fbpx
الشرق الأوسطتقدير الموقفعاجل

عجز الموازنة العامة في العراق وطرق تمويله

اعداد : همام عبدالله علي السليم – المركز الديمقراطي العربي

تعيش البشرية اليوم في عالم متغير سريع التطور في المجالات كافة، تسعى فيه دول العالم للأخذ بأسباب التقدم عن طريق الاستفادة من امكانياتها ومواردها المتاحة، وتعد الموازنة العامة للدولة بمثابة الاداة التي تعكس استراتيجيتها في الافادة من مواردها المحدودة واستخدامها الاستخدام الأمثل؛ إذ تبين الموازنة الحكومية المركز المالي للدولة وقوته، ومن هنا فإننا نتسأل ما المقصود بالموازنة العامة وماهي اهميتها ؟ وما هو توازن الموازنة واختلالها؟ وما المقصود بعجر الموازنة العامة؟ ومت هي مؤشرات العجز في العراق ؟

مفهوم الموازنة واهميتها:
ليس من السهل تحديد مفهوم واحد للموازنة الحكومية، إذ وضعت مفاهيم عديدة قلما اتفق واحداً منها مع الأخر، ويقصد بالموازنة الحكومية بأنها [خطة تتضمن تقديرا لنفقات الدولة وإيراداتها خلال مدة زمنية قادمة عادة تكون سنة واحدة]، وهناك من يعرفها بأنها [ حساب تقديري ومفصل لجميع نفقات الدولة وإيراداتها ، والمحتمل تحقيقها خلال سنة مالية قادمة ، ويكون هذا التقرير معتمداً من قبل السلطة التشريعية صادراً بقانون من الحكومة) ويمكننا تعريفها بأنها: تخمين للإيرادات العامة المتوقع تحصيلها وتقدير للانفاق العام المتوقع صرفه خلال سنة مالية معينة.
وتتأتى اهمية الموازنة العامة من خلال الاتي:
1- انها اداة سياسية؛ لأن الحكومة تترجم سياساتها عن طريق الاعتمادات التي تدرجها في الموازنة من ايرادات ونفقات، فمن خلالها يتضح ما اذا كانت الحكومة الى الاقلال من التفوت في توزيع الدخول والثروات أو زيادة التسلح او الاقلال منه.
2- انها اداة اقتصادية تساعد على اجراء التحاليل الاقتصادية وبالتالي رسم السياسات الاقتصادية.
3- انها اداة رقابية للسلطة التشريعية على التصرفات المالية للسلطة التنفيذية.
4- انها وثيقة تعبر عن اهداف الدولة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتبين دور الدولة في التأثير على تلك الانشطة.
5- اخيراً فهي عمل قانوني واداري في الوقت ذاته .

توازن الموازنة واختلالها:
ذكرنا سابقاً إن الموازنة العامة تبين المركز المالي للدولة وقوته، إلا أنها لاتبقى على حالة واحدة ، فقد تظهر حالة التوازن أو الاختلال في جانبيها ( النفقات العامة والإيرادات العامة )، إذ يكون الاختلال أما بصورة فائض أو بصورة عجز ، ولكن تركيزنا سينصب هنا على حالة العجز؛ لأنه الحالة الاكثر حدوثاً في العراق.
ويقصد بتوازن الموازنة الحكومية بأنه (تساوي النفقات العامة مع الإيرادات العامة) ، كما يقصد به ( توازن الإيرادات العامة مع النفقات العامة في جداول الموازنة العامة للدولة)، ويعبر هذان المفهومان عن مفهوم التوازن بشكل عام .

لايزال الجدل قائما بين المتخصصين في علم المالية العامة في أراءهم حول التوازن والاختلال اللذان يحدثان في الموازنة الحكومية ، إذ يعتقد الكلاسيكيون أن توازن الموازنة امرأ لابد من تحقيقه في كافة الظروف والأحوال ، وعدم إحداث اختلال في الموازنة، في حين يرى انصار المدرسة الحديثة (الكينزيون) إن حدوث الاختلال (الفائض أو العجز ) امرأ لا يحمل بين طياته أي خطورة بل على العكس قد يكون السبيل للخروج من الأزمة الحاصلة في الاقتصاد.
مفهوم عجز الموازنة الحكومية

يمكننا القول أن عجز الموازنة الحكومية يحصل عندما تنفق الحكومة أكثر مما تحصل عليه ، وحجم العجز عادة هو قضية سياسية واقتصادية مهمة ، لذا يقصد بالعجز (هو الزيادة في مجموع إنفاق الحكومة على الإيرادات الحكومية)، كما يقصد بالعجز (هو مقدار ما تنفقه الحكومة كل سنة بما يفوق ما تفرضه من ضرائب ورسوم وإيرادات تحصل عليها) .

قد يختلف بعض الاقتصاديين في تحديد الأسباب المؤدية إلى حدوث عجز في الموازنة الحكومية، ولكن من أبرز أسباب عجز الموازنة الحكومية، هي تزايد النفقات العامة وانخفاض الإيرادات العامة.

و هنالك أشكال كثيرة لعجز الموازنة الحكومية منها: العجر المقصود (المنظم)، والعجز الهيكلي، والعجز المتراكم، والعجز المؤقت، وغيرها، وما يهمنا هنا هو العجز الهيكلي الذي يحدث إذا لم تغطِ الإيرادات العامة بصورة مستمرة النفقات العامة ، ويعود هذا الوضع إلى زيادة الإنفاق الحكومي بمعدل يزيد عن القدرة المالية للاقتصاد وتحمله للأعباء ، ويشير إلى وجود خلل في هيكل الاقتصاد القومي نفسه بحيث يصعب حل هذا العجز إذا تم الاستعانة بالوسائل المالية فقط. وهذا هو الواقع المالي المعاش في العراق خلال السنوات المالية الاخيرة؛ إذ إن الحكومة العراقية تنفق اكثر من الايرادات العامة الواردة من مبيعات النفط كون الاقتصاد العراقي ريعي يعتمد على النفط بالدرجة الاساس.

ومن خلال دراستنا لموازنات العراق العامة للسنوات ( 2010 – 2015) تبين أن الموازنة العامة خلال هذه السنوات كانت تصدر بعجز مالي واضح وذلك بسبب زيادة النفقات على الايرادات العامة ويمكننا ان نبين مقدار العجز في الجدول ادناه:

ايرادات ونفقات الموازنة العامة في العراق للمدة 2010 – 2014
السنة المالية الايرادات النفقات الفائض أو العجز
2010 70.178.223 70.134.201 44.022
2011 80934790500 96662766700 15727976200
2012 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 14796032150
2013 119296663096 138424608000 19127944904
2014
(لم تقر) 139640628585 163416518003 23775889418

ومن الجدول اعلاه يتضح لنا ان موازنات العراق للسنوات السابقة تؤشر عجز مالي هيكلي متفاوت بنسبه وهو ما يوحي بوجود خلل هيكلي في الاقتصاد العراقي علماً ان نسبة العجز لسنة 2014 قد ارتفعت عن هذه الرقم بسبب حالت الحرب التي يخوضها العراق منذ منتصف العام فضلاً عن انخفاض اسعار النفط وانخفاض حجم الصادرات النفطية العراق، ويرجح ان تشهد موازنة عام 2015 عجز تصل نسبته إلى 30 % للأسباب ذاتها .

وسائل التخفيف من حدة العجز الهيكلي:
ووفقاً لخبراء الاقتصاد بالإمكان التخفيف من حدة العجز الهيكلي من خلال وسيلتين هما :-
الوسيلة الأولى:- تخفيض النفقات العامة
ويعني تخفيض معدل الزيادة في الانفاق الحكومي ، على إن لايتم ذلك بطريقة عشوائية، فكما هو معروف ، أن إنتاجية النفقات العامة تختلف حسب طبيعة النفقة، منها عديمة الإنتاجية ، وقليلة الإنتاجية ، وعالية الإنتاجية ، وبناءً عليه ، يتم التركيز على نفقات الإنتاجية العالية بما يتوافق مع السياسة الاقتصادية والمالية ، وخصوصاً نفقات المسؤولين ومخصصاتهم وموازنات الرئاسات الثلاث المهولة والدرجات الخاصة ممن هم بدرجة وكيل وزير أو مدير عام، فقد بينت موازنة عام 2013 المنشورة في جريدة الوقائع العراقية العدد 4272 ان عدد وكلاء الوزراء ومن هم بدرجة وكيل وزير بلغ 716 في حين تجاوز عدد من هم بدرجة مدير عام اكثر من 5000 شخص وهؤلاء يكلفون الموازنة نفات رواتبهم وسكنهم وحماياتهم ونثريتهم وايفاداتهم ونقلهم وسياراتهم وصيانتها ووقودها ومخصصات الضيافة لمكاتبهم ومجموع هذه المخصصات يتجاوز رواتبهم بنسبة الضعف، ويعد هذا مؤشر على وجود خلل بنيوي في مؤسسات الدولة وترهلها ومن الضرورة بمكان تقليص هذه الاعداد وضغط نفقاتهم من اجل بناء الدولة على اسس علمية.

الوسيلة الثانية :- زيادة الإيرادات العامة
تعتبر هذه الوسيلة النتيجة الحتمية للنتائج الناشئة من تخفيض النفقات العامة (الوسيلة الأولى ) ، حيث يترتب على زيادة إنتاجية الإنفاق الحكومي زيادة الدخل القومي ،وبالتالي زيادة في الجزء المقتطع من الدخل لتغطية الانفاق العام الذي قد يكون اقل إنتاجية –أحيانا – من الانفاق الخاص .بسبب الخلل في التنظيم ، وتدني مستوى الوسائل الفنية عن مستوى التقدم العلمي والتكنولوجي ؛ لذا يقتضي الامر تخفيض الضرائب لوضع جزء كبير من الدخل القومي تحت تصرف القطاع الخاص ليكون عاملاً تشجيعياً ، بشرط عدم إلحاق الضرر بالمصلحة العامة، والتركيز على الجواب المدرة للدخل للحكومة وزيادة ايرادات الدولة غير النفطية مثلاً من عقارات الدولة ورسوم الدوائر الخدمية وتعزيز ايراداتها وجبايتها.

طرق تمويل العجز المالي:
عندما تواجه دولةً ما عجزاً في الموازنة، قد يتطلب الأمر اللجوء إلى تغطية العجز، فيكون أمام الدولة عدة طرق لتمويل العجز المالي وكما يأتي :-
1- الاقتراض من الداخل ، فعليها أن تلجأ إلى الجمهور (القطاع غير المصرفي) وذلك بطرح السندات الحكومية للاكتتاب في سوق الأوراق المالية المحلية مع سعر فائدة مرتفع ، وقد يؤدي هذا إلى حصول تزاحم مالي ، مابين القطاعين الحكومي والخاص على الأموال المعدة لإقراض القطاع الخاص ، ونتيجة لحدوث أثر التزاحم المالي وعدم كفاية الأموال المعدة للإقراض لكلا القطاعين، تلجأ الدولة إلى الأقتراض من القطاع المصرفي ، أي المصارف التجارية والبنك المركزي لتمويل عجز الموازنة من خلال الاحتياطات النقدية الفائضة لدى المصارف ، والإصدار النقدي الجديد عن طريق البنك المركزي.
2- وإلى جانب مصادر التمويل المحلية تقوم الدولة بالاقتراض من الخارج عن طريق التمويل الخارجي الذي يأخذ نوعين ، التمويل الخارجي المباشر ويتضمن المنح والمساعدات التي تتلقاها الدولة ، وكذلك القروض الدولية ، أما النوع الآخر هو التمويل الخارجي غير المباشر وذلك بطرح الحكومة لسنداتها في سوق الأوراق المالية الدولية من خلال التطورات والتعديلات التي حصلت، كالاندماج والتحرر المالي والتدفقات المالية التي ساعدت الدول على الأخذ بهذهِ الطريقة وخاصة الدول المتقدمة.
3- ولا يتوقف تمويل عجز الموازنة الحكومية على التمويل الداخلي والخارجي فحسب ، بل قد تلجأ بعض الدول إلى بيع ملكية القطاع العام للقطاع الخاص ، وخاصة المشاريع العامة التي تعاني من تدهور الإنتاج وقلته ، ونقل الملكية إلى ملكية خاصة لتغطية عجز الموازنة والآثار الاقتصادية التي ستنجم عن هذهِ الطريقة التمويلية .

ويمكننا القول بأن العراق سيضطر لتمويل عجزه المالي باتباع الكل السبل الكفيلة بذلك واهمها طرح جزء من السندات الحكومية للاكتتاب المصرفي وهذا ما صرحت به وزارة المالية بالقول انها ستطرح اسهم بقيمة ملياري دولار بسعر فائدة مرتفع لتمويل عجز الموازنة، كما انه سيتبع وسيلة الاقتراض من الخارج أي من البنك وصندوق النقد الدوليين وغيرهما وطلب المنح من الدول المانحةـ كما ان الحكومة العراقية بدأت بالتوجه نحو الخصخصة من خلال تحويل شركات وزارة الصناعة الخاسرة للاستثمار من اجل منح القطاع الخاص دور اكبر لتغطية عجز الموازنة المرتقب و المخيف .

توصيات لزيادة الايرادات وخفض النفقاتÖ
1- تقليل حرق الغاز المصاحب لاستخراج النفط واستثماره.
2- استخدام الغاز المحلي في انتاج الكهرباء بدلاً من الغاز المستورد.
3- اعادة هيكلة الشركات العامة في وزارة الصناعة والمعادن ومنحها للاستثمار.
4- ايقاف صرف الرواتب التقاعدية لاعضاء مجلس الحكم المنحل والجمعية الوطنية ومجالس النواب والمحافظات السابقة والوزراء السابقين والوكلاء والمستشارين والدرجات الخاصة.
5- ايقاف الايفادات إلى خارج البلاد من قبل مؤسسات الدولة .
6- استثمار السياحة الدينية ورفع تأشيرة الدخول لعراق إلى 90 دولار على اقل تقدير.
7- ايقاف او تقليل عقد المؤتمرات والندوات في اغلب مؤسسات الدولة كونها تنفق الملايين دون جدوى.
8- إعادة تأهيل منشأة التصنيع العسكري ودعمها لإنتاج ما يمكن ان يدعم المنتوج الوطني من المستلزمات العسكرية .
9- تشريع قوانين لدعم المستثمر الاجنبي وحمايته.
10- دعم المنتج الوطني وتشجيعه للمنافسة.
11- استيفاء اجور الكهرباء والماء من المواطنين لدعم ايرادات الموازنة.
12- انشاء شركة اتصالات حكومية منافسة للشركات الأهلية.
13- فرض غرامات حقيقية على شركات الاتصالات وعدم تحميلها للمواطنين.

فهل ستتمكن الحكومة العراقية من الخروج من هذا المأزق والعبور بالاقتصاد العراقي إلى بر الأمان وهل ستكون موازنة عام 2016 تقشفية وموضوعية ــ على أن لا تضر بذوي الدخل ــ في ظل المعطيات الراهنة من ارتفاع نفقات الجانب العسكري وانخفاض اسعار النفط وتدني نسب الانتاج والتصدير ؟؟

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق