fbpx
الشرق الأوسط

رؤية تحليلية لموقف المملكة العربية السعودية تجاه القضية السورية

اعداد الباحث: أ. يحيى الشهرى

العلاقات بين دمشق والسعودية علاقات قديمة جدا ولو عدنا إليها ومنذ العصر الأموي فنجد بأن الترابط كان قائما ودائمآ كانت الوجهة دمشق منذ ان كانت عاصمة للدولة الإسلامية وكذلك في كافة العصور اللاحقة.
ولو استعرضنا تاريخ سورية الحديث لوجدنا الكثير من الترابط مثلا أول ملك نصب في سورية اتي من الحجاز وكانت دمشق هي المركز وبمثابة القلب للوطن العربي كان تجمع الحجاج الاتين من اقصي البلاد في دمشق يتجمعون وينطلقون مع محمل الحج الشامي بأتجاه مكة.
ودعمت السعودية حكم شكري القوتلي في سورية، وفي عودته الي الحكم مرات عديدة، وساءت العلاقات السعودية السورية في عهد حكم هاشم الاتاسي ولم تكن بالمستوى المطلوب، لتعود من جديد الي عصرها الذهبي مع وصول الرئيس الراحل حافظ الاسد الي الحكم وانفتاحه علي الرياض التي قدمت بدورها دعما ووقفت بجانب سورية في ازمة الثمانينات والحصار الأمريكي لسوريا، عن طريق دعمها لليرة السورية أو شراء احتياطي العملة الصعبة وضخها في دورة الاقتصاد السوري.
تراجعت العلاقات السورية السعودية في عهد الرئيس بشار الاسد وذلك بسبب التوجه السوري ودعم سوريا لجماعات في لبنان وانتقاد السعودية لسياسة سوريا التي ساعدت على تفاقم الوضع في لبنان.
وكذلك من جهة انتقاد السعودية لسورية بسبب دعم (حزب الله) والتحالف السوري الإيراني، حيث قامت المملكة السعودية بدور لم ترضاه دمشق وتفاقمت الازمة بعد مقتل رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري وبسبب تشابك وتقاطع اوراق لمصالح خارجية وعدم الفهم والتحليل الصحيح للأوضاع الدولية والعربية والضغط الخارجي على السعودية من قبل الكونغرس ومؤسسات وهيئات ، ورغم ذلك فأن العلاقات على مستويات شعبية كانت على أفضل حال ولم تتأثر بالشكل التي كانت عليه العلاقات الرسمية.
في منتصف مارس عام 2011 بدأت الثورة السورية بشكل سلمي كانت الأصوات تنادي بالحرية والكرامة , رد عليها النظام بالقسوة والعنف, وسرعان ما انتقلت الاحتجاجات إلى عدة محافظات تصدى لها الجيش بعمليات عسكرية واسعة . البداية مطالب سلمية قوبلت بالجبر والتعسف, خيار الحل الأمني لم يجدي وتولد من العنف عنف مضاد . بدأت سلسلة انشقاقات من الجيش تنحاز إلى الشعب وتشكل مجلس الدفاع عن الأهالي في إطار معارضة مسلحة تحمي الثوار .
في تاريخ 8 اغسطس 2011 وجه الملك عبدالله رحمه الله خطاب تجاه ما يحدث في سوريا ذكر فيه إن “مستقبل سوريا بين خيارين إما الحكمة أو الفوضى وطالب النظام السوري بإيقاف آلة القتل وإراقة الدماء، وتفعيل إصلاحات شاملة”. وأن “المملكة تقف تجاه مسؤوليتها التاريخية نحو أشقائها”.
وفي 18 اغسطس 2011 طالبت أمريكا والاتحاد الأوربي في وقت واحد أن على الرئيس السوري بشار الأسد التنحي على الفور بعد أن “فقد شرعيته بالكامل”.
من هنا بدأت الأزمة تأخذ منحى دولي وازداد المشهد تعقيدا عندما جلب النظام ميلشيات من إيران وحزب الله للقتال إلى جانبه ونتج عن ذالك توفير أرض خصبة لصراع الجماعات الإرهابية .
وفي 24 فبراير 2012 أثناء انعقاد مؤتمر أصدقاء سوريا قال : الأمير سعود الفيصل رحمه الله أن الحل الوحيد لحل الأزمة السورية هو نقل السلطة “طوعاً أو كرهاً”. وعلى هامش المؤتمر خلال لقاءه وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون اعتبر الفيصل أن تسليح المعارضة “فكرة ممتازة ” وأضاف “لأنهم بحاجة إلى توفير الحماية لأنفسهم “.
وفي 1 يونيو 2013 طالبت السعودية دول الاتحاد الأوربي الإسراع بتسليح المعارضة السورية وفي سياق متصل دعا مجلس التعاون الخليجي مجلس الأمن إلى الاجتماع بصورة عاجلة «لفك الحصار عن حمص» ومنع ارتكاب «النظام وحلفائه مجازر وحشية» بحق سكان المدينة التي تتعرض لهجوم يشنه الجيش السوري.
وفي أكثر من مرة تداعت الأزمة إلى أروقة مجلس الأمن وقدمت مشاريع قرارات تدين النظام السوري و تصب في صالح الثوار و لكنها أفشلت جراء استخدام الفيتو الروسي والصيني . وفي 2014 شدد الفيصل أثناء لقاءه نظيره الألماني أن إيران لديها قوات تحارب على الأراضى السورية وأنها “جزء من المشكلة وليست جزءا من الحل “.
وفي مطلع 2015 تولى مقاليد الحكم الملك سلمان وأكدت السعودية على ضرورة إيجاد حل دائم للأزمة السورية . وأعلنت السعودية عن دعم المقاومة المعتدلة بالتعاون مع دول إقليمية ودول عظمى. كما أكدت إن اتفاق جنيف 1 يمثل مدخلا لتحقيق الاستقرار في سوريا.
وتأكيدا على ثبات الموقف قال: وزير الخارجية السعودي عادل الجبير أن الحل السياسي يتمثل في تشكيل مجلس انتقالي يدير أعمال سوريا ويحافظ على مؤسساتها المدنية والعسكرية، ويضع دستورا جديدا ويؤهل البلد إلى انتخابات ولا يشمل الأسد فى المرحلة الانتقالية.
وقال الجبير : أن السعودية تحاول إقناع روسيا، الحليف الأقوى للحكومة السورية، بأهمية أن يكون أي مخرج سياسي لحل الأزمة في سوريا من ضمنه رحيل الأسد.
وفي تاريخ 30 سبتمبر 2015 أعلن سلاح الجوي الروسي تنفيذ ضربات ضد تنظيم” داعش “وسرعان ماذكرت تقارير ميدانية أن المستهدف هو المعارضة المعتدلة و أصدرت حكومات الولايات المتحدة وألمانيا والمملكة المتحدة وفرنسا والسعودية وقطر وتركيا بيانًا أكدوا فيه على سقوط مدنيين جراء الغارات الروسية وعدم استهداف داعش . وقالت الخارجية الأمريكية إن على روسيا أن تكون حذرة في استهداف العمليات.
تتباين التحليلات بشأن دلالات التدخل العسكري الروسي المباشر في سورية ونتائجه، فمنها ما يرجعه إلى صراع خفي روسي إيراني، ومنها ما يفسره، أنه يتعلق بمحاولة روسية الحفاظ على مصالحها، بل يذهب بعضهم إلى أن الوجود الروسي المباشر على الأرض السورية قد يكون مقدمة لتقسيمها.
تنطلق جميع هذه التحليلات من رؤية واحد من عناصر المشهد السوري. لكن، هناك جانب آخر للتدخل الروسي، يجب النظر إليه، فهذا التدخل يأتي في ذروة صراع كبير بين القوى الإقليمية، لتحديد مجالات النفوذ التي يسمح بها السيد الأميركي الذي ما زال ممسكاً بالخطوط المتصارعة كلها.
ومن هنا، يمكن النظر إلى التدخل الروسي باعتباره واحداً من وجوه الخلاف الأميركي السعودي، فهذا التدخل جاء، بشكل أساسي، لسحب أي إمكانية لتفعيل الدور السعودي في سورية.
فالمملكة التي كانت، ولا تزال، تعتبر نفسها صديقة للولايات المتحدة، تلقت ضربة استراتيجية كبيرة، عندما تم التفاهم الأميركي مع إيران على ترتيب بعض ملفات المنطقة، بمعزل عنها، فقد شعرت أنها ليست حليفاً للأميركان، وإن كانت صديقة لهم، بينما وقفت إيران حليفة لأميركا من دون أن تكون صديقة. لعبت هذه الثنائية التي حكمت العلاقة متعددة الأطراف بين الولايات المتحدة وإيران والسعودية دوراً كبيراً في ملفات المنطقة، ولا سيما في الملفين اليمني والعراقي اللذيْن شهدا تبايناً أميركياً سعودياً في سبل الحل وشكله.
حاولت المملكة أن تقول للأميركيين، إنها قادرة على إيجاد أصدقاء آخرين، يمكن الاعتماد عليهم، فتمت دعوة الرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، إلى حضور أعمال قمة مجلس التعاون الخليجي في مايو/أيار من هذا العام، وتوقيع اتفاقيات عسكرية مع فرنسا، كذلك حاولت السعودية التوجه باتجاه روسيا، لتعميق العلاقات معها، في شتى المجالات، ومنها المجال العسكري، لكن نقطة الخلاف الرئيسية بين المملكة وروسيا كانت بشأن الدور الإيراني في المنطقة، ففي الوقت الحالي، ليست روسيا مستعدة لبيع إيران، وبالتالي بشار الأسد، خصوصاً في ظل التقارب الأميركي الإيراني الذي تجد روسيا نفسها فيه مضطرةً للحفاظ على علاقات قوية مع إيران، لموازنة العلاقات الأميركية الإيرانية.
تسعى السعودية لإيجاد حل دائم تجاه الأزمة السورية و أعلنت عن عقد مؤتمر يوحد صفوف المعارضة. كما أن المملكة موقفها ثابت تجاه القضية السورية فهى منذ البداية طالبت برحيل بشار الأسد عن الحكم، وهى لا تجد أى مخرج لحل الأزمة السورية الا برحيل الأسد سواء بالقوة أو بالطرق السلمية.
وتدرك المملكة جيداً أن نفوذ إيران في سورية سيشكل خطراً كبيراً عليها، إذا ما استمر في المستقبل, ولهذا السبب كانت تصريحات مسؤوليها واضحةً لجهة ضرورة رحيل بشار الأسد، بحل سياسي أو عسكري. هذا الموقف، وإن تم التعبير عنه بشكل أكثر حسماً في الآونة الأخيرة، قيل سابقاً بطرق أخرى، فقمة مجلس التعاون الخليجي، في الرياض في مايو/أيار الماضي، كانت واضحة جداً في ما يتعلق بمصير بشار الأسد، فقد دعت إلى عقد مؤتمر للمعارضة، لبحث ترتيبات ما بعد الأسد. لم يعقد المؤتمر لأسباب كثيرة، لكن من الواضح أن الولايات المتحدة لم تكن راضية عن عقده، وفي الوقت نفسه، أحالت النقاش السعودي معها حول مصير بشار الأسد إلى روسيا، حتى لا تظهر أنها تمنع أي آلية تفضي إلى رحيله.
الملاحظ أن القضية السورية أصبحت ساحة لتصفية الحسابات بين القوى المتنافسة فالكل يسعى لتحقيق مصالحة والتأكيد على أنه فاعل رئيسي فى الساحة الدولية بشكل عام، والساحة العربية بشكل خاص.
وأن الولايات المتحدة الأمريكية لم تعد منفردة بتقرير مصير الشرق الأوسط و بالأخص مع تصاعد الدور الروسي . والمحصلة أن بشار ما يزال على رأس السلطة بسبب الدعم من الخارج السوري، وبالتالى فان بشار من الممكن أن يرحل عن السلطة بمجرد تخلى حلفاءه عنه بسبب ضمان استمرار مصالحهم فى سوريا مع حليف أخر، فالقضية ليست فى شخص بشار الأسد ولكن القضيه هى النظام الذى يأتى بعد بشار ويضمن مصالح القوى المتنافسة.
وبالتالى فأن تعسف بشار فى أيجاد حل للازمة السورية هو تعسف غير منطقى، لأن الأزمة الدائرة على الأراضى السورية هى بين أطراف دولية وأقليمية أكثر منها بين معارضة وشعب يرغب فى تنيحة نظام فاسد مستبد عن السلطة من جهة ومن جهة أخرى نظام مستبد يريد البقاء فى السلطة لحماية مصالحه ولو كانت على حساب أن يسيل الدم السورى على الأراضى السورية وارتكاب جرائم تصل لحد الأبادة البشرية لشعب خرج يطالب بالحرية والكرامة الأنسانية والحياة الكريمة.

 

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق