الشرق الأوسطعاجل

السعودية وإعادة التوازن للسياسة الخارجية الامريكية

بقلم : عمر النداوي

تحتاج الولايات المتحدة إلى عقيدة جديدة للشرق الأوسط. ويجب أن تقر هذه الاستراتيجية بأن بعض حلفاء الولايات المتحدة في العالم الإسلامي، خصوصًا المملكة العربية السعودية، لم تعد قوى تساهم في الاستقرار. على الولايات المتحدة أن تطالب بتغييرات قابلة للإثبات فيما يتعلق بالوعظ الديني المدعوم من قبل الدولة، إذا ما أرادت التخفيف من خطر التهديدات المتزايدة التي يطرحها الإرهاب الدولي.

إن حربي العراق وسوريا والاعتداءات الأخيرة في أوروبا وتوسع النشاط الإسلامي المسلح في أفريقيا تشير كلها إلى ثغرات متزايدة في السياسة الأمريكية من ناحية الفكرة والرؤية السائدتين حول محاربة التطرف العنيف في المجتمعات المسلمة. في كل مرة يستهدف المسلحون مدينة غربية أو يفرضون سيطرتهم في أماكن أخرى، تسارع الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون إلى تكثيف الضربات الجوية وتوجيه نداءات لعقد تسويات سياسية للحروب الأهلية. إلا أن هذه الحكومات لا تواجه قط حلفاءها في العالم الإسلامي الذين ساهموا في تأجيج نيران الجهاد ضمن المجتمعات المسلمة. بالمقابل، يقوم الرد الأكثر فعالية من حيث التكلفة على التهديدات الإرهابية طويلة الأمد على وضع حد لسياسة المملكة العربية السعودية التي تروج للإسلام التكفيري السلفي.

لطالما استخدمت حكومات الدول المسلمة الدين للدفاع عن شرعيتها وتحويل الأنظار عن المشاكل الاجتماعية والاقتصادية وتحاشي الغضب تجاه “الآخرين” المنتمين إلى ثقافات أخرى، كالصليبيين أو اليهود أو أي “كفار” آخرين معنيين، بما فيهم المسلمون من المذاهب الأخرى. تشكل المملكة العربية السعودية نموذجًا أصليًا لهذه الدينامية في العصر الحديث نتيجة التحالف التأسيسي فيها بين الحاكم ورجل الدين. وفي عدة دول سنية استبدادية، مثل الإمارات العربية المتحدة، يُعتبر خطباء المساجد موظفين حكوميين يتلقون توجيهات أسبوعية حول مواضيع خطاباتهم الدينية وفحواها. ويمكن للحكومات أن تتحكم بمدى حصول الخطباء على فترات البث الإعلامي وبالشخصيات التي يُسمح لها بالخطابة في أكبر مسجد في الدولة. تمارس هذه الحكومات سيطرة محكمة على مؤسساتها الدينية، وإذا أرادت، يمكنها أن تستخدم هذه القنوات ذاتها لتعديل رسالتها.

يطرح الاتحاد بين بيت آل سعود والوهابية تحديًا مختلفًا بالكامل. يستخدم اليوم خطباء المساجد والمجنِدون الدعوة ذاتها إلى الجهاد التي قام السعوديون بنشرها وتمويلها لمحاربة السوفيات في أفغانستان، وذلك للدعوة إلى الانضمام للثوار السوريين ضد نظام الأسد. ولكن فروع تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” (“داعش”) وتنظيم “القاعدة” تستخدم الرسالة ذاتها، ليس فقط ضد الأسد والحكومة العراقية وإيران وروسيا، ولكن أيضًا ضد السوريين أو العراقيين العاديين أو أي مجتمع آخر يقف في طريقها.

لا تستطيع المملكة العربية السعودية التحكم بمسار أيديولوجيتها الجهادية إلا إذا أوقفت الوعظ بها بالكامل. فمتى نادى أحدهم بوجوب “محاربة المرتدين” أو “الدفاع عن الإسلام” في إحدى الدول، يكون بذلك قد سمح للآخرين بالبدء في شن الجهاد الهجومي في نيويورك أو باريس أو موسكو أو حتى في مكة. ولا تملك الحكومة السعودية آلية لوقف هذا التحريف للرسالة.

في القرن العشرين، خدرت تهديدات الشيوعية والحكام القوميين حساسيات الولايات المتحدة تجاه دعم الرياض للأيديولوجيات المتطرفة، بما أن هذا الفكر الديني شكّل رادعًا أمام هذه القوى الأخرى الأكثر تهديدًا. ولكن اليوم فقد زالت هذه التهديدات السابقة، وحل مكانها خطر المتطرفين الدينيين. إلا أن سياسة الولايات المتحدة لم تتكيف مع هذا التغيير.

عندما برز الإسلام السني المتطرف كتهديد أساسي عام 1998 من خلال الهجمات التي شنها تنظيم “القاعدة” على السفارات الأمريكية، حاول الرد الأمريكي أن يحتوي الخطر كأفراد وجماعات. وتجنبت الإدارة الأمريكية توجيه أصابع الاتهام إلى المملكة العربية السعودية أو الإقرار بالسياسات الأمريكية السابقة التي سعت إلى دعم القوى الجهادية ضد السوفيات. وكان المعتقد السائد بأن اليدين مكبلتان. ومع أن خمسة عشر من أصل تسعة عشر منفذًا لاعتداءات 11 أيلول/سبتمبر كانوا سعوديين، ما زال هناك رغبة بتجنب التشكيك بالسياسات السعودية، على الأرجح تجنبًا لإعاقة أسواق النفط أو لإضعاف دول الخليج تجاه العراق وإيران. ولكن البيئة الاستراتيجية قد تغيرت بشكل ملحوظ منذ التسعينات. فالعراق ما زال بالكاد متماسكاً داخل حدوده في حربه ضد تنظيم “داعش “، ولا تستطيع إيران أن تشكل تهديدًا تقليديًا خطيرًا بالنسبة إلى جيرانها المدججين بأسلحة ذات تكنولوجيا متطورة مقدمة من قبل الغرب. كما تغير مشهد الطاقة العالمي أيضًا. لم نعد نعيش في عالم يقع رهينة نقص الطاقة المفاجئ و مغامرات المقاطعة النفطية.

نظرًا لهذه الاعتبارات القديمة، لم يتم أبدًا التصدي للمحركات الفعلية وراء انتشار الأيديولوجيا الجهادية.

يمكن التأثير على سلوك الحكومات التي تدفع لخطباء المساجد للتحكم بالخطاب الديني والاجتماعي. من الضروري تطويع آليات الدعوة المدعومة من قبل الدولة مثل الوهابية، وهي العقيدة المتزمتة التي تعود لـ 270 سنة والتي ساعدت بن سعود على بناء دولة، إلا أنها خرجت عن السيطرة مذاك.

لا يغفل العالم عن الكراهية والأصولية اللتين تعلّمهما المملكة العربية السعودية لأبنائها، أو قد نشرتهما، إلى جانب دول الخليج الأخرى، في أماكن أخرى. إن الروايات التي تنشرها المملكة العربية السعودية للمحافظة على الاستقرار المحلي وتعزيز مصالحها تدفع الشرق الأوسط إلى التفكك وقد خلقت مجنَدين جاهزين يستغلهم تنظيم “الدولة الإسلامية”, أو ما قد يخلفه من التهديدات, في كل مجتمع مسلم.

تستمر دول الخليج في اعتبار الدعم الأمريكي من المسلّمات، وقد يعتبر البعض أن ذلك مبرر. ففي النهاية، قليلون هم الذين يتطوعون لإفساد تحالف يعود لأيام روزفلت ويسمح للجيش الأمريكي بالوصول إلى قواعد ذات مواقع استراتيجية في الخليج العربي ويعود بفائدة على الاقتصاد الأمريكي من خلال عمليات بيع الأسلحة الهائلة للمملكة العربية السعودية.

أما واشنطن فتعتبر أن الولايات المتحدة تحتاج لحلفائها في الخليج. هذا صحيح، ولكن على واشنطن ان تدرك ان هؤلاء الحلفاء يحتاجون إلى الولايات المتحدة أكثر من حاجتها إليهم. بالنسبة إلى الولايات المتحدة، تشكل خسارة قاعدة الأسطول الخامس في البحرين مشكلة لوجستية. أما بالنسبة إلى دول الخليج، فانسحاب ذلك الأسطول سيشكل نكسة أمنية وطنية استراتيجية، على اقل تقدير. وسيكون عندها من الصعب صيانة بطاريات “باتريوت” أو طائرات “أف-16″ و”أف-15″ من دون قطع غيار وذخائر ودعم تقني أمريكي. فتحّول هذه الأنظمة التي لها سجل في المعارك إلى أدوات مكلفة لا طائل منها وشراء بدائل روسية أو صينية سيتضمن تكاليف وثغرات دفاعية لا تستطيع المملكة العربية السعودية أو الإمارات العربية المتحدة تكبدها، خاصة في خضم الحروب بالوكالة والتوترات المتصاعدة التي تمر بها المنطقة.

يجب على الولايات المتحدة أن تعيد موازنة سياستها الخارجية في الشرق الأوسط من خلال تطبيق نظام قائم على الاستحقاق فيما يتعلق بعلاقاتها مع دول الخليج، بدءًا من المملكة العربية السعودية، فيما تشرع واشنطن في افتتاح مرحلة جديدة من العلاقات مع إيران من بوابة الاتفاق النووي. تمتلك الرياض وطهران مصالح شرعية ولكنهما توظفان سياسات مستهجنة وخطرة. لن يُسمح بالأسلحة النووية. كما لن يُسمح بتمويل إلحاق ملايين المسلمين بركب التطرف لاستخدامهم في حروب الإنابة. تملك الولايات المتحدة مقدارا كافيا من النفوذ، وقد حان الوقت لاستخدامه.المصدر”فكرة”

لمحة عن الكاتب:عمر النداوي، هو محلل في الشئون العراقية ومقيم في العاصمة الامريكية واشنطن. وهو محاضر زائر في التاريخ في معهد الخدمة الخارجية.
أضف تعليقك أو رأيك
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق