fbpx
الشرق الأوسطعاجل

هل تتمكن مصر من تكوين مخزون إستراتيجي من النفط يجنبها ارتفاع أسعاره مستقبلاً ؟!

كتب : يوسف محمد- المركز الديمقراطي العربي
تتزايد إحتياجات مصر من النفط ومشتقاته المختلفة يوماً بعد يوم، وذلك نتيجة تزايد الاستهلاك المحلي مع الزيادة الكبيرة في أعداد السكان؛ حيث بلغ عدد سكان مصر طبقاً لأحدث بيانات صادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء 90 مليون نسمة، وهو ما يشكل ضغطاً كبيراً على الحكومة المصرية في مواجهة الطلب المتزايد على الطاقة .

ويقدر الاستهلاك المحلي من المنتجات البترولية والغاز نحو 72 مليون طن سنوياً، وتستورد مصر ما يقارب40% من احتياجاتها البترولية من الخارج، ووفقاً لخدمات معلومات التجارة العالمية، فقد استوردت مصر حوالي 145 ألف برميل يومياً من المنتجات البترولية عام 2014، وبلغت صاداراتها حوالي 60 ألف برميل يومياً في العام ذاته .

وقد تحولت مصر من دولة مصدرة للنفط إلى مستوردة له حينما بلغ إنتاج مصر من النفط ذروته بحاولي مليون برميل في اليوم عام 1995، وفي الوقت ذاته كان الاستهلاك المحلي يقدر بنصف تلك الكمية المنتجة وهو ما يعني وجود فائض للتصدير، ومنذ ذلك التاريخ بدأ إنتاج مصر من النفط في الإنخفاض واستهلاكه في الارتفاع إلى أن تساوى إنتاجها مع استهلاكها عام 2008 بما يقارب 700 ألف برميل، وفي السنوات اللاحقة أصبح إنتاج مصر من النفط لا يكفي الطلب المحلي فتم اللجوء إلى استيراده لسد حاجة الدولة منه وتعويض النقص في الإنتاج، وخاصة في ظل تزايد إحتياجات السوق المحلية من المواد البترولية .

وقبل الحديث عن إمكانية قيام مصر بتكوين مخزون إستراتيجي من النفط، فإن المخزون الإستراتيجي للنفط عبارة عن كميات هائلة من مخزونات النفط تكفي إحتياجات البلاد المستهلكة له بشكل كبير، أو تلك الدول التي تزيد وارداتها من النفط عن صادراتها، وهذه الكميات تكون كافية لفترة زمنية تترواح بين 60 إلى 90 يوماً وذلك في حالة تعرض إمدادات النفط للإنقطاع لسبب ما، إلا أن هذه الفترة تختلف من دولة إلى آخرى وذلك حسب الكميات التي تستهلك منه في تلك الدولة .

وظهرت فكرة تكوين مخزون إستراتيجي من النفط عالمياً قبل 40عاماً من الآن، حينما حدثت الأزمة العالمية في إمدادات النفط وتناقصه بالأسواق العالمية بشدة مما أدى إلى إرتفاع أسعاره بشكل لم يسبق له مثيل، وذلك بعدما أوقفت الدول العربية النفطية صادراتها إلى الدول الفربية، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية رداً على دعمها لإسرائيل في حربها ضد مصر عام 1973، وبدأت الحكومة الأمريكية في تكوين إحتياطيات ضخمة من النفط عام 1975 حتى تتجنب المشاكل الناجمة عن توقف إمدادات النفط من جانب الدول العربية المصدرة له مرة آخرى لسبب ما من الأسباب، وتمتلك الولايات المتحدة الأمريكية الآن مخزون نفطي يقارب 700 مليون برميل تحت الأرض .

وقد انخفضت أسعار النفط العالمية على مدار الأشهر الماضية؛ حيث كسرت أسعاره حاجز الأربعين دولاراً للبرميل وهو بذلك يقترب من أدنى مستوياته في 11 عاماً، وبذلك فقد هبطت أسعار النفط إلى أقل من النصف حيث بلغ سعر البرميل قبل 18 شهراً 100 دولار، وهذا الإنخفاض يرجع بشكل أساسي إلى تخمة المعروض من النفط في السوق والذي يتجاوز مليوني برميل يومياً، حسب أرقام منظمة أوبك .

وإذا كانت هذه الأحداث تؤدي إلى إنخفاض التكلفة التي تتحملها مصر من إستيراد إحتياجاتها النفطية حالياً أو في السنوات القليلة المقبلة، فإن الأمر يتطلب أن تفكر الحكومة المصرية بطريقة إستراتيجية تحمل رؤية للمستقبل تتمثل في الاستفادة من إنخفاض أسعار النفط العالمية في تكوين مخزون نفطي إستراتيجي يجنبها ارتفاع أسعاره فيما بعد أو نقص إمداداته لسبب ما قد يحدث في أي وقت في ظل الأوضاع السياسية الغير مستقرة في المنطقة العربية .

وهناك مجموعة من العوامل التي تساعد الحكومة المصرية على تكوين مثل تلك الإحتياطيات ومنها إنخفاض أسعر النفط بشكل كبير في الأسواق العالمية، فقد وصل سعر برميل النفط أخيراً إلى 37 دولاراً، وقد اعتمدت الحكومة المصرية في موازنتها لعام 2015/2016 متوسط لسعر البرميل يقدر ب70 دولاراً، بالإضافة إلى أن دعم الحكومة للمواد البترولية في نفس الموازنة يقدر ب61 مليار جنيه، وبالتالي فإن الحكومة المصرية ستستفيد من الفرق بين متوسط سعر برميل النفط اليوم وما وضعته في موازنتها من سعراً له، ويمكن للحكومة أن تعتبر أن سعر برميل النفط لم ينخفض عن ما جاء في موازنتها أي لم ينخفض عن ال70 دلاراً للبرميل وتشتري بالفارق في الأسعار كميات إضافية من النفط تخزنها عند الحاجة إليها فيما بعد، وذلك لأن أسعار النفط وإن استمر تدهورها في الأجل القصير فإنها ستعاود الارتفاع من جديد مستقبلاً وبوتيرة أسرع من السنوات السابقة مما قد يشكل ضغطاً على على الحكومة المصرية وقتها إذا لم تستفد من تلك الفرصة السانحة أمامها الآن، ويتمثل ذلك الضغط في ارتفاع كلفة استيراده فيما بعد مما يؤدي إلى ارتفاع تكلفة المعيشة وخاصة وأن الطاقة بشكل عام تدخل بشكل أساسي ضمن التكلفة النهائية لكافة السلع والخدمات المنتجة .

كذلك من العوامل التي تساعد الحكومة المصرية على تكوين إحتياطي من النفط، ما تم توجيهه من قبل العاهل السعودي الملك “سلمان بن عبد العزيز” بأن يتم توفير كافة إحتياجات مصر من النفط لمدة خمس سنوات مقبلة، وهذا يعني توافر كميات كبيرة من النفط تسد حاجة الطلب المحلي الحالي وفي الأجل القريب وهو ما يسمح للحكومة المصرية للتفكير بشكل إستراتيجي يجعلها لا تفكر في توفير النفط لسد الطلب الاستهلاكي الحالي فقط، بل توفيره بكميات كبيرة يجنبها التعرض لارتفاع الأسعار مستقبلاً .

ولكن هناك مجموعة من العقبات التي تشكل مانعاً لقيام الحكومة بتكوين مثل تلك الإحتياطيات، ومنها صعوبة التعاقد على كميات نفط تزيد عن الحاجة إليها اللآن بسبب وجود مشكلة تمويلية حادة تتمثل في انخفاض الإحتياطي من النقد الأجنبي بشكل كبير؛ حيث هبطت من 36 مليار دولار أميركي قبل يناير 2011 إلى 16.3 مليار دولار في نهاية سبتمبر 2015، وهو ما جعل مصر تتفاوض مع البنك الدولي بشأن حصولها على قرض بقيمة 3 مليارات دولار أميركي .

وكذلك قد يعوق عامل البنية التحتية في مصر قيام الحكومة بتكوين مخزون إستراتيجي؛ حيث يتطلب الأمر لكي تخزن كميات إضافية من النفط أن تمتلك الدولة بنية تحتية قوية لها صفات خاصة لكي تستوعب وتحافظ على هذه الإحتياطيات بشكل آمن, ويمكن التغلب على هذه المعضلة عن طريق ما يسمى بعقود التوريد والتي تسمح بتوريد إحتياجات الدولة على فترات زمنية تتناسب مع طاقة خزانتها الاستيعابية بحيث لا يتم الضغط على الخزانات الموجودة بها .

ويصبح العائق الأكبر للحكومة لتكوين مثل تلك الإحتياطيات، هو إفتقادها للرؤية الاقتصادية التي تعتمد على التخطيط الإستراتيجي لمواجهة ما قد يحمله المستقبل من تغيرات وتقلبات .
وأخيراً، أخشى ألا تمر فرصة انخفاض أسعار النفط العالمية هكذا على مصر دون الاستفادة منها بشكل يجنبها ارتفاع أسعاره فيما بعد .

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق