fbpx
مقالات

الدين والسياسة شتيتان مختلفان لا يتقابلان

بقلم : م.م. محمد غسان الشبوط

قبل قرون من الآن، وأثناء الثورة الفرنسية وبعدها، شهدت أوروبا جدلا فكرياً ودينياً استمر لعقود حول علاقة الدين بالسياسة والسياسة بالدين، وفي ظل معطيات تاريخية لواقع الكنيسة ودور رجال الدين النصراني في حياة الناس نشأت العلمانية كنظرية فكرية تحسم العلاقة بين الدين والسياسة، لتنص على أن السياسة ميدان لا يتدخل فيه الدين، وعلى أن الدين تعبير خاص عن علاقة مع عالم الغيب لا صلة له بالسياسة.

وهنا تعتبر الدولة العلمانية محايدة لا تلتزم بالدين ولا تحاربه ولا تنكره، بل تترك أمره للمواطنين يختارون ما يشاؤون من عقائد، ويلتزمون بما يريدون من قِيَم، ويمارسون ما يروق لهم من عبادات، وهذه هي صورة  العلمانية التي حرصت على أن تكون براقة كأشد ما يريد المدافعون عنها أن تكون، تنطوي على افتراضات.

والعلاقة بين الدين والسياسة هي قضية إشكالية جدلية، دارت حول تحديد طبيعتها، ورسم دوائر الاتصال وحدود التمييز والانفصال بينهما، سجالات فكرية ساخنة، بين جمهور الإسلاميين وخصومهم الفكريين، فالمستقر في تصورات الإسلاميين على اعتبار السياسة جزءا من الدين، وأن الإسلام دين ودولة، بينما تقوم مقولة العلمانية المركزية على ضرورة الفصل بين الدين والسياسة، وهنا يعد الدين هو عقيدة ثابته اما السياسة فهو عمل مدني متغير.

الدولة التي تكون علمانية (بغض النظر عن التعريف اللغوي لها)  عندما تفصل الافكار الدينية عن القرارات و القوانين المدنية و السياسية و النشاطات الحكومية  أي أن أي قرار يصدر عن الحكومة سواءً كان سياسيا يخص علاقة الدولة بأخرى أو مدنياً يتعلق بعلاقة الناس ببعضهم  يجب أن لا يتم اشتقاقه بناءً على تفسيرات لنصوص مقدسة.

اما الدولة تكون دينية عندما تعتمد في قراراتها و نشاطاتها السياسية على الموافقة الدينية أي أن أي قرار يصدر عن الحكومة يجب أن يتفق مع مرجعية دينية متفق عليها التي غالبا ما تكون عبارة عن مزيج من النصوص المقدسة و التفسيرات الشخصية المصاحبة له ،وهناك فرق ما بين الديموقراطية و العلمانية ، و هذا الفرق يتمثل في أن العلمانية هي حركة فكرية في حين أن الديموقراطية هي في الاساس آلية متفق عليها  لتبادل السلطة (بأشكالها الثلاث: تشريعية و قضائية و تنفيذية) بشكل عادل.

وهنا رأينا الفرق ما بين الدولة العلمانية و الدينية في أن الاولى تنادي الى الفصل ما بين الدين و الدولة في حين تجعل الثانية مرجعية الحكم منوطاً بمدى مطابقة نصوص دينية مقدسة و تفسيراتها. و قلنا إن السبب وراء الحل العلماني هو احتواء و إخماد التنازع ما بين أصحاب الديانات أو المذاهب المختلفة في الدولة الواحدة حتى لا يظلموا بعضهم بسبب اختلاف المرجعيات ، فيكون تحويل المرجعية بينهم نحو مرجعية مادية  تقوم على المصلحة بدلا من المرجعيات الدينية المتناحرة هو الحل الامثل في نظر العلمانية.
اما الشريعة الاسلامية كما هي الان لا تصلح بتاتا كما لا تتوافق لا من قريب و لا من بعيد مع وجهة نظر الحل العلماني ببساطة لأنها (أي الشريعة الاسلامية الحالية) تؤسس الى دولة دينية يتم فيها فرض تفسيرات شخصية لنصوص مقدسة كثيرة و متناقضة تعود في جملتها الى العصور الوسطى مما يوقع الحرج بالناس الذي يهابون و يخضعون لها بسبب قدسيتها بدلا من المحاولة من تغييرها أو تعديلها.
القرءان لا يدعو الى إقامة دولة دينية على الاطلاق. الحل القرآني هو ليس الفصل بين الدين و الدولة و لكن الفصل بين المجموعات المتدينة بأن تحصل كل منها على حكم شبه ذاتي تحكم فيه بقوانين مستمدة من نصوصها ، على أن يسود العدل و التكافؤ ما بين هؤلاء “الناس” جميعاً بغض النظر عن الحزب الحاكم.  يبقى الدين موجودا في دولة يحكمها القرءان بان يتم زرع  الإيمان بالله و اليوم الآخر و الاستعداد له بالعمل الصالح في نفوس الناس على مختلفهم لأن القرءان يعوّل في تشريعاته على وجود هذه المشاعر في النفوس.

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى