fbpx
الشرق الأوسطتقدير الموقفعاجل

الأحكام السلطانية و السياسات الدينية في الجزائر

اعداد : الباحث محمد الأمين بن عائشة

باحث في العلوم السياسية و العلاقات الدولية. الجزائر.

– المركز الديمقراطي العربي

من المعروف في السياسة أن تولي المناصب السامية و الهامة في الدولة لا يتم بطريقة واضحة و شفافة وإنما يتم عن طريق اللوبيات و أصحاب النفوذ بعد اجتماع يعرف باجتماع الكبار يتم فيه الاتفاق على تقاسم الدولة ، وهذا الاجتماع قد يكون مكوّن من أعضاء من داخل الدولة أو من أطراف أجنبية تتحكم في الدولة وبكل ما فيها.
وهؤلاء الكبار هم الذين يمتلكون الدولة والكل يعتبر نفسه الأقوى و يمتلك الدولة، فالكل يقول أنا الدولة والدولة أنا، وبالتالي وجود دولة داخل دولة، هناك الدولة الرسمية التي يعرفها الجميع وهناك الدولة العميقة أو الدولة الخفية وهي الدولة التي تتحكم وتسير كل شيء فهي تتحكم في السياسة والاقتصاد و الإعلام…، باختصار فهم يتحكمون في البلاد و العباد، وهناك صراع دائم بين الدولة العميقة و الدولة الرسمية يصل إلى درجة افتعال أزمات وطنية محلية من أجل امتلاك الدولة،
فالدولة العميقة التي تتكون كما قلنا من أصحاب المال و النفوذ و اللوبيات المختلفة الداخلية و الخارجية تريد دائما الاستحواذ و الاحتكار في كل الميادين داخل الدولة، الدولة العميقة لديها من القوة ما يمكنها من البقاء والاستمرار بالرغم من الاختلافات الموجودة داخلها من أجل المصالح سواء كانت سياسية أو مالية ولذلك يبدأ كل طرف في تصفية حساباته بكل الطرق.
الخلافة الإسلامية هي نظام الحكم في الشريعة الإسلامية الذي يقوم على استخلاف قائد مسلم على الدولة الإسلامية ليحكمها بالشريعة الإسلامية. وسميت بالخلافة لأن الخليفة هو قائدهم وهو من يخلف محمد رسول الله في الإسلام لتولي قيادة المسلمين والدولة الإسلامية وعليه فإن غاية الخلافة هي تطبيق أحكام الإسلام وتنفيذها، وحمل رسالته إلى العالم بالدعوة والجهاد.
هنالك احزاب علمانية تطالب حالياً بإلغاء الدين في الجزائر. وهي المادة الثانية في دساتير كثير من الدول الاسلامية. حجة هؤلاء بحكم علمانيتهم أن الدين مسألة شخصية ويجب فصله عن الدولة. فتثور ثورة الأغلبية سواء كانت متدينة أم لا. فتتهم الأوائل بمحاولة تغريب البلاد، بأنهم يخدمون المصالح الغربية التي حسب رأيهم همها الوحيد هو ضرب الاسلام كأن الدول الاسلامية تعيش إزدهاراً و رفاهية حسدت عليهما فما تهدأ هادئة لهم إلا بتحطيم ذلك الفردوس.

لو جلس الجميع دقيقة مثل دقيقة التفكير التي كانت تعطى في حصة بين الثانويات “تع عام جدي” لفهموا أن المادة الثانية لا تعني شيئاً. لكن في مواضيع الدين والهوية تغلب العاطفة العقل ويتحكم الشعار الأجوف في المحتوى.
أولاً تلك المادة جزء من الدستور، وما هو الدستور؟ أكان للخلفاء الراشدين دستور؟

هل تقيدت الدول الاسلامية التي تلتهم بشيء يشبه الدستور؟ طبعاً لا. القليل يعلم أن أول دستور كتب في بلد إسلامي كان في تونس أدخله خير الدين باشا أثناء القرن التاسع عشر. وخير الدين باشا مثل الأمير عبد القادر ومحمد علي في مصر من قبل من الذين أفاقوا بعد سبات طويل دام قرون ظانين أن الإسلام لا يزال يسيطر على العالم. . نظرة هؤلاء تكونت قبل الاستعمار الذي جاء من بعد فخلط الأوراق. وقتها كانت البلدان الاسلامية تحت حكم الشرع الإسلامي و مع ذلك انهارت بسهولة مذهلة. وإذ بجيوش جرارة اجتاحت بلدانهم كالطوفان بعد أن تحكمت بالفكر والعلم ليس فقط في ميدان النار والحديد ولكن في جميع المجالات و منها علم السياسة و الحكم ونظام الدولة. و في ظرف سنين سيطرت عليها كلياً فقام الحكام والأمراء بمحاولة بناء دول عصرية على منوال تلك التي اجتاحت أوطانهم بقوة. الموضوع طويل، لكن المهم هو أنهم أرادوا بناء دول حديثة أي نظم إدارية معقدة تحكم فيها قوانين مكتوبة وأولها الدستور القانون الأساسي الذي تقوم عليه الدولة.
إذن حجة التغريب في إلغاء مادة أو أخرى ساقطة لأن وجود دستور أصلاً هو غربي فبحكم هذا المنطق وجب الغائه كلياً .
بعد قرن ونصف سنت البلدان الإسلامية دساتير. وفي كل مرة كتب دستور جائت قضية موضع الإسلام إلى الواجهة. هنا يجب الملاحظة أن هذا الأمر ليس إستثناء إسلامي فالدول الغربية كذلك وجدت نفسها أمام نفس الاشكالية : ما هو مكان الدين في القانون؟ وإن كانت الأجوبة تختلف حسب الدول فإن في معظمها فصلت الدولة عن الدين وإن ذكر الدين فليس إلا كعنصر ثقافي من مكونات المجتمع وليس كمصدر تشريع.
وهنا نصل الى : “الاسلام دين الدولة” في دستور الجزائر. ونتسائل ما معنى ذلك؟ إذا قلت “الاسلام دين فلان” فهذا معناه واضح : هذا الفلان يؤمن بالله ورسوله، يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، يصوم رمضان ويحج إن إستطاع إلى الحج سبيلا… أما الدولة التي هي نظام وليست شخص فكيف تصلي و تصوم ؟ هل معنى ذلك أن مصدر القانون هو الشرع الاسلامي؟ إن كان كذلك فلماذا لا تكتب الجملة واضحة : ” مصدر القانون هو الشرع الاسلامي”. المملكة السعودية تأرجحت طويلاً قبل أن تسن دستوراً وفي النهاية لم تسمه دستور بل “قانون أساسي” وفي المادة الأساسية من هذا القانون الأساسي كتب أن دستور المملكة كتاب الله وسنة رسوله. هذا واضح وضوح الشمس وله تبعات في القوانين، إقامة الحدود على السارق ،الزاني والقاتل والتوابع شتى لا تحصى.
أما عندنا ماذا يدافع عنه من يدافع عن المادة الثانية؟ إنه يدافع عن شعار أجوف. دستور الجزائر علماني أصلاً يكرس الشعب كمصدر لأي سلطة (وإن لم يطبق على أرض الواقع ). فيه دماء شهداء حرب التحرير ومبادئ أول نوفمبر تتنافس في القدسية مع الإسلام. تلك المادة جعلت هناك بدون معنى واضح أو آلية قانونية تعطيها محتوى على أرض الواقع إلا كشعار يوهم من أراد أن يعيش في أوهام. الجزائر دولة يحكم فيها القضاء بإسم الشعب وفقاً لقانون وضعي إلا في مجال الأسرة . أما بالنسبة للسلطة فتلك المادة الجوفاء لها وظيفة سياسية واضحة. بما أن الدولة دينها الاسلام فهي التي تنظم شعائره، تمويل المساجد، تعيين الأئمة، اعطائهم خطب يقرأونها إلخ… أي أن الدولة تحمي نفسها من ترك المساجد إلى أي منافس خصوصاً بعد تجربتها مع الفيس و في نفس الوقت فان بيع الخمور هو مباح في الجزائر تحت تراخيص تصدرها الحكومة فأي إسلام هذا.
التغيير في الجزائر سوف لن يكون عنيفا ودمويا كما كان الحال في العراق ، السودان ، مصر ، تونس و ليبيا ، فالجزائر التي رشحها تقرير الأمم المتحدة لآن تكون دولة محورية في شمال إفريقيا هي ليست مثل باقي الدول العربية، إلا أنها ليست مستثناة من مخطط الموجة الخامسة للديمقراطية , و الشرق الأوسط الكبير الذي يمتد من سواحل كاليفورنيا إلى فلاديفوستوك، لكن المشكل في الجزائر هو ليس لماذا وكيف ومتى سيكون التغيير لكن المشكل هو في من سيقود التغيير ؟.
السيناريو الأول: ديمقراطية على الطريقة الجزائرية:
لنفترض أننا في 2016 وبعد إعلان نتائج الانتخابات وفوز “الأحزاب” ذات المرجعية الإسلامية وفي مقابل ذلك نجد أن “حزب” الجبهة الإسلامية للإنقاذ – المنحل – طالب هو الأخر بمقاعد في البرلمان في مقابل رفض كل من “حزب” جبهة التحرير الوطني و التجمع الوطني الديمقراطي لنتائج الانتخابات مما سيؤدي إلى إعادة الانتخابات ، وهنا تتدخل الولايات المتحدة الأميركية للتحكيم وإقامة النظام، وهنا سيحدث نوع من الغربلة السياسية حيث تكون الولايات المتحدة الأميركية و فرنسا مجبرة على إيجاد توليفة حكومية تجمع بين كل “الأحزاب” الكبرى ويشترط في هذه التوليفة أن تكوم مقبولة من طرف الشعب الجزائري مما سينتج عنه حكومة ديمقراطية على الطريقة الأميركية قائمة على نظام برلماني بريطاني بخصوصية جزائرية.

السيناريو الثاني:

الزوايا الجزائرية تتولى الحكم بعد الانشقاق الذي قام به “حزب” حركة مجتمع السلم سوف يكون هناك اتحاد بينهم وبين السلفيين وبين جماعة الزوايا و الطرق الصوفية باعتبارهم الوحيدين الذين لديهم مرجعية دينية إسلامية ويقدمون أنفسهم للشعب منتهزين فرصة فوز الأحزاب الدينية في مصر و تونس- قبل الإطاحة بهم – ، مما يعني نهاية “حزب” جبهة التحرير الوطني وإلغاء المشروعية الثورية والانتقال إلى المشروعية الدينية، وهنا سوف تدخل الجزائر في مرحلة تاريخية مهمة وهي تولي “الزوايا” الحكم بطريقة رسمية بعدما اكتفت من التمثيل من وراء الستار وبالتالي تتحول من زوايا دينية إلى سياسية تستند على مرجعية دينية إسلامية قائمة على براغماتية سياسية وانفتاح اقتصادي ليبرالي تتخللها تغييرات في إطار الإسلام المعاصر.
السيناريو الثالث:

إصلاحات دستورية يكون هناك تفاهم عل مستوى القمة من خلال ما يعرف في الدراسات السياسية باقتراب الجماعة ، بمعنى وجود تفاهم بين المسؤوليين على طريقة التغيير وقادة هذا التغيير وذلك من أجل تفادي الوقوع في أخطاء الماضي -العشرية السوداء-، بحيث يكون هناك اتفاق وتوافق حول طريقة التغيير و تكريس الممارسة الديمقراطية في الجزائر، بمعنى أن الإصلاحات السياسية هي المفتاح الأساسي و هي العماد الذي يقوم عليه بناء دولة جزائرية قوية و ديمقراطية دون المرور على البوابة الأميركية للتحول الديمقراطي.

السيناريو الرابع :

و هو سيناريو خيالي ، بحيث تحدث صراعات بين أجنحة السلطة في الجزائر أي بين اللوبيات و السياسيين الفاسدين و العسكريين الفاسدين و أصحاب المال الفاسدين و كل الناس الفاسدين في الجزائر و تنتهي هذه الحرب بمقتل كل الفاسدين في الجزائر ، وبعدها يتولى الحكم شخص صالح يخاف من الله تعالى ويسعى لتطبيق تعاليم الشريعة الإسلامية و تطبيق الدين الإسلامي كما كان الحال في وقت الرسول محد صلى الله عليه و سلم. و هذا هو الحل الأمثل في الجزائر بمعنى العودة إلى كتاب الله و سنة رسوله.

جاء الاسلام ليواكب ويتناغم مع كل عصر وينسجم مع كل وقت وليساير ويتشكل ويتلون في المنشط والمكره وفي الحل والترحال حسب الزمان والمكان وهذا ما امتاز به على ما قبله من رسالات لأنه رسالة عالمية خاتمة اتت للناس كآفة ابيضهم واسودهم وضيعهم وشريفهم والكل يجد فيه نفسه دون وحشة او غربة لا رسالة بعده ولا دين يعقبه.

وعالميته وخاتميته تلك تحتم عليه ان يكون هينا لينا يحمل في طياته واحكامه كل الاحتمالات والظروف التي تختلف باختلاف الزمان والمكان والضرورة والحاجة ولذلك كان الاجتهاد وفقه الضرورة والقياس والاجماع.

فجاءت تكاليف الاسلام وواجباته متحركة ليست ساكنة ومتغيرة ليست ثابتة حسب مقتضى الظرف والحال مما جعل تلك الواجبات تتحرك ما بين الواجب والمباح والمكروه والحرام فكل التكاليف تتنقل ما بين هذه المنازل(فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ).

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق