fbpx
مقالات

شعوب صنعت المستحيل والعراق لم يحقق القليل

بقلم :  عبدالوهاب جاسم الجرجري

الكثير من دول العالم مرت بظروف عصيبة في شتى النواحي من احتلال وتدهور اقتصادي وتدمير لبناها التحتية وخسائر مالية وبشرية كبيرة ولكنها استطاعت وفي اوقات قياسية ان تنهض من جديد وتنفض عن نفسها غبار الذل والهوان لترتقي سلم المجد والعز والاباء واصبح يحسب لها الف حساب في كافة الاصعدة والمجالات وخاصة السياسية والاقتصادية والتكنولوجية فضلا عن الرقي الحضاري والثقافي .

ومن هذه الدول المانيا التي انهكتها الحرب العالمية الثانية وخسرت ترسانتها العسكرية الكبيرة والمليارات من الاموال ودمرت بناها التحتية وفرضت عليها غرامات عسكرية كبيرة وخضعت لاحتلال اربع دول هي الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفيتي وبعدها قسمت الى دولتين هما جمهورية المانيا الديمقراطية الغربية في الجزء الخاضع لسيطرة امريكا وبريطانيا وفرنسا ؛ وجمهورية المانيا الاتحادية الشرقية في الجزء الخاضع لسيطرة الاتحاد السوفيتي ثم بني جدار برلين ليفصل بين الجمهوريتين الشرقية والغربية .

لكن المانيا استطاعت في وقت قياسي ان تنهض من جديد وتصبح من القوى الكبرى والمؤثرة عالميا بعد خمسة عشر عاما على انتهاء الحرب العالمية الثانية ففي سنة 1961م برزت المانيا كرابع اقتصاد على مستوى العالم وواحدة من اكبر الدول في صناعة السيارات والمكائن والآلات والمواد الكيمياوية ؛ وفي سنة 1989م تمكن الشعب الالماني من اسقاط جدار برلين وفي العام الذي تلاه توحد الجزئيين الشرقي والغربي من المانيا وتخلصت من كل اشكال التبعية والاستغلال الخارجي وهذا ما كان ليتم لولا رقي الشعب الالماني  وقدرته على تحويل المحنة الى منحة .

اما اليابان التي خرجت منكسرة من الحرب العالمية الثانية بعد ان تم قصفها من قبل الولايات المتحدة الامريكية بقنبلة نووية اسقطت على مدينة هيروشيماثماتبعتبقنبلةاخرىاسقطتعلىمدينةناغازاكي راح ضحيتهما مئات الالاف من القتلى والجرحى فضلا عن التدمير الشامل للمدينتين عندها اضطرت اليابان للاستسلام على الرغم من ان جيشها لم يهزم على الارض ووقعت على اتفاقية كانت مهينة بالنسبة لها فقد سرح الجيش الياباني بالكامل وفكك بيده كل الالة العسكرية التي بناها بيديه وعرق جبينه وخفض الانفاق العسكري الى 1% من مجمل الانفاق الحكومي واحتلال دام لسنوات عديدة .

ان هذه الهزيمة وهذا الاحتلال لم يثني اليابانيين عن التطور وبلوغ المجد والنهوض ببلدهم من خلال تطوير النظام التعليمي والاهتمام بالمعلم الذي برز دوره في تهيئة الاجيال وتنميتها لتأخذ على عاتقها نهضة البلد ورفعته ؛ كما واهتموا بالجانب الاقتصادي سيما الزراعة والصناعة اذ ان جزء ضئيل من البلاد غير صالح للزراعة وما بقي منها تفيض عن استيعاب البشر نتيجة الانفجار السكاني الكبير لذلك لجئوا الى زراعة كل ارض فضاء في المدن المهدمة جراء الحرب ليحصلوا على الغذاء ,اما الصناعة اليابانية فقد عرفت بجودتها العالية وصناعتها المتقنة حتى غزت جميع الاسواق العالمية الامر الذي جعل منها احدى الدول الصناعية الكبرى وركيزة ثالثة من ركائز الاقتصاد العالمي بعد اقل من عقدين على نهاية الحرب العالمية الثانية اي انها حولت هزيمتها العسكرية الى نهوض عظيم في كافة الاصعدة والمجالات سيما المجال العلمي والصناعي والتكنولوجي وكان للشعب الياباني دور وحضور مؤثر في النهضة التي شهدتها البلاد.

وهنا يحق لنا ان نسأل ونتسأل بما تختلف المانيا واليابان عن العراق ؟! فكلا البلدين خضعا لاحتلال في صورته وشكله ابشع من الاحتلال الامريكي للعراق وخسرا الملايين من القتلى والجرحى بسبب الحرب ودمرت مدنهم وبناهم التحتية وخسروا مليارات الدولارات فضلا عن الغرامات الحربية التي فرضت عليهم ومع ذلك كله نهضت بلادهم بسنوات قليلة وارتفعت الدولتان ( المانيا واليابان )الى مصاف الدول العظمى بإمكانيات قليلة اذا ما قورنت بإمكانيات العراق الذي يمتلكثروات معدنية هائلة( كالنفط والفوسفات والكبريت وغيرها )واراضي شاسعةصالحة لإنتاج مختلف المحاصيل الزراعية كونها قريبة من نهرين عظيمين هما دجلة والفرات فضلا عن الروافد الاخرى التي تجري داخل البلد وتغذي نهر دجلة كما ويمكن الاستفادة من الرافدين في توليد الطاقة الكهربائية بدلاً من استيرادها من الخارج وبالتالي زيادة ساعات تجهيز المواطن بالكهرباء وانهاء القطع المُمنهج ؛ويمتلك العراق موقع تجاري متميزيلعب دورا مهما في التجارة العربية والعالمية وغيرها من المزايا التي يتمتع بها العراق .

يضاف الى ما تقدمالميزانيات الانفجارية التي اقرتها وصرفتها الحكومات العراقية المتعاقبة على مدى ثلاث عشرة سنة بهدف اعمار البلاد وتوفير الخدمات وسبل العيش الكريم للمواطن الذي لم يرى منها شيئا سوى الفشل وسوء الادارة والفساد المالي والاداري وسرقة المال العام فضلا عن النكبات الامنية التي لحقت وتلحق بالبلاد .

يبدو من كل ما ذكرناه في هذا المقال ان المانيا واليابان وغيرهما من دول العالم حققوا المستحيلبإمكانيات قليلةوالعراق لم يحقق اقل القليل وامكانياته كثيرة!!

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى