fbpx
مقالات

صراع الأحزاب الاسلامية في العراق وتركيا

كتب : همام السليم – كاتب وباحث سياسي عراقي

يمكن للمراقب للحياة السياسية في تركيا والعراق والتي تسيطر عليها الاحزاب الاسلامية (سنية وشيعية) أن يشخص خلافات حادةتعصف بالأحزاب السياسية الاسلامية في البلدين، ولا تنحصر هذه الخلافات بين الاحزاب المتنافسة وانما انتقلت إلى داخل الحزب الواحد ايضاً لتتجسد بانشقاقات حزبية .

ففي تركيا تصاعدت حدة الخلافات والتوتر بين قطبي حزب العدالة والتنمية (الإخواني): رجب طيب اردوغان رئيس الجمهورية، واحمد داود اوغلو رئيس الوزراء والامين العام للحزب، ورغم نفيهما للخلاف إلا أن الوقائع تشير إلى اختلافهما ووصولهما إلى نقطة اللاعودة سيما بعد ان سحبت صلاحية تعيين رؤساء فروع الحزب في الاقاليم من الامين العام للحزب (اوغلو) واعيدت إلى اللجنة المركزية للحزب المكونة من (51) عضوا اغلبهم يتبعون لإردوغان، وازدادت الخلافات بينهما لأسباب متعددة، منها ما حمله تقرير استخباري نشر على الانترنيت يحمل اسم (نقاط خيانة الامانة) احصى عشر نقاط خان فيها اوغلو اردوغان، ولعل ابرزها ان اوغلو لم يلتزم بشرطين وضعهما اردوغان لتسليمه زعامة حزب العدالة والتنمية وهما: إقرار نظام حكم رئاسي والامتناع عن التعاون مع الغرب الذي يريد الاطاحة باردوغان مستغلاً الملفين السوري والفلسطيني، ومن اسباب الخلاف اتهام اوغلو بقيامه بتحركات خفية تهدف إلى عزل اردوغان، فضلاً عن اتهامه بفتح قنوات اتصال مع جماعة فتح الله كولان المحضورة سياسياً.

وقد تصاعدت حدة الخلافات وبات من الصعب ردم الهوة بين القطبين سيما بعد ان انقسم الحزب إلى ثلاثة تيارات: (تيار اردوغان، وتيار الرئيس السابق عبدالله غل، وتيار اوغلو وهو الاضعف) وبسبب هذه الخلافات اعلن احمد داود اوغلو عن دعوته لعقد مؤتمر عام (استثنائي) للحزب يوم 22 ايار – مايو الحالين واعلن نيته تقديم استقالته خلال المؤتمر من الأمانة العامة للحزب وبالتالي من رئاسة الحكومة أي أن تركيا مقبلة على اجراء تغيير حكومي، وستخسر تركيا مهندس سياستها الخارجية الناجحة وسيما اتفاقه الاخير مع اوروبا حول اللاجئين والذي سيضمن للاتراك الدخول إلى اوروبا دون تأشيرة دخول، ستخسر تركيا خدمات اوغلو بسبب خلافات حادة داخل الحزب الاسلامي الحاكم (العدالة والتنمية) وايمان اردوغان بنظرية المؤامرة.

أما في العراقفقد زادت حدة الصراع الذي يجري بين الاحزاب السياسية الدينية (الشيعية والسنية)، سيما بعد أن تمكن السيد مقتدى الصدر من استغلال موجة الحراك الاجتماعي المدني والتظاهرات الاحتجاجية التي شهدتها مدن عراقية عديدة على مدى عام كامل والتي طالبت بالإصلاح وتحسين الخدمات (الكهرباء) ومحاربة الفساد واسترداد الاموال المهربة، ورفع خلالها المتظاهرين شعار (باسم الدين باكَونا الحرامية) ضد الاحزاب الدينية، ولكن السيد الصدر تمكن من دعم هذه التظاهرات وتعزيزها باتباع التيار الصدري واعاد توجيهها بالتركيز على الاصلاح والتغيير الحكومي، الأمر الذي اثار مخاوف الاحزاب الدينية (الشيعية) الاخرى التي سعت لعرقلة للإصلاح الذي دعا اليه الصدر، كي لا يحسب النجاح فيه مكسب انتخابي للصدر واتباعه، بعد ان استشعر الجميع قدرة الصدر على التأثير في الشارع وقيادته، ازاء ذلك استمرت الازمة بالتفاقم حتى دخل البلد مرحلة صراع حزبي ديني ( شيعي _ شيعي) وكل طرف من اطراف الصراع يدعو الى الاصلاح، ولكل طرف اسلحته (المتظاهرين، الفصائل المسلحة، الدعم الخارجي).

وقد جسدت الأحداث الاخيرة التي شهدتها الساحة السياسية العراقية من اعتصام برلمانيين واقتحام مجلس النواب من قبل المتظاهرين وتعطيل الاصلاح والتغيير الحكومي فضلاَ عن تعطيل السلطتين التشريعية والتنفيذية، اتساع الخلافات بين الاحزاب السياسية الاسلامية العراقية (السنية والشيعية) مع بعضها البعض فضلاً عن خلافات وانقسامات داخل الحزب الواحد .

فحزب الدعوة الاسلامية (الشيعي) انشق إلى فريقين احدهما مع النواب المعتصمين ضد الرئاسات الثلاث واخر مع فريق الرئاسات، وكذلك الحال بالنسبة للحزب الاسلامي العراقي (السني)؛ إذ شهد هو الاخر خلافات وانشقاقات بين صفوفه، كما ان هذه الخلافات قد احتدمت بين الاحزاب مع بعضها البعض إلى درجة اعلن فيها البعض عن نيته تشكيل تحالفات جديدة عابرة للقومية والطائفية والبحث عن بدائل لكل من حيدر العبادي (حزب الدعوة) وسليم الجبوري (الحزب الاسلامي).

وفي السياق كشف الاعلامي احمد ملا طلال في برنامجه (من الآخر) الذي يبث على الهواء مباشرةً عبر قناة دجلة الفضائية يوم 4 ايار/ مايو إلى ان مصادر تتحدث عن بحث التحالف الوطني (الشيعي) لبديل عن حيدر العبادي وان البحث يتم بالاتفاق بين النجف وطهران، بينما يُطبخ بديلاً لسليم الجبوري في عَمان، وكشف مع ضيفه عن حزب الدعوة عن لقاءً جمع بين السيد نوري المالكي الامين العام لحزب الدعوة والسيد همام حمودي النائب الأول لرئيس مجلس النواب عن كتلة المجلس الاعلى الاسلامي بزعامة عمار الحكيم، وفي اللقاء طلب حمودي من المالكي ان يقدم حزب الدعوة بديلاً عن العبادي إلا أن المالكي قال لا يوجد بديل وليس في النية تقديم بديل من حزب الدعوة فالمنصب جلب على الحزب ويلاً وثبوراً!! وان الحزب زهد بالمنصب، وطلب كمن همام حمودي ان يرشح المجلس الاعلى بديل من اعضاءه بيد أن حمودي رفض ذلك بالقول نحن غير مستعدين لحرقة احدى اوراقنا بتولي منصب في سنتي قحط وازمات مالية وامنية وسياسية، أي انه عبر عن زهد المجلس الاعلى بمنصب رئاسة الوزراء.

وفي البرنامج ذاته كشف عن اجتماعات جرت في عَمان الاردنية بين قيادات تحالف القوى العراقي(السني) للبحث عن بديل لسليم الجبوري، وان المصادر تتحدث عن نية التحالف سحب المنصب من الحزب الاسلامي وتوليه للمدنيين، وقد صرح ضيفه اياد السامرائي (رئيس الحزب الاسلامي) بان حزبه على استعداد لترك المنصب والزهد به !! ، فمنذ متى كانت الاحزاب الاسلامية العراقية (الشيعية والسنية) تزهد بالمناصب العليا وتتخلى عن امتيازاتها ؟

والجدير بالذكر بأن هذه الاحزاب قد شهدت سابقاً انشقاقات وخلافات وصراعات قوية انعكست على واقع الحياة السياسية في البلدين وعلى الواقع الأمني فيهما، ويمكننا القول ان اشتداد الاحتقان بين الاحزاب الاسلامية العراقية قد يقود إلى موجة عنف تربك الاوضاع الأمنية في ضل فوضى السلاح وتعدد الفصائل المسلحة ذات الولاءات الحزبية ،وهو ما قد يؤدي إلى اندلاع ثورة شعبية غير قابلة للضبط تُسفر عن تغيير جذري للنظام القائم وبالتالي بلوغ تجربة حكم الاحزاب الدينية نهايتها الحتمية فاستمرارها يقود العراق إلى حافة الهاوية.

والأمر ذاته ينطبق على تركيا مع اختلاف في شدة التردي الأمني ووقع الثورة المناوئة لحزب العدالة والتنمية، ولبرما يكون اردوغان بسعيه لشخصنة تركيا وحزب العدالة والتنمية به والامساك بزمام الأمور والتفرد بالسلطة يكون قد اسهم بصورة غير مباشرة في رسم نهاية او تراجع حزب العدالة والتنمية بعد ان يرحل اردوغان مصدر قوة الحزب؛ لأنه وبإقصائه للقيادات العليا والمتوسطة في الحزب وتقريب الضعفاء الموالين له سيجعل الحزب ضعيف بعده ومعرض للانشقاقات والهزيمة السياسية .

ختاماً يمكنا القول ان تجربة الاحزاب الاسلامية او الدينية في العراق وتركيا باتت على مفترق طرق وربما ستنتهي أما بثورة عارمة عراقياً، وانشقاقات وصدامات داخل الحزب تركياً .

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى