fbpx
تقدير الموقف

استراتيجية الضغط و تقويم أثر العقوبات الدولية فى مسار طهران النووي

اعداد / ايمان أبوزيد مخيمر

تقويم أثر العقوبات الدولية فى مسار طهران النووي
نظرة على تاريخ العقوبات على طهران:
بدأت الدارسة بتسليط الضوء على تاريخ العقوبات على طهران، مشيرة إلى أن حزمة العقوبات التي فرضت أخيرا كانت أكثرها شدة، وشملت العقوبات قطاع النفط والقطاعات المصرفية، هذا في الوقت الذي تصر فيه إيران على أن برنامجها النووي لأغراض سلمية بحتة. وتستغل الولايات المتحدة نفوذها على النظام المالي العالمي لفرض مزيد من العقوبات التعسفية على إيران من جانب واحد، وهذا لعب دوراً أساسيا في إقناع الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات من جانب واحد، لتغيير المساعي الإيرانية نحو برنامجها النووي.
وأما عن موقف الإدارة الأمريكية الحالية من العقوبات على طهران، فقد ذكرت الدراسة تأكيد أوباما أهمية تعاون المجتمع الدولي لفرض العقوبات المشددة على طهران، بالرغم من معارضة روسيا والصين، وتأثيرهما القوى فى مجلس الأمن.

الأهداف الكامنة وراء العقوبات:
تعد العقوبات الأداة السياسية، التي يستخدمها الغرب للضغط على طهران، منذ بدء الأزمة النووية، بدلاً من اللجوء إلى الحلول العسكرية، وقد أصبحت جزءا أساسيا من سياسة واشنطن تجاه طهران منذ عام 2009، ويظل الهدف الأساسي للعقوبات هو تغيير حسابات طهران النووية، وإجبارها على الدخول فى مفاوضات للوصول إلى تسوية سلمية. وأوضحت الدراسة أهدافا عدة للعقوبات، تتلخص فيما يلي:
أولاً: تغيير سياسات إيران تجاه برنامجها النووي، وترى الدول الغربية أن العقوبات هى الأداة الرئيسية لرفع تكلفة تطلعات إيران النووية. وهناك ثلاثة أسباب تكمن وراء ذلك،
واستخدام نظرية اليبرالية الجديدة فى التحليل:
– تدمير الاقتصاد الإيراني، وإلحاق الضرر بالمدنيين الإيرانيين.
– تهديد بقاء النظام الإيراني، ومحاولة دفع المجتمع الإيراني للضغط على الحكومة لتغيير سياساتها، سواء من جانب المدنيين بقيام بالاحتجاجات، أو من جانب أصحاب المصلحة.
– محاولة إضعاف الاقتصاد الإيراني على المستوى المحلى والإقليمي والدولي.

ثانياً: الضغط للرجوع إلى طاولة المفاوضات:
تفترض الدراسة أن استمرار الضغوط على إيران بسبب برنامجها النووي سيغير من مساعيها وسياساتها القائمة للحصول على سلاح نووي، مما سيجبر أصحاب المصلحة في طهران على العودة إلى المفوضات، باعتبارها الطريق الوحيد لإنهاء العقوبات، وكافة أشكال الضغط الأخرى، التي تهدد المصالح الإيرانية على المستويين الداخلي والخارجي
ثالثاً: تأكيد مكانة الدول الغربية، وتعزيز مصداقيتها واستخدام نظرية المثاليه لديموقراطية الحكم
ذكرت الدراسة أن الدافع الأساسي وراء العقوبات هو توفير غطاء سياسي للمسئولين السياسيين، بدلاً من اللجوء إلى الحلول العسكرية. وأوضحت أن العقوبات تعد بالنسبة للمسئولين الأمريكيين الحاليين بمثابة حماية ضد الهجمات السياسية للمحافظين الجدد، الذين يرون أن المفاوضات مع إيران تعد نقطة ضعف في الموقف الأمريكي.
رابعاً: منع قيام الولايات المتحدة وإسرائيل بأي عمل عسكري ضد طهران
تعد العقوبات بديلا للحرب لتأخير مسار البرنامج النووي الإيراني، وإتاحة الوقت لمزيد من الدبلوماسية، وهذا لا يمنع تأكيد إدارة أوباما أن كل الخيارات مطروحة للتفاوض-بما فيها الحرب- لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي.
خامساً: ردع بعض الدول، وتأكيد هيمنة الولايات المتحدة
ذكرت الدراسة أن زيادة الضغط على طهران بفرض عقوبات لم يسبق لها مثيل تهدف لإظهار قوة الولايات المتحدة، وتأكيد الولايات المتحدة لحلفائها وأعدائها في الشرق الأوسط أنها لا تزال فى موقع المسئولية، وإظهار التكاليف الباهظة التي تكبدتها طهران ثمناً لجهودها النووية، الأمر الذي يدفع الدول الي عدم التفكير في امتلاك برامج نووية، أو محاكاة مسار طهران النووي.
رد الفعل الإيراني على العقوبات
ألقت الدراسة الضوء على رد فعل إيران على العقوبات بالإشارة إلى ثلاث نقاط رئيسية، تعزز كل منها الأخرى:
أولاً: تكييف الاقتصاد الإيراني على مواجهة التحديات: فقد أدى تدهور مسار الاقتصاد الإيراني إلى تبنى الحكومة الإيرانية استراتيجية “اقتصاد المقاومة” Economy of resistance، ويظهر ذلك جلياً من خلال أربع طرق أساسية تتمثل فى
– الحفاظ على التوازن التجاري من خلال احتياطيات النقد الأجنبي، والرقابة على الصادرات.
– توفير الاحتياجات الاقتصادية الأساسية للفرد من حصيلة الصادرات النفطية.
– زيادة طاقة التكرير المحلية، واستغلال النفط الخام الزائد محلياً، لتحويل إيران إلى دولة مصدرة لمنتجات التكرير والغاز.
– تحول تجارة المصارف الرسمية إلى الشبكات المالية غير الرسمية، والتعامل بشكل أكبر من خلال إتمام الصفقات عن طريق تجارة المقايضة، ومكاتب الصرف الأجنبية.
ثانياً: زيادة الجهود التي تستهدف المصالح الإسرائيلية والغربية في جميع أنحاء العالم
أظهرت الدراسة تزايد الجهود الإيرانية لمواجهة المصالح الغربية والإسرائيلية على مدى السنوات الأربع الماضية، ولكن جميع هذه الجهود لم تكلل بالنجاح، حيث تزايد دعم طهران لحماس، والإسلام الجهادي. ويتضح ذلك عندما هاجمت إسرائيل غزة في نوفمبر الماضي، فقد أسهمت إيران فى نقل المعدات التكنولوجية لبناء الصواريخ التي اخترقت بعض المدن الإسرائيلية الكبرى لأول مرة. ومن هنا، يبدو أن إيران تستخدم إمكانياتها من خلال عمليات استخباراتية خارج البلاد، ويتبين ذلك أيضاً من خلال المؤامرة، التي أعلن عنها فى عام 2011، لاغتيال السفير السعودي فى واشنطن، فضلاً عن ستة تفجيرات أخرى استهدفت إسرائيل. وأكدت الدراسة تنامي الهجمات الإلكترونية فى الآونة الأخيرة، التي تستهدف كبرى البنوك الأمريكية، وكبرى شركات النفط العالمية والغاز الطبيعي.

ثالثاً: إيجاد حقائق جديدة على أرض الواقع فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني
أنه لا توجد بيانات تشير إلى تباطؤ عمل البرنامج النووي الإيراني على مدى السنوات الأربع الماضية، ولكن على العكس زادت نسبة اليورانيوم المخصب، وأجهزة الطرد المركزي. وأشارت الدراسة إلى تأكيد بعض العناصر داخل الحكومة الإيرانية استمرار إيران فى برنامجها النووي، حيث تسرع إيران فى مواصلة البرنامج، رداً على العقوبات. وتهدف من ذلك إلى إقناع مجلس الأمن بعدم جدوى العقوبات، والإلحاح على الغرب لقبول حق إيران فى تخصيب اليورانيوم، وأخيرا رفع التكلفة لرفض الدول الغربية التخفيف من حدة العقوبات.

تأثير العقوبات فى الاقتصاد الإيراني
تشير التقديرات – كما أوضحت الدراسة – إلى انخفاض عائدات النفط الإيراني بنسبة 50%. وعلى الرغم من اعتراف بعض مسئولي النظام الإيراني بالآثار المدمرة للعقوبات على الاقتصاد، فإنهم وجهوا اللوم على بعض العوامل الأخرى، مثل: سوء الإدارة، وانتشار الفساد في المؤسسات، والقرارات السياسية الضعيفة. ويصور المرشد “على خامنئى” القوى الدولية على أنها قمعية ولا أخلاقية، وتسعى لبقاء إيران دولة تابعة ضمن الدول المتخلفة، وهذا ما يسيطر على خطاب النخبة الحاكمة. وذكرت الدراسة تصريح خامنئى فى خطابه، عام 2007، بأن العقوبات تمثل ضغوطا خارجية لتحريض المعارضة على النظام، والضغط على المسئولين.
وكشفت الدراسة عن إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) أن مسار البرنامج النووي الإيراني لم يتأثر بالعقوبات، فيما اعترف أكثر المشككين فى العقوبات بأن إيران تواجه أزمة اقتصادية هي الأعظم منذ نهاية الحرب العراقية- الإيرانية عام 1988، وأكدوا أن الأزمة التي يمر بها الاقتصاد الإيراني لا تعد العقوبات سببا رئيسيا في حدوثها.
وعلى الرغم من استياء القطاع الخاص بالآثار السلبية للعقوبات، وسياسات الحكومة تجاه القطاع الخاص، فقد اتجهت حملات الضغط – من قبل رجال الأعمال- للحصول على امتيازات لصالحهم، بدلاً من الضغط على مجموعة (5+1) لتقديم تنازلات. وأشارت الدراسة إلى أنه إذا كانت العقوبات سبب المشاكل الاقتصادية الحالية، فإنه يستوجب على أصحاب المصلحة الضغط على الحكومة الإيرانية لتغيير سياساتها، والدخول فى مفاوضات للتسوية.
مكاسب طهران من سياسة العقوبات
على الرغم من أن العقوبات هدفها إلحاق الضرر بالاقتصاد الإيراني، ووقف مساعي إيران النووية، فقد ألمحت الدراسة – بصورة غير مباشرة- إلى استمرار البرنامج النووي الإيراني، وعدم التأثر بالعقوبات، سواء كلياً أو جزئياً، حيث ترى طهران أن تصعيد العقوبات يمثل حافزاً لتطوير برنامجها النووي، والبعد عن مناقشة السياسة الداخلية.
ويرى البعض – كما ذكرت الدراسة – أن عدم رضوخ إيران للضغوط أعطاها مصداقية واحتراما على الساحة الدولية، حيث يرى بعض المسئولين أن إيران أصبحت نموذجاً يحتذى به للبلدان النامية، وهناك استعداد كبير لعدد من البلدان النامية للعمل والتجارة مع إيران. وقد أسهمت العقوبات فى تعزيز التماسك داخل المجتمع الإيراني، بدلاً من تصعيد الخلافات، حيث يرى نجاد أن الهدف الأساسي للعقوبات هو إضعاف النظام الإيراني، ولكنهم فشلوا فى ذلك.

وأوضحت الدراسة أن عملية صنع القرار فى طهران معقدة ومتشابكة، ويعد المرشد أعلى سلطة فى قضايا السياسة الخارجية الإيرانية، ويعتمد فى إصدار قراراته على عدد من المجالس والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية لتقدم له المشورة فى شئون السياسة الخارجية والأمن القومي.

ويعد المجلس الأعلى للأمن القومي (SNSC) من أهم المؤسسات الإيرانية المعنية بمناقشة شئون السياسة الخارجية والأمن القومي، ويسيطر عليه نظرياً الرئيس، ولكن المرشد هو فعلياً من يملك سلطة إصدار القرار. وفيما يتعلق بسلطات المرشد، أشارت الدراسة إلى المادة (110) فى الدستور الإيراني، والتي تُعد المرشد القائد الأعلى للقوات المسلحة، ويملك سلطة إعلان الحرب. ورغم الاقتتال والتنافس على السلطة داخل طهران، فإن جميع المسئولين يجمعهم هدف مشترك، هو بقاء النظام، والحفاظ على مصالح الجمهورية الإسلامية.
وفى حين يرى البعض أن استماع خامنئى إلى نصائح المسئولين يعبر عن مرونة النظام، واختيار القرار الأفضل من بين القرارات المطروحة، أكد آخرون عدم الاستسلام للضغوط الخارجية، حيث تعتمد السياسة الخارجية لطهران على مفهوم “الاستقلال”.
نتائج الدراسة
خلصت الدراسة إلى مجموعة من النتائج التي أجملتها في الآتي
أولا: إن نتائج العقوبات لا تزال مضللة،
مما يعكس عدم وجود جدول زمني لنهاية فرض العقوبات من ناحية. وفى المقابل، يتم الحكم على الجهود الدبلوماسية بشكل يشوبه القسوة
ثانيا: عدم وجود علاقة واضحة بين ما حققته الأهداف المعلنة لسياسة العقوبات
تغيير حسابات إيران النووية- وما حققته على أرض الواقع. ولكن على الرغم من التدهور الذي لحق بالاقتصاد الإيراني منذ عام 2012، فإنها لا تزال مستمرة فى أنشطتها النووية-بزيادة نسبة اليورانيوم المخصب- على قدم وساق.
ثالثا:- افتقار استراتيجية الضغط
–كما أشارت الدراسة- إلى التطور والمرونة لإغراء أصحاب المصلحة. ويبدو أن عدم تقديم وعود مناسبة لتخفيف العقوبات حال دون خلق حافز لدى مجتمع رجال الأعمال للضغط بقوة على تغيير الاستراتيجية النووية للحكومة الإيرانية، وسعوا بدلاً من ذلك للحصول على امتيازات اقتصادية. لذلك، من غير المرجح نجاح سياسة العقوبات، مما قد يؤدى إلى نتائج عكسية. وفى حالة إيران، فإن النهج الحالي سيؤدى لاستمرار حالة العداء مع الغرب، مما يصعب من الوصول إلى حل وسط لحل الأزمة
الفاعلين الدوليين وهم ايران والولايات المتحدة الامريكية, و مجموعة (5+1)
رابعا: من غير المرجح استسلام النظام الإيراني للعقوبات،
فى ظل عدم وجود ضغط من أصحاب المصلحة والنخبة لتغيير السياسات، وعدم عرض تخفيف العقوبات من قبل مجموعة (5+1). ويعد الاستسلام للعقوبات والخضوع للمطالب الغربية أكبر تهديد لبقاء النظام الإيراني أكثر من المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي الختام، ألقت الدراسة الضوء على العوامل التي يمكن أن تغير من سياسات إيران النووية خلال الفترة المقبلة، وتتلخص فى تراجع الحكومات الغربية عن سياساتها الحالية تجاه إيران، وتغير خطابها الحالي الذي يعبر عن رفض تقدم إيران، والتعهد بتخفيف العقوبات المفروضة. وقبول اقترح مجموعة (5+1) لإعادة بناء الثقة بين الجانبين يعد خطوة منطقية. أما رفضه، فيعد تعنتا، وسوء تقدير للموقف، وأخيرا تأكيد قدرة أصحاب المصلحة على تغيير سياسات الحكومة الإيرانية.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق