fbpx
تحليلات

الأحزاب المدنية..إشكالية بناء التحالفات الانتخابية

كتب / حازم عمر

تشهد التحالفات الانتخابية للأحزاب المدنية حالة من الارتباك، بالرغم من تبقى أيام قليلة على البدء فى إجراءات الاستحقاق الأخير من خارطة المستقبل، والتى تحددت وفقا لما أعلنته مؤسسة الرئاسة فى 17 من الشهر الجارى، ولم تتبلور حتى الآن صياغة لتحالف انتخابى يوحد صف الأحزاب المدنية فى الانتخابات البرلمانية.

ورغم الإعلان عن العديد من التحالفات المدنية إلا أنها لا تخرج عن حيز “مشاريع التحالفات”، وقد تشهد تلك التحالفات تغيرات جديدة فى المرحلة القادمة. وإذا كانت أهمية البرلمان القادم من ناحية، وشكل النظام الانتخابى الذى تبنى النظام المختلط وقسم الخريطة الانتخابية إلى أربعة دوائر بنظام القوائم المغلقة المطلقة، هى أهم دوافع الأحزاب المدنية للدخول فى تحالفات، فما هى إشكاليات تلك التحالفات، وما هو السبيل لبناء تحالف مدنى قوى؟

أولاً: شروط بناء التحالفات

الأصل أن الأحزاب السياسية تتنافس فى الانتخابات بصورة مستقلة، وتتوجه نحو تشكيل تحالف عقب الانتخابات لتشكل حكومة فى حالة عدم وجود حزب يحظى بالأغلبية، وهذا ما يحدث فى النظم البرلمانية. أما بالنسبة لتحالفات ما قبل الانتخابات، فهذا نمط من أنماط التحالفات عرفته دول أوروبا الغربية ويعد ظاهرة عامة فى الديمقراطيات الحرة، وهناك حوالى 200 تحالف قد جرى تشكيلها قبل مرحلة الانتخابات فى الفترة ما بين عامى 1964 و2002، ويعرف هذا النمط بالتحالفات الانتخابية، وينشأ هذا التحالف لتعظيم فرص النجاح لمرشحى الأحزاب المنضوية فيه.

ونستند فى هذه الورقة من الناحية النظرية للطرح الذى قدمه بروس تاكمانBruce Tuckman صاحب نظرية بناء فرق العمل، وتبقى لهذه الرؤية وجاهتها وقوتها وفقاً لشكل النظام الانتخابى المحدد، فتصبح التحالفات غير ذات جدوى عند الأخذ بالنظام الفردى، بينما تجد أهميتها عند تبنى النظام المختلط الذى يجمع بين النظام الفردى والقائمة كما هو الحال فى الانتخابات التشريعية المصرية لعام 2014.

ويشير تاكمان إلى أربعة مراحل يجب المرور بها لبناء أو تصميم تحالفات انتخابية أو حزبية، يمكن طرحها على النحو التالى:

المرحلة الأولى، هى مرحلة التشكيل أو التكوين  Forming تلك المرحلة تكون فيها رغبة من الأطراف المجتمعة للدخول فى تحالف، وتتسم بشعور عال من الحماس بين الأطراف، والشعور بأن احتمالات النجاح تفوق الفشل، ويتم التركيز على المصالح المشتركة بينهم وتنحية الخلافات جنباً، كما أن هذه المرحلة لايوجد فيها أي الزام على الأطراف، ويكون هدفها هو توضيح طبيعة التحالف وأهدافه.

المرحلة الثانية، وهى مرحلة العصف Storming تشهد هذه المرحلة تكليفات ومهام للأطراف، كما تتسم بكثرة الجدل والمناقشات المنظمة وغير المنظمة. فى هذه المرحلة قد تزداد الثقة بين أطراف التحالف وفى المقابل قد يزداد الاستقطاب بينهم عند ظهور مصالح وأهداف شخصية، وقد ينهار مشروع التحالف مع استمرار المناورات والتشكيك فى صعوبة تحقيق الهدف، وقد ينتقل المشروع للمرحلة التالية نتيجة نجاح القيادة فى بناء جو من الثقة وإدارة الفريق.

المرحلة الثالثة، هى مرحلة التطبيع والتعاون Norming تتسم هذه المرحلة بالتعاون وإحساس الأطراف بهوية الفريق، وتنعدم حالة الاستقطاب، وتزداد مستويات التحفيز. وفى هذه المرحلة يأخذ التحالف شكلاً تنظيمياً، وتصبح العلاقة بين أعضائة طبيعية ومغلفة بوثائق مكتوبة يتحدد فيها أطراف التحالف والتكاليف المحددة لكل طرف، وتصدر القرارت بالتوافق.

المرحلة الرابعة، هى مرحلة الأداء والعمل الفعلى Performing تأتى هذه المرحلة نتيجة للمرحلة الثالثة حيث تصبح الأدوار مرنة ووظيفية، وتعمل الأطراف كوحدة واحدة، وتطور الأطراف من أدائها لتحقيق الهدف.

ثانياً: مأسسة التحالفات المدنية

بدأت تتشكل ملامح مشاريع تحالفات الأحزاب المدنية عقب إعلان النتيجة الرسمية للانتخابات الرئاسية فى 3 يونيو 2014، كان أولها، هو المشروع الذى دعى إليه السيد عمرو موسى بإعلان صريح، ثم أعقبه مشروع تحالف الوفد المصرى، ثم مشروع التحالف المدنى الديمقراطى، ثم تحالف “الجبهة المصرية” بزعامة الفريق شفيق.

1- مشاريع تحالفات “قوى الإنقاذ”

نقصد بـ “مشاريع التحالفات” تلك المرحلة التى تشهد تشاور بين الأحزاب والقوى السياسية الراغبة فى الدخول فى تحالف وخوض الانتخابات تحت راية واحدة، لكنها لم تصل إلى مرحلة التشكيل النهائى.

ويتناول هذا المحور مشاريع تحالف “قوى الإنقاذ” وهى تلك القوى التى شاركت فى “جبهة الإنقاذ”، التى تأسست فى نوفمبر 2012 عقب الإعلان الدستورى الذى أصدره الرئيس السابق محمد مرسى، ولم تتمكن من الانتهاء من مرحلة التشكيل والتكوين الأولى لبناء التحالف، لتعود مرة ثانية لهذه المرحلة عقب الاجتماع الأخير الذى دعى إليه عمرو موسى فى 8 يوليو 2014.

أ‌.       مشروع تحالف “عمرو موسى” هذا التحالف لم يُعرف له أى مسمى حتى الآن، وشمل فى مرحلة تكوينه المرحلة الأولى حزاب “الوفد” الذي يرأسه الدكتور السيد البدوي، “الحزب المصري الديمقراطي” الذي يرأسه الدكتور محمد أبو الغار، بالإضافة إلى حزب “التجمع” ويرأسه سيد عبد العال، و”حزب المصريين الأحرار” ويرأسه الدكتور أحمد سعيد، بالإضافة إلى حزب “المؤتمر” ويقوم بأعمال الرئيس الربان عمر صميدة، بالإضافة إلى اللواء أحمد جمال الدين، منسق جبهة “مصر بلدي”، واللواء مراد موافي رئيس المخابرات العامة الأسبق، وتكتل القوى الثورية.

استغرقت المرحلة الأولى قرابة شهر وهى فترة غير طبيعية، حيث خرج منها اللواء مراد موافي كشخصية عامة، واللواء أحمد جمال الدين ممثلاً عن حزب مصر بلدى-تحت التأسيس-، فضلاً عن خروج بعض الشخصيات الأخرى.

ب‌.   مشروع “التحالف المدني الديمقراطي”، وضم فى مرحلة التكوين الأولى “التيار الشبعى” بزعامة المرشح غير المحظوظ فى الانتخابات الرئاسية حمدين صباحى، وحزب “الدستور” و”التحالف الشعبى” بقيادة عبد الغفار شكر، بالإضافة إلى حزب “العدل”، وحزب مصر الحرية، وعدد من الناشطين السياسين مثل جورج  إسحق، وأحمد البرعى. وقد أعلن هذا التحالف فى اجتماعه الأخير الذى عقد فى حزب الدستور فى 6 يوليو 2014 أنه لم يسحم موقفه من الدخول فى الانتخابات تحت راية واحدة، وأنها لا تزال تناقش الاقتراح الذى تقدم به هذا التحالف لرئاسة الجمهورية بشأن تعديل قانون الانتخابات، الذى تضمن إجراء الانتخابات بنظام القائمة النسبية على ثلث مقاعد مجلس النواب (180 مقعدًا) وبالنظام الفردي على ثلثي المقاعد (360 مقعدًا). الأمر الذى يؤكد أن الأطراف لم يحددوا طبيعة وهدف مشروع التحالف، ولا يزالوا فى مرحلة التشاور.

ت‌.  مشروع “تحالف الوفد المصري”، الذى تأسس بدعوة من رئيس حزب الوفد عقب خروجه من تحالف عمرو موسى، وضم حزب “الوفد”، و”المصري الديمقراطي الاجتماعي” و”الإصلاح والتنمية” و”المحافظين”، فضلاً عن عدد من النشطاء والإئتلافات الشباية. لم يمر هذا المشروع بأى تطور بعد الإعلان عنه سوى انسحاب بعض الأطراف، فقد أعلن الحزب المصرى الديمقراطى عدم دخوله فى أى تحالفات انتخابية.

سمات هذه المشاريع

إن مشاريع التحالفات سالفة الذكر، هى فى أصلها مشروع واحد، قد سبق لها العمل المشترك فى “جبهة الإنقاذ الوطنى” وقد انفرط عقدها عقب ثورة 30 يونيو. وعادت مرة أخرى مجتمعة لتشكل تحالف انتخابى، فى اجتماع 8 يوليو 2014 بقيادة عمرو موسى.

أن الدوافع الرئيسية وراء عودة تلك القوى مرة أخرى تمثلت فى: ضيق الوقت المحدد لإجراء العملية الانتخابية، وشكل النظام الانتخابى خاصة تقسيم الدوائر المتعلقة بنظام القائمة وضعف هذه القوى وعدم قدرتها خوض الانتخابات بشكل منفرد، ضعف الموارد المالية لبعض الأحزاب المشاركة فى هذا المشروع فكان الخيار أمامها هو الدخول فى تحالف مع بعضها البعض لتجاوز تلك المشكلة.

أن أطراف هذا المشروع تتسم بالتغير فى المواقف من وقت لأخر، حيث تدخل فى تحالف ثم تخرج منه لتدخل فى تحالف أخر، والضعف التنظيمى لأطرافه وغياب الظهير الاجتماعى لها لعدم تمثيلها لمصالح اجتماعية معينة، وغياب الانسجام والاتساق بين قياداته، وضعف ثقافة الائتلاف لدى رموزه.

هذا المشروع لا يزال فى مرحلة التشاور فلم تستقر أطرافه حتى الآن، ولم يحدد اسمه فقد اقترح اجتماع 8 يوليو اسماء له هى: “تحالف الأمة المصرية”، “تحالف المصريين”، “تحالف القوى الديمقراطية”، أنه تم تكليف كل من الدكتور عماد جاد نائب رئيس حزب المصريين الأحرار والدكتور عمرو الشوبكى بإعداد وثيقة لهذا التحالف، كما أن إعداد الوثيقة لايعنى الانتهاء من المرحلة الأولى، فهذه الوثيقة تحتاج إلى اتفاق بين المشاركين، وهذا ما أعلنت عنه بعض الأحزاب المشاركة.

فلا يمكن القول بأن هذا المشروع يشكل الخريطة النهائية لتحالف الأحزاب المدنية، فسيشهد هذا المشروع تفتت وانقسام، خاصة مع إعلان عدد من الأحزاب عدم دخولها فى هذا التحالف رغم مشاركة عددٌ من قيادتها فى الاجتماع الأخير الذى عقد فى 8 يوليو وتكليفهم بمهام لإنجاز مرحلة التكوين والتشكيل.

2- تحالف “ائتلاف الجبهة المصرية”

تأسس تحالف “ائتلاف الجبهة المصرية” فى 28 يونيو 2014، ويضم هذا التحالف حزب “الحركة الوطنية”، و”الشعب الجمهورى”، وحزب “مصر بلدى” – تحت التأسيس -، وتشير وثيقة تحالف “ائتلاف الجبهة المصرية” إلى تشكيل مجلس رئاسى مكون من 6 أعضاء من الأحزاب الثلاثة المؤسسة للائتلاف والموقعة عليه بموجب عضوان لكل حزب، وتشكيل مجموعة من اللجان بقرار من المجلس الرئاسى يحدد اختصاصها وأسلوب العمل بها. فضلاً عن تشكيل لجنة تضم خمسة أعضاء بقرار من المجلس الرئاسى لتتولى كافة شئون الانتخابات البرلمانية واختيار المرشحين على مقاعد الفردية والقوائم.

تكشف هذه الوثيقة أن هذا الائتلاف قد مر بمراحل البناء الطبيعى للتحالف، فدخلت هذه الأحزاب فى تشاورات وهذا ما أكده المستشار يحيى قدرى النائب الأول لرئيس حزب الحركة الوطنية، والمهندس حازم عمر رئيس حزب الشعب الجمهورى، والأستاذ قدرى أبو حسين رئيس حزب مصر بلدى -تحت التأسيس-، وتجاوزت هذه القوى مرحلة الصراعات لتصل إلى المرحلة التطبيع وتجلى ذلك فى خروج وثيقة ائتلاف “الجبهة المصرية” وتوقيع الأحزاب المؤسسة عليها.

سمات ائتلاف الجبهة المصرية

هذا الائتلاف يضم مجموعة الأحزاب المحافظة الداعمة والداعية للاستقرار، ويمكن القول بأن هذا الائتلاف يتسم بوحدة المرجعية السياسية، ويؤكد ذلك تجاوزه مرحلة التحالف الانتخابى ليقترب من مرحلة التحالف السياسى.

ويتمتع هذا الائتلاف برؤية واضحة المعالم وهذا ما أكدته بنود الوثيقة، حيث أشارت إلى أن الائتلاف يعد مظلة لتوحيد المواقف من القضايا الداخلية والخارجية.

أخذ هذا الائتلاف شكلاً مؤسسياً حيث وضعت مجموعة من المعايير والأسس الواضحة والمتفقة عليها لاختيار المرشحين، وتوزيع نصيب كل حزب، والأعباء المالية، من خلال اللجان التى شكلها المجلس الرئاسى لهذا الائتلاف. ويمكن تفسير ذلك بأن كوادر وأعضاء هذه الأحزاب المكونة للائتلاف قُدر لها العمل فى مرحلة سابقة فى بناء تنظيمى محكم ومشفوع بكوادر توافرات لديها خبرات انتخابية وبقدر مضمون من الشعبية.

يتسم هذا الائتلاف بقلة الكيانات المؤسسة له، وهذا أمر يحسب له، لأن التحالفات تصبح فى أقوى أشكالها عندما تكون محدودة العدد، لأن العدد الكبير من الأحزاب يجعل التحالفات تنهار بشكل سريع لصعوبة تحقيق الانسحابات المشتركة بحيث لايتم التنافس بين أعضاء الائتلاف أو التحالف فى دائرة واحدة.

ختماماً: يمكن القول، أنه رغم الزخم المتصاعد للائتلافات والتحالفات الانتخابية، إلا أنه لا يمكن القطع بوجود خريطة نهائية لتحالف الأحزاب المدنية حتى يتم غلق باب الترشح للانتخابات التشريعية لعام 2014.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق