fbpx
الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

قراءة فى مشهد العلاقات السويدية – الإسرائيلية وتداعياتها

كتبت : الباحثة بسمة سعد – المركز الديمقراطي العربي

أثارت وزيرة الخارجية السويدية “مارغوت وولستروم” غضب الحكومة الاسرائيلية عقب إدلائها بتصريحات فسرتها الحكومة الإسرائيلية بإنها تعبر عن إنحيازها ضد الأخيرة.

جاء التصريح الأول:
عقب هجمات باريس الأخيرة الواقعة يوم 13 نوفمبر من هذا العام, فعندما سُئلت “وولستروم” خلال مقابلة تليفزيونية عن قلقها من تطرف شبان فى السويد وقتالهم فى صفوف تنظيم”داعش”, أجابت بأن” لدينا بكل وضوح أسباباً تدعو للقلق ليس هنا فقط في السويد لكن أيضاً حول العالم، لأن هناك أشخاصاً كثيرين يسلكون طريق التطرف”, وأضافت “وهنا نعود إلى مواقف مثل تلك التي في الشرق الأوسط، حيث لا يرى الفلسطينيون على وجه الخصوص أدنى مستقبل لهم، بل يتعين عليهم إما أن يقبلوا وضعاً يائساً أو يلجأوا إلى العنف”, وهو ما دفع المتحدث باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية وصف التصريح بأن” صفيق بشكل مريع” لربط “وولستروم” بين هجمات باريس والصراع الفلسطينى-الإسرائيلي, وأستدعت السفير السويدى لتعبر عن إحتجاجها على هذا التصريح, بينما أكد المتحدث باسم الخارجية السويدية بأن”وولستروم” لم تكن تتحدث عن هجمات باريس عندما علقت على وضع الفلسطينيين وإنما وردت التصريحات فى أجزاء أخري ركزت على العوامل التى تقود للتطرف.

بينما جاء التصريح الثاني:
بخصوص إنتفاضة السكاكين الفلسطينية أثناء جلسة نقاش برلمانية لوزيرة الخارجية السويدية “وولستروم” والتى سُئلت فيها “عن سبب عدم إتخاذها موقف قويًا ومديناً ضد الإسرائيليين”, فأجابت ” أنا أعترض وأدين وغير متفقة مع هجمات السكاكين، أعتقد أن ذلك أمر فظيع، ولإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها لفرض الأمن والطمأنينة بالنسبة لهم، لقد قلت ذلك في مرات عديدة وفي ظروف مختلفة، ردود الفعل غير متناسبة أيضا بالقتل خارج القانون والقضاء” مستشهدة بأرقام الوفيات عند كلا الطرفين العاكسة لحجم الخسائر البشرية الكبيرة لدى الجانب الفلسطينى دون الآخر .
دفعت تلك التصريحات المعنية بقتل الفلسطينيين خارج إطار القانون والقضاء, رئيس الوزراء الاسرائيلي “نتينياهو” لوصفها بأنها”شائنة”, وأضاف مستهزأ ” يبدو أنها تتوقع من المواطنين الإسرائيليين كشف رقابهم أمام من يحاولون طعنهم, هذا لن يحدث وسوف نستمر في حماية أرواح المواطنين الإسرائيليين”, كما أجرى إتصالاً هاتفيًا مع نظيره السويدى ليعبر عن إحتجاجه على تلك التصريحات, وحذرت الحكومة الإسرائيلية من قطيعة دبلوماسية بين البلدين .

كانت تلك التصريحات الجريئة والصارمة من “وولستروم” كافية لتُأكد بأنها شخص غير مرغوب فيه لدى الحكومة الإسرائيلية, وهو ما تبين منذ أن ألغت وزيرة الخارجية السويدية زياراتها لإسرائيل فى 18 يناير2015, عقب إخطارها بضرورة إحضار طاقمها الأمنى لتأمينها, وأن إسرائيل لا تعد تلك الزيارة رسمية, وأن الرئيس ورئيس الوزراء ووزير خارجية الدولة الإسرائيلية لن يكونوا فى إستقبالها, وكانت “وولستروم” تعتزم خلال تلك الزيارة حضور حفل تأبين الدبلوماسى السويدى “راؤول والنبرج “- الذى أنقذ حياة آلاف من اليهود من المحرقة النازية عن طريق تهريبهم من بودابست بجوازات سفر سويدية- كما كانت تأمل فى اغتنام الفرصة لزيارة الأراضى الفلسطينية التى تحكمها السلطة الفلسطينية.
الإعتراف السويدى بالدولة الفلسطينية:
بدأ التوتر فى العلاقات بين البلدين منذ إعلان الحكومة السويدية بقيادة الحزب الإشتراكى الديمقراطى وزعيمه “ستيفان لوفين” الإعتراف الرسمى بالدولة الفلسطينية فى الثلاثين من أكتوبر عام 2014, بعدما إعترفت الجمعية العامة بالأمم المتحدة بفلسطين كدولة مراقب عام2012, فالسويد أول دولة أوروبية كبيرة- ثالث أكبر دولة فى الإتحاد الأوروبى من حيث المساحة- تعترف بدولة فلسطين رسميًا, مما أضفي وزن ملموس لصالح الدولة الفلسطينية.

بناء على هذا, أعلنت “وولستروم” فى 14 ديسمبر2014, رفع مستوى بعثة فلسطين في ستوكهولم إلى درجة السفارة, مشيرة فى الوقت نفسه إلى رغبة السويد لتطوير وتعميق العلاقات مع إسرائيل, وبالفعل فى العاشر من فبراير لعامنا هذا, إفتتح الرئيس الفلسطينى محمود عباس بحضور وزيرة خارجية السويد”وولستروم” السفارة الفلسطينية, كما أعلن رئيس الحكومة السويدية” لوفين”- خلال المؤتمر الصحفى مع الرئيس الفلسطينى- عن تقديم ستوكهولم لمساعدة إضافية لدولة فلسطين بقيمة 1,5 مليار كورون تعادل (159 مليون يورو) حتى عام 2019، شرط أن تخصص هذه المساعدات المالية لمكافحة الفساد وتعزيز حقوق الإنسان والمساواة بين الرجال والنساء.

إتخذت الحكومة السويدية هذا القرار إيمان منها بأن تلك الخطوة تدعم عملية السلام الهادفة لحل النزاع الفلسطينى –الإسرائيلي من خلال حل إقامة الدولتين, ووصفت وزيرة الخارجية السويدية “وولستروم” القرار بأنه “خطوة مهمة تؤكد حق الفلسطينيين في تقرير المصير” كما حثت باقى الدول الأوروبية على الإعتراف بالدولة الفلسطينية مشيرة إلى وجود حركة ناشطة داخل دول الإتحاد الأوروبى للإعتراف بالدولة الفلسطينية, وبالطبع واجة القرار السويدي إنتقاد شديد من قبل الحكومة الإسرائيلية التى قامت بإستدعاء سفيرها من استوكهولم للتشاور حول هذا القرار, وهو رد فعل توقعته الخارجية السويدية.
ووقفت الولايات المتحدة الأمريكية بجانب الحكومة الإسرائيلية -كما عهدنا- بتوجيهها إنتقادات للحكومة السويدية منذ أن أعلن زعيم الحزب الاشتراكى الديمقراطى عزمه الإعتراف بفلسطين كدولة فى خطابه الإفتتاحي للبرلمان, حيث وصفت الولايات المتحدة تلك الخطوة بأنها متسرعة وطالبت السويد التراجع عنها, فكان رد الخارجية السويدية على ذلك المطلب بأن واشنطن لن تحدد وتقرر سياسة السويد الخارجية.

الدولة الأوروبية الأكثر عداء لإسرائيل:
فى أوائل شهر نوفمبر عام2014, صرح مسؤل إسرائيلي-نقلا عن موقع “والا خدشوت” العبري- أن السويد أكثر الدول الأوروبية عداء لإسرائيل, ولا يرجع ذلك للقرارات والسياسات التى إتبعتها الحكومة السويدية ضد إسرائيل فحسب-كما ذكر فى السابق- ولكن يرجع للقرارات التى إتخذتها مؤسسات اقتصادية ومالية بمقاطعة شركات وبنوك إسرائيلية, حيث تم نشر قائمة- من صندوق التقاعد التابع لموظفي القطاع الحكومي في السويد- مكونة من 16 شركة من دول مختلفة يسري عليها قرار المقاطعة لإنتهاكها حقوق الإنسان, من ضمنها شركات إسرائيلية- وفقا لما ذكره المسؤل الإسرائيلي- مثل”بنك بوعليم”، “بنك ليئومي”، “بنك ديسكونت”، شركة”سيلكوم” للاتصالات، وشركة “بيزيك” للاتصالات, حيث جاء قرار المقاطعة- وفقا لما أوضحه صندوق التقاعد- نتيجة لنشاط تلك الشركات فى المستوطنات.

كما قاما صندوقا تقاعد كبيران بالضغط على شركات أجنبية مثل ( ـشركة “واؤوليا” وشركة “ألستوم” الفرنسية) لإلغاء مشاريع في الأراضي المحتلة عام 1967.

فى عام 2015, هل تظل السويد الأكثر عداء لإسرائيل؟
قامت صحيفة” معاريف الإسرائيلية” بإستطلاع رأي, كشفت فيه أن (40%) من الإسرائيليين يروا أن دولة السويد الأقل دعماً وتأييداً لتل أبيب, وأن الدولة الألمانية هى الأكثر دعماً لإسرائيل بنسبة (54%), كما كشف الإستطلاع أن هناك (46%) من الإسرائيليين يفضلوا إنشاء دولة فلسطينية!!! بينما يري (35%) أن تطبيق القانون الإسرائيلي في أراضي الضفة الغربية-أي ضمّ الأراضي الفلسطينية إلى إسرائيل- حل أكثر صحة في ظل الوضع الأمني الحالي.
تبين من هذا الإستطلاع أن رؤية الإسرائيليين بأن دولة السويد الأقل دعم لإسرائيل, تتسق مع السياسة الخارجية الإسرائيلية تجاة دولة السويد, نتيجة لسياسة خارجية الأخيرة المناصرة لحقوق الشعب الفلسطينى.

الإعتراف بدولة فلسطين من قبل البرلمانات الأوروبية:
تحث دولة السويد بشكل مستمر باقى الدول الأوروبية للإعتراف بدولة فلسطين لدعم عملية السلام, كما عكس الإعتراف بالدولة الفلسطينية من قبل دولة السويد نجاح وتفوق الدبلوماسية الفلسطينية فى نقل معاناة الشعب الفلسطينى مما تقوم به حكومة الإحتلال الإسرائيلي من إنتهاكات متمثلة فى قتل وحرق وإعتقال عشوائي بحق الفسطينيين, التى كانت على مرئ ومسمع من المجتمع الدولى خاصة فى حربها على قطاع غزة عامى( 2012, 2014), وهو ما دفع الرئيس الفلسطيني محمود عباس لوصف ما قامت به حكومة الإحتلال فى حربها على غزة 2014 فى خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة فى سبتمبر2014 ب”حرب إبادة”.

كما دفع نجاح الدبلوماسية الفلسطينية, فى ظل إستمرار الممارسات الوحشية للإحتلال الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين, عدد من البرلمانات الأوروبية للإعتراف الرمزي – غير الملزم للحكومة الوطنية- بالدولة الفلسطينية على حدود عام 1967, حيث إعترف البرلمان البريطاني فى 14 أكتوبر2014, والبرلمان الأسباني فى 18 نوفمبر2014, والبرلمان الفرنسي فى 2ديسمبر2014, والبرلمانين الإيرلندي وإقليم والوني البلجيكي-برلمان المجموعة الناطقة باللغة الفرنسية- فى11 ديسمبر 2014, والبرلمان البرتغالي فى12 ديسمبر2014, وبرلمان إقليم بروكسل البلجيكي فى 13 ديسمبر2014 –البرلمان الإقليمي الثاني فى المملكة البلجيكية-, وبرلمانى لكسمبورغ والأوروبي فى 17 ديسمبر2014, وهو ما أثار غضب الحكومة الإسرائيلية بكل تأكيد, بالإضافة لإعلان الفاتيكان فى 13 مايو2015 الإعتراف بدولة فلسطين وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع دولة فلسطين بدلا من منظمة التحرير الفلسطينية, وفى 26 يونيو2015 تم توقيع الإتفاق التاريخي الخاص بوضع الكنيسة الكاثوليكية وأنشطتها في الأراضي الفلسطينية بين كل من سكرتير الفاتيكان للعلاقات بين الدول (وزير الخارجية) الأسقف البريطاني “بول ريتشارد غالاغر” ووزير الخارجية الفلسطيني “رياض المالكي”, وهو ما يُعد إنتصار جديد للدبلوماسية الفلسطينية وإنتكاسه كبيرة لحكومة الإحتلال الإسرائيل نظراً لما تتمتع به دولة الفاتيكان من مكانة مرموقة فى المجتمع الدولي.

تداعيات الإعتراف بدولة فلسطين :
تَقبُل أعضاء المجتمع الدولي, مع الوقت, التعامل مع دولة فلسطين كعضو فى المجتمع الدولي له حقوق مشروعة, يستدعى تدخله لوقف الإنتهاكات الممارسة ضده من قبل الإحتلال الإسرائيلي, كما أن خروج بعض الدول الأوروبية- ذات النظم الديمقراطية- بقرار الإعتراف بدولة فلسطين من حين لآخر, بعدما تم الإعتراف بها كدولة من قبل الأمم المتحدة, يُعد بمثابة شريك مدعم لعودة المفاوضات بين الطرفين بما يضمن حقوق الشعب الفلسطيني فى العيش بسلام فى ظل دولة مستقلة.
عجز الولايات المتحدة الأمريكية عن الوصول لنقطة إتفاق تُجبر الطرف الإسرائيلي على الجلوس أمام طاولة المفاوضات, وهو ما دفع الرئيس الفلسطيني للإعلان عن عدم الإلتزام بالإتفاقيات الموقعة مع إسرائيل-خلال خطابه الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة2015- مما قد يحمل إشارة ضمنية بأن أى مفاوضات قادمة لابد أن تتم تحت مظلة دولية بشروط معينة خلال فترة زمنية, وليس بشئ غريب طالما تم الإعتراف بها كدولة بالأمم المتحدة ورفع علمها كباقي الدول الأعضاء بالأمم المتحدة.
من المتوقع تزايد حدة الممارسات الوحشية المُتبعة من قبل الإحتلال الإسرائيلي تجاة الفلسطينيين, رداً على إعتراف بعض الدول بدولة فلسطين, وخوفاً من شبح وجود دولة فلسطينية تقتل الهدف الإسرائيلي فى السيطرة على أرض فلسطين وإقادمة دولة قومية يهودية.
صحيح توجهت بعض البرلمانات الأوروبية للإعتراف الرمزى-غير المُلزم- بالدولة الفلسطينية إلا إنه عكس مدى وعي وتحرك الرأى العام الأوروبي- المتجسد فى مجالسه النيابية- وإدراكه الكامل للقضية الفلسطينية, كما إنه على المدي البعيد, ربما يُعد الإعتراف الرمزى للبرلمان أداة ضاغطة على الحكومة الوطنية لإتخاذ خطوات سياسية مساندة لحقوق الشعب الفلسطيني.
أما فيما يتعلق بالعلاقات السويدية الإسرائيلية, ستستمر حالة التوتر السائدة بين الحكومتين فى ظل قيادة الحزب الإشتراكي الديمقراطي للحكومة السويدية, طالما مازالت إسرائيل متمسكة بسياساتها العدائية تجاة الشعب الفلسطيني, وغير متوقع أن تتخذ الحكومة الإسرائيلية أى خطوة تضر بالعلاقات الدبلوماسية بين البلدين ممكن أن تدفع باقى الدول الأوروبية لإعادة التفكير أو إتخاذ أى خطوة في صالح القضية الفلسطينية, وما على إسرائيل سوى إنتظار ما تسفر عنه الإنتخابات البرلمانية السويدية القادمة عام 2018 التى تنتهى إما بفوز تحالف اليمين الوسط أو تحالف يسار الوسط (الداعم للقضية الفلسطينية).
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق