب ، وهذه التسمية جاءت نتيجة لشجاعته واقدامه في المعارك وفي اداء الواجبات ، مع ان رتبته صغيرة .
وبما اننا مختصون بالبحث والتقصي في مجال العلوم السياسية وعلم الاجتماع فقد وجدنا في هذه الشخصية فرصة مناسبة للتعرف على معنى القيادة وتفحصها في الواقع عن قرب ، حيث حملنا دفاترنا واقلامنا وانتقلنا صوب تلك المنطقة التي يعمل فيها الا وهي محافظة صلاح الدين ، لعلنا نتعرف على الاسباب التي تجعل من هذا الضابط يختلف عن غيره ، وعندما سألنا زملاءه في العمل عن الاسباب التي تجعلهم يحبون ويطيعون هذا الضابط دون سواه ، مع ان في الوحدة العسكرية من هو اعلى منه مرتبة واكثر تجربة ؟ اجابوا بأنهم لا يعرفون السبب الحقيقي ، وهم يحبونه وينقادون خلفه وكفى .
سجلنا كل ما قالوه وحللناه فوجدناه لا يكفي ، فطلبنا منهم ان يرتبوا لنا لقاء معه ، اي مع الضابط سعد الجميلي ، لعلنا نستطيع ان نحدد الملامح او الصفات التي يتمتع بها وتجعله قياديا ناجحا على العكس من غيره من الضباط .
لقد كان يوم الخميس هو موعد اجراء المقابلة ، فانتقلنا الى مكان عمله ، وفي الاستعلامات او بوابة الوحدة العسكرية ، استقبلنا شاب يرتدي ملابس عسكرية دون ان يضع عليها رتب او علامات ، فهش وبش في وجوهنا ، واخذ يمزح معنا ، ويبتسم وطلب منا الجلوس ، ودون ان نشعر اندمجنا معه بالحديث ، بعد ان تناولنا ما جادته به يده من الشاي والماء المثلج ، ثم جلس بقربنا وطلب منا ان نشاهد بعض مقاطع الفيديو التي سجلها بكامرته الشخصية ، وهي عبارة عن مشاهد للمعارك في جبال حمرين ، ومقاطع تظهر فيها عوائل نازحة وتستنجد بالجيش لمساعدتها ، لقد طال الحديث مع هذا الشاب ونسينا المهمة التي جئنا الى المعسكر من اجلها ، وكلما حاولنا ان نسأله عن الضابط المقصود نقلنا بأسلوبه وبشخصيته المرحة الى موضوع اخر ، ولكننا عندما نظرنا الى ساعاتنا و وجدناها قد اقتربت من الواحدة ظهرا فزعنا من اماكن جلوسنا ، وصرخنا في وجهه : لقد انسيتنا المهمة التي جئنا من اجلها الى المعسكر ، قال وما هي المهمة التي جئتم من اجلها ؟ قلنا لقد جئنا لمقابلة الضابط سعد الجميلي ، فسقط الشاب على الارض من الضحك حتى خفنا ان يصيبه اذى ، وبعد عدة محاولاته لإسكاته ، توقف عن الضحك وبقيت الابتسامة معلقة على شفتيه ، وقال مستغربا : انا الضابط سعد الجميلي الذي جئتم لمقابلته تصورتكم تعرفونني ، وعندها لم نتمالك انفسنا من الضحك وعاد هو يضحك ايضا فشاهدنا الجنود وضحكوا تضامنا معنا ، وامتلاء المكان بالضحك والابتسامات ، فشكرناه على حسن اللقاء ، وخرجنا ونحن نردد مع انفسنا ونقول : هذا هو السبب ، نعم الشخصية المرحة والمبتسمة هي التي ميزت هذا الضابط عن غيره.
فالقيادة هي البساطة والابتسامة والاريحية والشخصية الجذابة ، وهي الفن ، وليست شهادة علمية او منصب .

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق