fbpx
مقالات

تجربة النهضة البرازيلية … أنموذجااسترشادياً

بقلم الباحث: أحمد فؤاد حسن

حتى عام ١٩٩٩ كانت البرازيل على وشك الانهيار اقتصادياً، وتعاني من اضطرابات سياسية، على اثر هذا رفض صندوق النقد الدولي إقراضها (30) مليار دولار، خوفاً من عجزها عن تسديده، وبعد سنوات قليلة اصبح صندوق النقد الدولي مديناً للبرازيل بنحو (١٤) مليون دولار، وفي عام ٢٠١٢ أعلن وزير المالية (غويدومانتيغا) البرازيلي ان بلاده حققت نمواً للعام ٢٠١١ بنسبة (٢.٧٪) يفوق نسبة النمو في الاقتصاد البريطاني الذي لم يتجاوز نسبة (٠.٨٪) وبذلك أصبحت البرازيل بالمرتبة السادسة بين البلدان ذات الاقتصاد الأكثر تقدماً، ما سبق من مؤشرات تعكس وجود استراتيجيات اقتصادية وسياسية مرتبطة بهدف شامل، تسعى البرازيل لتحقيقها من خلال الاحتكام لبوصلة الاولويات التنموية.

وبالرغم من ان البرازيل عرفت شكلاً بعض الممارسات الديمقراطية قبل عام ١٩٤٠، الا أنها لم تدم طويلاً بفعل الانقلابات العسكرية، التي أدت الى دخول البرازيل حقبة مظلمة من الاستبداد الديكتاتوري، بصعود الجيش واستيلائه على السلطة منذ عام ١٩٦٤ الذي سار بمؤسسات الدولة باتجاه معاداة الليبراليّة، وحل جميع المؤسسات المنتجة، وحظر التعددية وتمكين البيروقراطية، لكن وبفعل جملة من العوامل المساهمة حدث تحول تدريجي ديمقراطي أفقد العسكريين شرعيتهم وتمثيلهم امام اغلب الشعب البرازيلي، اذ يعود الفضل في ذلك الى وجود معارضة حقيقية تمكنت من صناعة رأي عام مناهض للعسكريين وحكمهم ويتبين ذلك خلال المدة (١٩٧٤- ١٩٩٠) وما رافقها من حراك جماهيري قوي خصوصاً في أوساط الطبقة العمالية الذي حقق مكاسب عديدة أهمها اجراء تعديلات على الدستور، وتخفيف القيود المفروضة على تأسيس الأحزاب السياسية، واستمرار اجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وتوفير ضمانات لنزاهة الانتخابات ولا سيما انشاء المحاكم الانتخابية التي تختص بالنظر في سلامة الإجراءات والنتائج الانتخابيّة، اما في التسعينيات وبالتحديد عام ١٩٩٢ انتهى المخاض السياسي البرازيلي بولادة نظام جديد مدني، وعرفت البرازيل استقراراً سياسياً وتحول ديمقراطي ساعد على ترسيخ مبدأ التداول السلمي للسلطة، ومكن المعارضة السياسية اليسارية بالصعود الى الحكم بفوز ( لولا دا سيلفا) لتولي مقود الإصلاح الاقتصادي للبرازيل الطموحة.

من الملفت ان لولا دا سيلفا هو من قاد نهضة البرازيل الى مصاف الدول الأكثر نمواً وتطوراً، حتى وصفه الرئيس الامريكي باراك اوباماً بأنه ( أوسع رؤساء العالم شعبية على وجه الارض)، اذ لم يكن لولا تكنوقراط ولا يمتلك مؤهلات علمية، ولا يجيد لغات اجنبية، ولكنه أحب وطنه وأخلص في خدمة شعبه، استند بشكل أساسي على مرتكزات ثلاثة (الادارة، والحس الطبقي، ورؤية شاملة للعلاقات السياسية والدولية) وهذه المرتكزات هي من نقلت البرازيل لاحقاً من مجرد دولة تخضع للإملاءات الى دولة فاعلة اقليمياً ودولياً، ويتضح ذلك عبر دور البرازيل في مجموعة (BRICS) التي تتصدى لمشروع التفرد الامريكي، تبنى لولا الكثير من البرامج الإصلاحية واعطى الاولوية في عمَلُه لبرامج العدالة الاجتماعية، وشرع في تطبيق حزمة من البرامج الخاصة بالقضاء على الفقر والجوع منها برنامج ( صفر جوع) وبرنامج مساعدة الفلاح البرازيلي، ونجح في اشراك المجتمع المدني في تصميم هذه الاستراتيجيات وتطبيقها للقضاء على الفقر المدقع بشكل منهجي مدروس، حتى تمكن خلال خمس سنوات فقط من إنقاذ ٢٤ مليون شخص من الفقر، وأطلق الشعب عليه ألقاباً عدّة مثل “المخلص” و “نصير الفقراء والجياع”.

لولا اصبح العلامة المميزة في تاريخ البرازيل الحديث، حيث تمكن في عام ٢٠٠٣ وخلال عامه الرئاسي الاول ان يطمئن الشعب قائلاً (من اليوم الى نهاية ولايتي، لن يبقى هنالك جائع برازيلي)، انها استراتيجية أفصح عنها ونجح في تحقيقها، وبالفعل تراجعت في ولايته الاولى نسبة سوء التغذية لدى الأطفال في بلاده (٤٦٪) حتى ان برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة خَص الرئيس لولا في أيار ٢٠١٠، بلقب “البطل العالمي لمكافحة الجوع”، ولم يكتفي بذلك فقط بل قدم برنامج (pro Uni) دعماً لطلاب العائلات الفقيرة، وخلال الولايتين الرئاسيتين لـ لولا دا سيلفا خلق ١٤ مليون وظيفة، وارتفعت القيمة الحقيقية للحد الأدنى للأجور بنسبة (٥٣.٦(.

دولياً استطاعت البرازيل وبفضل هذا الرجل ورفاقه ان ينفتح على العالم الخارجي ليس في أمريكا الجنوبية فقط وإنما تعدى ذلك الى جميع الدول وخصوصاً الافريقية والأسيوية، وتمكنت البرازيل خلال فترة ترأسه ان تجد لها مساحة في جغرافية التجارة العالمية وان تزداد أهميتها الجيو سياسية على المستوى الدولي.

بشكل عام فان النموذج التنموي البرازيلي يعد من النماذج الرائدة في العالم والتي تستحق الدراسة والتحليل، فبالرغم من استمرار الحكم العسكري لأكثر من نصف قرن، إلا ان البرازيل استطاعت بناء نظام ديمقراطي ناجح اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، ويمزج بين سياسات يسارية لمصلحة الفقراء والطبقة المتوسطة، وسياسات ليبرالية تحمي مصالح الطبقة العليا، حتى نجحت خلال السنوات العشر الاولى من الالفية الثالثة في اخراج أكثر من 20 مليون مواطن من الفقر، والدفع بحوالي 30 مليون نسمة الى الطبقة المتوسطة، كما تعد هذه السياسات مفتاح النجاح الحقيقي للتجربة البرازيلية، وبقدر تعلق الامر بالعراق فأن محاكاة هذا النوع من التجارب التنموية ليس بالأمر العسير على بلد مثل العراق يمتلك من المقومات ما يؤهله لبناء نموذجه التنموي المستند الى تجارب الدول التي سبقته الى ذلك، ولعل الاسترشاد بالتجربة البرازيلية واختزال الفترات الزمنية لنجاحها وتطورها يمكن ان يلاقي اجواء مناسبة في عراق ما بعد ٢٠٠٣ اذا ما توفر عنصريْن لذلك وهما قيادات حقيقية و رؤية واضحةللإصلاح.

بالمحصلة النهائية وبشكل لا يقبل الشك أن موضوع التجربة النهضوية للبرازيل يعد خياراً مطروح للدراسة والبحث اذا ما اراد العراق أن يشرع بعملية النهضة مع ملاحظة ما ياتي:

  1. لا تختلف كثيراً التحولات والظروف التي مرّت بها البرازيل عن مسار الأحداث التي مر بها العراق منذ عام ١٩٢١، سوى ان حدّة التحولات في العراق كانت سريعة ومفاجئة، وهذا ما يجعل التجربة البرازيلية نموذجاً استرشادياً مناسباً للعراق اذا ما اراد تحقيق تجربة تنموية رائدة.
  2. تؤشر تجربة البرازيل ان الأزمات الاقتصادية التي كانت تعاني منها، لا يمكن معالجتها في ظل الظروف السياسية الغير مستقرة، ومصداق هذا نجده في العراق، فلا يمكن اللجوء للبناء الاقتصادي في ظل الارباك السياسي.
  3. بناء علاقات سياسية واقتصادية متوازنة مع المحيط الاقليمي والمجتمع الدولي قائمة على اساس النفع المشترك خيار لا يمكن التنازل عنه في عملية البناء التنموي.

للمزيد من تفاصيل حول الارقام الواردة في المنشور يمكن الرجوع الى

  1. صدفة محمد محمود، التجربة النهضوية للبرازيل دراسة في أبعاد النموذج التنموي ودلالاته، مركز انماء للبحوث والدراسات.
  2. رفيف رضا صيداوي، دروس في تجربة البرازيل، مجلة أفق، مؤسسة الفكر العربي، العدد الاول، 2013.
  3. بيانات صندوق النقد والبنك الدوليين.

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى