fbpx
الشرق الأوسطتقدير الموقفعاجل

تداعيات ما بعد فيينا “دايتون سوري والبحث عن بيجوفيتش”

اعداد الباحث : سقراط العلو – باحث سوري – المركز الديمقراطي العربي
شكلت اجتماعات فيينا نقطة حاسمة في مجرى الأحداث التي تعيشها المنطقة، وليس فقط على مستوى الملف السوري وإن كان هو عنوانها الكبير، لذا فإن أي استشراف لمرحلة ما بعد فيينا لابد وأن يقف مطولاً عند مرحلة ما قبل انعقاد تلك الاجتماعات ودراسة شكل الاجتماعات والمشاركين فيها.
ما قبل فيينا (الخيارات العسكرية):

تبدأ مرحلة ما قبل فيينا بتدويل الثورة السورية ودخول الأطراف الإقليمية من مدخل العسكرة الذي أفقد السوريين عموماً معارضة ونظام زمام المبادرة، وفاقم من حدة الصراع العسكري وفتح الباب أمام الجهاديين والمليشيات الشيعية للدخول على خط هذا الصراع، الأمر الذي حول الثورة السورية إلى أزمة دولية عنوانها العريض كارثة إنسانية تتمثل بمئات الآلاف من القتلى ومئات المدن المدمرة وملايين النازحين إلى دول الجوار السوري ومن ثم إلى القارة العجوز. إضافة إلى استفحال خطر التنظيمات الإرهابية وبخاصة داعش الذي بات يسيطر على مساحة واسعة من الأرض في سورية والعراق وموارد مالية ضخمة، وما فاقم تلك الأزمة هو عدم إمكانية حصرها ضمن الحدود السورية فقط وامتداد آثارها إلى الدول المجاورة (لاجئين – إرهاب) وفتح جبهات جديدة للصراع العسكري والسياسي في المنطقة لكسب نقاط داعمة لكل من أطراف الأزمة الإقليميين في عملية الصراع على سورية في لبنان واليمن وليبيا، والتي باتت تشكل سلة من المشكلات يرتبط حلها بحل الأزمة السورية. لذلك يبدو أن الأطراف المعنية مباشرة بالأزمة السورية والإقليمية منها خصوصاً إيران والمحور الثلاثي (السعودية وقطر وتركيا) وبعد استنفاذ خيارات الحرب بالوكالة باتت أمام خيارين : إما الحرب المباشرة وهو خيار غير مسموح به دولياً، أو اليأس من إمكانية انتصار أحد الأطراف على الآخر والتوصل إلى تفاهمات حول الملفات العالقة وفق صيغ تقارب مصالح جميع الأطراف وهو أهون الشرين

مرحلة فيينا:
شكل اجتماع فيينا الموسع تسليماً إقليمياً بالرؤية الدولية المعلنة منذ بداية الأزمة السورية حول عدم وجود إمكانية للحسم العسكري وأن الحل لابد أن يكون سياسياً، ومع عجز الأطراف الإقليمية – كونها أطراف مباشرة في الصراع- عن إيجاد صيغة حل توافقي، كان لابد من الإذعان والعودة إلى الصيغة الدولية المتمثلة في قرارات جنيف 1، لذا شكل اجتماع فيينا الموسع في 14 تشرين الثاني فرصة حقيقية لحلحلت الملفات العالقة في المنطقة وعلى رأسها الملف السوري، ومقدمة تمهد لحل سياسي شامل لتلك الملفات، حيث قدمت الأطراف المجتمعة تنازلات كان من المستحيل الحديث عنها قبل فيينا، فبالنسبة للسعودية فإن قبولها للجلوس مع إيران على طاولة مفاوضات حول الملف السوري كان يعد ضرباً من الخيال وكذلك تنازل إيران وروسيا عن التمسك بشرعية الأسد والقبول بمرجعية جنيف 1 .

بالإضافة للحضور المصري في المفاوضات والذي يمثل تمهيداً لتعويم نظام السيسي دولياً وبداية لمصالحة مصرية مع قطر وتركيا فاجتماع الأطراف الثلاثة على طاولة واحدة يمثل تقدماً هاماً وإنجازاً يحسب لاجتماع فيينا .

ما بعد فيينا:
إن ما قدم من تنازلات لعقد اجتماع جنيف الموسع وما نتج عنه من بيان ختامي يعلن بداية مرحلة جديدة في العلاقات الإقليمية تقوم على إدارة تشاركية للملفات العالقة في المنطقة عبر تفاهمات بين الأطراف الفاعلة فيها وهي (إيران، السعودية، تركيا، قطر، مصر ) تضمن مصالح كل تلك الأطراف، والابتعاد عن الإدارة بالتناحر التي عقدت تلك الملفات، وهذا ما يتطلب تحول الدول الإقليمية وبخاصة السعودية وإيران وتركيا في تعاطيها مع الملفات العالقة من دور الداعم لطرف من أطراف الصراع إلى دور الراعي والضامن لذلك الطرف وبمعنى آخر اتخاذ مواقف أكثر موضوعية وحيادية، وهذا ما تدل عليه البنود التسعة التي رشحت من الاجتماع والتي أولت الأهمية للملف الإنساني وإنهاء الحرب عبر عملية سياسية يقودها السوريون أنفسهم وبرعاية دولية وتحديد الجهد العسكري الإقليمي والدولي في إطار مكافحة الإرهاب وهو ما تم التأكيد عليه في أكثر من مناسبة بعد اجتماع جنيف وخصوصاً بعد العمليات الإرهابية في فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية.

تلك التفاهمات التي تم التوصل إليها في فيينا كانت بحاجة إلى اختبارات للثقة والجدية بين الأطراف الإقليمية وخصوصاً بين السعودية وإيران من جهة وبين قطر والسعودية ومصر من جهة أخرى وهو ما ميز الأحداث والاجتماعات الدولية التي أعقبت فيينا، ولعل أهمها:
1- بروز الروس كضامن للنظام الروسي على الأرض في أي اتفاق ومفاوض بالنيابة عنه في المحافل الدولية، والإذعان الإيراني لذلك والمتمثل في قرارها بدء سحب ميليشيات الحرس الثوري من سورية، ثم قيام الروس بحل مليشيا الدفاع الوطني وضمها في تشكيل عسكري نظامي جديد (الفيلق الرابع).
2- تسليم قيادة المحور الثلاثي (السعودية، قطر، تركيا) للسعودية التي تولت مسؤولية توحيد المعارضة السورية والفصائل العسكرية في مؤتمر الرياض، وتشكيل وفد مفاوض يمثل المعارضة بكل أطيافها .
3- اضطلاع الأردن بمهمة تصنيف المليشيات الإرهابية في سورية، وهو سلاح فعال بيد المحور الثلاثي لتهديد الفصائل التي لا تنضوي تحت الراية الموحدة للمعارضة السورية .
4- تحريك ملف الفراغ الدستوري في لبنان، وطرح اسم سليمان فرنجية كمرشح توافقي بين السعودية وإيران .
5- توصل أطراف النزاع الليبي إلى اتفاق الصخيرات في المغرب والذي يؤكد على تقارب قطري تركي مصري ويمهد لمصالحة قد تكون قريبة .
6- وقف إطلاق النار واجتماع الأطراف اليمنية في سويسرا على طاولة المفاوضات، وإجبار إيران للحوثيين على العودة إلى طاولة المفاوضات بعد انسحابهم كمبادرة حسن نية من الإيرانيين اتجاه السعودية، ورفع الملف اليمني لمجلس الأمن الدولي لغضفاء الشرعية الدولية على أي اتفاق .
7- دعم مقررات فيينا من مجموعة أصدقاء الشعب السوري في اجتماعات باريس، والتأكيد على تركيز الجهود العسكرية لمكافحة الإرهاب والحل السياسي كخيار للأزمة السورية .
8- تشكيل السعودية لتحالف عسكري إسلامي يضم خمسة وثلاثون دولة، كقوات جاهزة للتدخل لحرب الإرهاب في المنطقة، تماهياً مع الأولوية الدولية في حرب الإرهاب.
9- ترجمة كل تلك النقاط السابقة إلى قرار دولي بالإجماع تمثل في قرار مجلس الأمن 2254 والذي أكد على تبني مخرجات فيينا وعلى اعتبار جنيف 1 مرجعية للحل السياسي والذي تم ربطه ببرنامج زمني للتنفيذ .

القرار2254:
كنتيجة للتوافقات المبدئية الدولية والإقليمية أقدم مجلس الأمن بتاريخ 18 كانون الأول على إصدار القرار 2254 حول الأزمة السورية، والذي مثل تصوراً عاماً لتسوية سياسية تتضمن خارطة للطريق مصحوبة بجدول زمني محدد.
هذا القرار لا يعتبر جديداً، فعادة تمثل تلك القرارات عملية دولية مقصودة لحل الأزمات وفق مصالح الدول الكبرى وليس وفق متطلبات العدالة والقانون الدولي، لذا فإن القرار جاء مستنداً إلى نتائج الأزمة السورية وليس أسبابها، فقد انحاز في شكل واضح إلى وجهة النظر التي ترى في الإرهاب الدولي، والذي تمثل الأزمة السورية الآن أحد أهم معامل تفريخه، الأولوية الأكثر أهمية في الوقت الحاضر، من منطلق أنه يهدد شعوب العالم قاطبة وليس الشعب السوري وحده، وتجاوز الجدل البيزنطي المتمثل في الروايتين السورية المعارضة منها والتي تعتبر سبب الأزمة هو نظام مستبد يقتل شعبة في سبيل الاستمرار بالسلطة ولا يمكن لأي حل أن يستقيم دون رحيل هذا النظام مسبقاً، ورواية النظام التي تعتبر أن الأزمة هي نتاج جماعات إرهابية، لكنه في المقابل لم يغفل تطلعات الشعب السوري الذي اعترف القرار بحقه في النضال من أجل إقامة نظام يعبر عن كل السوريين.

رد الفعل السوري:
بالنسبة للسوريين (معارضة ونظام) لا يعد حياد القرار مناسباً، وهذا ما تدل عليه مواقف الطرفين، الأمر الذي يجعل تطبيق القرار أمراً ليس سهلاً ويتطلب جهوداً جبارة من الأطراف الداعمة.

موقف النظام:
فبالنسبة للنظام يمكن اعتبار رفض رئيسه لوفد التفاوض المعارض واعتبارهم إرهابيين يعبر عن مزاج النظام بشكل أصدق من تصريحات مندوب سورية لدى الأمم المتحدة التي رحب فيها بالقرار في إطار دعاية إعلامية لتأكيد وجهة النظر القائلة بأن القرار في صالح النظام، وذلك كون هذا النظام يضع كافة فصائل المعارضة في سلة الإرهاب ولا يعترف بوجود معارضة معتدلة أساساً يجلس معها على طاولة المفاوضات، فكيف يمكن له أن يقبل بها كشريك لإدارة المرحلة الانتقالية.

المعارضة السورية:
لا يقل موقف المعارضة تصلباً عن مواقف النظام وهذا ما بدى في تصريحات العديد من أعضاء الهيئة السياسية للائتلاف السوري الرافضة للقرار، والمستندة إلى موقف الائتلاف المبدئي في ضرورة تنحي الأسد كمقدمة لبداية العملية الانتقالية، كون بقائه كشريك فيها يمكن أن يضفي عليه الشرعية ويتيح له الفرصة لتوظيف الحرب على الإرهاب لالتقاط أنفاسه واستعادة مواقع نفوذه، وإطالة المرحلة الانتقالية إلى ما لا نهاية .

بناءً على تلك المواقف يظهر سيناريوهان مستقبليان للوضع السوري:

الأول: أن يبقى الطرفان على موقفهما المتصلبان اتجاه بعضهما، فلا يبقى أما مجلس الأمن بد من فرض القرار 2254 وفقاً للفصل السابع واستخدام عقوبات صارمة قد تصل إلى استخدام القوة العسكرية ضد الطرف المعرقل لتنفيذ القرار، هذا الخيار وإن بدا بعيداً في ظل المعطيات الدولية والإقليمية الحالية، إلا أنه لا يبدو مستحيلاً في ظل الأولوية الدولية في مكافحة الإرهاب وبالنظر إلى نتائج عرقلة قرار مجلس الأمن والتي ستتيح للجماعات الإرهابية كسب المزيد من الوقت، وهذا السيناريو ليس بصالح المعارضة السورية على الخصوص كون كسب الوقت أيضاً في هذا السيناريو سيشمل نظام الأسد، وذلك على حساب أرواح السوريين واستمرار معاناتهم وتفاقم حجم الكارثة الإنسانية بما فيها أزمة اللجوء نحو أوروبا، الأمر الذي سيشكل ضغطاً جديد باتجاه فرض القرار 2254 تحت الفصل السابع، وهذا ما سيفتح الباب أمام النظام لاستغلال تصلب موقف المعارضة اتجاه قرار مجلس الأمن لإظهارها بمظهر المعرقل، وتقديم نفسه كشريك وحيد للمجتمع الدولي في الحرب على الإرهاب وحل الأزمة السورية .

الثاني: أن تأخذ المعارضة السورية هذا الإجماع الإقليمي الدولي حول القرار 2254 على محمل الجد وتعي خطورة المرحلة القادمة والتي لا تتطلب تصلباً في المواقف وأحكاماً مسبقة، بل تحتاج إلى إظهار المرونة في المواقف وحنكة وذكاء سياسي يقوم على القبول بالقرار الأممي كما هو ومحاولة حرفه باتجاه المعارضة السورية عبر ما ترك فيه من ثغرات وهوامش للمناورة، والمتمثلة في آليات تمكين الشعب السوري من اختيار حاكمه في نهاية المرحلة الانتقالية، والتي يجب أن تكون على رأس الأولويات التفاوضية لوفد المعارضة، وليس بقاء الأسد أو عدمه في المرحلة الانتقالية.
فالثبات على المواقف يجب أن يكون في مسألة تفكيك النظام عبر إعادة هيكلة المؤسسات التي يقوم عليها، وهي المؤسسات ( الأمنية والعسكرية ) بضمانات دولية وتحت رعاية الأمم المتحدة خلال الفترة الانتقالية.

ومحاولة استثمار هذا الموقف بالشكل الأمثل وعدم تقديمه بالمجان فتمسك المعارضة بضرورة وقف القصف الهمجي لطيران النظام والطيران الروسي على المدنيين، وملف المعتقلين كمبادرة حسن نية من قبل النظام للدخول في التفاوض، وتجميد قرار المشاركة في المفاوضات حتى تحقيق هذين الشرطين، والتي تشكل ثمناً مرضياً للمرونة التي ستبديها المعارضة اتجاه قرار مجلس الأمن، ومطلباً مشروعاً بالنسبة للمجتمع الدولي قابلاً للدعم بل والفرض على الجانب الروسي .

من المؤكد أن صيغة الحل الدولية التي تم التوافق عليها ورسم ملامحها في اجتماع فيينا، ليست عادلة ولا تلبي تطلعات الشعب السوري، ولكن تلك هي سُنة السياسة الدولية، والتي تستنتج من أحداث سابقة شهدها العالم قد تكون نماذج مصغرة فيما تحمله من مأساة يقاسيها السوريون، ولعل أكثرها رسوخاً في الذاكرة حرب البوسنة في تسعينات القرن الماضي حيث قتل ربع مليون مسلم معظمهم من الأطفال والنساء والعجائز، وشرد أكثر من مليوني شخص، وارتكبت فيها أبشع مذابح القرن العشرين على الإطلاق بشهادة وكالات الأنباء الغربية التي أكدت أن ما حدث على سبيل المثال في مدينة سربينيتشا المسلمة لم يكن له مثيل في العصر الحديث، إضافة لذلك سحقت الحرب 475 قرية، وألحقت الدمار بـ 61 مدينة من بينها العاصمة سراييفو، وذلك على مدار ثلاثة أعوام وقف العالم خلالها متفرجاً ثم جاء باتفاق يساوي الضحية والجلاد، والأدهى من ذلك احتاجت محاكمة رادوفان كراديتش 14 عاماً، وهو مجرم الحرب المسؤول عن المذابح التي حصلت بحق المسلمين، فدائماً ما تكون القرارات الدولية مبنية على قاعدة إنقاذ ما يمكن إنقاذه بغض النظر عن طبيعة الصراع أو المسؤول عنه، ولعل خيار الزعيم البوسني علي عزت بيجوفيتش هو الأفضل والأكثر اتساقاً مع مفهوم السياسة على اعتبارها “فن الممكن” في مواجهة إرادة دولية قاهرة، حين علل قبوله باتفاق دايتون بأن ” اتفاق غير منصف خير من استمرار الحرب”.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق