fbpx
تحليلات

أمريكا وديمقراطيات الشرق الأوسط والأدنى

America and Its Meddle East Grand Area Democracies
Dr Milad ELHARATHI
المشهد الأفغاني:
في سنة 2001 قررت أمريكا غزو أفغانستان، بسبب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، اعتقادا أن القاعدة هي التي كانت وراء تلك الهجمات، والي اليوم لم يثبت التاريخ من الذي قام وخطط لتلك الهجمات، وتحولت إلي كابوس علي دافعي الضرائب الأمريكيين، وأصبح العالم في حيرة، وكانت الحجة الأمريكية آنذاك أهمية نشر الديمقراطية في بلاد بوذا، ولم ينسي المشرع الأمريكي للديمقراطية، أن عائلة بوش حكمت أمريكا قرابة ستة عشر عاما، بطريقة وراثية منقطعة النظير، وقُدم التوريث الأمريكي لآل بوش للحكم بأنه مسارا ديمقراطيا، ورُفض في مقابل ذلك التوريث في العراق، وفي مصر، وفي مناطق أخري من العالم.
دخلت عربة الديمقراطية إلي بلاد بوذا ومزارع الأفيون، منذ سنة 2001، والي ألان ولا يزال العالم يعتقد أن الديمقراطية هناك قد أنتجت مجتمعا راقيا ومدنيا في تلك البلاد، فالقتال لم ينتهي هناك، وبرعاية الديمقراطية، والمُحصلة بدلا من استزراع الديمقراطية هناك، تم زرع القواعد العسكرية، والتواجد الأمني واللوجيستيكي، صحبة استزراع التخلف، ونشر ثقافة الكوافيرات، والأندية، والمقاهي، وانتهت تجربة الغزو إلي ما أبعد ما يتصوره العقل ، فقط الاقتراب من الحدود الصينية والروسية، ليس إلا، في نزهة دولية مسلحة غير مسبوقة في تاريخ الحروب.
وإذ بما يسمي بطالبان، ودُعاة الدمقرطة يجلسان معا علي طاولة المفاوضات والاتصالات، وتُعطي قطر، عراب الثورات، صفة الضيف الدبلوماسي لطالبان، وعلي أراضيها، وبقي الشعب الأفغاني يتجرع كؤوس الديمقراطية الوافدة، والمُغمسة بدمائه، وأساطيل الغزو والاحتلال.
المشهد العراقي:
في سنة 2003 ذهب الائتلاف الغير معزز من الأمم المتحدة إلي حواضر دجلة والفرات، في نزهة ديمقراطية، لمنع التوريث في تلك البلاد تحت حجج لم يثبتها التاريخ إلي ألان، بدء من القاعدة إلي النووي، فدمرت آليات الديمقراطية شعبا وحضارة، وحطمت أساطير الوئام المجتمعي والديني لعقود خلت. فتم الزحف علي دور الآثار وسرقتها، وسرقة أرشيف الدولة العراقية، ومن ثم الاستيلاء علي النفط العراقي وسرقته، وبدون رقابة دولية. لقد تصور “بريمر” “الفاتح الديمقراطي”، بأن تفكيكه للدولة العراقية سوف ينتج عنه سحر الديمقراطية السريع، لكن غاياته كانت أبعد من ذلك، فغاياته كانت مبنية علي نشر الفوضى، وترسيخ نظرية التعطيل العراقي بين أطيافه، واستزراع التخلف في خاصرة العرب بغداد.
كان ذلك سنة 2003، واليوم يدخل العام 2015 علي ديمقراطيات الغزو، وعولمة الانتصارات العسكرية، وماذا العقل يستطيع أن يستنج من شيطنة المجتمعات الآمنة والمستقرة؟ فباسم نشر الديمقراطية، ذلك المصطلح المؤله، والذي لا يحتاج إلا إلي محراب لعبادته، ومن خلال نزهات عسكرية، سقطت الديمقراطية الوافدة عسكريا إلي العراق، وعلي جثث الملايين من العراقيين، والمشردين، واللاجئين، وهل تحولت الديمقراطية إلي إله لكي تسقط تلك الأنفس، أم أن المشروعية والشرعية لها تفسيرات غيبية لم يفهمها البشر بعد؟
ديمقراطيات تؤدي إلي شيطنة المجتمعات، واستزراع التخلف، واستزراع لغات الانتقام، والحقد والكراهية، والفتن، منها ما ظهر، ومنها ما بطن، ولقد صورت ديمقراطيات الغزو والاحتلال أن الخطر كان إيران، وإذ بالطرفين ، المُورد للديمقراطية، والعدو الوهمي، يجلسان علي طاولة واحدة، يتبادلان التهاني بمناسبة نجاح مشاريعهم. ليس ذلك فقط ولكن لا تزال المسيرة طويلة حتى يتم إيصال خيرات ذلك العدو الوهمي إلي الضفة الغربية، ومنها إلي أرض الميعاد، عن طريق كركوك- الأردن- الضفة الغربية.
المشهد المصري :
رفض العم سام فكرة التوريث في مصر، ورفض فكرة القائد والزعيم المنقذ، في تسويقية مُفلسة منقطعة النظير، وإذ بالسحر ينقلب علي الساحر، فصنع الساحر لهبة النيل وصفة الربيع، والتي سكنتهُ بالدين، وباسم الديمقراطية يستمر قفل المعابر الفلسطينية مع إسرائيل، والدفع بفتح المعابر المصرية مع غزة إلي ما نهاية، حتى يتم التوسع الديمغرافي لفلسطيني غزة باتجاه سيناء، وجعلها موطنا دائما لهم، لإغلاق التوجه الفلسطيني شمالا. أذا الثورة المصرية لشهر يناير استبيح في تأجيجها استعمال كل الوسائل من الخديعة، والتخابر، والتضحية بالأرض، والإعلام المؤجر، والتمويل، و إلي افتعال التقاتل والانتقام، والي نشر الفوضى، وتمريرمصطلحات العسكرة، والنظام العسكري، والي المواجهات الدينية بين المسيحيين والمسلمين. ولا تزال هبة النيل تدفع ثمن ربيعها المزور، وإلا لماذا الطريق إلي 30 يونيو 2013.
30 يونيو لسنة 2013، الطريق إلي إعادة صياغة التاريخ المصري من التزوير، وإعادة الحصان إلي مقدمة العربة. ففي ذلك التاريخ المشهود صام المسلم والمسيحي يوما كاملا، وفطر معا، بعد ما رفعوا أذان صلواتهم معا، في مشهديه أغاضت كل من حلم بإعادة عقارب الساعة إلي الخلف. تلك هي معجزة مصر، وليست كل المصريين، بأن جمع القضاء والقدر كل من المسلم والمسيحي، وشباب الثورة، والقضاء في إيقونة واحدة لتعلن رفض الإملاء والخارج برمته، وأن القرار هو قرار مصري النزعة والتوجه. فصحح الشعب المصري في لحظة قدرية هويته، وفكك ألغاز الديمقراطية الوافدة، من خلال إحباطه لكل ديمقراطيات الشرق الأوسط والأدنى معا.
المشهد المصري الأخير، يبدوا أنه وقد أثر علي المعاجم والقواميس لاستخراج مفردة تصفه، فعجز العالم بأن يصفه بالانقلاب، أو التحول العسكري، أو بالشرعية الغير مألوفة، وأصبح علم السياسة أيضا منشغلا بهذه الظاهرة، في محاولة لمنحها مصطلحا يفيء بحاجة الحدث والعنوان.
المشهد التونسي:
التوافد الديمقراطي الوافد إلي تونس كان بسبب حرق شاب لنفسه، بسبب عدم حصوله علي فرصة عمل، فتحول الحدث إلي ما يسمي بثورة الياسمين، أو الربيع، كما روج لها أوباما، ففكر سركوزي- فرنسا، عندما استدرك أن الرئيس السابق يشتغل سياسة معه، وانه ليس هناك من مجال للانفكاك من أزمته المالية إلا بإشعال الإطراف بثورات، وفوضي، فكان لها النصير الأمريكي المتمقرط عسكريا ولوجستيكيا. دفعت فرنسا بخمسة ألآلاف شاب تونسي مهجري، وعواطل عن العمل إلي تونس لإشعال الفتيل التونسي، كأول شرر ينطلق في الإقليم. و في ظل هذا الارتباك وآلة الإعلام المُبرمج، والمؤجر، تم التأجيج المدفوع ثمنه مقدما، وتشكلت صورة الربيع العربي.
إذا الدفع بالديمقراطية إلي الإقليم كان مقصده التخلص من مشاكل الداخل الأوروبي والأمريكي، وترحيلها إلي الإطراف القابلة للتفاعل معها نيابة عن الأخر، وقيادتها بالوكالة، تلك هي ثقافة المجتمعات الغير مستنيرة، تونس دائما دولة مقترضه، وتعيش علي الإعانات والمساعدات، فهل أضاف التغيير فيها شيئا، وشكل لها قيمة مضافة إلي قدراتها، بعد مرور خمس سنوات من حرق ذلك الشاب لثيابه، ومحاولة الانتحار، بسبب عدم حصوله علي عمل، أي شريعة، وفي أي ملة وضعية تُشجع علي الانتحار، حتى يُكتب للمنتحر النصر والشهادة ؟
المشهد السوري:
منذ ثلاثة سنوات والمشهد السوري يتخذ من المد والكر والفر سياسات يومية ، فلا منتصر أو مغلوب، في محاولة لإدخال الوضع السوري في أتون ثورات الربيع العربي بكل الطرق والوسائل، ومن أجل تطبيع المشهد السوري بحجج الديمقراطية وحقوق الإنسان. ويتمتع المشهد السوري بتعقد وتعدد اللاعبين فيه داخليا وخارجيا، وحولته من المطلب الديمقراطي إلي المطلب القتالي، والانفصالي.
وكونت المشهد الداخلي السوري المعارض من هيئة الثورة السورية والجيش الحر، والمجلس العسكري السوري، وجماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويشكل الأجانب القوة الأكبر في القتال داخل المناطق السورية ومنهم كتيبة الفاروق، أنصار الشريعة، وجبهة النصرة وكتيبة أبناء الله لواء وأنصار الحق وكتيبة ورجال الله، ولواء أنصار الحق، وكتائب أهل الأثر والصوفية الجهادية والسلفية الوهابية، وداعش، الجيش العربي السوري، وقوات حماس الفلسطينية والاستخبارات التركية والأردنية والقطرية والسعودية، والتواجد الإيراني الداعم للجبهة السورية، إضافة إلي محاولات الجناح اللبناني المعارض لسوريا ودعمه للمقاتلين عبر الأراضي اللبنانية، وبذا تشكل الوعي الديمقراطي الأمريكي وأهميته !
إذا المشهد السوري يتصف بتعددية اللاعبين فيه والمشاركين في تغذيته سوي من الداخل أو الخارج، وباسم الديمقراطية، وتحت مظلة النظام الدولي، والأمم المتحدة، والديمقراطية الأمريكية، وبالتالي فأن المشهد السوري هو مشهد سوري قتالي انتحاري، انفصالي. وتحولت إستراتيجية الربيع إلي جنيف رقم 1، وجنيف رقم 2، والسلاح الكيميائي.
المشهد الأوكراني :
أوكرانيا هي الأخرى تقع في أقصي الشرق الأدنى الكبير، وهي في مرمي نيران الديمقراطية الأمريكية. لقد دفعت أمريكا في الملف الأوكراني قرابة الخمسة مليار دولار، لإشعال نيران الديمقراطية والفتنه، وفي حدود روسيا الشريك الدولي لها، ومن هنا يبدأ فصل جديد للعلاقات الدولية بين الأقطاب، فكيف يرفض القطب الروسي التدخل الأمريكي في الملف السوري، ويقبله في الملف الأوكراني؟
لقد دعمت أمريكا وبقوة المال، جماعات النازية الجديدة، وبدعم من فرق إسرائيلية مدربة، دفعت بها إلي أوكرانيا، والانقضاض علي الرئيس المنتخب ديمقراطيا. إذا المشهد الأوكراني تختلط فيه لعبة الكبار، والصغار، فهو من جانب محاولة غربية لتصدير الربيع العربي بنسخته الأوكرانية، ومن جهة أخري رسالة إلي الروس أن مواقفهم في سوريا ينبغي أن لها تكون ثمن. كل ذلك يتم التعامل معه من خلال بوابة الديمقراطية المزعومة.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق