fbpx
الشرق الأوسطعاجل

سيناريو “هجمات باريس” حجة الحكومة الفرنسية في استقبال اللاجئون ؟

بحسب بيان للداخلية الفرنسية، فإنّ باريس لم تستقبل، منذ السادس من الشهر الماضي، سوى 19 لاجئا إرتيريا، “في إطار أوّل دفعة تجريبية”، حيث وصل هؤلاء اللاجئون (بينهم سيّدة) إلى منطقة “باي دو لا لوار” الفرنسية قادمين من إيطاليا، ويتمتّعون حاليا بـ “المرافقة الإدارية والإجتماعية”، رغم أنّ باريس كانت تستعدّ لاستقبال 200 لاجئا في نوفمبر/ تشرين الثاني (الماضي)، و300 خلال شهر ديسمبر/ كانون الأول الجاري، و400 في يناير/ كانون الثاني القادم، من بين اللاجئين بكل من اليونان وإيطاليا.

فرنسا التي إلتزمت، على لسان رئيسها، فرانسوا أولاند، في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، باستقبال حصّتها من اللاجئين المقدّر عددهم بـ 30 ألفا، في إطار الخطة الأوروبية لإعادة توطين المهاجرين، لا يبدو أنّها تسير باتّجاه الوفاء بتعهّداتها، خصوصا وأنها لم تستقبل، منذ ذلك الحين، سوى 19 لاجئا.

أعداد ضئيلة لا تمكّن من بلوغ نصيبها المحدّد شهريا من اللاجئين، والبالغ متوسّطا قدره نحو ألف و300 لاجئ، وذلك للإيفاء بتعهّدها باستقبال اللاجئين الـ 30 ألفا في غضون عامين. وعود وإلتزامات تنضح تضاربا مع حيثيات الواقع، وتصنع مفارقة كبرى مقارنة مع بلدان أوروبية أخرى مثل ألمانيا والسويد ممن استقبلت أفواجا غير مسبوقة من اللاجئين خلال العام الجاري. تضارب قد يجد جذوره في العديد من العوامل، أبرزها أنّ فرنسا لم تتلقى، في 2015، سوى من 75 ألف إلى 80 ألف طلب لجوء، مقابل نحو مليون طلب لألمانيا و200 ألف للسويد، بحسب “الديوان الفرنسي لحماية اللاجئين وعديمي الجنسية” (أوفيرا/ حكومي).

كما أنّ هجمات باريس الإرهابية، والتي تعتبر الأكثر دموية في البلاد منذ الحرب العالمية الثانية، كان لها، أيضا، دور محوري في تعثّر استكمال بنود الاتفاق الأوروبي حول تقسيم اللاجئين. فتلك الأحداث الدامية التي اندلعت أسبوعا فقط عقب إقرار المخطط الأوروبي لإعادة توطين اللاجئين، كان من البديهي أن تلقي بظلالها على موقف باريس من القضية برمتها. تغيّر تبلور من خلال تصريح رئيس وزراء فرنسا، بضعة أيام إثر الهجمات، بأنّ أوروبا “لم يعد بإمكانها استيعاب هذا العدد الكبير من اللاجئين”.

ضربة قاصمة بالنسبة لفرنسا، والتي سرعان ما شدّدت من إجراءاتها الأمنية، لتعيد إقرار نظام المراقبة الأمنية على حدودها، معلّقة بذلك العمل بنظام “شنغن” (اتفاق موقّع من طرف بعض البلدان الأوروبية، و ينصّ على حرية التنقل بينها  دون الحصول على جواز سفر)، وفجّرت مخاوف لدى بعض البلدان الأوروبية المعادية لخطّة إعادة توطين اللاجئين، خصوصا عقب تبيّن أنّ أحد منفّذي الهجمات وصل فرنسا إثر تمكّنه من التسلل إلى اليونان ضمن أفواج اللاجئين، لتنقلب، تبعا لذلك، جميع المعطيات، بما في ذلك طبيعة المواقف حيال ملفّ اللاجئين.

ماركوس سودر، وزير المالية بإقليم بافاريا، إحدى الولايات الاتّحادية الـ 16 المكوّنة لجمهورية ألمانيا الاتّحادية، قال، في مقابلة له مع صحيفة “دي فيلت” (أسبوعية ألمانية)، أنّ “عهد الهجرة غير المنضبطة وغير القانونية لا يمكن أن يستمرّ على ما هو عليه، فـ (هجمات) باريس غيّرت كلّ شيء”، في حين شدّد وزير خارجية المجر، بيتر زيجارتو، يومان إثر الأحداث، على ضرورة أن “تغيّر أوروبا موقفها” من اللاجئين.

وعلاوة على الهشاشة التي فرضت نفسها على السياق الاجتماعي والأمني في فرنسا، في استجابة بدت بديهية لإرتدادات الهجمات الإرهابية التي استهدفتها في 13 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، فإنّ ملامح الوضع فقدت مقوّمات الجذب السابقة، وبدا أنّ الكثير من اللاجئين أنفسهم لا يجدون في هذا البلاد الأوروبي وجهة مفضّلة لهم.

ووفقا لمسح أجرته المفوّضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، شمل عيّنة بألف و245 من اللاجئين السوريين، فور وصولهم إلى اليونان، فإنّ 50 % منهم أعربوا عن رغبتهم في التوجّه إلى ألمانيا، و13 % إلى السويد، و5 % إلى هولاندا، و0.4 % فقط قالوا إنهم يودّون طلب اللجوء في فرنسا. خيارات يمكن أن تكون على صلة بجملة من العوامل الإدارية والاقتصادية الأخرى، حيث يعتبر عدد كبير من اللاجئين أنّ الاقتصاد الفرنسي فقد الكثير من ديناميكيته في السنوات الأخيرة، وهذا ما قد يدفعهم إلى توجيه بوصلة خياراتهم نحو بلدان أوروبية أخرى، يرجحون أن أوضاعها الاقتصادية الجيّدة ستيسّر عملية اندماجهم فيها.

المدير العام لـ ” الديوان الفرنسي لحماية اللاجئين وعديمي الجنسية”، باسكال برايس، قال في جلسة استماع أمام لجان القانون بالجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ (غرفتي البرلمان الفرنسي)، إنّ “المسألة في اعتقادي متعلّقة بأنّ ألمانيا هي من تستقطب (اللاجئين) وليس بأن فرنسا هي من لا يفعل ذلك”، مشيرا إلى “وضع سوق التشغيل والتوظيف” في بلاده.

وأضاف بريس أنّ “الديوان في حاجة إلى بذل جهود إضافية لتوفير حماية أفضل (للاجئين) وأن لا يغيب أبدا عن أي حاجة للحماية”.

من جهته، قال فيليب لوكلير، ممثّل المفوضية الأممية لشؤون اللاجئين بفرنسا، في مقابلة مع صحيفة “لوموند” الفرنسية، إنّ “الناس ممّن هم في حاجة إلى الحماية، يدركون أنّ ظروف استقبال طالبي اللجوء في فرنسا، يرثى لها، ويعرفون أيضا أنّ إجراءات الحصول على صفة لاجئ تستغرق وقتا طويلا، يمكن أن يصل إلى عامين أو أكثر، وأنهم يمكن أن لا يحصلوا، خلال هذا الوقت، حتى على مسكن”.

وفي يونيو/ حزيران الماضي، استنكرت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ظروف إقامة المهاجرين في مخيم “كاليه” (بلدة شمال فرنسا)، داعية باريس إلى تقديم “خطة طوارئ” لتحسين ظروف عيش بضعة آلاف من اللاجئين الذين يضمهم المخيم، وممّن يسعون، في معظمهم، إلى الذهاب إلى بريطانيا.

مواقف مختلفة غير أنها تجمع، بطريقة أو بأخرى، على أنّ فرنسا لا تزال أبعد ما تكون عن الإيفاء بتعهّداتها حيال قضية اللاجئين، خصوصا وأنّها لم تمنح اللجوء إلا لـ 28 % من طالبيه في 2014، و31 % مطلع 2015، ما يعني أنها لا تزال متخلّفة عن المعدّل الأوروبي المتّفق عليه بهذا الخصوص بنحو 13 %.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق