fbpx
الشرق الأوسطعاجل

تحليل:الاتفاقية النووية تاريخية لكن لم تغير في العلاقات المريرة بين “إيران وأمريكا”

حذرت وزارة الخارجية الإيرانية يوم الاثنين من أن إيران ستتخذ إجراءات ردا على أي انتهاك للاتفاق النووي الذي أبرم هذا العام بعد أن قالت طهران إن قيودا أمريكية جديدة على تأشيرات الدخول تتعارض مع الاتفاق التاريخي.

وبدأت إيران تفرض قيودا على برنامجها النووي بموجب شروط الاتفاق الذي أبرم في 14 ‭‭‬‬يوليو تموز مع القوى العالمية الست وبينها الولايات المتحدة. وعندما تكتمل القيود سترفع العقوبات الدولية المفروضة على طهران.

لكن عقودا من انعدام الثقة بين طهران وواشنطن لا تزال قائمة ويتبادل الطرفان الاتهامات بتقويض الاتفاق المعروف باسم خطة التحرك المشتركة الشاملة.

في تحليل نشرته مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية،قالت روبين رايت، باحثة  في معهد الولايات المتحدة للسلام، وفي مركز “وودرو ويلسون” الدولي للباحثين، ربما كانت الاتفاقية النووية تاريخية، لكنها لم تُحدث انقلاباً في العلاقات المريرة بين واشنطن وطهران.

وأوضحت الباحثة أنه خلال العام الحالي برهنت إيران على أن التغيير شيء معقد، مشيرةً أنه على مدى قرابة الجيلين (على امتداد ست رئاسات أمريكية)، ظلت العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران بالغة التوتر.

وحذّر زعيم الثورة، آية الله روح الله الخميني، من “التسمم الغربي”، أو الإصابة بعدوى الثقافة والأفكار السياسية الأجنبيين، وفي عام 1979، أشاد الخميني بالطلاب الإيرانيين الذي استولوا على السفارة الأمريكية في طهران (على نحو فاجأ أولئك الطلاب مما أطال أمد الأزمة)، بعد أن وافقت واشنطن على استقبال الشاه المريض على أرضها، وأعلن الخميني وقتها قائلاً إن “أمريكا هي الشيطان الأكبر، الأفعى الجريحة”، وهو الوصف الذي لازمها منذ ذلك الحين.

كانت المفاوضات النهائية لإطلاق سراح الدبلوماسيين الاثنين والخمسين المحتجزين من المشقة والعناء، لدرجة أن الوفدين الأمريكي والإيراني لم يرغبا في اللقاء في بلد واحد ناهيك عن غرفة واحدة.

ولفتت الباحثة روبن رايت، مؤلفة كتاب “هُز القصبة: الغضب والتمرد عبر العالم الإسلامي” Rock the Casbah: Rage and Rebellion Across the Islamic World، إلى أنه يحلو للولايات المتحدة أن تدعي الفضل في إجبار إيران على الجلوس إلى مائدة المفاوضات في ظل أقسى العقوبات الدولية التي سبق أن فُرضت على أي بلد على الإطلاق، مستدركةً بقولها: غير أن هناك عوامل أخرى كثيرة تقاطعت لتتمخض عن الظروف المفضية إلى دبلوماسية حقيقية، كانت تلك مسيرة شاقة وطويلة نحو التعاون، وهي مسيرة بعيدة كل البعد عن التمام، فالتغيير يمكن أن يكون تغييراً دون أن يكون نقطة تحوّل.

ووفقاً للباحث، فقد حدث تبدّل المواقف في إيران، إلى حد ما، نتيجة المسار الطبيعي للثورات، حيث تخبو حتماً فورة الانفعال الأولى، وتتغير الأولويات، ويفتر الحماس، على حد قول المؤرخ كرين برينتن، الأستاذ بجامعة هارفارد، في كتابه المعنون “تشريح الثورة” The Anatomy of Revolution، فالحركة الأصلية تتفتت متحولة إلى فصائل لا تعود تنطق بصوت واحد ولا ترى بعين واحدة، وتبرز التنافسات على ما سيكون عليه شكل المستقبل ومن ستكون له السيطرة عليه، وليست الجمهورية الإسلامية استثناءً من هذا السيناريو.

وأكدت الباحثة أن الصعوبات الاقتصادية كانت عاملاً مهماً في عملية صنع القرار في إيران، لكن طهران تتحمل من وزر هذه الصعوبات أكبر مما تتحمله العقوبات الأمريكية، فأثناء المدتين اللتين قضاهما الرئيس محمود أحمدي نجاد في سدة الحكم، دخل إلى الخزانة الإيرانية حوالي نصف جميع الإيرادات البترولية التي دخلت إليها منذ اكتشاف النفط تحت ترابها في عام 1908، ومع ذلك فإن حكومته بددتها بسياساتها المالية غير المسؤولة، وسوء الإدارة، والإسراف، والمشاريع العامة الفاشلة، والفساد، فانخفض الريال الإيراني إلى نصف قيمته، وتجاوز معدل التضخم 40 في المائة، مع ادعاء البعض ارتفاعه إلى حد 60 في المائة.

وفي عام 2013، فاز حسن روحاني في سباق رئاسي تنافس فيه ستة مرشحين بوعده بإصلاح الاقتصاد وإنهاء النزاع النووي، وبعد توليه منصبه بفترة وجيزة، اعترف على شاشة التلفزيون الإيراني بأن الخزانة العامة شبه خاوية، فلم تتمخض العقوبات إلا عن زيادة علل طهران، وفي غضون شهرين من تولي روحاني منصبه، اعتنق سبيل الدبلوماسية، وقضى 15 دقيقة على الهاتف مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما.

وأوضحت الباحثة أن الولايات المتحدة كانت هي الأخرى مدفوعة باعتبارات سياسة الواقع، فظهور داعش عرض استثمار أمريكا على مدى ثماني سنوات في العراق للخطر، وتمخض عن تهديد جديد، للمنطقة وللداخل الأمريكي، أشد خطراً من شبكة القاعدة، كما فضح الربيع العربي ضعف الحكومات العربية الاثنتين والعشرين أو هشاشتها، بما فيها حلفاء أساسيون لأمريكا، دون تقديم بدائل قابلة للاستمرار، وبالمقارنة بهذه الدول بدت إيران أكثر استقراراً.

وأشارت الباحثة إلى أن إيران كانت دوماً عاملاً معتبراً بالنسبة أمريكا في إطار تلمّس الحلول للصراعات الإقليمية، ففي العراق، وجد المستشارون الأمريكيون والإيرانيون، الذين كانوا يستهدفون بعضهم البعض في يوم من الأيام، أنفسهم فجأة يقفون في صف جانب واحد، وفي الوقت نفسه لم يكن خوض حرب ضد إيران بسبب برنامجها النووي بالتحرك الذي يتمتع بالجاذبية أو الشعبية، وبمنطق الأرقام، كان اتباع مسار دبلوماسي مع إيران الخيار الأقل تكلفة والأهون شرّاً.

وقالت الباحثة: “ربما تكون الاتفاقية النووية تاريخية، لكننا لم نبلغ بعد لحظة التغيير الساطعة، فمشاعر الريبة بين البلدين ما زالت قوية وعميقة”، إذ حرص المرشد الأعلى علي خامنئي منذ 14 يوليو(تموز) على إطلاق عبارات لاذعة مناهضة لأمريكا على حسابه على تويتر وفي المناسبات التي ظهر فيها علانية، حيث قال في خطاب له في أغسطس(آب): “لن نسمح بتغلغل الأمريكيين الاقتصادي في إيران، ولا بنفوذهم السياسي، ولا بوجودهم السياسي، ولا بتأثيرهم الثقافي. سنتصدى لهم بكل الوسائل ولن نسمح بذلك”.

وفي مناسبة الذكرى السنوية لاحتلال السفارة الأمريكية في نوفمبر(تشرين الثاني)، أصدر أكثر من 190 نائباً في البرلمان الإيراني بياناً قالوا فيه: “إن ايران أمة الشهداء ليست مستعدة إطلاقاً للتخلي عن شعار “الموت لأمريكا”، بحجة إبرام الاتفاق النووي”، وما زالت الجمهورية الإسلامية تحتجز أربعة أمريكيين من أصل إيراني (مراسل لصحيفة الواشنطن بوست، وواعظ مسيحي، وجندي سابق بمشاة البحرية الأمريكية، ورجل أعمال)، على خلفية اتهامات ملفقة أو دون توجيه أي اتهامات على الإطلاق، وهؤلاء والرهائن سواء.

وفي وقت سابق هذا الشهر وافق الكونجرس الأمريكي على قانون يفرض قيودا على حقوق السفر دون تأشيرات دخول للأشخاص الذين زاروا إيران أو يحملون الجنسية الإيرانية مع جنسية أخرى في تحرك وصفته وزارة الخارجية الإيرانية بأنه انتهاك للاتفاق.

ووصف الإجراء الذي ينطبق على مواطني الدول الثمانية والثلاثين ومعظمها أوروبية التي أبرمت اتفاق إعفاء من تأشيرة الدخول للولايات المتحدة بأنه تحرك لمكافحة الإرهاب يستهدف أيضا العراق وسوريا والسودان.

وقال المتحدث باسم‭‭‬‬ وزارة الخارجية الإيرانية حسين جابري أنصاري خلال مؤتمر صحفي بثه التلفزيون عندما سئل عن القانون الأمريكي “أي خطوات تتخذ خارج إطار الاتفاق غير مقبولة لإيران وإيران ستتخذ خطوات خاصة بها للرد حينما تقتضي الضرورة.”

وذكر أن لجنة كلفت بالإشراف على الاتفاق ستكون مسؤولة عن إعداد الرد الإيراني على أي انتهاكات. وقال المفاوض النووي الإيراني عباس عراقجي الذي يقود اللجنة إن قانون تأشيرات الدخول يتعارض مع الاتفاق.

وانتقدت دول الاتحاد الأوروبي قانون تأشيرات الدخول الذي ووفق عليه بعد سلسلة من الهجمات التي نفذها إسلاميون من مواطني الدول الغربية بعد أن تطرفت أفكارهم في الخارج. ويقول مسؤولون أمريكيون إن القانون يشمل إيران لأن واشنطن تصنفها دولة “راعية للإرهاب” إلى جانب سوريا والسودان.

وتقول طهران إنه لا صلة لها بالهجمات التي وقعت في الآونة الأخيرة وإنها تحارب تنظيم الدولة الإسلامية الملهم لهذه الهجمات. ويختبر الحرس الثوري الإيراني المتشدد أيضا حدود الاتفاق ولا سيما عندما أطلق صاروخا باليستيا يستطيع أن يحمل رأسا نوويا في انتهاك لقرار من مجلس الأمن الدولي.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق